تسجيل الدخول

المحاضرة 30 - الفقه - المستوى الثالث - د.منصور الغامدي - مسائل في أحكام الحج - برنامج أكاديمية زاد

منصور بن عبد الرحمن الغامديد. منصور بن عبد الرحمن الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً. اللهم هيئ لنا من أمرنا رشداً، وآتنا من لدنك توفيقاً وسداداً وصواباً. اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، اللهم يا مفهم سليمان فهمنا.

إخواني وأخواتي، هذا هو الدرس الثلاثون من سلسلة دروس الفقه في الفصل الدراسي الثالث في أكاديمية زاد. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الدروس، وأن يجعلها نافعة في حق قائلها وسامعها وناشرها ومن ساهم فيها، وأن يجعلها خالصة لوجهه الكريم.

كنا قد بدأنا الحديث عن أحكام الدماء: هدي الشكران وهدي الجبران. وقلنا إن هدي الشكران هو الهدي الواجب لأجل التمتع والقران، والهدي المستحب في حق الإفراد. إذاً، هدي الشكران هو ما يُنحر شكراً لله سبحانه وتعالى لأجل النسك، سواء كان النسك تمتعاً أو قراناً -وفي هذه الحالة يكون الهدي واجباً-، أو كان النسك إفراداً -وفي هذه الحالة يكون الهدي مستحباً-.

وهذا الهدي شرع الله سبحانه وتعالى وأكل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشرع الله سبحانه وتعالى الأكل منه، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: 28]. كذلك هذا الهدي المشروع أن يكون ذبحه أو نحره بمكة داخل حدود الحرم.

فإن لم يجد المتمتع أو القارن دماً ليذبحه، لم يكن عنده مال يشتري به هدياً ليذبحه، فما هو الواجب عليه؟ نقول إن الواجب عليه كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 196].

إنما يجب هدي التمتع أو القران على من لم يكن من أهل مكة، فمن كان من أهل مكة فإنه لا يجب عليه هدي تمتع ولا قران. إذاً من لم يجد الهدي كما قال الله سبحانه وتعالى فإن عليه أن يصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله.

ثلاثة أيام في الحج متى تبتدئ؟ تبتدأ -والعلم عند الله سبحانه وتعالى- من حين إحرامه بالنسك، سواء كان إحرامه قراناً أو تمتعاً، فإذا أحرم في حال كونه متمتعاً بنسك العمرة فإنه يبدأ في حق الصيام، أو أحرم قارناً فإنه يبدأ في حق الصيام. إذاً أي الإحرامين أسبق نسكاً -سواء كان عمرة أو حجاً- التي أوجبت هدي التمتع، فلنقل من حينئذ يشرع لك الصيام.

إلا أننا ننبه تنبيهاً، وهو أنه من لم يصم قبل يوم العيد فإنه يحرم عليه أن يصوم يوم العيد، ويرخص له في صيام أيام التشريق. ثلاثة أيام في الحج إن شاء أن يصومها قبل عرفة فهذا أفضل، وإن شاء أن يصوم آخرها يكون يوم عرفة فلا بأس. يوم العيد لا يجوز صيامه. إن لم يصم من قبل، أو صام من قبل يومين وبقي يوم، أو صام يوماً وبقي يومان، نقول صم في أيام التشريق يوم أحد عشر واثني عشر؛ الأصل أن أيام التشريق لا يجوز الصوم فيها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله سبحانه وتعالى»، والأمر الثاني لأنها حمى العيد، فالأصل أنها لا يجوز صومها؛ لأنها وقت للنحر لله سبحانه وتعالى.

لكن من لم يجد هدياً ولا يستطيع أن يصوم ثلاثة أيام في الحج إلا أن يصوم اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر -ليوقع الثلاثة الأيام في الحج-، فلذلك نقول له صم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر استثناءً من الأصل، وهو تحريم صيام أيام التشريق؛ لماذا؟ لأنه قد رخص له لأنه لم يجد هدي التمتع والقران، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾، إذا رجع إلى أهله يصوم سبعة أيام، وبهذا تتم عشرة أيام بدلاً عن هدي التمتع والقران.

