تسجيل الدخول

المحاضرة 5 - الفقه - المستوى الثالث - د.منصور بن عبد الرحمن الغامدي - صوم الحامل والمرضع والمسافر

منصور بن عبد الرحمن الغامديد. منصور بن عبد الرحمن الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

يا راغباً في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم بتقنياته ومجالاته، ومعه نطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي. أكاديمية زاد، ينبوعها صافٍ صفي، ليروي غلة الظمآن، ومن فقه الميسر عاملاً بالشرع دون تعصب لفلان. بشرى لنا زاد أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبيه الكريم الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم ربنا يا كريم يا رحيم، اللهم وفقنا وعلمنا واهدنا ويسر الهدى لنا، اللهم اجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين. إخواني وأخواتي، هذا هو الدرس الخامس من سلسلة دروس الفقه في الفصل الدراسي الثالث في أكاديمية زاد. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الأكاديمية، وأن يبارك في هذه العلوم التي نسمعها ونقولها ونعلمها ونتعلمها، وأن يجعلها علوماً مباركة.

إخواني وأخواتي، كنا قد وقفنا في حديثنا عند الحديث عن الأعذار المبيحة للفطر، وقلنا إن هذه الأعذار ستة أعذار. إذا كان المسلم مكلفاً قادراً ولا يوجد فيه شيء من هذه الأعذار الستة، فإنه يجب عليه صوم رمضان بلا إشكال. إذا وجد فيه أو فيها -بالأصح- عذر الحيض والنفاس، فإنه يحرم عليهم صوم رمضان ويجب عليهم القضاء في اليوم الذي يكون فيه الحيض والنفاس. ثم بعد ذلك تحدثنا عن الأعذار الأربعة، ونريد أن نفصل الحديث فيها.

أول عذر تكلمنا عنه هو عذر السفر. السفر لا شك أن المشقة فيه تختلف من سفر إلى سفر، فالناس سابقاً كانوا يسافرون على أقدامهم وبالدواب، والآن بالطائرات وبالقطارات، وربما لا يزال بعض الناس يسافرون على الخيول أو الإبل أو غيرها في بعض البلدان، وهذا وارد. نحن نقول السفر في أصله عذر مبيح للفطر أياً كان نوعه وأياً كانت المشقة الموجودة فيه. لكن المشقة ليس لها تأثير في أصل العذر، بل لها تأثير في استحباب الصيام أو استحباب الفطر.

فإن كانت المشقة الموجودة على المسافر حاصلة في سفره، نقول الأفضل له أن يفطر ولا يشق على نفسه؛ لماذا؟ لأن الله سبحانه وتعالى رخص لعباده، وقال: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184]. لا ينبغي للإنسان أن يشق على نفسه لأجل عدم قبول رخصة الله سبحانه وتعالى، هذا نوع من العدول ونوع من الترك لرخصة الله سبحانه وتعالى. لا، الإنسان يفرح برخصة الله سبحانه وتعالى لعباده، فما دامت هذه الرخصة متحققة فيه، يفرح بها المسلم ويقبل رخصة الله سبحانه وتعالى فيفطر.

أحياناً إذا تجاوزت حال المشقة وصار عليه ضرر، ما رأيكم؟ نقول إذاً الفطر آكد وآكد. إذا صار الإنسان يشق عليه، نقول أقبل رخصة الله سبحانه وتعالى وأفطر، هذا مستحب لك. تجاوزنا المشقة هذه وصار عليه ضرر، مثل ما حصل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو مسافر مرة وجد زحاماً ورجلاً قد ظلل عليه؛ سقط مغشياً عليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس من البر الصوم في السفر». يعني إذا وصل لهذه الحالة، فالواجب عليه أن يفطر، هذا نوع من العدول عن رخصة الله سبحانه وتعالى.

إذا لم تكن هناك مشقة عليه في الصوم، مثلاً قال: أنا مسافر والحمد لله، وسائل السفر مريحة، وأصلاً سفري هذا سياحة وأنا متمشٍ، ولو كان عندي عمل فهو عمل بسيط، وجالسين بفضل الله سبحانه وتعالى تحت المكيف، ولا في حر شديد، وهذا حقيقة متيسر لكثير من الناس في أسفارهم. ولا شك أن المشقة قد توجد وقد لا توجد، فهذا الشخص قال لا توجد عندي مشقة في السفر، نقول له الأفضل لك والله تعالى أعلم أن تصوم.

