تسجيل الدخول

المحاضرة 10 - الفقه - المستوى الثالث - د.منصور بن عبد الرحمن الغامدي - مستحبات الصوم - أكاديمية زاد

منصور بن عبد الرحمن الغامديد. منصور بن عبد الرحمن الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

يا راغبا في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم بتقنياته ومجالاته، ومعه نطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي. أكاديمية زاد، ينبوعها صافٍ ليروي غلة الظمآن، وفقه ميسر عاملاً بالشرع دون تعصب. بشرى لنا، زاد أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا رب العالمين بارك لنا في علومنا، اللهم بارك لنا في معارفنا، اللهم بارك لنا في أعمالنا. إخواني وأخواتي، هذا هو الدرس العاشر من سلسلة دروس الفقه في الفصل الدراسي الثالث في أكاديمية زاد، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الأكاديمية.

إخواني الكرام، كنا قد استفتحنا فصلنا الدراسي الثالث بالحديث عن عدد من المسائل المتعلقة بكتاب الصيام، وتحدثنا في هذه المسائل عن تعريفه ومفهومه، ثم تحدثنا عن شروط وجوبه، ثم تحدثنا بعد ذلك عن المفطرات والأعذار المبيحة للفطر. نريد أن نتحدث اليوم إن شاء الله تعالى عن مستحبات الصيام.

لا شك أن الصيام قربة إلى الله سبحانه وتعالى وتعبد له، ومما يجب على المسلم مراعاته اجتناب المفطرات؛ هذا أمر واجب لأنها تفسد عليه صومه. لكن ثمة مستحبات في الصيام يشرع للمسلم العناية بها حتى يكمل ويتمم بها أجره. ولا شك أن المسلم ينبغي له أن يكون مسارعاً إلى الخيرات مسابقاً إليها، لا متكاسلاً عنها.

بعض الناس للأسف اليوم، وهذه حقيقة ظاهرة قد انتشرت، يقول إن هذا الأمر سنة أو مستحب، فكأنه يشير إلى أنه يهمل ويترك، وكأنه لا يريد أن يقوم إلا بالواجبات ولا يريد أن ينتهي إلا عن المحرمات. في الحقيقة أيها الإخوة والأخوات، هذه عادة سيئة وسلوك مشين لا ينبغي للمسلم أن يتصف به. ينبغي للمسلم أن يكون حريصاً على الخيرات مسابقاً إليها مسارعاً إليها، فإذا علم أن هذا الأمر سنة أو مستحب عليه أن يكون حريصاً عليه حتى يعظم أجره عند الله سبحانه وتعالى.

أيها الإخوة والأخوات، قد يصلي اثنان يكون أحدهما بجوار الآخر مصطفاً بجانبه، قدمه إلى قدمه في صف واحد خلف إمام واحد في مسجد واحد، ولكن بين هذين الاثنين من المنازل والدرجات ما لا يعلمه إلا الله. يكون هذا الشخص قد حرص في صلاته على السنن وعلى الخشوع وعلى إخبات القلب وعلى الإنابة وعلى الخوف من الله سبحانه وتعالى والإقبال على الله ومحبة الله، ما يرفعه درجات عند الله سبحانه وتعالى. تكون صلاة هذا الشخص بحسنات عظيمة كأمثال الجبال، والآخر يكون مشغول القلب عن هذه الصلاة منصرفاً عنها، هام قلبه في الدنيا في كل وادٍ، وقد يخرج من الصلاة ببعض صلاته؛ إما نصفها أو ثلثها أو ربعها أو أقل من ذلك، مثل ما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أو عشرها»، أو لا يخرج من ذلك بشيء، مع أنهما بجوار بعضهما. ولكن هذا الشخص حريص على النوافل، حريص على المستحبات، حريص على أعمال القلوب، حريص على الأعمال الظاهرة التي حث عليها النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا حاله حال آخر.

