تسجيل الدخول

المحاضرة 8 - الفقه - المستوى الثالث - د.منصور بن عبد الرحمن الغامدي - من مبطلات الصيام (الجماع)

منصور بن عبد الرحمن الغامديد. منصور بن عبد الرحمن الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ربنا علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما. اللهم هيئ لنا من أمرنا رشدا، وآتنا من لدنك توفيقا وسدادا وصوابا. اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، اللهم يا مفهم سليمان فهمنا.

إخواني وأخواتي، هذا هو الدرس الثامن من سلسلة دروس الفقه في الفصل الدراسي الثالث في أكاديمية زاد. اللهم بارك في هذه الأكاديمية وبارك في معلميها ومتعلميها وطلابها والقائمين عليها، اللهم بارك فيهم جميعا وبارك في هذه العلوم التي تنشر في هذه الأكاديمية، واجعلها يا رب العالمين علوما نافعة في حقنا جميعا.

إخواني وأخواتي، كنا قد وقفنا في حديثنا عن مفطرات الصيام في الدرس السابق عند الأكل والشرب وعند التقيؤ عمدا. ذكرنا أن المفطرات المنصوص عليها والمتفق عليها هي الأكل والشرب والجماع كما جاء في الآية ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ﴾. فأما الأكل والشرب فقد تحدثنا عنه وبينا ما يلحق به، وذكرنا أنه يلحق به بلا إشكال إن شاء الله تعالى ويعد مفطرا الإبر المغذية التي يقوم عليها البدن وتغني عن الطعام والشراب ربما أياما أو شهورا.

وأما الإبر التي لا تغذي، الإبر العلاجية سواء كانت وريدية أو في الجلد، تحت الجلد أو في العضل أو التحاميل، فقد حصل فيها خلاف بين أهل العلم بين من يفطر بها؛ لأنه اعتبر تغذي البدن منها، وبين من لا يفطر بها؛ لأنه قال إنها ليست طعاما وشرابا، ولا تغني عن الأكل والشرب، فهي لم تنفذ من الحلق أو من الفم، ولا تقوم مقام الأكل والشرب في الغناء عنه. فهذه وجهتا نظر، وبينا أن الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله تعالى كان يقوي عدم التفطير بها.

ثم بينا مسألة ثالثة ورابعة، ألا وهي قطرة العين، وقلنا للصحيح أنها لا تفطر؛ لأنها علاج موضعي لا ينفذ إلى الجهاز الهضمي ولا يتغذى بها البدن، وإن كان قد نفذ منها شيء إلى البدن فهو شيء يسير لا يكاد يذكر، أقل مما ينفذ إلى البدن من المضمضة بالماء. وتحدثنا في المسألة الرابعة عن بخاخ الربو، وقلنا إنه علاج موضعي للرئة أو للصدر، وأنه لا ينفذ إلى الجهاز الهضمي يتغذى منه البدن، وإن حصل منه نفاذ أو شيء ينفذ منه إلى البدن فهو شيء يسير، أقل مما ينفذ إلى البدن من المضمضة والاستنشاق. هذا مجمل ما تحدثنا عنه في المسائل المتعلقة بالأكل والشرب.

ثم انتقلنا بعد ذلك إلى التقيؤ. ما هو التقيؤ؟ قلنا التقيؤ هو إخراج الطعام الذي في المعدة يخرجه الإنسان. والتقيؤ إما أن يقصده الإنسان ويعمد إليه، وذلك مثلا بأن ربما استنشق شيئا معينا، أو نظر شيئا معينا، أو ربما أدخل يده إلى فمه ليخرج ما في بطنه، فهذا يعد مفطرا لا يجوز للإنسان أن يقدم عليه إلا إن كان هناك ضرورة. أما إذا كان هناك ضرورة أنه يتقيأ عمدا باعتباره مفطرا مثل الأكل والشرب، ولكن من ذرعه القيء، ما معنى ذرعه القيء؟ بمعنى أنه لم يقصد هذا الأمر، وإنما حصل له بدون قصد منه، وهذا غالبا يحصل لبعض المرضى، ربما أنه تسحر في سحوره أكل شيئا ربما غير نظيف مثلا لم يقبله جسده ولم تقبله معدته، فاضطرب بطنه وأخرج هذا الطعام الذي أكله ربما في سحوره أو في فطوره، فهذا ذرعه القيء وهو لا يريد هذا. فقد جاء في الحديث: «من ذرعه القيء فليتم صومه ولا قضاء عليه، ومن استقاء فليقضِ». ما معنى استقاء؟ الألف والسين والتاء للطلب، يعني طلب القيء، يعني فعله عمدا. إذا هناك فرق بين الإنسان أنه تقيأ بدون عمد، ذرعه القيء، وبين أنه استقاء بمعنى أنه طلبه. إذا هذا هو المفطر الثاني.