تذكرون هذا الأمر؟ قلنا لخمسة أدلة: فعل النبي صلى الله عليه وسلم أنه صام في بعض أسفاره، وفعل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: «ما فينا صائم إلا رسول الله وعبد الله بن رواحة»، والحديث الآخر: «لم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم»، حتى إن بعضهم كانوا صائمين. الأمر الثالث: قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: 184]. الأمر الرابع: قلنا إن صومه فيما بعد يشق عليه، فكونه يصوم مع الناس أسهل له. الأمر الخامس -وهو أهمها-: أنه يوقع هذه العبادة في شهر رمضان؛ إيقاع العبادات في شهر رمضان له طعم خاص، له فضل خاص، له أجر خاص؛ لأن هذا الزمان زمان فاضل. شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن، الإنسان الذي يقرأ القرآن في رمضان أعظم أجراً ممن يقرأ في غير رمضان، والإنسان الذي يصوم في رمضان أعظم أجراً ممن يصوم في غير رمضان، والإنسان الذي يعتمر في رمضان أعظم أجراً ممن يعتمر في غير رمضان، والإنسان الذي ينفق في رمضان أعظم أجراً ممن ينفق في غير رمضان. فأنت ما دام مستوياً عندك الأمر، أنك تصوم في رمضان وفي غيره، صم في رمضان، احرص على هذا الفضل واححرص على هذا الأجر.

نريد أن ننتقل بعد ذلك إلى مسألة أخرى، وهي مسألة المريض. عذر المرض كذلك ورد في نفس الآية، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184]. إذاً المريض يباح له الفطر. إلا أننا نفصل كذلك تفصيلاً آخر: لو قال المريض هل الأفضل لي أن أصوم أم الأفضل لي أن أفطر؟ نقول يتفاوت هذا بحسب حالك. إذا جاء المريض هذا وقال له الطبيب المسلم الثقة: "ترى الأفضل لك أن تأخذ الأدوية في أوقاتها ولا تصوم لأجل ألا يتفاقم هذا المرض، ضروري أن تأخذ الدواء هذا مثلاً كل أربع ساعات أو كل ساعات ولا سوف يتفاقم المرض"، هذا إذاً نقول الأفضل لك أن تصوم.

إذا قال مثلاً يشق علي أنه يتألم، مثلاً في ألم شديد ويحتاج مثلاً إلى البنادول أو يحتاج إلى مسكنات الألم، فهل نقول لا، اصبر على الألم وصم؟ لا، نقول يا أخي إذا صار عليك مشقة أو إذا صار فيه تفاقم للمرض أو زيادة في المرض، فإن الأفضل لك أن تفطر. إذا وصلت هذه المشقة وهذه المشكلة إلى درجة الإضرار بك؛ يعني مثلاً قال الدكتور الطبيب الثقة المسلم هذا المعتبر كلامه: "يا أخي، ترى لو صمت أنت سوف يزيد عليك المرض وتتعب، فالآن يا أخي أفطر وخذ الدواء مدة أسبوع أو أسبوعين أو ثلاثة حتى يتعافى بدنك ويقوى ثم بعدين صم قضاء، لا تشق على نفسك بأمر ما فرضه الله سبحانه وتعالى عليك وأعطاك الله فيه رخصة"، نقول هذا مستحب.

لكن لو قال الطبيب: "لا، ترى لو أنك لم تأخذ الدواء في هذه الأوقات فإنه مثلاً سوف يزيد عليك المرض، إما والعياذ بالله مثلاً يستشري المرض، يزيد المرض، أي سبب مثلاً أنه لزم بأشياء معينة"، وبعض الأمراض للأسف قد تستشري في البدن إذا أهملها الإنسان. لذلك ينبغي للمسلم أن يأخذ بالأسباب المباحة التي شرعها الله سبحانه وتعالى. إذا كان هذا المرض يتفاقم ويزيد بسبب تأخره عن أخذ الدواء ويضر به ضرراً، لأن أحياناً بعض الأمراض تؤدي إلى قطع بعض الأعضاء، مثل الغرغرينا -نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعافينا وإياكم ومن نحب ومن يسمع- تؤدي إلى قطع مثلاً بعض الأعضاء، وربما أنها تؤدي للوفاة، مثل استشراء السرطان في الجسد أو شيء من هذا، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعافينا جميعاً ويعافي المسلمين ويعافي السامعين.

