تسجيل الدخول

المحاضرة 7 - الفقه - المستوى الثالث - د.منصور بن عبد الرحمن الغامدي - مبطلات الصيام - أكاديمية زاد

منصور بن عبد الرحمن الغامديد. منصور بن عبد الرحمن الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، ولي المؤمنين، والصلاة والسلام على نبيه محمد الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن يهدينا سبل الرشاد، وأن ينفعنا بما علمنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

إخواني وأخواتي، هذا هو الدرس السابع من سلسلة دروس الفقه في الفصل الدراسي الثالث في أكاديمية زاد. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الأكاديمية، وأن يبارك في العلوم التي تنشر فيها، وأن يبارك في معلميها ومتعلميها، وأن يبارك في كل من ساهم في نشر علومها.

إخواني وأخواتي، كنا قد بدأنا هذا الفصل الدراسي الثالث وتحدثنا في ستة دروس عن تعريف الصيام وحقيقته وحكمه وفضله، ثم تحدثنا عن شروط وجوبه وبينا الأنواع المختلفة لشروط وجوبه، ثم تحدثنا بعد ذلك عن بعض الأعذار المبيحة للفطر وقسمناها إلى مجموعتين. هذا ملخص لما سبق، ونريد اليوم أن نستفتح حديثنا إن شاء الله تعالى عن مفطرات الصيام ومبطلاته.

إلا أننا قبل أن نستفتح هذا الحديث سنعرج على بعض المسائل المتعلقة بالأعذار المبيحة للفطر. فمن هذه المسائل أننا قد نبهنا في عذر السفر أن السفر عذر مطلقاً، سواء كان بوسائل النقل المريحة أو كان بوسائل متعبة من الوسائل القديمة. بخلاف المرض، فإن المرض لا يعذر الإنسان فيه بالفطر إلا إذا كان مرضاً شديداً يشق فيه الصوم مع هذا المرض، وأما الأمراض الخفيفة أو الصداع الخفيف أو التعب الخفيف فهذا لا يسمى مرضاً ولا يعتبر عذراً. بخلاف السفر، فإن السفر وإن كان مريحاً فإنه يعد عذراً من أعذار الفطر، إذاً هناك فرق بين عذر المرض وعذر السفر.

كذلك من المسائل التي نود التنبيه إليها أن بعض أهل العلم قال إن المسافر إذا قدم إلى بلده وكان من قبل مفطراً في بداية اليوم، ثم إذا وصل إلى بلده، قال بعض أهل العلم إنه تنقطع رخصته ويجب أنه يمسك بقية اليوم. وإن كان هو استفتح اليوم مفطراً، لماذا قالوا بإمساك بقية اليوم؟ مع أنه لا يعد صياماً شرعياً إلا إذا كان من الفجر إلى الغروب. مثلاً نضرب مثالاً لهذه المسألة: لو أن إنساناً كان مسافراً، أفطر بعد الفجر، الضحى أو الظهر تغدى، ثم العصر وصل إلى بلده، فبعض أهل العلم يقول إنه يمسك بقية اليوم؛ يقول لأنه خلاص انقطعت رخصة الفطر في حقه فينبغي له أنه يمسك، ولو لم نحسب هذا الباقي صياماً. وهذا رأي بعض أهل العلم، والصحيح والله تعالى أعلم أنه ما دام مفطراً في أول اليوم فإنه لا يجب عليه أن يمسك آخر اليوم؛ لأن هذا لا يعد صياماً شرعياً.