المفطر الثالث وهو الجماع، والجماع حقيقته حق بالتقديم لأنه منصوص في القرآن الكريم، الجماع يعد مفطرا منصوصا عليه في القرآن الكريم، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: 187]. وقد أجمع أهل العلم على أنه مفطر، وإن الإجماع على التفطير بالجماع مستند على نص ذكرناه من القرآن الكريم، واعتبره أهل العلم بناء على نص آخر من السنة النبوية أغلظ المفطرات وأعظمها. فقد جاء في الحديث الشريف، حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله هلكت. فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: «ما صنعت؟» قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم، كان هذا في رمضان. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هل تجد رقبة تعتقها؟» فقال: لا. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «فصم شهرين متتابعين». فقال: لا أستطيع. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «فأطعم ستين مسكينا». فأخبر النبي أنه لا يجد، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالجلوس عنده، فمكث عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عرق من تمر، أي إناء كبير فيه تمر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للرجل: «خذ هذا فتصدق به». فقال الرجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أعلى أفقر من أهل بيتي يا رسول الله؟ والله ما بين لابتيها أهل بيت أفقر من بيتي. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خذه فأطعمه أهلك». والحديث في الصحيح متفق عليه.

فالشاهد أيها الإخوة أن هذا الحديث دلنا على أن الجماع أغلظ المفطرات، وأنه يجب بسببه كفارة فوق القضاء المطلوب من هذا الشخص الذي ارتكب هذا المفطر. إذا، من أفطر بأكل أو شرب أو أفطر لأجل أنه استقاء أي طلب القيء، فإن عليه القضاء، ولكن من أفطر بسبب الجماع فإن عليه القضاء وهذه الكفارة التي نص عليها النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، هذه الكفارة تشبه كفارة الظهار، وسوف نأتي إن شاء الله تعالى لتفصيلها.

نعود إليكم ونتابع حديثنا معكم عن مفطر الجماع. ذكرنا أن الجماع مفطر من المفطرات، إلا أنه أغلظها وأشدها. فمن جامع في نهار رمضان فإن عليه، مع قضاء ذلك اليوم، عليه كفارة مغلظة تشبه كفارة الظهار، وهي عتق رقبة، فإن لم يجد فإن عليه أن يصوم شهرين متتابعين، وبحكم أن الرقاب اليوم غير موجودة، أن من جامع في نهار رمضان في هذه الأيام فإن عليه أن يصوم شهرين متتابعين، فإن لم يستطع أن يصوم شهرين متتابعين فإن عليه أن يطعم ستين مسكينا.

وهنا عدد من التنبيهات فيما يتعلق بهذه الكفارة، هذه الكفارة تجب على من جامع في نهار رمضان، هذا الأمر الأول، وبالتالي فإن الجماع الحاصل في صوم، سواء كان صوم واجب أو تطوع غير صوم رمضان، فإنه لا تجب فيه هذه الكفارة. مثلا لو أن الإنسان نذر نذرا أو أن إنسانا صام صوما واجبا، مثلا نفترض أنه كفارة يمين، فصام صوما واجبا، فيها جامع في هذا الصوم، لا نقول إن عليك صيام شهرين متتابعين وإطعام ستين مسكينا، هذه الكفارة خاصة بالجماع في رمضان، في صوم رمضان، هذا التنبيه الأول.