كذلك قد يصوم الصائم في بيت واحد بجوار بعضهما مع بعضهما، ولكن صيامه درجات، يرفع درجات ومنازل عظيمة عند الله سبحانه وتعالى، والآخر صيامه بالكاد يسلم له فرضه. ما الفرق؟ الفرق حقيقة في عدد من الأمور. نحن نقول: نعم كلاهما إن شاء الله تعالى إذا اجتنب المفطرات فإن صومه صحيح من حيث الظاهر، لكن هناك من حرص على الخير في صيامه، من استغل فرصة هذه العبادة، فرصة شهر رمضان، فرصة هذا النهار الذي صام فيه، استغله في طاعة الله في عبادة الله في التكثر من الخير. وهناك من فقط اجتنب الأكل والشرب والجماع في نهار رمضان، ولكن يصرف نهاره في القيل والقال وفي الكلام وفي ارتكاب ربما المحرمات أو في مطالعة المحرمات أو غيرها، أو حتى في تضييع وقته في المباحات التي لا فائدة منها. الناس يتفاوتون، فلا تظن أن هذين الصائمين درجتهما درجة واحدة، لا لا، بين كل صائم وصائم من الدرجات ما لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى.

تأملوا هذه الآية الشريفة الكريمة، كيف يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: 21]. انظروا إلى الحياة الدنيا، كيف فضل الناس بعضهم على بعض، هل هناك اثنان متساويان في ثرواتهما في الحياة الدنيا؟ لا، هذا تلقى أزود بريال، هذا بيته أجدد، هذا بيته أقدم، هذا سيارته أفضل، هذا سيارته أقل، يتفاوت الناس في الحياة الدنيا، لا تكاد تجد اثنين يتفقون في ثرواتهم مئة في المئة. يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾. تأمل في الناس، هذا درجته، هذا غني جداً، هذا فقير جداً، هذا وسط، هذا بينهما، ثروات وحساباته في البنوك مثلاً 100 ألف دولار، هذا 100 ألف دولار وعشرة، هذا 100 ألف دولار وعشرون، متفاوتون الناس. ﴿انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾. هذا التفاوت العظيم بين الناس، الآخرة هناك تفاوت أعظم، أكبر درجات وأكبر تفضيلاً.

لذلك في الحقيقة، قبل حديثنا عن مستحبات الصيام وما يشرع للمسلم في نهار رمضان، قبل ذلك أحث نفسي أولاً وإخواني وأخواتي ثانياً أن يستفيدوا من نهار صيامهم أتم الفائدة، أن يعظموا أجورهم في هذا النهار أتم تعظيم، وأن يحرصوا على أن يجمعوا مع عبادة الصيام غيرها من العبادات ويكثروا هذه العبادات. أحث نفسي وإخواني أن ينوعوا العبودية لله سبحانه وتعالى في نهار رمضان. هناك من يتعبد الله سبحانه وتعالى في نهار رمضان بالكف عن الأكل والشرب، لكن هناك من يجمع مع هذا الكف عن الأكل والشرب خشية القلب وخشوعه، هناك من يجمع معها قراءة القرآن، هناك من يجمع معها التفكر في آلاء الله وفي نعم الله، هناك من يجمع معها أنواعاً كثيرة من العبادات، من يجمع معها التبكير للصلاة، من يجمع معها الصف الأول، من يجمع معها الأذان، وهكذا. فانت كلما استكثرت من الخير والعبادات كلما سارعت، الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الواقعة: 10-12]. كلما سابقت إلى الخير وسارعت إليه فأنت إلى خير.