إلا أننا ننبه هنا تنبيهاً، وهو: نعم نحن نبيح له أن يأكل في آخر النهار إذا قدم مسافراً وكان قد أفطر في أول اليوم، يبيح له أن يأكل في آخر النهار، ولكن ننبه تنبيهاً وهو ألا يأكل أمام الصائمين، ولا يجهر بالفطر في نهار رمضان فيظن به ظن السوء. يراها إنسان فيقول: ما بال هذا الشخص يأكل في نهار رمضان؟ لكن إذا كان الإنسان يأكل أمام شخص أو أمام عائلته الذين يعلمون أنه كان مسافراً وأنه قد أفطر وأنه شخص محترم للصوم، فلا بأس إن شاء الله تعالى أن يأكل أمامهم، لكن لا يأكل أمام الناس أو في الشارع؛ لأن هذا الأمر الأول فيه ظن سوء به، والأمر الثاني فيه انتهاك لحرمة الشهر أمام الناس.

فيه انتهاك لحرمة الشرع، والناس في بلاد المسلمين ينبغي أن يكون لرمضان حرمة. ماذا نعني باحترام الشهر الكريم في بلاد الإسلام؟ لا ينبغي للمطاعم مثلاً أنها تفتح في نهار رمضان، ولا يجوز المجاهرة بالفطر في نهار رمضان. لو قال قائل: هذا المطعم قد يأكل منه شخص مريض؟ نقول: نعم، لا مانع أن يأكل المريض الذي له عذر الفطر، ولكن لا ينبغي له أن يأكل أمام الناس ويكون المطعم مفتوحاً أمام الناس. لا، لذلك ينبغي أن يكون لشهر رمضان الكريم حرمة، فالمطاعم فيه تغلق نهاراً بحيث يُعرف أنه هذا الشهر الكريم ويُحترم.

من كان له عذر فإنه يجوز له الفطر، ولكن لا يجهر بفطره أمام الناس احتراماً لحرمة هذا الشهر في بلاد الإسلام. المجتمع الإسلامي يتميز نهار رمضان عن غيره من الشهور، وهذا إن شاء الله تعالى هو قول وسط بين أن يقال إنه يجب عليه أن يمسك ولو كان سراً، أو أنه يجوز له أن يأكل جهاراً. كون الإنسان يأكل سراً إذا كان له عذر، أو قد استفتح نهاره مفطراً لعذر، لا يجوز له أن يأكل إن شاء الله تعالى بقية نهاره ولو انقطع هذا العذر، لقول عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه: "من أفطر أول النهار فليفطر آخره". إذاً هذه بعض التنبيهات التي أحببنا أن ننبه إليها قبل أن ندخل إلى موضوع مبطلات ومفطرات الصيام.

نريد أن ندخل الآن إلى موضوع مفطرات الصيام. الصيام كما ذكرناه هو التعبد لله سبحانه وتعالى بترك الأكل والشرب والجماع، هذا الأساس، وغيرها من المفطرات تبعاً. هذه المفطرات سنعرج لها إن شاء الله تعالى، إلا أن أصل المفطرات التي اتفق عليها أهل العلم والتي نص عليها القرآن الكريم ثلاث مفطرات أساسية. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم في الآية الكريمة التي استفتحت: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ ۚ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ ۗ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ ۖ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ۚ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ۖ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: 187].

إذاً أباح الله سبحانه وتعالى لعباده مباشرة نسائهم والأكل والشرب حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر. ما هو الخيط الأبيض والخيط الأسود المرادان في هذه الآية؟ هذه من الطرائف، أن عدي بن حاتم الصحابي الجليل رضي الله تعالى عنه، بعد أن نزلت هذه الآية جعل في وساده عقالين: عقالاً أبيض وعقالاً أسود، فكان يأكل رضي الله تعالى عنه، وكلما استيقظ من الليل يأكل وينظر هذا الوساد، فإذا لم يميز الخيطين أو العقالين بقي يأكل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن وسادك إذ لعريض! إنما هو سواد الليل وبياض النهار».