فإذا قال الطبيب المسلم الثقة: "ترى إذا تأخرت في أخذ هذا العلاج أو لم تأخذه في الأوقات المحددة له، فإن هذا المرض سيزيد وسيضر وسيؤدي إلى مثلاً قطع بعض الأعضاء أو يؤدي إلى الوفاة أو يؤدي إلى شيء من هذا، وأخذك لهذا الدواء -إن شاء الله تعالى وفقاً للمعاير الطبية المعروفة والأسباب الطبية المعروفة- سوف، ولا شك أن قدرة الله فوق الجميع، فإنه سوف يؤدي وفقاً لهذه المعايير الطبية إلى أنه يقلل هذا المرض أو يخفف هذا المرض أو يزيله إن شاء الله تعالى وفقاً لحسابات البشر"، ولا شك أن قدرة الله سبحانه وتعالى فوق الجميع، فإذا قال له مثل هذا الكلام فإنه يجب عليه أن يفطر في هذه الحال، والله تعالى أعلم.

نواصل حديثنا معكم بعد هذا الفاصل القصير، ونتابع حديثنا عن عذر المرض. إذا قلنا إن المرض الذي يوجد فيه مشقة يستحب للإنسان فيه أن يفطر، وأن يقبل رخصة الله سبحانه وتعالى، وأن لا يستكبر عن قبول هذه الرخصة التي رخصها الله سبحانه وتعالى لعباده. والله سبحانه وتعالى يحب أن تؤتى رخصه إذا وافقت أهلاً ومحلاً لها، فلا ينبغي للمسلم أن يستكبر، سواء كان في السفر أو في المرض.

إذا وصلنا إلى مرحلة ما هو بالمشقة، مرحلة الضرر؛ تجاوزنا مرحلة المشقة. وش الفرق بين المشقة والضرر؟ المشقة بمعنى أنه يحتاج أن يأخذ بعض المسكنات مثلاً، مريض يقول: لو أخذت المسكنات هذه أيسر لي، لو أخذت البنادول أو أخذت هذه الأشياء المسكنات يكون أيسر لي، ولكنه يقول: بأصبر عشان أصوم، نقول لا بأس إن شاء الله تعالى، لكن لو أخذتها ولم تشق على نفسك أفضل. قال: لا، بأصبر، ما في نقول لا مشكلة، لكن الآن هذه المشقة ما هو الضرر. الضرر لا، أن يقول له الطبيب الثقة المسلم: ترى لو لم تأخذ هذا الدواء فإن هذا المرض سيستشري. يحكم على قضاء الله وقدره، لكن يقول: إحنا وفق خبرتنا وعلومنا التي درسناها والتي عرفناها، فإنك لو لم تأخذ هذا الدواء فإنه سوف يستشري وسوف يؤدي إلى ضرر أعظم، ربما إلى تلف بعض الأعضاء؛ تلف الكلية مثلاً أو تلف الكبد أو ربما قطع بعض الأعضاء أو استشراء السرطان. إحنا الآن تجاوزنا قضية المشقة، وصلنا لمرحلة الضرر، فهنا الظاهر والله تعالى أعلم أن نقول: إذا كان هذا الدواء بالفعل وفقاً لهذه الحسابات والمعلومات الطبية -ولا شك أن كل شيء يجري بقضاء الله وقدره، لا أحد يحكم على القضاء والقدر- لكن نحن نتكلم عن الحسابات والأسباب الأرضية، فنقول إذا كان بالفعل وفقاً لكلام الطبيب الثقة المسلم الذي ينظر إلى هذه الأسباب، قال: ترى هذا الدواء غالباً مثلاً بنسبة 90% أو يجاوز 99%، فإنه بإذن الله تعالى يوقف استشراء هذا المرض، فنقول يجب عليك أن تأخذ الدواء وأن تترك الصيام.