أما هدي الجبران فقد تكلمنا عنه، ما أنواع هدي الجبران؟ هدي الجبران إما أن يجب بسبب ارتكاب محظور من محظورات الإحرام، أو بسبب ترك واجب من واجبات الحج؛ كترك المبيت بمزدلفة، ترك رمي الجمار، ترك السعي -فإن الصحيح لما ذكرنا أن السعي واجب من واجبات الحج-، هذه يجب فيها دم. يجب فيها دم على التعيين، يعني لا يوجد فيه تخيير بين الدم وشيء آخر. السبب الثالث: الفوات والإحصار، وسيأتينا إن شاء الله تعالى بيانه في درسنا هذا. إذاً هذه ثلاثة أسباب تكون موجبة للدم: السبب الأول ارتكاب محظور، السبب الثاني ترك أمر واجب. لو ترك ركناً نقول لم يصح الحج أصلاً، لم ينعقد الحج، لكن إذا ترك واجباً فإن حجه صحيح ويجبره بدم. والموجب الثالث هو الفوات والإحصار.

دعونا نتكلم عن السبب الأول وهو ارتكاب المحظور، ذكرنا أن له من حيث الفدية أربعة أنواع: محظور لا يجب فيه فدية تماماً وهو عقد النكاح. ومحظور يجب فيه الجزاء مثل ما قتل من النعم، ويخير أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياماً، إذاً هذا جزاء الصيد، يكون مثل ما قتل من بهيمة النعم أو إطعام أو صيام، وذكرنا تفصيل هذا في باب محظورات الإحرام. إذاً هل يلزم فيه الدم؟ نقول ليس بلازم على التعيين وإنما على التخيير بين الدم والإطعام والصيام.

النوع الثالث من محظورات الإحرام هو الواجب بسبب الجماع، وقلنا إن فيه بدنة قبل التحلل الأول، وبعد التحلل الأول فيه شاة. النوع الرابع من محظورات الإحرام هو ما فيه فدية أذى، مثل الطيب، ومثل لبس المخيط، ومثل حلق الرأس، هذه فيها فدية أذى، كل محظور من هذه المحظورات فيه فدية أذى. ما هي فدية الأذى؟ ذبح شاة أو صيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين.

إذا لاحظتم الآن قانوناً نفرع هدي الجبران؛ تخيلوا معي لأن الهدي نوعان: هدي شكران -هذا فرع وهو واجب على المتمتع والقارن وسنة في حق المفرد-، هذا الفرع الأول. الفرع الثاني: هدي الجبران، وهذا الجبران يتفرع منه ثلاثة فروع: جبر لارتكاب محظور، جبر لترك مأمور، جبر للفوات والإحصار.

خلونا نأخذ الفرع الأول من هذه الشجرة وهو الجبر الذي لأجل ترك محظور، قلنا إن هذا الجبر لترك محظور يتفرع منه أربعة فروع: جبر لفعل محظور هو الجماع، هذا فيه بدنة، وإن كان بعد التحلل ففيه شاة. جبر لفعل محظور هو قتل الصيد، هذا ذكرنا أنه فيه جزاء مثل ما قتل من النعم ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَٰلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: 95]، فيه تخيير. جبر لفعل محظور هو فدية الأذى، هذا فيه تخيير بين ذبح شاة أو صيام ثلاثة أيام أو إطعام ست مساكين. فعل محظور لا يُجبر، وهو عقد النكاح، ليس فيه جبر لا بدم ولا بغيره.

نعود إليكم بعد الفاصل ونتابع حديثنا معكم عن أحكام الهدي الذي يُنحر لله سبحانه وتعالى بسبب النسك؛ قلنا إنه فرعناه إلى فرعين: جبران وشكران. فأما الشكران فهو هدي التمتع والقران الواجب وهدي الإفراد المستحب، وأما الجبران ففرعناه إلى ثلاثة فروع، ما وجب بسبب ارتكاب محظور، ثم هذا فرعناه إلى أربعة فروع، ما وجب بسبب ترك مأمور؛ مثل ماذا الواجب بسبب ترك مأمور؟ مثلاً لم يُحرم من الميقات، لم يبت بمزدلفة، لم يرمِ الجمار، لم يسعَ، لم يقف بعرفة إلى غروب الشمس على قول من أقوال أهل العلم؛ هذه كلها واجبات في الحج.