إذاً المراد بالخيط الأبيض والخيط الأسود في هذه الآية هو سواد الليل وبياض النهار. فإذا جاء الخط الأبيض المعترض في الأفق الذي هو بياض النهار، انفجار الصبح، هذا يعد بداية لوقت صلاة الفجر ويعد بداية لصيام اليوم. هذا المراد، فتباح المفطرات طول الليل إلى حين انفجار الصبح، فحينئذ يمسك الإنسان عن هذه المفطرات. هذه المفطرات التي أجمع عليها أهل العلم والتي وردت منصوصة في كتاب الله سبحانه وتعالى، وسوف نتطرق إن شاء الله تعالى لتفصيلها بعد هذا الفاصل القصير.

نعود إليكم بعد هذا الفاصل، ونتابع حديثنا معكم عن مفطرات الصيام. وذكرنا المفطرات المنصوصة المجمع عليها عند أهل العلم هي: الأكل والشرب والجماع، وقد جاءت في آية الصيام: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ... فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ۚ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: 187]. ما وجه الدلالة في هذه الآية؟ وكيف استنبطناها من هذه الآية؟ أن الله سبحانه وتعالى أباح وأمر بالجماع والأكل والشرب حتى يتبين الخيط الأبيض. "حتى" هذه انتهاء الغاية، يعني أنها مباحة إلى حين تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر.

ما المراد بتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود والفجر؟ هو بداية الصيام. يبدأ الصيام من تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، ثم أتموا الصيام إلى الليل. ما هو الليل؟ هو غروب الشمس، هذا بداية الليل، أول الليل هو غروب الشمس. إذاً هذه فترة الصيام. هذه الآية دلتنا على مدة الصيام أو وقت الصيام، أنه من حين طلوع الفجر إلى حين الليل الذي هو غروب الشمس؛ أول الليل هو غروب الشمس. ودلتنا على أنه يباح ليلاً مباشرة النساء والأكل والشرب.

مما يجدر ذكره أنه في أول الإسلام، بداية تشريع الصيام كما ذكر الله سبحانه وتعالى في هذه الآية الشريفة الكريمة، في بداية تشريع الصيام كانت هذه المفطرات ممنوعة نهاراً وليلاً. فيباح للإنسان إذا غربت الشمس أن يفطر وأن يأكل وأن يأتي أهله إن أراد، فإذا نام لم يبح له شيء من ذلك حتى تغرب الشمس في اليوم الذي يليه. إذاً كانت رخصة للإنسان أن يفطر وأن يباشر هذه المفطرات بعد غروب الشمس إلى حين نومه، لكن الله سبحانه وتعالى خفف عن عباده وأباحها لهم ليلاً إلى حين طلوع الفجر. لذلك الله سبحانه وتعالى قال: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ ۚ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ ۗ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ﴾ [البقرة: 187].

وهذا في الحقيقة من أدب القرآن الكريم في الكناية عن إتيان الرجل أهله. الله سبحانه وتعالى قال: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾. بالمناسبة لعلنا نستعرض شيئاً من أدب القرآن الكريم في الكناية عن لفظ الجماع. الله سبحانه وتعالى قال: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾. قال: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾. وكذلك في الآية الكريمة قال الله سبحانه وتعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: 43]. هذه كلها من أدب القرآن الكريم في الكناية عن لفظ الجماع. ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ﴾، هذا فيه نسخ لمنع المباشرة ليلاً. ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ۚ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾. أولاً من قبل كانت ممنوعة المباشرة والأكل والشرب حتى تناموا، فإذا نمتم انقطع هذا، وبدأ الصيام إلى غروب شمس اليوم الذي يليه، لكن خفف الله سبحانه وتعالى على عباده قال: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ۚ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾.

أول هذه المفطرات التي نرغب الحديث عنها: الأكل والشرب. الأكل والشرب كما سبق أن ذكرنا منصوص في القرآن الكريم وهو بإجماع أهل العلم. ما هو الأكل والشرب؟ هو معروف: إدخال الطعام أو الشراب من خلال الفم وإيصاله إلى الجوف. الأكل والشرب فيه عدد من المسائل التي نرغب الحديث عنها.