أترون إخواني وأخواتي، أترون هؤلاء الذين يشهدون الصلاة مثلاً في المسجد الحرام ليلة 27 أو ليلة 29 ملايين البشر، هل تظنون أن اثنين منهما يخرجان بنفس الأجر؟ كلا، كل واحد منهم قد حمل من الدرجات والأجور ما يختلف عن الآخر، منهم المقل ومنهم المستكثر. هناك من بكر إلى الصلاة، هناك من تسوق قبل الصلاة، هناك من خشع في الصلاة، هناك من ذكر الله سبحانه وتعالى، وهناك من انشغل قلبه، وهناك من اشتغل بالمباح، هناك من ينصرف قلبه في الصلاة، هناك من تلفت يميناً ويساراً وضيع أجور الصلاة. يختلف الناس، هذه الملايين تشاهدونها، كل واحد منهم يخرج بأجر مختلف عن الأجر الآخر؛ هذا أجر عظيم، وهذا أجر قليل، وهذا أجر متوسط، وهذا أجر أعلى من المتوسط، وهذا أجر أقل من وهكذا. ﴿وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم دائماً من المسارعين إلى الخيرات المسابقين إليها. فاصل قصير ونعود إليكم للحديث إن شاء الله تعالى عن المستحبات التي تستحب للصائم.

بشرى لنا زاد، أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان.

وظائف وأعمال، شاشات وألعاب، أشغال كثيرة مهمة وغير مهمة، كيف نطلب العلم في زحمة الانشغالات؟ أما الأشغال الباطلة والمحرمة كالأفلام والمسلسلات فيجب الإقلاع عنها فوراً، وبذلك يتوفر وقت طويل لطلب العلم. والقناعة توفر الوقت المبذول في تحصيل النفقات الترفيهية، فيمكن إغلاق المحل يوماً في الأسبوع مثلاً وتخصيصه لطلب العلم. ويمكن التناوب مع زميل على طلب العلم، فيحضر أحدكما حين يغيب الآخر ثم تتبادلان المعلومات، كما كان يفعل عمر بن الخطاب وجاره الأنصاري. ويمكن استغلال وقت المواصلات ذهاباً وإياباً في القراءة والسماع، وكذلك وقت الفراغ أثناء العمل وأيام الإجازات. واستفد بالتكنولوجيا الحديثة كالانتقال للالتحاق بالتعليم المفتوح مثل منصة زاد. وعلى الأغنياء كفالة بعض النابهين وتفريغهم لطلب العلم، وفي الحديث: «من جهز غازياً في سبيل الله فقد غزا». فعلاً، للآخرة يكفك الله هم الدنيا، قال صلى الله عليه وسلم: «من كانت الآخرة همه، جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة».

بشرى لنا زاد، أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان.

نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا معكم عن مستحبات الصيام. أول مستحبات الصيام السحور، يكفي المسلم دافعاً له أن يحرص على السحور أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفه بأنه بركة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تسحروا فإن في السحور بركة». هذا كافٍ للمسلم أن يحرص على السحور.

ما هي البركة؟ هي عظم النفع وكثرة الخير وإن كان الشيء قليلاً. الإنسان قد يكون عنده مثلاً يحصل على دخل 100 دولار ولا 1000 دولار ولا 2000 دولار، ولكن هذه تكون مباركة ينتفع منها أكثر من الذي دخله 5000 دولار و10000 دولار و20000 دولار. لماذا؟ لأن الله سبحانه وتعالى قد بارك له في رزقه. البركة يحصل بها نفع كبير جداً وإن كان الشيء قليلاً ويسيراً. فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: «تسحروا فإن في السحور بركة». هل تبحث عن البركة في طعامك؟ الطعام إذا بورك فيه يحصل منه نفع للبدن نفع عظيم، وإن كان الطعام يسيراً. لكن إذا لم يبارك في الطعام ونزعت منه البركة، فإنك تأكل ولا تشبع، ويحصل ضرر لبدنك من هذا الطعام، تجد بالفعل أن بدنك يتضرر من هذا الطعام، وما أكثر الناس الذين يتضررون من مطاعمهم ومن أكلهم، لماذا؟ لأنه قد نزعت البركة من طعامهم. لكن إذا طعامك كان مباركاً، فإنه يكثر نفعه وخيره ويقل ضرره بفضل الله سبحانه وتعالى؛ لأن الله سبحانه وتعالى هو مقدر الأشياء وهو مسبب الأسباب سبحانه وتعالى. فيكفي المسلم حرصاً، يكفيه دافعاً لحرصه على أكلة السحور أن يستمع إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تسحروا فإن في السحور بركة».