قد يقول قائل: هذا فيه إيجاب للتداوي، هل يجب التداوي؟ نقول التداوي إذا كان من درجة يقينه أو حساباته الطبية والمعلومات الطبية مثل قضية الأكل والشرب التي ينجو بها الإنسان من الهلاك والتلف، كما أننا نوجب على الإنسان الذي جاع جوعاً شديداً ووصل في مخمصة، نوجب عليه أن يأكل ليسلم من الموت. هل يجوز لإنسان أن يترك الأكل حتى يموت؟ نقول لا، حرام عليه، هذا قتل نفسه، يجب على الإنسان أن يأكل حتى يعيش، فنقول كذلك هنا يجب على الإنسان أن يأخذ الدواء حتى يعيش، لا يجوز له أن يقتل نفسه.

قد يقول قائل: إن هذا احتمالي. نقول إذا صار احتمالي نعم، ما هو بواجب، صار مستحباً، لكن الطبيب قال: لا، هذا الآن مثل قضية أكلك وشربك، يعطيك حياة وعيشاً، هذا الآن إذا أخذت هذا الدواء سوف يعطيك حياة وعيشاً وفقاً لأسبابه وعلومنا الطبية المعروفة اليوم. نسبة الشفاء بهذا الدواء إن شاء الله تعالى -أن الله سبحانه وتعالى جعل فيه من الشفاء بنسبة عالية، نسبة 99% مثلاً- وكل شيء لا شك أنه بقدر الله سبحانه وتعالى، كل شيء بقدر الله وتحت قدر الله، مثل ما قال عمر رضي الله تعالى عنه لما قيل له نفر من قدر الله، قال عمر رضي الله تعالى عنه لأبي عبيدة: "نفر من قدر الله إلى قدر الله"، نُدافع قدر الله بقدر الله، هذه كلها من أقدار الله سبحانه وتعالى التي يجب على المسلم أن يأخذها. إذاً إذا كان يضره الصوم وهناك علاج له مجرب ومعلوم وكذا، فالظاهر والله تعالى أعلم أنه يجب عليه أن يأخذ هذا العلاج.

وبالتالي يجب عليه الفطر ولا يجوز له الصوم في هذه الحال بهذه الضوابط وبهذه القيود، أن يكون الصوم يضره، وأن يكون هذا العلاج أو هذا الدواء مُجرَّب وفقًا للحسابات الأرضية البشرية أنه يُنهي إن شاء الله تعالى هذا الفيروس أو هذا المرض. فحينئذ -وهذا جاءنا بخبر طبيب مسلم ثقة- فإن الظاهر والله تعالى أعلم أنه في هذه الحال يجب عليه حينئذ أن يفطر وأن يأخذ هذا الدواء، ويجب عليه التداوي؛ إذا وصلنا إلى مرحلة أن سببيّة التداوي في العيش وفي الحياة صارت مثل سببيّة الأكل والشرب في الحياة، فالظاهر من هذه المرحلة يجب عليه فيها التداوي.

أما إذا كان يشق عليه فهذا نقول: يستحب لك الفطر. لماذا يستحب له الفطر؟ لأن يا إخواني الكرام الكريم جل جلاله إذا أعطى رخصة يحب أن تؤتى هذه الرخصة إذا صادفت هذه الرخصة محلاً وأهلًا لها، لكن لا يحب سبحانه وتعالى أن تُنتهك رخصة من غير أهلها. يعني لو جاءنا شخص وقال: أنا حقيقة اليوم بسبب مثلاً العمل والوظيفة وبسبب الصيام؛ نفترض أن هذا الشخص مدخن مثلاً، فقال: حقيقة الصوم اليوم الصباح وتركت السيجارة والدخان وكذا وأحس برأسي فيه صداع بسبب السيجارة هذه التي تركتها، يقول: سأفطر، خلاص هذا مرض. نقول: لا، هذا ليس بمرض؛ هذا ليس بإنسان جاءه صداع قليل أو لم ينم جيداً أو استيقظ مرهقاً أو تعبان، هذا لا يسمى مرضًا. المرض هو الذي بالفعل هو اعتلال في البدن يشق فيه على الإنسان أن يصوم، هذا المرض المعتبر؛ المرض المعتبر هو الاعتلال في البدن، ما هو إنسان مثلاً عطس عطستين وقال: أنا خلاص الآن هذه صارت إنفلونزا شديدة، لا، ليس بصحيح.