مثلاً طواف الوداع؛ قلنا إنه يسقط إذا لم يستطع الإنسان أن يطوف لسبب شرعي كالحيض والنفاس، لكن لو أن إنساناً لم يسقط عنه طواف الوداع وتركه، نقول هذا يجب عليه دم. مثلاً مبيت منى؛ قلنا يسقط في حال لم يوجد خيام للإنسان في منى أو مسكن مناسب في منى، فإن لم يوجد فليس عليه شيء، فإن وجد وكان عنده مكان في منى ولكن تركه وذهب، نقول هذا قد ترك مأموراً.

إذاً هذا النوع الثاني وهو ترك المأمور، وفيه تفاصيل: ترك المأمور لعذر أو لغير عذر، هل هو لشيء عام أو لغير شيء عام؟ هل هو لسبب الحيض والنفاس أو لغيره؟ في تفاصيل قد ذكرنا كلاً في موطنه. الشاهد أن ترك المأمور يجب فيه دم، هل فيه تخيير؟ نقول لا، ما فيه تخيير، دم فقط؛ لقول ابن عباس رضي الله تعالى عنه: من ترك من نسكه شيئاً أو نسيه فعليه دم. ابن عباس رضي الله عنه من أين أخذ الكلام هذا؟ أخذ الكلام هذا حقيقة من فدية ارتكاب المحظورات، وأخذه من هدي التمتع والقران، أخذه من اقتران الحج بالدماء.

لاحظ في هذه الأحكام الشرعية كلها أن النقص في الحج يُجبر بدم، فلذلك هذا اجتهاد وافقه عليه أئمة المذاهب الأربعة وغيرهم من أهل العلم أن دائماً جبر هذه المأمورات يكون بدم، إلا في بعض الأحوال التي ذكرناها، وهي حين يكون تركه للمأمور معذوراً فيه؛ مثلاً مثل من ترك المبيت بمنى لعدم وجود مسكن مناسب، ومن ترك طواف الوداع لأجل عذر الحيض والنفاس أو غير ذلك.

إذاً هذا الفرع الثاني من الشجرة. الفرع الأول قلنا وهو ما وجب من الدماء: دم جبران لفعل محظور، ما وجب لترك مأمور. النوع الثالث من دم الجبران هو ما وجب بسبب الفوات والإحصار، سنتكلم عنه إن شاء الله تعالى بتفصيل في درسنا هذا. إذاً هذه أنواع دماء الجبران.

ما هو السن المجزئ في دم الشكران والجبران؟ نقول هو السن المجزئ في الأضحية، إلا في الدم الواجب في الصيد؛ الدم الواجب في الصيد فإنه يكون بمثله من بهيمة الأنعام؛ فالأرنب لا يجب فيه شاة كبيرة، بل ربما يجب فيه ما له ثلاثة أشهر كاليربوع، لأن من أوجه المشابهة بين الصيد وجزائه هو الحجم، وأوجه المشابهة كثيرة، منها طريقة الشرب؛ فالحمامة تعب الماء عباً كما الشاة، هذا وجه من أوجه الشبه. من أوجه الشبه الحجم إذا كان كبيراً وإذا كان صغيراً، من أوجه الشبه الشكل؛ مثلاً الغزال قالوا يجب فيه ماعز؛ ليش؟ لأنه فيه شبه بين الماعز وبين الغزال في الشكل والحجم يراعى كذلك. يجب مثلاً في الأرنب أو في اليربوع عناق أو جدي له ثلاثة أشهر أو أربعة أشهر. الشاهد أنه لو لم يكن حتى سن الأضحية، هو لو لم يكن هذا الجزاء بالغاً سن الأضحية، وإنما أحياناً قد يجد ما هو دون سن الأضحية لكونه أشبه بالصيد، هذا تنبيه.

أما في غير الصيد؛ مثلاً في ذبح الشاة في فدية الأذى، أو في ذبح الشاة الواجبة بسبب الجماع، أو البدنة الواجبة بسبب الجماع، أو ذبح الشاة الواجبة بسبب ترك المأمور، أو في ذبح الشاة الواجبة أو البدنة الواجبة بسبب الفوات والإحصار، نقول تراعى فيها أحكام الأضحية ويراعى فيها بهيمة الأنعام المجزئة في الأضحية.

