الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً. اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، اللهم يا مفهم سليمان فهمنا. إخواني وأخواتي، هذا هو الدرس الحادي والأربعون من سلسلة دروس الفقه في الفصل الدراسي الثالث في أكاديمية زاد. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الدروس لقائلها وسامعها، وأن يجعلها من العلم النافع الذي يكون حجة لنا لا علينا.
كنا قد تحدثنا عن الفوات والإحصار وفرقنا بينهما، فقلنا إن الفوات هو لمن استطاع الوصول إلى عرفة أو إلى البيت، ولكن قد فاته وقت الوقوف بعرفة. فهذا يتحلل بعمرة؛ لأنه استطاع الوصول إلى البيت. لكن من أُحصر، لم يستطع الوصول إلى البيت؛ يعني سبب منعه ليس فوات الوقت المحدد للوقوف بعرفة، وإنما سبب عدم قيامه بالنسك أنه منع وصُد عن الوصول إلى البيت، سواء كان بسبب سلطان، أو بسبب غيره، أو بسبب مرض، أو بسبب ذهاب نفقة، أو أياً كان السبب.
فما الحكم؟ نقول: إن كان قد أُحصر عن عرفة فيذهب إلى البيت يتحلل بعمرة. طيب، إن كان قد أُحصر عن البيت فما الذي يفعل؟ نقول له: اذبح هديك مكانك وتحلل. إذاً أين يذبح الهدي؟ في هدي الإحصار يذبح مكان الإنسان الذي أُحصر فيه، سواء كان داخل حد الحرم أو خارج حد الحرم، يذبح الإنسان الهدي مكان الإحصار الذي أُحصر فيه، مثل ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، ذبح هديه مكانه صلوات الله وسلامه عليه.
المسألة الثانية التي نود الحديث عنها هي أن أحكام الفوات والإحصار كلها ثابتة في حق من لم يشترط، أما من اشترط في حال إحرامه أنه إذا حُبس فمحله حيث حُبس، فإن حديث ضباعة رضي الله تعالى عنها دل على أن الاشتراط له أثر؛ في الحديث قال: «حجي واشترطي، فإن لك على ربك ما اشترطت». كل إنسان يشترط حال إحرامه واستهلاله يقول: إن حُبست فمحلي أي فحلّي حيث حُبست، فإن الظاهر -والله أعلم- أن هذا مؤثر في إسقاط الهدي عنه. هل المُحصر يسقط عنه الهدي؟ نقول: المُحصر الأصل عليه هدي، إلا إذا كان قد اشترط. إن كان قد اشترط، فظاهر هذا الحديث يدل على أن الاشتراط له أثر في إسقاط الهدي، وإلا ما فائدة الاشتراط؟ إن كان الاشتراط ليس له أثر، فما فائدة الأمر به؟ إن كان لا يسقط الهدي، ما فائدة الأمر به؟ لا فائدة له إلا جواز التحلل دون إشكال. إذاً إن حُبس الإنسان أو أُحصر وكان قد اشترط أنه إن حُبس فحلّ حيث حُبس، فإن الظاهر -والله تعالى أعلم- أنه يحل ولا هدي عليه.
بقي عندنا مسألة ثالثة من مسائل الفوات والإحصار: من استطاع الوقوف بعرفة والوصول إلى البيت لكنه أُحصر عن مزدلفة، أُحصر عن السعي، أُحصر عن منى، فما رأيكم؟ هل يتحلل ونحوه؟ نقول: لا، الآن هذا الشخص استطاع أن يأتي بأركان الحج، ما هي أركان الحج؟ الوقوف بعرفة والطواف بالبيت. استطاع أن يأتي بأركان الحج، إذاً هذا ليس بمُحصر، وإنما يجب عليه في كل واجب تركه دم. فإن ترك المبيت بمزدلفة فعليه دم، لكن يصح حجه. ما الفرق بين المُحصر الذي ألزمناه بهدي بسبب الصد عن البيت، وبين الذي صُد عن مزدلفة وألزمناه بهدي؟ نقول: الذي صُد عن مزدلفة حجه صحيح ومجزئ، وهو حج فريضة له أو حج نافلة له مجزئ، ما فيه إشكال. لكن كونه فاته المبيت بمنى أو بمزدلفة أو رمي الجمار أو صُد عن المسعى مثلاً، هذا الشخص عليه دم لأجل ترك هذا الواجب. أما الشخص الذي صُد عن البيت، فهذا ما حج، وإنما ينحر هدياً لأجل تحلله من إحرامه. هذا أصلاً لم يحج، فلذلك نقول: هذا مُحصر عن البيت.