إذاً هناك عندنا وسط بين طرفين؛ طرف يقول: لو جاء الإنسان صداع بسيط خلاص يفطر، هذه ممارسة خاطئة، ولا يصلح للإنسان أن يفطر ولا يجوز له أن يفطر في هذه الحال. طيب إذا كان هناك مرض يشق عليه، يستطيع أن يصوم ولكن يشق عليه، يعني يستطيع أن يصوم ولكن يحتمل ألمًا شديدًا، نقول: لا، هنا يباح لك الفطر بل إنه يستحب لك الفطر. الحالة الثالثة: إنسان يتضرر إما بفقد أو تلف عضو سواء كان ظاهر أو باطن مثل اليد أو كذا من الأعضاء الظاهرة، أو الكلية الباطنة مثلاً، أو أنه يتضرر بفقد حياته، وهذا الدواء عند الأطباء يقولون وفقاً لحساباتنا إن شاء الله تعالى أنه غالب الظن أو شبه اليقين أنه دواء وشفاء؛ نقول في هذه الحالة: يجب عليك الفطر ويجب عليك أن تتداوى وأن تأخذ هذا الدواء.

هنا قضية حقيقة أنبه لها إخواني جميعاً وهي مسألة: ما هو المعتبر؟ هل المعتبر قول أي شخص؟ جاء شخص قال: يا أخي مثلاً أنا أشتكي في بطني الألم الفلاني، قال: الحقيقة أنا أظن أن فيك هذه المشكلة الفلانية، وأظن هذه جاءت لأخي أو لأختي أو كذا وخذ الدواء الفلاني، هذا لازم أنك تفطر وتأخذ الدواء؛ لا هذا كلام غير معتبر، "أظن" هذه وقد جاءت لأخي أو لأختي وأحسب كذا، لا؛ هذه الأشياء تصلح في غير رمضان، هذه الأشياء لا مانع منها في غير رمضان، تريد أن تعطي واحداً وصايا أنه يفطر النافلة ولا هذا كيفك أنت وإياه؛ اتفقوا سوياً، أما إذا كان في رمضان تريد أن تفطر فلا يصلح لك أن تفطر إلا بكلام شخص يجمع أمرين: الخبرة والعلم، وهذا الأمر الأول؛ والأمر الثاني: الثقة والأمانة. وسوف نفصل إن شاء الله تعالى هذين الأمرين ولكن بعد هذا الفاصل القصير.

نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا عن الأعذار المبيحة للفطر، وتكلمنا عن عذر السفر وتكلمنا عن عذر المرض، وقلنا الخلاصة في المرض أنه إما صداع يسير مثلاً أو مرض يسير فهذا لا يؤثر على الصوم، هذا يجب الصوم فيه. الشيء الثاني أن يشق عليه الصوم ويتألم مع هذا المرض، فهذا يباح له الفطر بل يستحب له الفطر. الأمر الثالث يضره الصوم وفقاً لكلام الأطباء فهذا يجب عليه الفطر.

طيب، عندنا مسألة ذكرناها قبل الفاصل، وقلنا: من المعتبر كلامه إذا قال والله افطر ولا لا تفطر؟ هل المعتبر كلام أي واحد من الناس من عامة الناس؟ لا، الذي يعتبر كلامه من جمع صفتين: الصفة الأولى أن يكون عالماً خبيراً، يعني عنده علم وخبرة بهذه الأمور الطبية. الأمر الثاني أن يكون أميناً موثوقاً. لماذا اشترطنا هذه واشترطنا هذه؟ لأن أحياناً الإنسان يكون عنده علم وخبرة لكن يكون غير أمين وغير موثوق؛ مثلاً يكره الصوم، يكره المسلمين، يكره الإسلام مثلاً، فيقول هذا الكلام لأجل أن يصرف هذا الإنسان عن الصوم لأنه مستهتر بالصوم، أما لكونه كافراً أو لكونه فاسقاً أياً كان، فهو مستهتر بالصوم ولا يبالي، ما هو مستشعر عظمة رمضان عند المسلمين، فأطلق هذا الكلام على عواهنه يريد أن يصرف هذا الإنسان عن الصوم غشاً له، لذلك نحن نقول: لا بد أن يكون عالماً خبيراً ولا بد أن يكون أميناً.