ما هي بهيمة الأنعام المجزئة في الأضحية؟ دعونا نرجئ الحديث عنها إن شاء الله تعالى إلى باب الأضحية، ولكن لا مانع أن نعطيكم عنها نبذة صغيرة، وهي أنه من الإبل ما تم له خمس سنين، ومن البقر ما تم له سنتان، وأما من المعز فما تم له سنة، وأما من الضأن فما تم له ستة أشهر.

ولا يجزئ فيها العوراء البين عورها، ولا العرجاء البين عرجها، ولا الهزيلة التي لا تنقي. هذه لا تجزئ. إذن هناك عيوب لا تجزئ في الأضحية ولا في الهدي، كما هناك سن لا يجزئ لا في الأضحية ولا في الهدي سنتطرق له إن شاء الله تعالى بتفصيل عند حديثنا عن أحكام الأضحية.

لكن نحن نريد الآن الحديث عن هدي الجبران وهدي الشكران بشكل مجمل، وطلبنا منكم أن تقوموا بجدول يبين لنا المقارنات بين دم الجبران وبين دم الشكران في عدد من الأمور: مكان الذبح، ووقت الذبح، وفي الموجب للذبح، وما هو مقصود الذبح، وغيرها من الأسباب. وبينا لكم أن ثمة فرقاً بين إراقة الدماء في الإبل وبين إراقتها في البقر والغنم؛ فإن البقر أو الغنم تذبح بمرار السكين على أحد الودجين أو كليهما حتى يسيل الدم، وأما الإبل فإنها تنحر بطعنة في لبتها حتى يسيل منها الدم. هذه التفاصيل كلها قد مررنا عليها أو عرجنا عليها في الدرس السابق، ولكن أضفنا لها بعض التفصيلات في هذا الدرس.

نريد أن ننتقل بعد ذلك إلى باب الهدي الواجب بسبب الفوات والإحصار. ما هو الفوات وما هو الإحصار؟ أو ما هي الموضوعات المتعلقة بالفوات وبالإحصار؟ ما معنى الفوات؟ الفوات هو أن يفوت الإنسان حج بيت الله الحرام. الإحصار هو أن يمنع الإنسان من النسك. دعونا نتحدث ببيان لمعنى الفوات والإحصار. ما معنى أن يفوت الإنسان حج بيت الله الحرام؟ نفترض أن إنساناً أحرم بالحج، ثم إنه قد ضل طريقه أو تعطلت سيارته أو أصيب بحادث عطلة في بعض الطريق، أو أنه تعطل لأي سبب من الأسباب، حتى لو كانت أسباباً أمنية، مثلاً إجراءات أمنية أو سلطات أمنية أوقفته. المهم أنه وصل اليوم التاسع ولم يصل إلى مكة؛ هل فاته الحج؟ نقول: لا، باقي ما فاته الحج؛ لأنه قد يدرك التاسع بعد المغرب. هل يدرك الحج؟ يدرك الحج. إذا غربت شمس اليوم التاسع هل نقول فاته الحج؟ نقول: لا، ما فاته الحج، عادي عنده فرصة. إذا وصل الساعة الثانية عشرة ليلاً هل فاته؟ نقول: لا ما فاته الحج. متى يفوت الحج؟ يفوت الحج إذا طلع فجر اليوم العاشر؛ تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، وهذا الشخص باقي ما دخل عرفة. فهذا الشخص نقول: فاته الحج.