التنبيه الثاني أن هذه الكفارة إنما تخص من صام صياما واجبا، نضرب مثالا وسؤالا نقول: هل يمكن أن يكون إنسان صائم في رمضان والصوم غير واجب؟ نقول وارد في بعض الأحوال، كيف مثلا إنسان مسافر، المسافر هل يجب عليه الصوم؟ لا يجب عليه الصوم، فلو أن هذا المسافر نوى الصوم وهو في أثناء سفره جامع نهارا، هل تجب عليه الكفارة؟ الصحيح والله تعالى أعلم أن نقول: لا تجب عليه الكفارة، لا تجب عليه هذه الكفارة المغلظة؛ لأنه كأنه أفطر بهذا المفطر فهو نظير ما لو أفطر بطعام أو شراب، فهو مسافر يباح له الفطر أصلا، المسافر يباح له الفطر. فإن قال قائل ولكنه قد نوى الصوم، نقول نوى الصوم، وكونه نوى الصوم لا يجعل هذا الصوم لازما في حقه واجبا عليه، فلو أنه أفطر بعد أن نواه بطعام أو بشراب أو بجماع، فإنه لا حرج عليه إن شاء الله تعالى، ويجوز له أن يفطر، ويجب عليه قضاء هذا اليوم الذي أفطره، ولكن لا تجب عليه كفارة فيما لو جامع أو أفطر بجماع وهو مسافر.

إذا التنبيه الأول الذي ذكرناه في كفارة الجماع أنها لا تجب في غير صوم رمضان ولو كان هذا الصوم واجبا، لا تجب في صوم التطوع، لا تجب في صوم النذر. التنبيه الثاني أنها لا تجب في صوم رمضان إلا في حق من كان الصوم واجبا عليه، فلو كان مسافرا مثلا أو مثلا كان مريضا مرضا يشق عليه الصوم، احتمل المشقة وصام، فإنه رجل أصلا يباح له الفطر، فإذا يباح له الفطر ولو كان هذا الفطر مفطر الجماع.

كذلك قد رجحنا من قبل أن الحائض والنفساء إذا طهرت في أثناء اليوم أنه لا يجب عليها الإمساك بقية اليوم، وأن المسافر إذا قدم في أثناء اليوم أنه لا يجب عليه الإمساك بقية اليوم، ويصح أن يأكل في آخر النهار كما جاز له أن يأكل في أوله، سواء كان حائضا أو نفساء طهرت، أو كان مسافرا قد قدم إلى بلده، فإنه يصح له أن يأكل في آخر النهار إذا كان مفطرا في أول النهار. وذكرنا فيه الأثر عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: من أكل أول النهار فليأكل آخره، وأنه لا يلزمه إمساك. لو أنه حصل منه لزوجته جماع في هذا الوقت الذي هو في آخر النهار وهو مفطر في أوله، نقول لا إشكال إن شاء الله تعالى في هذا وإن وقع في نهار رمضان. كيف نتصور صورة هذه المسألة؟ نفترض أن رجلا مسافرا قدم إلى بلده فوجد امرأته قد طهرت من حيضها في ذلك اليوم، إن الصحيح والله أنه لا بأس بالمباشرة والجماع في هذه الحال باعتبار أنهما كليهما قد استفتحا نهارهما مفطرين. إذا هذه التنبيهات التي أحببنا أن ننبه إليها فيما يتعلق بالجماع.

المفطر الرابع وهو من جنس الجماع وقريب منه، ألا وهو إنزال المني بشهوة. وهنا عدد من التنبيهات المتعلقة بهذا المفطر، أولا دليله ما جاء في الحديث القدسي أن الله سبحانه وتعالى يقول: «يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي». الأمر الثاني أن الغالب في الشريعة أن الإنزال قريب من الجماع ويأخذ حكمه، مثلا في الجنابة أو في غيرها من الأحكام، وحيث حظر الجماع يحظر الإنزال، مثلا مثل الحج فإن من محظورات الحج الجماع والمباشرة المسببة للإنزال، طيب غير هذا من المواطن كذلك شُبِّه فيه الإنزال بالجماع.