هذه السنة الأولى. السنة الثانية، مما يشرع للمسلم أن يكون هذا السحور متأخراً، فإن الأمة كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تزال بخير ما عجلوا فطرهم وأخروا سحورهم». وهذا يقودنا إلى السنة الثالثة، ألا وهي تعجيل الفطر. كلما عجل الإنسان فطره وكلما أخر سحوره، فلا شك أن هذا موافقة لسنة النبي صلى الله عليه وسلم. وجاء في حديث زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه قال: تسحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قمنا إلى الصلاة. فقيل لزيد: كم كان بينهما؟ قال: قدر 50 آية. رضي الله تعالى عنه وأرضاه، والحديث في الصحيحين.

الشاهد أيها الإخوة الكرام أن كلما تأخر السحور كلما كان أفضل وكلما كان أبرك وكلما كان أقرب إلى السنة. ولعل هذا والله أعلم حكمة، وهو سد النبي صلى الله عليه وسلم ذرائع الزيادة في العبادة والابتداع في الدين. فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما حث على التأخر في السحور وتعجيل الفطر كانه ضرب ليوم الصيام حداً لا يشرع للمسلم تجاوزه، بل إن المشروع للمسلم أن يفطر في طرفي النهار، بعد قبل بداية النهار وبعد نهاية النهار مباشرة، فقطع النبي صلى الله عليه وسلم على من أراد أو استحب أو رأى أن الأفضل أن يزيد في العبادة، لا، الأفضل أن يقتصر الإنسان على هذا القدر من العبادة، ومن أراد الاستكثار من العبادة فإن عليه أن يصوم نوافل. ولكن الزيادة في قدر العبادة قد حده النبي صلى الله عليه وسلم وشرع عدم مخالفته. وقد نبهنا في درس سابق إلى أنه مما يوازي هذا الحد اليومي الحد الشهري، فإنه بعد آخر شهر رمضان يجب الفطر في يوم العيد ويحرم الصيام، وكذلك يجب الفطر قبل رمضان كما جاء في حديث: «لا تقدموا رمضان بيوم ولا يومين». وفي الحديث الآخر: «فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان 30». فلذلك ينهى عن صوم يوم الشك، لماذا؟ حتى لا يدخل الاحتياط ويزيد في العبادة قبلها أو بعدها. هذه من الحكم في تعجيل الفطر وفي تأخير السحور.

طيب، جاء في الحديث الشريف أن الرسول صلى الله عليه وسلم جعل مؤذنين، مؤذناً يؤذن للناس يوقظهم للسحور ومؤذناً ينبههم للصلاة، فكان بلال رضي الله تعالى عنه يوقظ الناس للسحور، فإذا أذن ابن أم مكتوم، كان يؤذن لصلاة الفجر فيتوقف الناس عن الطعام. وفي الحقيقة هذا لا شك أنه كان له مبرر، لأنكم تأملوا في زمن النبوة زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ما كان عند الناس ساعات يشاهدون بها الوقت أو يدركون بها وقت دخول الفجر مثلنا اليوم. عندنا ساعات ونستطيع أن نعرف وقت دخول الفجر بالثانية، وعندنا منبهات توقظنا للسحور وتنبهنا لوقت الطعام. لا، الناس ما كان عندهم سابقاً هذه المنبهات، فلذلك كانوا يحتاجون إلى تنبيه. فلو أنه لم يكن هناك شخص ينبههم للسحور، افترضوا مثلاً أنكم عشتم في زمن قديم قبل وجود الساعات وقبل وجود هذه المنبهات، فربما أنت تحاول أنك تنتظر السحور أو تنتظر أنك تؤخر السحور، فلا تفيق إلا بأذان الفجر، لماذا؟ لأنك لا تعلم، ليس عندك ساعة تنبهك تقول إنه والله بقي على الفجر خمس دقائق ولا عشر دقائق ولا ربع ساعة، ما في، فتكون ربما قائماً تصلي ولا جالساً تنتظر الطعام حتى يجهز، أو تريد أن تؤخر سحورك فلا تفيق إلا بأذان الفجر. لأجل هذا الإشكال، النبي صلى الله عليه...