الآن هو أحرم بالإحرام ولبى بالحج، ماذا يفعل إذا فاته الحج؟ مثلاً تعطل في الطريق لأي سبب من الأسباب. ما هو الواجب عليه في هذه الحالة؟ سوف نبين الآن الواجب، لكن قبل أن نبين الواجب، ما هي الاحتمالات الممكنة؟ طبعاً ليس بالضرورة أن أحداً قال بها، لا، نحن نقول ما هي الاحتمالات الممكنة؟ نقول احتمالات ممكنة ما هي؟ أنه يفسخ إحرامه ويتحلل من إحرامه ويرجع إلى بيته. هذا احتمال (أ)، هل هذا الاحتمال جائز؟ لا أحد يقول بجوازه من أهل العلم؛ لأن النسك عبادة إذا دخل في إحرامها لا يجوز له أن يتحلل منها وأن يرفضها باختياره. لا بد أن يتحلل منها بطريقة شرعية، وسوف نذكر الطرق الشرعية للتحلل منها. كون الإنسان مثلاً فاته الحج وبعض الناس يحس بتعب أو إرهاق ويقول أفسخ الإحرام وأتركه، نقول: لا، هذا ليس إليك، لا بد أن يكون هناك سبب موجب، وسوف نذكر إن شاء الله تعالى الأسباب التي تبيح للإنسان التحلل من إحرامه.

نعود إليكم ونتابع حديثنا معكم عن أحكام الفوات والإحصار. قلنا الفوات هو فوات الحج عليه، متى يفوت عليه الحج؟ يفوت عليه الحج إذا طلع الفجر من اليوم العاشر ولم يصل إلى عرفة؛ معنى ذلك أنه فات عليه الحج. طيب من فاته الحج لأي سبب من الأسباب، ما هي الخيارات الممكنة عقلاً؟ ليس معنى هذا أنه قيل بها عند العلماء. قلنا الاحتمال الأول ممكن عقلاً أن نقول يفسخ إحرامه ويترك إحرامه ويرجع؛ هل أحد قال بهذا؟ لا أحد يقول بهذا. لا أحد يقول إنه يجوز له أن يتحلل من إحرامه باختياره. وإنما حتى من قال مثلاً مثل ابن حزم خلافاً للمذاهب الأربعة، يرى أن الإنسان يحق له أن يرفض إحرامه، لكن لا يقول له إنه جائز، لكن يقول: إذا رفض إحرامه ارتفض. المذاهب الأربعة يقولون: يحرم عليه أن يرفض إحرامه، وإذا رفض إحرامه لا يرتفض، بمعنى أنه يبقى محرماً. بعض الناس يظن أنه إذا خلع الإزار والرداء ولبس ثوبه أنه قد تحلل من الإحرام، لا، ما تحلل من الإحرام، هذا فعل محظور وهو لا زال محرماً. فإذا غطى رأسه هذا فعل محظورين، فإذا تطيب هذا فعل ثلاثة محظورات، فإذا أتى أهله وجامعهم هذا قد وجب عليه بدنة ولا زال محرماً، لا زال عليه أن يأتي بالنسك. بعض الناس يظن أنه إذا عاند بارتكاب المحظورات أنه قد تحلل من النسك أو تحلل من الإحرام، لا، الحج والعمرة يجب إتمامهما. وإذا رفض إحرامهما فإن المذاهب الأربعة يقولون: لا يرتفض الإحرام برفضه. وعلى طريقة الشيخ ابن حزم رحمه الله تعالى فإنه يرتفض الإحرام برفضه ولكن يقول: هو محرم. الشاهد أنه لا أحد من أهل العلم يقول إنه يجوز للإنسان ويباح له أن يرفض إحرامه.

أما الترجيح بين رأي ابن حزم وبين رأي الجمهور فهذه مسألة أخرى لها مقام آخر، وهو هل يبقى الإحرام أو أنه يرتفض بالنية؟ هذه مسألة أخرى لعلنا نقررها إن شاء الله تعالى في موطن لاحق. لكن نحن نقول: الموطن الذي اتفق عليه العلم أنه لا يجوز ولا يباح، والجميع يقرر أنه آثم بهذا الرفض. إذاً هذا الخيار الأول قلنا لا يجوز له ولا يباح له أن يرفض الإحرام. هل يبقى على إحرامه هذا إلى السنة القادمة؟ هذا الخيار الثاني، كذلك لا أحد يقول من أهل العلم إنه يبقى على إحرامه، يجب عليه أن يبقى على إحرامه سنة كاملة! ما هو الواجب في حقه؟ نقول: ما دام قد فاتك الحج، فإنك تتحلل بعمرة. لاحظ أن هذا الشخص نحن نتكلم عنه غير محصر، لأنه سيأتينا إن شاء الله تعالى أحكام الإحصار. ما هي أحكام الإحصار؟ ما معنى الإحصار؟ معناها الصد والمنع والحبس، أحصر يعني منع وحبس عن الذهاب إلى البيت. هذا لم يستطع الذهاب للبيت، لكن الفوات يستطيع أن يصل للبيت، لكن فاته وقت الوقوف بعرفة. ماذا نقول له؟ نقول: خلاص ما دام فاتك وقت الوقوف بعرفة، اتجه إلى البيت الحرام وزره، وأتِ بعمرة وتحلل من إحرامك بعمرة.