المسألة الثانية التي نود التنبيه إليها وهي أن الإنزال إنما يفطر إذا كان عمدا، إذا كان عمدا، وأما إذا كان بدون قصد فإنه لا يفطر، فمثلا لو أن الإنسان وهو نائم استيقظ من نومه فوجد في ثيابه المني، فنقول إنه لا يعد مفطرا؛ لأن الاحتلام في الليل لا يعد مفطرا، الاحتلام في نوم النهار لا يعد مفطرا. الاحتلام في الليل أصلا هذا وقت مباح فيه الجماع، لكن نتكلم عن الاحتلام في نوم النهار فإنه لا يعد مفطرا. طيب ما الذي يعد مفطرا إذا؟ نقول الإنزال عمدا، مثلا بأن يتعمد إخراج المني أما بعمل منه أو بتكرار نظر، أو من خلال أو بيده، أو من خلال مباشرة لامرأته فيما دون الجماع، بأن يباشر امرأته فيما دون الجماع، فهذه قد تسبب خروج المني الذي يعد مفطرا.

طيب وهنا تنبيه وهو أن نقول أن المذي الصحيح من أقوال أهل العلم أنه لا يفطر. ما الفرق بين المني بالنون والمذي بالذال؟ المذي هو سائل يخرج في بدايات الشهوة، وأما المني فهو يخرج عند انتهاء الشهوة وبلوغها ذروتها، والمني فيه لزوجة وثقل بخلاف المذي فهو أخف منه وفيه سيولة، المذي إذا خرج يخرج عند مبادئ الشهوة، وبعض أهل العلم قال إنه مفطر باعتباره نوعا من أنواع الشهوة.

التي ينبغي للصائم أن يتركها، لكن الصحيح -والله تعالى أعلم- أن المني خروجه أكثر من خروج المذي، ولو كان مفطراً فإن التنبيه ينبغي أن يكون عليه صريحاً وواضحاً، وأما قياسه على المني فهو قياس غير صحيح؛ لماذا؟ لأننا نقيس الأدنى على الأعلى، وهذه قاعدة في القياس سننبه إلى طريقة القياس -إن شاء الله تعالى- ولكن بعد هذا الفاصل القصير.

بشرى لنا زد أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان. ليس كل ما ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم صحيحاً، فكيف تعرف الصحيح من غيره؟ عن طريق علم مصطلح الحديث. والحديث النبوي هو ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو وصف. والحديث الصحيح هو ما رواه عدل تام الضبط بسند متصل، وسلم من الشذوذ -أي مخالفة من هو أرجح منه- ومن العلة القادحة، وهي أمر خفي يقدح في صحة الحديث، ومثله الحديث الحسن غير أن راويه خفيف الضبط.

والحديث المقبول صحيحاً كان أو حسناً يجب العمل به في العقيدة والأحكام وغيرهما، ويرد الحديث لسقط في إسناده أو للطعن في عدالة الراوي أو ضبطه. والحديث الضعيف لا يعمل به إلا بشروط: ألا يكون شديد الضعف، أن يندرج تحت أصل معمول به، ألا يعتقد عند العمل به ثبوته بل يعتقد الاحتياط. ويجوز رواية الحديث بالمعنى بشروط: أولاً أن تكون من عارف بمعناه، ثانياً أن تدعو الضرورة إليها، ثالثاً ألا يكون متعبداً بلفظه كألفاظ الأذكار ونحوها. فاحذر من الأحاديث الباطلة ولا تنشرها في مواقع التواصل أو غيرها؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من حدث عني حديثاً وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين». بشرى لنا زد أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان.

نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا عن مفطرات الصيام. كنا قد شرعنا في الحديث عن الإنزال وفرقنا بين إنزال المني بالنون وإنزال المذي بالذال، وقلنا إن إنزال المني مفطر، وأما إنزال المذي فليس بمفطر. وبعض الناس قاس المذي على المني، ونقول إن هذا القياس قياس غير صحيح لأنه قياس على الأعلى. ما معنى قياس الأدنى على الأعلى؟ المني أبلغ في الشهوة من المذي، وعندما نقيس لابد أن نقيس المثل على المثل أو أن نقيس الأعلى على الأدنى، فنقول إن هذا الشيء أبلغ؛ فلو جاء في الشريعة التفطير بالمذي فقسنا عليه المني باعتباره أبلغ منه وأعلى منه لصح، لكن لما جاء في الشريعة التفطير بالمني لا يصلح أن نقيس عليه المذي لأنه أدنى.

فقد يقول قائل: لا، لأن هذا أدنى ولا يقاس على هذا الشيء الأعلى. إذاً لا يصلح عندنا في القياس إلا أن نقيس نظيراً بنظير أو نقيس الأعلى على الأدنى فنقول هذا قياس أولى، وأما أن نقيس الشيء الأدنى على الشيء الأعلى فإن هذا يعتبر قياساً غير صحيح. فلذلك نقول الصحيح -والله تعالى أعلم- أن المذي لا يعد مفطراً. والدليل الثاني أن المذي ينتشر ويكثر؛ خصوصاً قد يخرج المذي عند القبلة أو عند بداية المباشرة أو عند بداية الملامسة، فالتنبيه عليه ينبغي أن يكون صريحاً وواضحاً، خصوصاً مع كثرة خروجه.

وقد جاء في الحديث حديث علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال: كنت رجلاً مذاءً فاستحييت أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكان ابنته مني، فأمرت المقداد بن الأسود فسأله، فقال فيه الوضوء. ففي هذا الحديث دلالة على أن المذي فيه الوضوء، ولكن موضع الشاهد منه أنه يكثر خروجه، فلذلك كان ينبغي أن يكون التنبيه عليه صريحاً وواضحاً، لا أن يكون بالقياس على شيء أعلى منه، وقد لا يسلم هذا القياس.

هذه المسائل المتعلقة بإنزال المني. طيب، هنا تنبيه نود أن ننبه إليه -ممكن نعتبره مسألة خامسة أو سادسة في مسألة الجماع أو الإنزال- أنه يجعل الشخص الذي جامع أو أنزل جنباً، فهو يوجب الجنابة. هل يصح للإنسان أن يصوم وهو جنب؟ لو أن إنساناً جامع قبل الفجر ثم قام من فراشه ولم يغتسل، وإنما قام إلى السحور ليتسحر ويأكل أو يشرب قبل طلوع الفجر، فطلع عليه الفجر وهو جنب؛ فهل يصح صومه أم يشترط لصحة صومه أن يكون طاهراً مغتسلاً قبل ذلك؟ نقول: لا، الصحيح -وهذا حصل للنبي صلى الله عليه وسلم وفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم- أنه اغتسل من جنابته بعد طلوع الفجر؛ فلذلك لا يشترط في بداية الصوم أن يكون الإنسان طاهراً مغتسلاً، يصح أن يبدأ صومه وهو جنب ثم يغتسل بعد ذلك.

وكنا قد نبهنا قبل ذلك إلى تنبيه بمسألة الحيض والنفاس، فقلنا إن المرأة إذا طهرت قبل الفجر فإنه يصح لها الصوم بعد طلوع الفجر بشرط أن تنوي قبله، سواء كانت نيتها جازمة أو معلقة. إذاً الحيض والنفاس كما الجماع؛ إن حصل الطهر من الحيض والنفاس قبل الفجر، أو حصل الجماع قبل الفجر ولكن لم يحصل الغسل من الجماع أو لم يحصل غسل من الحيض والنفاس إلا بعد الفجر، فإن هذا الصوم -إن شاء الله تعالى- صحيح ولا إشكال فيه.