أحياناً يكون الإنسان أميناً وناصحاً لكن ما عنده خبرة ولا علم، كيف يكون أميناً وناصحاً وموثوقاً ويحب رمضان ويحب ويعظم هذا الشهر لكن ما عنده علم؟ كيف ما عنده علم يقول: ترى يا أخي لو تركت هذا الدواء ترى سوف يستشري المرض، وهو لن يستشري المرض ولن يزيد، وفقاً طبعاً لحسابات البشر، نحن نتكلم عن حسابات والأسباب المادية لا نتكلم عن قدرة الله سبحانه وتعالى ولا تقديره سبحانه وتعالى الغائب عنا، لا، نحن نتكلم وفق الحسابات المادية؛ فالمرض هذا مرض طبيعي ولن يستشري ولا شيء، فكيف يوجب عليه أنه يفطر بهذا الفعل؟ لا، أقصى ما يقال أنه إذا شق عليه أنه يستحب، لكن أنه يوجب عليه الفطر، لا، نقول: لا ما يعتبر كلامك، أنت لا بد يكون كلامك خبير يعرف الأدوية ويعرف الأمراض ويعرف ماذا يترتب على ترك الدواء، وهذا يحتاج إلى شخص طبيب عنده علم بالطب وعنده خبرة في الطب حتى يعطينا هذا الحكم، أن يقول: يا أخي الكريم ترى أنت لو ما أخذت هذا الدواء سوف يترتب عليه كذا وكذا، أو إذا أخذت الدواء سوف يترتب عليه كذا وكذا.

إذاً نحتاج نحن إلى شخص يجمع هذين الوصفين: الوصف الأول أن يكون عالماً وخبيراً عنده علم وخبرة طبية، الوصف الثاني أن يكون أميناً موثوقاً يحترم شعيرة صيام شهر رمضان، ما يكون مستهتراً بهذه الشريعة؛ بعض الأحيان يكون فيه طبيب وعالم وخبير لكنه مستهتر ما يعتبر هذا كلام، يكون أميناً موثوقاً لكنه غير عالم هذا لا يعتبر كلامه. لذلك أخذت هذه الصفتين من قوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: 26]. القوي في كل شيء بحسبه، هنا نحن نحتاج، هل نحتاج القوة البدنية ولا نحتاج القوة العلمية في هذه المسألة؟ نحتاج القوة العلمية اللي هي العلم في علوم الطب. الأمين نحتاج إلى الموثوقية والأمانة واحترام هذه الشعيرة، احترام هذه الشعيرة.

قد يقول قائل: طيب إذا وجدنا شخصاً كافراً وهو طبيب وعالم وخبير، وهذا الكافر موثوق وأمين، يعني غير مستهتر بشرائع المسلمين ولا شعائرهم، يعرف شعيرة الصيام ويعرف أهميتها عند المسلمين وهو أمين وموثوق؛ نقول: لا بأس إن شاء الله تعالى من قبول قوله، والأفضل قبول قول الطبيب المسلم الثقة الذي يستأمن على هذه الشعيرة. إذاً هذا هو المعتبر قوله في هذه المسألة.