جعل ثمة أذانًا في الليل لإيقاظ الناس للسحور، لذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال للصحابة: «إذا أذن بلال فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم». فكان أذان بلال مميزًا صوته، وأذان ابن أم مكتوم مميزًا صوته، يميز الناس الأذان بحسب صوت المؤذن. فإذا أذن بلال عرفوا أن هذا تنبيه؛ يعني كان أذان بلال رضي الله تعالى عنه كأنه أذان تنبيهي للاستيقاظ للسحور، كما جاء في الحديث الآخر: «ليوقظ نائمكم ويرد قائمكم». فاللي كان نائم يستيقظ بهذا الأذان، واللي كان قائم يصلي من الليل يحاول أنه يختم صلاته ومباشرة يتجه لأكله السحور، ياكل لقمتين قبل أن يؤذن ابن أم مكتوم، الذي كان يؤذن إذا قيل له أصبحت، خلاص. ابن أم مكتوم كان يؤذن مع طلوع الصبح وقت الفجر.

فأذان بلال لو أردنا أن نصطلح عليه بالاصطلاح المعاصر لقلنا هو أذان تنبيهي للناس بقرب وقت الفجر، حتى يأخذوا استعدادهم لأكلة السحور؛ باعتبار أنه في ذلك الزمن لم يكن هناك ساعات توقظ الناس ولا منبهات تنبه الناس. لكن بفضل الله سبحانه وتعالى اليوم عندنا منبهات وعندنا ساعات؛ فلذلك يطيب للإنسان أنه يعاير ساعته ويعاير المنبه عنده قبل أذان الفجر بوقت كافي، بحيث أنه ياكل لقيمات السحور ويؤخر هذا الوقت حتى إلى اللحظات التي قبيل الفجر بفضل الله سبحانه وتعالى.

إذا الفجر اليوم من خلال التقاويم هذه محسوب بدقة، يستطيع الإنسان يعاير ساعاته ويستطيع أن ياكل إلى لحظات قبيل أذان الفجر، فيحقق سنة تأخير السحور كما أراد النبي الكريم صلى الله عليه وسلم.

كذلك من السنن وهي السنة الثالثة التي ذكرناها وهي تعجيل الفطر. كذلك من السنن التي تستحب للصائم أن يكون فطره على رطبات، فإن لم يكن فعلى تمرات، فإن لم يكن فعلى ماء. هذه سنة في الفطر، بعض الناس من أول ما يجلس على سفرة الإفطار يبدأ مثلاً بالشربة ولا بالسمبوسة ولا بالحلويات، لا، ابدأ بسنة النبي صلى الله عليه وسلم بالإفطار على رطبات، فإن لم يكن فعلى تمرات، فإن لم يكن فعلى ماء. وبعض أهل العلم استخرج لهذه الحكمة وقال: إن هذه الرطبات أو التمرات فيها نوع من السكريات التي تعوض جسد الصائم وتعطيه طاقة بعد صوم هذا اليوم الطويل.

نتابع حديثنا معكم في موضوع مستحبات الصيام. كنا قد ذكرنا السحور وذكرنا تأخيره، وذكرنا الفطر وتعجيله، وذكرنا أنه يكون على رطبات فإن لم يكن فعلى تمرات فإن لم يكن فعلى ماء. كذلك من المستحبات في الصيام الدعاء، الدعاء حقيقة مما هو جدير بالمسلم، وللصائم عند فطره دعوة لا ترد؛ كون الصائم قريب من الله سبحانه وتعالى يدعو الله سبحانه وتعالى، لا شك أن هذا من أسباب إجابة الدعاء أن يكون في عبادة الصيام، لذلك ما أحرص الصائم أن يحرص على هذه العبودية لله سبحانه وتعالى، عبودية الدعاء لله سبحانه وتعالى.