أول شيء: أن المفطر هو الأكل والشرب عمداً، وأما الأكل والشرب نسياناً فإن الله سبحانه وتعالى قد عفا عنه، وقد جاء في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أكل أو شرب ناسياً فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه». أحياناً قد يأكل الإنسان أو يشرب ناسياً، خصوصاً في أول يوم من شهر رمضان الكريم، باقي الناس ما اعتادوا على الصيام، فيأكل أو يشرب ربما إذا استيقظ أو جاع دون شعور، فهذا عفا عنه النبي الكريم صلى الله عليه وسلم وقال: «فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه».

المسألة الثانية: يلحق بالأكل والشرب عدد من الأمور. فمن هذه الأمور الإبرة المغذية للجلوكوز الذي يحقن في الدم من خلال الوريد. الإبر المغذية المعروفة، هذه تعتبر غذاء للجسم من خلال الوريد، وأحياناً الإنسان قد يغمى عليه مثلاً شهر أو شهرين أو ثلاثة، عافانا الله وإياكم جميعاً، فإذا أغمي عليه هذه الفترة يسير يدخل له طعامه من خلال الوريد. إذاً نلاحظ أن هذه الإبر المغذية تعوض عن الأكل والشرب تماماً، تعوض عن الأكل والشرب وتعتبر غذاء للجسم وتقوم مقام الطعام والشراب، لذلك الصحيح والله تعالى أنها تعتبر.

أنها تعتبر مفطراً وهذا رأي جمهور أهل العلم. وهذا رأي جمهور أهل العلم إن شاء الله تعالى، والخلاف في ذلك خلاف لا يضر. لماذا فطرنا بهذه الإبر المغذية؟ لأنها تقوم مقام الطعام والشراب وإن لم تكن أكلاً أو شرباً. إذاً هي ليست قياساً على الأكل والشرب وإنما هي لأنها تقوم مقامه.

هنا عدد من المسائل التي حصل فيها خلاف بين أهل العلم هل هي من المفطرات في الصيام أو ليست من المفطرات في الصيام. فمن هذه المسائل مثلاً الإبر غير المغذية؛ مثلاً إبر الأنسولين لمرضى السكر، هذه إبر مثلاً تكون في العضل أو بعض الإبر المضادات الحيوية التي تكون مثلاً في الوريد. أو مثلاً التحاميل، مثلاً التحاميل خافض الحرارة التي تدخل من الدبر، أو مثلاً بعض القطرات التي توضع في العين أو في الأذن. وكذلك بخاخ الربو الذي يستنشقه ليصل إلى صدره؛ بخاخ الربو مشتمل على بعض الأشياء الغازية مثلاً مثل الفنتولين أو غيره فتصل إلى الرئتين أو إلى الصدر.

اختلف أهل العلم في مثل هذه الأشياء والأدوية التي تصل إلى الجسم. لاحظوا أن هذه الأشياء كلها تصل إلى الجسم من خلال منافذ غير معتادة. تدخل إلى الجسم من خلال المنافذ غير المعتادة، إما من خلال العين أو من خلال الصدر؛ نعم الفنتولين يدخل من خلال الفم ولكنه يصل إلى الصدر ولا يصل إلى المعدة، أو مثلاً من خلال الإبر التي توضع في العضل، أو من خلال التحاميل التي تدخل من خلال الدبر. فهذه حصل فيها الخلاف لأنها ليست أكلاً وشرباً، لكن هل تلحق بالأكل والشرب بحكم انتفاع الجسم منها؟

فبعض أهل العلم قال إنها تلحق بالأكل والشرب لأجل انتفاع الجسم منها؛ فمثلاً هذه التحاميل التي تدخل من الدبر، هذه التحاميل تمتصها الأمعاء الدقيقة وفيها بعض المواد التي تخفض الحرارة، كأن من أخذ هذه التحميلة كأنه أخذ وأكل حبوب البنادول أو شرب شراب الباراسيتامول مثلاً خافض الحرارة، هي تقوم بنفس وتؤدي نفس الغرض. فقال بعض أهل العلم إنه ما دام أنها تمتص من خلال الجسم فإنها تعتبر بمثابة الغذاء والشراب.