طيب، هذه المسألة حقيقة لماذا أطلنا هذا التفصيل؟ لأن هذا التفصيل سيأتينا بنفسه في مسألة الحمل والرضاع، الحمل والرضاع عذر كما قد ذكرنا، هذا العذر هو من جنس عذر المرض، ليس معنى هذا أن الحمل أو الرضاع مرض، لا، ولكن هذا العارض الذي يعرض للبدن يُضعفه كضعف البدن الحاصل بعارض المرض. فالحامل تحمل جنينها مثل ما قال ﴿وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ﴾ [لقمان: 14]؛ هذا جانب، فالآن أول شيء الجانب الأول وهن بدنها، طيب الجانب الثاني وهو أنه في بطنها جنين، وهذا الجنين له حق عليها؛ هل يستطيع هذا الجنين لو لم يصل إليه الطعام الكافي له من عروق أمه هل يستطيع أنه يتغذى من غير بطن أمه؟ ما يستطيع، إذاً نحن نذكر الأمهات ونخوفهم بالله سبحانه وتعالى، نقول: عليكن أن تتقين الله وتخشينه، وخصوصاً الحمل، الوضع فيه أخطر؛ لأن المرضع قد تقول الأم مثلاً: نعم أنا بصوم وسوف أكمل غذاء طفلي من خلال الحليب الصناعي أو الرضاعة الصناعية؛ نقول: هذا لا بأس، لكن الحامل حقيقة المسؤولية عليها أشد؛ ليش؟ لأنه ما في رضاعة صناعية ولا حليب صناعي يكمل غذاء هذا الجنين الذي في بطنها وفي رحمها، لا يستطيع أن يصل إليه غذاء إلا من خلال هذه العروق التي جعلها الله سبحانه وتعالى في رحم الأم، غذاه الله سبحانه وتعالى من خلال رحم الأم؛ لذلك لا شك أن جناية الأم على جنينها جناية عظيمة، لذلك ينبغي لها أن تراعي هذا الأمر.

طيب هل كل حامل يعتبر أو يشرع لها الفطر؟ نقول: لا، الحامل عليها أن تخاف الله سبحانه وتعالى وتتقيه وتراعي هذا الجنين الذي تستشير الطبيب، ربما بعض الأمهات تكون أصلاً ضعيفة بنيتها، أو عندها فقر دم مثلاً، وأصلاً هي غذاؤها ضعيف، فكيف إذا انضاف إليها جنين يتغذى معها؟ لا شك أن هذه حاجة المراه هذه إلى الفطر غير حاجة المراه التي مثلاً حامل مثلاً غذاؤها قوي وبنيتها جيدة وقوية وإن شاء الله تعالى تستطيع أنها تحتمل الصيام، والصيام يختلف أحياناً يكون الصيام نهار طويل وأحياناً نهار قصير، فلذلك يختلف. فلذلك نحن نقول: الحامل قضية مهمة وهي لاحظوا هنا أنه نحن نذكرها بأمرين، أول شيء قضية صحتها هي والجانب الثاني صحة جنينها. الجانب الأول لو كان متعلقاً بصحتها هي، هذا الأمر راجع إليها، تريد أنها تحتمل المشقة التي عليها تريد أنها تفطر فعندها العذر هذا، لكن إذا كان الأمر متعلقاً بالخوف على جنينها فهنا نقول: يجب عليها حينئذ، لأن هذا الأمر ما هو متعلق بمشقتها وإنما متعلق بصحة جنينها.

طيب من الذي يفصل هذا الأمر؟ يفصل هذا الأمر لا شك أن الأم تعرف هذا الأمر وينبغي لها أنها تستشير فيه الطبيبة المسلمة الموثوقة، فإذا قالت لها هذه الطبيبة مثلاً: يا أختي أنت عندك مثلاً فقر دم ولا بد أنك تتغذين ولا بد أنك تأخذين هذا الدواء أو هذه المكملات مثلاً الحديد أو مكملات مثلاً أياً كان، لا بد أنك تأخذينها مثلاً كل فترة معينة؛ فينبغي أن تلتزم بهذا وأن تحرص على صحة نفسها. طبعاً نحن نقول يستحب لها أنها تأخذ هذه الرخصة في حق نفسها ولكن يجب عليها أن تأخذ هذه الرخصة في حق جنينها، لاحظتم الفرق؟ لماذا؟ لأن الحامل والمرضع تزيد على قضية المريض بأنها يجب أنها تراعي حق الغير وهو حق الجنين الذي تحمله إما في رحمها أو تحمله بين يديها في حال المرضع.

نقف عند هذا القدر ونختم درسنا لهذا اليوم، لعلنا نفصل إن شاء الله تفصيلاً آخر مثله في درسنا القادم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

صافي ليروي غلته، الضمان وتعلم الفقه الميسر، عاملاً بالشرع دون تعصب.

بشرى لنا زاد، أكاديمية للعلم كالازهار في البستان.