لكن في قضية مهمة، يقع له أجر الحج إذا كان قد أُحصر بسبب خارج عنه؛ يقع له أجر الحج. إذا الإنسان أُحصر عن عمرة كان يريدها، فإنه يقع له أجر هذه العمرة إن شاء الله تعالى، ولكن أقصد أنها لا تحسب حجة الإسلام أو لا تحسب حج فريضة، لا تعتبر مجزئة، وإنما يقع له أجرها. يقع له أجرها، «ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله». الإنسان الذي يخرج يريد هذه الطاعة ولكن يُحبس عنها ويُمنع منها، فإنه -إن شاء الله تعالى- يقع أجره على الله سبحانه وتعالى.
النبي صلى الله عليه وسلم لما عَدّ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم العمر التي اعتمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا: هي أربع، عمرة الحديبية احتسبها مع أنها لم تقع منه صلوات الله وسلامه عليه، بل صُد عنها. لماذا؟ لأن وقع أجره على الله سبحانه وتعالى ما دام أنه خرج يريد البيت الحرام وصده المشركون عن البيت، فإن الظاهر -والله تعالى أعلم- أنه يقع أجره على الله سبحانه وتعالى، والله سبحانه وتعالى لا يضيع أجر من أحسن عملاً. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * وَلَا يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: 120-121]. هذا قاله في حق المجاهدين في سبيل الله سبحانه وتعالى.
إذاً النبي صلى الله عليه وسلم حتى في سفره قال: «إن بالمدينة أقواماً ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا كتب لهم من الأجر مثل ما لكم، حبسهم العذر». فمن حبسه العذر، فإن شاء الله تعالى يقع أجره على الله سبحانه وتعالى. إذاً من أُحصر ومُنع عن البيت وأحل، نحر هديه وأحل، فهذا -إن شاء الله- قد وقع أجره على الله سبحانه وتعالى. لذلك من العمر التي اعتمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما رواه ابن عمر وعائشة رضي الله تعالى عنهما، قالوا: أربع، عمرة الحديبية، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم صُد عنها، لكن ثبت أجره على الله سبحانه وتعالى فيها.
لا شك أن لما صُد النبي صلى الله عليه وسلم في الحديبية كان له وقع بالغ وأسى بالغ على نفوس المؤمنين، لكنهم صبروا واحتملوا إيماناً بوعد الله سبحانه وتعالى وصبراً على قضائه وقدره. ولا شك أن هذه المصيبة التي نزلت بهم، قد أبدلهم الله سبحانه وتعالى بها خيراً عظيماً؛ أنزل الله سبحانه وتعالى فيها: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ [الفتح: 1]. اعتبر الله سبحانه وتعالى فتحاً مبيناً ذلك الصلح الذي حصل، صلح الحديبية، مع أن المسلمين في بادئ الأمر ثقل عليهم وشق عليهم، لكن لما صبروا على ما قضى الله سبحانه وتعالى وقدر، أعطاهم من الأجور أجراً عظيماً ما كان الإنسان يتخيل هذا الأجر. الله سبحانه وتعالى اعتبر صلح الحديبية الفتح المبين العظيم: ﴿لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: 2]، هذه منة عظيمة حصلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: 10]، هذه منة عظيمة حصلت لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية. هذه ما كان أصلاً أحد يتخيل هذه المنن العظيمة، لكن لما صبروا على ما قضى الله سبحانه وتعالى وقدر ورضوا بما حصل ونحروا هديهم، وإن كانوا هم كارهين لنحر هديهم دون الوصول للبيت، والهدي معكوفاً أن يبلغ محله.
فلما أُحصروا ومُنعوا أنزل الله سبحانه وتعالى هذه الآيات، وهي آية سورة البقرة: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196]. وأنزل الله سبحانه وتعالى بعد صلح الحديبية الذي حصل والقصة المعروفة التي حصلت: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾. ولا شك أن الإنسان إذا صبر على قضاء الله وقدره والتزم حكم الله سبحانه وتعالى وأمره، فلا شك أن الله سبحانه وتعالى يأجره أجراً عظيماً ويعوضه -إن شاء الله تعالى- ثواباً جزيلاً. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم ممن يثاب ثواباً جزيلاً. فاصل قصير ونعود إليكم بعد الفاصل.