وقال بعض أهل العلم لا؛ بما أن وإن كان امتصها الجسم إلا أن هذا الامتصاص يكون امتصاصاً يسيراً ولا تقوم مقام الأكل والشرب، يعني لا يقوم عليها البدن بخلاف الإبر المغذية التي تقوم مقام الأكل والشرب. فهذه يقولون إنها نعم استفاد منها الجسم لكنها لا تقوم مقام الأكل والشرب، فلذلك قالوا إنها لا تفطر. وسوف نعرض إن شاء الله تعالى للحديث عن هذه المسألة بشيء من التفصيل ولكن بعد هذا الفاصل القصير.

ربما تحب أحد الأبناء أو البنات أكثر من إخوتهم، إما لبره أو أدبها أو غير ذلك. ولكن هل يجوز أن تفضل من تحب في العطية وتخصه بالهدايا دون الآخرين؟ لنستمع إلى هذه القصة التي جرت لصحابي جليل؛ النعمان بن بشير رضي الله عنه يقول: سألت أمي أبي بعض الموهبة لي من ماله فوهبها لي، فقالت: لا أرضى حتى تشهد النبي صلى الله عليه وسلم. فأخذ بيدي وأنا غلام، فأتى بي النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: «يا بشير ألك ولد سوى هذا؟» قال: نعم. فقال: «أكلهم وهبت لهم مثل هذا؟» قال: لا. قال: «فلا تشهدني إذاً، فإني لا أشهد على جور».

ففي هذا الحديث تحذير من تفضيل أحد الأبناء على إخوته، وأنه من الجور والظلم، ولم يفرق بين الذكر والأنثى، وذلك لما يؤدي إليه من الكراهية والنفور بينهم. ولا حرج في الميل القلبي لأحد الأولاد دون غيره؛ لأن ذلك أمر ليس في مقدور العبد، وإنما الذي يحرم أن يفضل المحبوب على غيره بالعطايا دون سبب شرعي. فإن حصل مثل هذا التفضيل وجب رد عطية أو إعطاء الآخرين مثل أخيهم. ويجوز التفضيل بين الأولاد إذا كانت هناك أسباب وجيهة تدعو إلى ذلك، كأن يخص أحد أولاده لمرض أصابه أو فقر وحاجة ألمت به أو لاشتغاله بطلب العلم ونحوه من الفضائل. وللوالد أن يمنع العطية عمن يستعين بها على معصية الله تعالى، ويعطيها لمن يستحقها. قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: 2].

نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا عن المفطر الأول ألا وهو الأكل والشرب عمداً. قلنا إنه يلحق بالأكل والشرب ما يقوم مقامه ويغني عنه مثل الإبر المغذية. هذه إن شاء الله تعالى لا إشكال في التفطير بها، تعتبر من المفطرات لعدد من الأمور؛ اجتمع في هذه الإبر المغذية عدد من الأمور أنها تقوم مقام الأكل والشرب وتغني عنه، فيمكن للإنسان أن يجلس شهرين أو ثلاثة أو أربعة أشهر مثلاً وهو مغمى عليه فقط على هذه الإبر المغذية. فلذلك الصحيح والله تعالى أعلم أنها تعتبر مفطرة.