كذلك من المستحبات سادسًا: العمرة في رمضان، وقد قال النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه: «عمرة في رمضان تعدل حجة». في الرواية الأخرى: «تعدل حجة معي». لا شك أيها الإخوة أن المسلم الفطن اللبيب هو الذي يستغل مواسم الخيرات ومواسم الطاعات فيضاعف فيها حرصه وجهده وعمله الصالح. استغلال للموسم؛ لو تأملنا في أحوال التجار مثلاً تجار الحياة الدنيا، تجد أنهم بالفعل يستغلون المواسم، وربما تجد تاجر يفتح دكانه في الموسم فيحصل ما لا يحصله التاجر الآخر طوال السنة، ليش؟ لأنه استغل الموسم. رمضان موسم الخير والطاعة، عمرة في رمضان تعدل حجة وفي رواية حجة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا احرص أخي المبارك على الخير والطاعة.

كذلك سابعًا: الإكثار من أعمال البر وخصوصًا قراءة القرآن؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدارس القرآن مع جبريل عليه صلوات الله وسلامه في رمضان، وفي العام الذي توفي فيه دارسه مع جبريل مرتين في ذلك الرمضان. فالأولى أيها الإخوة الكرام ليكن لنا هدي خاص مع القرآن في نهار رمضان.

كذلك ثامنًا: من الأعمال الصالحة التي ينبغي للصائم أن يحرص عليها الصدقة في رمضان. والنبي صلى الله عليه وسلم كان أجود الناس، ولكنه في رمضان كان يزيد من جوده صلوات الله وسلامه عليه؛ حين يدارسه جبريل القرآن كان أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يدارسه جبريل القرآن، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة صلوات الله وسلامه عليه. إذا لا شك أيها الإخوة والأخوات أن الصدقة من أتم وأكمل وأفضل العبادات، وخصوصًا في نهار رمضان.

ننبه هنا تنبيهًا أن بعض الناس يحب إخراج زكاته في رمضان. نحن نقول إخراج الزكاة في رمضان لا يخلو من ثلاثة أحوال: أما أن يكون نهاية الحول في رمضان فيخرج الزكاة في رمضان وهذا لا إشكال فيه. أما أن يكون نهاية الحول قبل رمضان فيؤخر الزكاة إلى رمضان، نقول هذا لا يجوز؛ لا يجوز للإنسان أنه لأجل أن يستغل موسم رمضان أن يؤخر زكاته إلى رمضان ويقع بالمحرم، تأخير الزكاة لا يجوز. فما الذي يفعله هذا الشخص؟ نقول أخرج الزكاة هنا، ولكن إذا جاء رمضان وتريد أن تتعجل إخراج الزكاة القادمة فلا بأس. إذا هذه الحالة الثالثة: أن يكون الإنسان في رمضان يخرج زكاة معجلة؛ التعجيل جائز، وأما تأجيل وتأخير إخراج الزكاة التي وجبت قبل رمضان فلا يجوز أن يؤجلها ويؤخرها إلى رمضان. إذا نحن نقول إن كان إخراج الزكاة في رمضان قبل وقتها فلا بأس، إن كان هذا وقتها فلا بأس، أما أن يؤخرها إلى رمضان فهذا غير جائز، والله تعالى أعلم.

كذلك مما يشرع للمسلم أن يحرص عليه السواك في رمضان، وقد كرهه بعض العلماء، لكن الصحيح أن هذه الكراهة غير صحيحة، بل الصحيح أن السواك مشروع في كل وقت.

كذلك في المقابل هناك مكروهات ينبغي للصائم أن يحرص على اجتنابها، فمن هذه المكروهات في الصيام المبالغة في المضمضة والاستنشاق، الأصل في المبالغة في المضمضة والاستنشاق أنه سنة، لكن إذا صار الإنسان صائمًا يكره له أن يبالغ في المضمضة والاستنشاق. جاء في حديث لقيط بن صبرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا». لماذا يكره للصائم أن يبالغ في المضمضة والاستنشاق؟ لأنه قد يصل وينفذ شيء من الماء إلى جوفه.