نعود إليكم بعد هذا الفاصل، وكنا قد تحدثنا قبله عن الفوات والإحصار. نريد أن ننتقل بعد ذلك إلى موضوع آخر، ألا وهو موضوع العمرة. العمرة نسك مشروع في كتاب الله سبحانه وتعالى وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ في القرآن الكريم: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196]، وفي سنة النبي صلى الله عليه وسلم: «والعمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما إذا اجتنبت الكبائر».
إخواني وأخواتي، لا شك أن الله سبحانه وتعالى جعل هذه الكعبة، البيت الحرام، قياماً للناس، يقوم عليها وبها شأن دينهم وشأن دنياهم. يقوم على شأن دينهم؛ جعل الله الكعبة، البيت الحرام، قياماً للناس. لا شك أيها الإخوة والأخوات أن هذا البيت الحرام شرع الله سبحانه وتعالى زيارته على عدد من الأوجه، منها وجه العمرة ومنها وجه الحج. ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 96-97]. هذا البيت، أول بيت وُضع للناس، هو أول بيت وُضع للناس تعبداً لله سبحانه وتعالى وتقرباً إليه. يستقبله المسلمون من شتى أقطار الأرض، أمنية كل مسلم أن يقدم إلى هذا البيت العتيق وأن يزور هذا البيت العتيق، وأن يطوف به وأن يصلي إليه وأن يجلس حوله، وأن يكحل ناظريه برؤيته.
أيها الإخوة والأخوات، لقد شرع الله سبحانه وتعالى الحج على هيئة مخصوصة وصفة مخصوصة في زمان مخصوص، فشرع له الوقوف بعرفة والمبيت بمزدلفة والقدوم على البيت والسعي بين الصفا والمروة. إلا أن هناك زيارة أخرى للبيت على صفة أخرى، ألا وهي صفة العمرة. يُحرم الإنسان من الميقات فيأتي إلى البيت فيطوف بالبيت سبعاً، ثم يطوف بين الصفا والمروة سبعاً، ثم يحلق أو يقصر، هذه هيئة أخرى لزيارة البيت. العمرة ممكن أن نقول هي الحج الأصغر أو النسك الأصغر، والحج هو النسك الأكبر. الحج زيارة مخصوصة في وقت مخصوص في أيام مخصوصة؛ فاليوم التاسع يكون الوقوف بعرفة، والمبيت بمزدلفة، في اليوم العاشر تكون أعمال يوم النحر، في أيام التشريق يكون في منى، هذه هيئة مخصوصة للحج في وقت مخصوص وفيه أعمال كثيرة.
إلا أن العمرة تُعد النسك الأصغر، وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم من فضيلتها أن «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما»، أعظم بهذه الفضيلة من فضيلة. لا شك أن هذه الفضيلة نعم هي أقل من مثلاً ما ورد في الحج، قول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 203]، «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه»، «الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة». لكن تكفير العمرة للذنب والخطايا كذلك تكفير عظيم، النبي صلى الله عليه وسلم جعلها، قال: «والعمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما»، كما جاء في صحيح مسلم. فالشاهد أيها الإخوة ينبغي لنا أن نحرص على تكرار العمرة، وقد جاء في الحديث: «تابعوا بين الحج والعمرة». الإنسان يكون ينقطع عن زيارة البيت العتيق فترة طويلة، لا شك أن هذا فيه نوع من الجفاء للبيت العتيق. يُعذر الإنسان في هذا الجفاء إن كان بعيداً عن البيت الحرام ولا يستطيع الوصول إليه إلا بمشقة بالغة وبكلفة شديدة، ولا يستطيع أن يتحمل هذه الكلفة أو المشقة، لكن حقيقة إذا لم يكن هناك عذر، لا ينبغي للإنسان أن يتباطأ.