ذكرنا بعض الأشياء الأخرى مثلاً التي تنفذ إلى الجسم ويتغذى بها البدن ولكن ليس من منفذ الفم ولا تسمى في العرف أكلاً وشرباً. فهل تقاس على الأكل والشرب أم أنها لا تقاس عليه؟ فمن هذا مثلاً الإبر التي لا تعد إبرًا مغذية، إبر علاجية. ما الفرق بين الإبر العلاجية والإبر المغذية؟ الإبر المغذية يقوم عليها البدن ويقتات بها وتغنيه عن الطعام والشراب. هذه الإبرة العلاجية لا تغني البدن عن الطعام والشراب، وإنما فيها بعض المواد العلاجية أو المضادات الحيوية أو غيرها. كان فضيلة الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى لا يرى التفطير بهذه الإبر، وإن حقنت في الوريد. يقول إن هذه الإبر إبر علاجية ولا يعد هذا أكلاً وشرباً، ولا يقوم مقام الأكل والشرب المغني عن الطعام والشراب، وإنما هي أدوية علاجية. إذا أخذت عن طريق الفم فإنها تعد مفطرة، لكن إذا أخذت عن طريق الوريد أو عن طريق التحاميل فإنها لا تعد مفطرة.

فمثلاً يقول الباراسيتامول إذا أخذ عن طريق الفم من خلال شراب فإنه يعد مفطراً، أو من خلال حبوب فإنها تعد مفطرة، لكن إذا أخذ هذا الدواء عن طريق تحاميل شرجية فإنها لا تعد مفطرة، أو من خلال حقنة مثلاً وريدية أو إبرة في العضل، فإنها لا تعد مفطرة. كان هذا رأي الشيخ رحمه الله تعالى الذي يفتي به، أنه لا تعد التحاميل الشرجية ولا الإبر غير المغذية أنها لا تعد مفطرة.

المسألة الثانية هي مسألة قطرات العين. أحياناً إذا وضعها الإنسان في عينه قد يحس بطعمها في حلقه، والظاهر والله تعالى أعلم أن هذه لا تعد مفطرة، وإن أحس الإنسان بشيء من طعمها؛ لأن العين لا تعتبر منفذاً معتاداً إلى جوف الإنسان، مثل الإبر لا تعد منفذاً معتاداً، ولا يسمى في العرف ولا في اللغة من وضع قطرة في عينه أكلاً ولا شارباً. كذلك والله تعالى أعلم قطرات الأذن.

يبقى عندنا مسألة ثالثة ألا وهي مسألة بخاخ الربو. بخاخ الربو يدخل إلى بدن الإنسان من خلال الفم، لكن هل هو أكل وشرب، أو أنه استنشاق مثل الأكسجين الذي يستنشقه الإنسان؟ الظاهر والله تعالى أعلم أن مادة بخاخ الربو مشتملة على بعض الأشياء الغازية المضغوطة مثل الفنتولين أو غيره، التي يذهب أغلبها أو جل مكوناتها إلى رئة الإنسان، ولذلك لا تدخل إلى معدته، أو يمتصها الجسم بمعنى أنه يستفيد منها غذائياً؛ لا، وإنما أغلب مادة هذا البخاخ تذهب إلى الرئة لتوسيع الشرايين، فكأنها أشبه بالعلاج الموضعي. قد يقول قائل إن البدن يحصل له منها أو ينفذ شيء من الرذاذ أو يمتص الجسم شيئاً منها يسيراً؛ والظاهر والله تعالى أعلم أن هذا غير مؤثر، وأنه مثل ما ينفذ إلى الجوف أو المعدة حين المضمضة والاستنشاق العادية، هناك قدر من ملي اللترات البسيطة جداً التي ربما تنفذ منها شيء إلى الجوف؛ هذا أمر معتاد، فالظاهر والله تعالى أعلم أن ما ينفذ من خلال بخاخ الربو يعد أقل من هذا المقدار الذي ينفذ من خلال المضمضة والاستنشاق المباحة العادية. فلذلك نقول والله تعالى أعلم إن هذا القدر غير مؤثر في الصيام. وبناء على ذلك فإنه يجوز استعمال بخاخ الربو في حال الصيام في هذه المسألة الثالثة باعتباره غازاً ينفذ إلى الرئة في أغلبه، وما ينفذ منه إلى الجوف أو إلى المعدة لا يكاد يذكر، هو أقل مما ينفذ إلى الجوف والمعدة من خلال المضمضة أو الاستنشاق العادية.