كذلك من المكروهات في الصيام تقبيل الزوجة أو مداعبتها بحيث يتأثر صيامه وينجرح. الإنسان لا شك أن من مفطرات الصيام الإنزال أو الجماع، فلذلك دواعيها ينبغي للإنسان أن يبتعد عنها، خصوصًا إذا كان يظن من نفسه أنه سوف يقدم على هذا المحرم الذي هو مفطر من مفطرات الصيام، لذلك نقول ابتعد عن هذه الأمور، والابتعاد لا شك أنه أسلم للصائم.

كذلك من المكروهات في الصيام تضييع وقت الصيام في اللهو أو اللعب أو النوم. إخواني الكرام من تأمل في هذا الوقت الفاضل وقت رمضان في هذا الشهر الكريم في هذا وقت الصيام في هذه العبادة، كيف يهنئ له أن يضيع هذه الأوقات في مشاهدة مسلسلات أو في غيرها أو في اللعب أو في اللهو؟ لا، الحقيقة من أدرك عظم هذا الوقت وأهميته لا يمكن أن ترضى نفسه بهذا التضييع باللهو واللعب.

كذلك من المكروهات في الصيام تذوق الطعام لغير حاجة، لأن هذه دواعي الطعام، الإنسان يبتعد عن دواعي الجماع ودواعي الطعام، لكن لو كان هناك حاجة، مثلاً الأم التي تريد أن تطبخ الإفطار لعيالها ولأهلها فتذوقت الطعام بلسانها ثم مجته، ولم يدخل هذا الشيء الذي تذوقته إلى المريء أو المعدة، فهذا جائز إن شاء الله تعالى؛ أنها تتذوق بلسانها ثم تمجه، لماذا؟ لأنه كون التذوق باللسان فقط هذا لا يعد مفطرًا من هذه المفطرات.

كذلك مما أحث عليه نفسي وإخواني جميعًا وأخواتي جميعًا أن نبتعد عن المحرمات جميعًا في حال صيامنا: «إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أو شاتمه أحد فليقل إني صائم». لا يشرع لمسلم أن يكثر الجدال والمراء في نهار رمضان، ابتعد عن الجدال والمراء. كذلك إذا كانت الغيبة والنميمة حرام طول السنة فهي في رمضان وفي نهار الصيام أشد تحريمًا. المسلم ينبغي له أن يكون فعله لهذه العبادة ولهذه الطاعة دافعًا له للاستمساك بما أمر الله سبحانه وتعالى والانتهاء عما نهى الله سبحانه وتعالى عنه.

لذلك ينبغي للصائم أن يحفظ صومه، أن يحرص على تعظيم أجره، أن يحرص على استغلال وقته في طاعة الله وفي العبودية لله سبحانه وتعالى، أن يحرص على قراءة القرآن، أن يحرص على أذكار الصباح، أن يحرص على أذكار المساء، ينبغي أن يكون بالفعل يشعر الإنسان أن برنامج نهار رمضان يعد برنامج يوم مختلف. انظروا إخواني الكرام وأخواتي الكريمات إلى هدي السلف الصالح رضي الله تعالى عنهم في الذكر وفي قراءة القرآن، من تأمل أحوالهم في قراءة القرآن وجد عجبًا، من يختم القرآن في اليوم، من يختم القرآن في كل يومين، من يختم القرآن كل ثلاثة أيام، يعني أنه يقرا كل يوم عشرة أجزاء أو خمسة عشر جزءًا أو ثلاثين جزءًا أو عشرين جزءًا، لماذا هذا كله؟ يريد أن يحفظ صومه أولًا، يريد أن يعظم أجره ثانيًا، يريد أن يقتدي بسنة النبي صلى الله عليه وسلم ثالثًا. ما أحرانا إخواني وأخواتي أن نحرص على هذا الأمر.

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم مباركين حيث ما كنا، وأن يعيننا على الصيام الفرض والنافلة والتطوع، وأن يتقبل منا صيامنا جميعًا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.