وأن يتأخر عن زيارة وعن الوفود إلى بيت الله الحرام، بل على المسلم أن يسارع وأن يسارع الخيرات وأن يسابق إليها، أن يصلي بالمسجد الحرام إن تيسر له، أن يعتمر إن تيسر له، أن يطوف بالبيت إن تيسر له، أن يعظم حرمات الله، أن يعظم شعائر الله. علينا أن نستشعر في قلوبنا هذا التعظيم، أن نستشعر في قلوبنا هذه العبادة. للأسف إخواني وأخواتي الكرام أن هناك من هو بجوار البيت الحرام ولا يزور البيت الحرام إلا من السنة إلى السنة أو غير ذلك. الحقيقة هذا يا إخواني قصور، من كان بالبيت الحرام قريباً منه لا ينبغي له أن ينقطع عن البيت العتيق فترة طويلة، ينبغي له أن يكثر الزيارة، أن يكثر الترداد على البيت الحرام، أن يكثر الطواف به.
النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه بعد هجرته إلى المدينة أحرم أربع مرات بالعمرة، اعتمر أربع عمر. العمرة الأولى كانت عمرة الحديبية، النبي صلى الله عليه وسلم لما هاجر صلوات الله وسلامه عليه لا شك أن هذا البعد عن البيت الحرام من أشق الأشياء على نفسه صلوات الله وسلامه عليه، أن أخرجه قومه وخرج صلوات الله وسلامه عليه مهاجراً إلى ربه بعد أن طرده وأخرجه قومه. وفي الأثر: «لولا أن قومك أخرجوني منك ما خرجت»، النبي صلى الله عليه وسلم يخاطب مكة: «إنك لأحب البلاد إلى الله، وإنك لأحب البلاد إلي، ولولا أن قومك أخرجوني منك ما خرجت». حقيقة مشاعر من الأسى بسبب البعد عن البيت العتيق، كان هذا البيت تحت سيطرة كفار قريش، وحاربوا النبي صلى الله عليه وسلم وقاتلوه في السنة الثانية وفي السنة الثالثة وفي السنة الخامسة في معركة بدر وأحد والخندق. وكون البيت تحت سيطرة كفار قريش لم يمنع النبي صلى الله عليه وسلم من القدوم إلى البيت وتعظيمه، فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم الرؤيا المعروفة التي شوقت وشوقت أصحابه للقدوم على البيت، أنه صلوات الله وسلامه عليه أبلغ أصحابه بعد ذلك، ثم أحرم صلوات الله وسلامه عليه ومن معه من أصحابه، ثم قدموا على البيت معظمين له، ولم يأخذوا معهم سلاحاً إلا سلاح الراكب، يعني أنهم ليسوا متهيئين لحرب.
هذه كانت العمرة الأولى لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لما وصل إلى المكان المعروف بالحديبية وتفاوض مع الناس، ثم إنه رجع رضي الله تعالى عنه وحصل الصلح المعروف صلح الحديبية، الذي كان أحد بنوده أن على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من المسلمين أن يرجعوا هذا العام، وأن يأتوا من قابل إلى البيت العتيق. فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بنحر هديهم وحلق رؤوسهم، لا شك أن هذا كان فيه مشقة على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، مشقة بالغة أنهم خرجوا من المدينة، كل واحد منهم مشتاق لرؤية البيت العتيق، وخصوصاً المهاجرين الذين تركوا مكة وانقطعوا عنها ست سنين، خرجوا يريدون أن يطوفوا بالبيت العتيق مشتاقين له. يكفينا أن نعرف قدر إيمانهم، أن نعرف قدر حرصهم على زيارة البيت العتيق لنعرف قدر المشقة التي أصيبوا بها، والمصيبة التي نزلت عليهم، ولكن أطاعوا الله ورسوله، وليس هناك بد للإنسان من طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم والتسليم لهما، فأطاعوا الله وأطاعوا رسوله صلى الله عليه وسلم. ولا شك أن الله سبحانه وتعالى أبدلهم الثواب العظيم والجزاء، يكفيهم شرفاً أن الله سبحانه وتعالى أنزل فيهم: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: 18]. هنيئاً لأولئك الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك البيعة، بيعة الرضوان، هنيئاً لذلك الوفد الذي قدم على الله سبحانه وتعالى وخرج بهذه الكلمة: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: 18]. وهنيئاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قد رجع مغفوراً له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