هل يجوز للإنسان أن ينقل إحرامه بالحج إلى عمرة؟ نقول: الصحيح والله أعلم أنه يجوز، ومن الأحوال التي يجوز فيها الشخص المفرد والقارن الذي لم يسق هدياً، فإنا نستحب له لأجل سبعة عشر حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينقل إحرامه إلى عمرة ويتمتع. إذاً هل يجوز نقل الإحرام بالحج إلى عمرة؟ نقول: نعم جائز. هل نقول إنه استحباب؟ نقول: لا ليس استحباباً، ثبت في السنة استحبابه في حق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنهم سيتمتعون، سيأتون بحج، لكن هنا نقول نقل إحرامه من الحج إلى العمرة اضطراراً. إذاً هناك فرق بين الانتقال في حق المفرد والقارن الذي لم يجد هدياً نقول هذا انتقال إلى عمرة استحباباً لأجل أنه سيأتي بعمرة ثم حج، وأما من فاته الحج فهذا ينتقل من إحرام الحج إلى العمرة اضطراراً. أحياناً الإنسان قد ينتقل من نسك إلى نسك اضطراراً، أنا أضرب لكم مثالاً لذلك حصل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ألا وهو مثال عائشة الصديقة رضي الله تعالى عنها. عائشة رضي الله تعالى عنها أحرمت بالحج مفردة وقيل متمتعة. الشاهد أن عائشة رضي الله تعالى عنها سواء كانت أحرمت مفردة ثم تمتعت أو أنها أحرمت بالتمتع أو أنها كانت مفردة، وصلت إلى مرحلة لا تستطيع، لأنها حاضت بسرف قبل مكة. لما حاضت بسرف قبل مكة وصل الناس إلى مكة مع النبي صلى الله عليه وسلم في رابع ذي الحجة طافوا بالبيت وسعوا بين الصفا والمروة، ومن لم يكن معه هدي تحلل. عائشة هل استطاعت أن تطوف بالبيت؟ لم تستطع، لاجل حيضها؛ يحرم على الحائض أن تدخل المسجد، ما استطاعت أن تدخل المسجد للطواف بالبيت، فبقيت محبوسة خارج البيت تنتظر، حبستها حيضتها عن الطواف بالعمرة، حتى أظل يوم عرفة وهي لم تطهر بعد.

الآن لو أحد قال لعائشة: ترى أنت أحرمت بعمرة ولا بد عليك أن تتمي عمرتك، لقلنا: سيفوتني الحج! لا أحد يقول أتمي عمرتك ولو فاتك الحج. لا، نقول إذا انتقلي من نسك الإفراد إلى نسك آخر يتم به الحج. فحصل، هل عائشة رضي الله تعالى عنها رفضت إحرامها بالعمرة وانتقلت إلى نسك الحج أو أنها رضي الله تعالى عنها انتقلت إلى الحج مباشرة؟ هذه تحتاج إلى تحرير الروايات في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها. الشاهد أن عائشة رضي الله تعالى عنها بعد ذلك انتقلت إلى نسك الحج فحجت رضي الله تعالى عنها حجاً مفرداً على الصحيح، وقال بعض أهل العلم أنها أدخلت الحج على عمرتها فصارت قارنة، والصحيح والله تعالى أنها حجت مفردة رضي الله تعالى عنها وأرضاها. الشاهد أنها انتقلت من نسك إلى نسك اضطراراً؛ لأنها لو بقيت على نسك العمرة لفاتها الحج بسبب الحيض، فقد لا تطهر إلا بعد عرفة. وما الفائدة أنها تطهر بعد عرفة ثم تطوف بعمرتها وانتهى الحج؟ لا تستطيع أن تدرك الحج. لذلك أحياناً الإنسان قد ينتقل من نسكه اضطراراً، الفوات هذه حالة انتقل من نسكه اضطراراً؛ لأنه قد فات يوم عرفة، فنقول انتقل إلى نسك العمرة وتحلل بالبيت بعمرة. هل يجب عليه هدي لأجل هذا الانتقال الاضطراري؟ هناك من أهل العلم من قال إنه يجب عليه هدي، وهناك من أهل العلم من قال إن هذا الانتقال جائز ولا يجب عليه هدي. وهناك تفصيل موجود عندكم في هذه المذكرة.