هذا كان يفتي به فضيلة الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله تعالى في عدد من هذه المسائل؛ كان يفتي رحمه الله تعالى في مسألة الإبر غير المغذية أنها لا تفطر، التحاميل أنها لا تفطر، أن قطرة العين والأذن أنها لا تفطر، وأن بخاخ الربو لا يفطر. كان له عدد من الفتاوى بهذا الشأن رحمه الله تعالى. وغيره من أهل العلم ربما خالفه في بعض المسائل، من هذه المسائل الأربع فقال إن الإبر غير المغذية والتحاميل تعد مفطرة باعتبار أن البدن قد تغذى منها، وأنه لا فرق بين أن يؤخذ الباراسيتامول من خلال حبوب أو شراب أو أنه يؤخذ من خلال تحاميل أو إبر، كلها سواء في انتفاع البدن منها، وهذه كلها تعد مفطرة. نعم، لا يفطر قطرة العين ولا يفطر بخاخ الربو باعتباره أصلاً لا ينفذ إلى الجهاز الهضمي ولا يتغذى منه البدن، وإنما هي علاجات موضعية يستفيد منها ذلك الموضع من الجسد. فيقولون مثلاً إن قطرة العين وأن بخاخ الربو ينفذ إلى الجهاز الرئوي التنفسي، وقطرة العين هي علاج موضعي للعين، هي مثل المراهم التي توضع على الجلد، هي علاجات موضعية لذلك المكان ولا ينفذ منها غذاء إلى الجهاز الهضمي، ولو نفذ منها شيء فهو شيء يسير لا يكاد يذكر، أقل مما ينفذ إلى الجهاز الهضمي من المضمضة والاستنشاق. إذاً هذه وجهة نظر أخرى خالفت الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله تعالى في الإبر غير المغذية وفي التحاميل، اعتبرتها مفطرة.

فيمكن أن نقول إن المستقر إن شاء الله تعالى أن قطرة العين لا تفطر، وأن بخاخ الربو لا يفطر. وإن كان حصل الخلاف في المسألتين الأخريين؛ اللي هي الإبر غير المغذية ومسألة التحاميل التي يتغذى منها البدن من خلال امتصاص الأمعاء الدقيقة. هذه المسألتين حقيقة حصل فيها خلاف مع الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى من بعض أهل العلم المعاصرين. نقلت لكم هذه الفتوى ولا شك أن فتوى فضيلة الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى هي فتوى متينة وسديدة من عالم معتبر، ولا شك كذلك أن من خالفه كذلك له رأيه المعتبر، وكلا وجهتي النظر هذه لها وجهها ولها مكانتها العلمية.

هذه إذاً أبرز المسائل المتعلقة بما يلحق بالأكل والشرب. بقي عندنا المفطر الثاني الذي نرغب الحديث عنه ألا وهو القيء. القيء يعد مفطراً إذا استقاء الإنسان عمداً، أما إن كان قد ذرعه القيء وهو لا يريده، فإن هذا والله تعالى أعلم لا يعد مفطراً. ما معنى استقاء عمداً؟ معناه أنه تعمد أن يتقيأ وذلك مثلاً من خلال أنه أدخل يده في فمه حتى يستقيء؛ يريد أن يخرج شيء من جوفه أو طعام من جوفه. فالظاهر والله أن هذا مفطر، لما جاء في الحديث الشريف: «من استقاء عمداً فليقض، ومن ذرعه القيء فليتم صومه». اعتبر فيه العمد للتفريق بين العمد وغيره. وهذا الحديث والحديث الذي قبله وسيجيئنا إن شاء الله تعالى في مفطرات لاحقة، تدلنا على أصل في مفطرات الصيام وهي أنها لا تفطر إلا إذا فعلت على وجه العمد. وهذا الأصل سنتعرض له إن شاء الله تعالى في درس قادم، ونبينه بتفصيل ونبين الأصول التي بني عليها. أقف عند هذا القدر، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.