الشاهد أيها الإخوة أن حرص أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وحرص رسول الله صلى الله عليه وسلم على العمرة كان حرصاً عظيماً. ثم إنهم اعتمروا في السنة السابعة وهي عمرة القضية، القضية يعني الصلح والمقاضاة، الصلح، هذه الثانية العمرة الثانية اللي هي عمرة القضية، إذا العمرة الأولى صُد عنها وكتب لهم أجرهم على الله سبحانه وتعالى، بل إنهم رجعوا بأجور وفضائل أعظم مما خرجوا إليه، هذا العمرة الأولى. العمرة الثانية عمرة القضية كانت سنة سبعة. العمرة الثالثة كانت عمرة النبي صلى الله عليه وسلم اللي هي عمرة الجعرانة التي كانت بعد فتح مكة. العمرة الرابعة هي التي كانت مع حجته صلوات الله وسلامه عليه، العمرة التي اقترنت بحجة الوداع التي وقعت رابع ذي الحجة، النبي صلى الله عليه وسلم لما وصل مكة رابع ذي الحجة اعتمر صلوات الله وسلامه عليه، إلا أنه لم يحل من عمرته صلوات الله وسلامه لكونه قد ساق الهدي. إذاً هذه أربع عمر اعتمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم، واحدة منها كتب له أجرها وإن كان لم يقع منه صلوات الله وسلامه عليه فعلها، يعني الطواف والسعي والحلق، وثلاث فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وكتب له أجرها عند الله سبحانه وتعالى. والأولى كتب أجرها عند الله سبحانه وتعالى وإن كان لم يقع منه فعل صلوات الله وسلامه عليه. فاصل قصير ونعود إليكم بعد الفاصل إن شاء الله تعالى.
هل أنت حريص على تصحيح عباداتك؟ هل ترجو أن يتقبلها الله؟ اطلب العلم إذ لا تصح العبادة إلا به، قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: 19]. وشرط قبول طلب العلم الإخلاص فيه، بألا تريد به إلا وجه الله، قال تعالى: ﴿إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: 11]. وبالأخلاق ترزق صحة الفهم وقوة الاستنباط، قال صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين». وبالأخلاق يذعن المتعلم للحق ويقبل النقد، قال الذهبي: علامة المخلص أنه إذا عوتب لا يبرئ نفسه، بل يعترف ويقول: رحم الله من أهدى إلي عيوبي. ويجب أن يتوفر الإخلاص في التعلم والتعليم والتأليف، قال أبو داود الطيالسي: ينبغي للعالم إذا حرر كتابه أن يكون قصده بذلك نصرة الدين لا مدحه بين الأقران لحسن التأليف. فأخلص النية واحذر من فسادها، كطلب العلم لأجل المال والثروة، أو الجاه والشهرة، أو المراء والجدل، فإن ذلك يفسد العمل، قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾ [الفرقان: 23].
نعود إليكم بعد الفاصل، ونتابع حديثنا معكم بعد أن بينا مشروعية العمرة والعمر التي اعتمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم. نريد أن ننتقل بعد ذلك إلى حكم العمرة، لا شك أن العمرة مشروعة ومؤكدة تأكيداً بالغاً، ومن أهل العلم من قال بوجوبها، من قال بوجوب العمرة وأن الإنسان يجب عليه الحج ويجب عليه العمرة، وإن كان حتى القائلون بالوجوب لا يبلغون بوجوب العمرة منزلة وجوب الحج، وجوب الحج وجوب بالغ وعظيم، الله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 97]، ختم آية وجوب الحج بهذا التهديد والوعيد. وجوب العمرة وجوب أدنى من ذلك، والظاهر والله تعالى أعلم أنها سنة مؤكدة لا ينبغي للإنسان أن يتركها، وأنها سنة قريبة من الواجب، أن الإنسان يزور البيت بعمرة، ولا شك أن كون هذه العمرة، كون الإنسان يقدم على البيت في زيارة مستقلة لا شك أنه أعظم لأجره إن شاء الله تعالى، وإن جمعها مع نسكه فهذا إن شاء الله تعالى خير ونور، كون يعتمر عمرة تمتع وقران فهذا كذلك إن شاء الله تعالى مجزئ ومسقط عنه لهذا الواجب إن قلنا به، وهو كذلك إن شاء الله تعالى فيه خير عظيم.