طيب بقي معنا أن نتحدث عن مفطر خامس اعتبره بعض أهل العلم مفطراً، وأخرنا الحديث عنه لأجل الخلاف فيه، ألا وهو التفطير بالحجامة. بعض أهل العلم رأى أن الحجامة مفطرة بناءً على حديث روي في هذا الشأن ألا وهو: «أفطر الحاجم والمحجوم». وهذا الحديث حقيقة حصل فيه خلاف كبير بين أهل العلم؛ هل هو حديث صحيح وليس بحديث صحيح؟ والظاهر -والله تعالى أعلم- أن هذا الحديث ليس بصحيح، بل قد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم كما جاء في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه. ذلك الصحيح -والله تعالى أعلم- أن الحجامة لا تعد مفطرة.

ومما يدل على ضعف حديث «أفطر الحاجم والمحجوم» أن قاعدة المفطرات أنها فيما يدخل إلى الجسم لا فيما يخرج منه إلا في الاستقاء كما بيناه لأجل حديث ورد فيها. الأمر الثاني الذي يدل على ضعف الحديث الاضطراب الذي حصل في رواية هذا الحديث، ومما يدل على ضعفه كذلك أنه قد اعتبر الحاجم مفطراً مع أنه لم يخرج منه دم ولم يدخل إليه دم، فهذا الظاهر -والله تعالى أعلم- إذا انضاف هذا التضعيف المعنوي لمتنه إلى الضعف الموجود في سنده ازداد ضعفاً.

والصحيح الذي قد ثبت في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه في صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم واحتجم وهو محرم صلوات الله وسلامه عليه؛ فالظاهر -والله تعالى أعلم- أن الحجامة لا تعد مفطرة. وأما من اعتبرها مفطرة فإنه قد قاس عليها مسألة مثلاً التبرع بالدم، وباعتبار أن الحجامة مفطرة فإنه لا يجوز للإنسان أن يحتجم في نهار رمضان ولا يجوز له أن يتبرع بالدم الكثير الذي يخرج منه في نهار رمضان.

ولكن الصحيح الذي ذكرناه أن الحجامة لا تعد مفطرة، وأن التبرع بالدم لا يعد مفطراً مهما كان كثيراً، إلا أننا ننصح إخواننا باجتنابه في نهار رمضان؛ لأن خروج الدم يسبب ضعفاً للبدن، وربما يسبب دوخة يحتاج الإنسان بعدها أن يتناول إما عصير برتقال أو عصير فراولة أو شيئاً من هذا حتى يجدد نشاطه، لذلك الأولى للإنسان أنه لا يتبرع بالدم ولا يحتجم في نهار رمضان وإن قلنا إنها ليست مفطرة، حتى لا يضعف بدنه ويحتاج إلى شيء من العصير أو غيره الذي ربما أفطر به.

طيب، نستخلص قاعدة في هذه المفطرات من خلال استعراضنا لهذه المفطرات، وهي أن المفطر إنما يفطر إذا تناوله الإنسان عامداً أو فعله الإنسان عامداً. فأما إذا أكل أو شرب ناسياً، أو غلبه القيء، أو احتلم مثلاً في نوم النهار وهو لم يشعر، فهذه ذكرنا أنها لا تعد مفطرة. ولكن لو أكل أو شرب عامداً، لو أنزل المني عامداً، لو استقاء عامداً هذا يفطر.

إذاً من قاعدة المفطرات أن يفعلها الإنسان عامداً لا ناسياً، وأن يفعلها قاصداً ذاكراً لصومه لا أن يفعلها ساهياً مخطئاً. إذاً هذه هي القاعدة العامة في المفطرات، ونضيف إليها أمراً ثالثاً وهي أن يكون عالماً بالحكم الشرعي؛ فالظاهر -والله تعالى أعلم- أنه إذا كان جاهلاً فإن الإنسان لا يؤاخذ بجهله إذا كان معذوراً بهذا الجهل لا إن كان مفرطاً، والله تعالى أعلم. نقف عند هذا القدر، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

يا راغباً في كل نافع، متطلعاً لزيادة الإيمان، وتريد يأتيك ميسوراً بأي مكان، صافي اليوم غلة الظمآن، وتعلم الفقه الميسر كالأزهار في البستان.