نريد أن ننتقل الآن إلى غير مسألة الفوات، فالفوات قلنا إنه ينتقل إلى نسك العمرة. المحصر هو الذي لم يستطع الوصول إلى البيت؛ الفوات يستطيع الوصول للبيت لكن فاته الوقت. ما هو الحل في حالة المحصر؟ المحصر مثل ماذا؟ مثل من منعه سلطان من الوصول إلى البيت، مثل من منعه عدوه من الوصول إلى البيت، مثل من منعه مرضه من الوصول إلى البيت، مثل من منعه ذهاب نفقته، ما عنده نفقة، وصل إلى بعض الطريق أحرم، فليس عنده نفقة يتم بها ولم يتصدق عليه أحد ولم يقبل صدقة أحد، فهذا انقطع عن الوصول. المهم أنه منع من الوصول إلى البيت. هناك من أهل العلم من يقول إن هناك فرقاً بين أن يكون الإحصار خارجياً من سلطان أو غيره، وبين أن يكون الإحصار من نفس الإنسان كمرض أو ذهاب نفقة، والصحيح والله تعالى أنه لا فرق بينهما. الشاهد أن من أحصر عن الذهاب إلى البيت ولم يستطع الذهاب إليه، ما هو الواجب في حقه؟ نقول: الواجب في حقك أن تفعل مثل ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية.

نحر هديه وتحلل مكانه صلوات الله وسلامه عليه، إذاً من لم يستطع الوصول للبيت فإن عليه أن يهدي ويتحلل مكانه. من فاته الوقوف بعرفة؛ وقلنا أنه ما دام أنه استطاع الوصول للبيت فإنه يقلب إحرامه إلى عمرة، ويتحلل من البيت بعمرة. واضح الفرق بين الفوات وبين الإحصار؟ الإحصار الذي لم يستطع الوصول إلى البيت.

لو قال شخص: إن هناك شخص أحصر عن عرفة ولكن يستطيع الوصول للبيت، نقول: هذا مثل الفوات، إذاً يصل إلى البيت يذهب إلى البيت مباشرة، ويكون مثل حال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين قلبوا إحرامهم بالحج إلى عمرة. طيب لو أن إنساناً أحصر عن الذهاب إلى البيت ولكن استطاع الوصول إلى عرفة، يستطيع الوصول إلى عرفة لكنه محصر عن تمام الحج، الآن أقول له: يبقى محرماً إلى أن يزول هذا الإحصار، خلاص هذا محصر.

إذاً يتحلل بهدي، يذبح الهدي ويتحلل. لا يستطيع الوصول للبيت، لو أنه استطاع الوصول للبيت لقلنا نتحلل بطواف الإفاضة لو كان بعد الوقوف بعرفة، وقد فاته الوقوف قلنا له: تحلل بعمرة ما دام يستطيع الوصول للبيت، فأمر تحلله سهل، أنه يتحلل بعمرة أو بنسك ما في إشكال. لكن أحياناً الإنسان قد يحصر عن الوصول للبيت، فهنا نقول: من أحصر عن الوصول إلى البيت فإنه يفعل كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويتحلل بأن يذبح هديه ويتحلل كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية؛ لما رده المشركون عن البيت فإن النبي صلى الله عليه وسلم نحر هديه صلوات الله وسلامه عليه.

هذه المسائل المتعلقة بالفوات والإحصار، ولعلنا إن شاء الله تعالى في لقائنا القادم نذكر مسألة أو مسألتين متعلقة بهذا الموضوع ثم ننتقل إلى موضوع آخر، نقف عند هذا القدر، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.