طيب هذا فيما يتعلق بحكم العمرة وهي مشروعة كل العام خلافاً للحج الذي قلنا إنه في وقت مخصوص، والإحرام به في أشهر معلومات، الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج، يعني في الأشهر المعلومات، ووقت الحج وقت مخصوص اليوم التاسع والعاشر والحادي عشر والثاني عشر، هذا وقت الحج، أما العمرة فهي مشروعة طول السنة في كل وقت ليلاً ونهاراً صبحاً ومساءً. إلا أنها أكد في رمضان، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ثبت عنه أنه قال: «عمرة في رمضان تعدل حجة»، وفي رواية «حجة معي». ولا شك أيها الإخوة والأخوات أن المسلم الفطن يستغل مواسم الخيرات، كون يوقع العمرة في رمضان كما حث عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا شك أن هذا أبلغ وأتم وأعظم لأجره إن شاء الله تعالى.
ما هي أركان العمرة؟ أركان العمرة: الإحرام، والإحرام بيناه وهو نية الدخول في النسك مع إهلال وتلبية، يقول: لبيك اللهم عمرة، ويمتنع عن محظورات الإحرام، ويرفع صوته بالتلبية في حق الرجل، والمرأة لا ترفع صوتها بالتلبية كما قد ذكرنا، يقوم بسنن الإحرام ويجتنب المحظورات، ويجب عليه أن يكون هذا الإحرام من الميقات، هذا فيما يتعلق بالركن الأول وهو ركن الإحرام. الإحرام ركن وكونه من الميقات واجب كما قلنا في الحج. طيب ومحظورات الإحرام التي ذكرناها في الحج هي بعينها محظورات في نسك كعمرة لا فرق، لا فرق إذاً في محظورات الإحرام بين كونها في حج أو في عمرة، إلا أن هناك فرقاً بسيطاً وهو في الواجب في الجماع في الحج، والواجب في الجماع في العمرة، الفدية الواجبة. الجماع قبل التحلل الأول سواء كان في الحج أو العمرة مبطل للنسك ومفسد له، إلا أنه يلزمه أن يمضي في فاسده، وعليه في الحج بدنة وعليه في العمرة شاة، هذا الفرق. أما بقية محظورات الإحرام فهي سواء، بقية محظورات الإحرام فهي سواء.
إذاً هذا فيما يتعلق بالإحرام، الركن الثاني من أركان العمرة الطواف بالبيت، والطواف بالبيت يكون سبعة أشواط، وذكرنا أنه يستحب أن يكون على طهارة صغرى، وأنه يحرم من الحائض والنفساء والجنب، لماذا؟ لأنه لا يجوز لهؤلاء دخول المسجد، لا يجوز لهؤلاء دخول المسجد، وقلنا إن الحائض والنفساء إن اضطرت إلى دخول المسجد فإنه تدخل المسجد ويصح طوافها اضطراراً، لا يجوز لها في الأصل إلا اضطراراً. الواجب أنها تنتظر، والواجب على رفقتها أنها تنتظر، لكن إن تعسرت عليها الأمور ولم تستطع فإنه يجوز لها اضطراراً أن تدخل وتطوف بالبيت. طيب هذا فيما يتعلق بالركن الثاني وهو الطواف بالبيت. وزاد بعض أهل العلم قال إن الركن الثالث هو السعي، ونحن قد رجحنا من قبل أن السعي الصحيح فيه أنه واجب من واجبات النسك، سواء كان واجب من واجبات الحج أو واجب من واجبات العمرة، وأنه لا يرقى إلى مستوى الركنية، وأنه لا يرقى إلى مستوى الركنية. ومما يدل على هذا قول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 158]، فكونه جعل من شعائر الله هذا دليل على مشروعيته وتأكيده بل وجوبه، وقول الله سبحانه وتعالى بعد ذلك: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 158] هذا مما يخفف هذه الركنية ويجعلها في درجات الواجب، وهذا القول في السعي قول وسط متوسط بين من جعله ركناً ومن جعله سنة، الصحيح أنه واجب يجبر بدم.
هذه إذاً أركان العمرة: عندنا الإحرام والطواف، وواجباتها: السعي بين الصفا والمروة، والتحلل بالحلق أو التقصير. الحلق سنة في حق الرجال أن يحلقوا، والنبي صلى الله عليه وسلم دعا للمحلقين ثلاثاً ودعا للمقصرين مرة، ما أحراك أيها المعتمر أن تدخل في دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن تحرص عليها. المرأة كيف؟ المرأة تقصر قدر أنملة، قدر أنملة من شعرها أو من ضفائرها، وتحاول أن تفرق هذا في رأسها، تأخذ من هنا ومن هنا ومن هنا من جوانب رأسها كلها. هنا ملحوظة أنبه عليها، إخواننا الذين يتحللون بالحلق أو بالتقصير، الحلق هو تعميم الرأس كله بالحلق بالموسى، الذين يقصرون رؤوسهم عليهم أن يعمموا رؤوسهم بالتقصير، لأن في بعض الرجال يتساهل، يأخذ شعرتين من الجانب الأيمن وشعرتين من الجانب الأيسر، نقول لا، عمم رأسك بالتقصير، وهذا هو المستحب في حقك أنك تعمم الرأس بالتقصير، ولا شك أن هذا هو الأقرب لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
طيب ما هي صفة العمرة؟ صفة العمرة أن يحرم الإنسان من الميقات فيقول: لبيك اللهم عمرة، ثم تحظر عليه محظورات الإحرام، ويسن له التلبية وأن يرفع صوته بها الرجال، وأما النساء فلا يرفعن أصواتهن بالتلبية، حتى يصل إلى البيت. إذا شرع في الطواف يتوقف عن التلبية، يتوقف عن التلبية، فيطوف بالبيت سبعاً، أول طوافه يشرع له أن يستلم الركن الأسود، الحجر الأسود، أن يستلمه ويقبله، يستلمه بيده ويقبله بفمه، إن لم يتيسر له فيستلم بيده ويقبل يده، فإن لم يتيسر له فيستلم بشيء معه ثم يقبل هذا الشيء كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم لما استلم الركن أو الحجر بمحجنه ثم قبل المحجن، فإن لم يتيسر له فإنه يشير إليه ويكبر. يطوف سبعة أشواط ويدعو ويكثر من الدعاء، يطوف مع الطائفين، لا يجوز له أن يطوف معكوساً منكساً، ولا يجوز له أن يقل عن سبعة أشواط، ولا يجوز له أن يفصل بينها بفاصل طويل، إلا أن كان الفاصل لمصلحة الطواف، كان يخرج ليتوضأ للطواف، كان يصلي في المطاف مثلاً، أو فاصل قصير أن يشتغل بمكالمة أحد أو بمقابلة أحد مثلاً لفترة يسيرة فلا بأس، أما إن طال الفصل فإنه يأتي بالطواف من أوله. فإذا طاف بالبيت سبعاً صلى ركعتين خلف مقام إبراهيم، ثم بعد هاتين الركعتين يأتي إلى.
المسعى يأتي إلى الحجر الأسود فيستلم ويقبله، ثم يتجه إلى المسعى ويسعى سبعة أشواط كما ذكرنا في صفة الحج. سبعة أشواط يبدأ من الصفا وسعيه إلى المروة مرة، ثم عودته من المروة إلى الصفا هذا يعتبر سعيه، وهكذا حتى ينتهي بالمروة.
ويشرع له أن يقول الدعاء الوارد على الصفا وعلى المروة: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. لا إله إلا الله وحده، نصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده». ثم يدعو ويفعل ذلك ثلاثًا على الصفا وعلى المروة، فإذا قضى سعيه.
وننبه هنا إلى أنه يخب خببًا سريعًا بين الميلين الأخضرين في المسعى. وأما في الطواف فيرمل بخطوات سريعة في الأشواط الثلاثة الأولى، فإذا سنة الطواف تسمى الرمل، الثلاث أشواط الأولى يرمل فيها بمعنى أنه يقارب الخطا، ما هو بالهرولة لا، يقارب الخطا، فالمسعى سنته تسمى الخبب، بمعنى أن الإنسان يخب ويسرع في بين الميلين الأخضرين.
فإذا انتهى من الأشواط السبعة على المروة شرع له الحلق، وهو آكد من التقصير، والمرأة في حقها تقصر. فإذا حلق أو قصر فقد تحلل من نسكه وانتهت عمرته. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل من المعتمرين عمرتهم ومن الحجاج حجهم، وأن يوفقنا وإياكم للنسك الصحيح الخالص لله، المبرور المتقبل من الله، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
د. منصور بن عبد الرحمن الغامدي