يا راغباً في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم بتقنياته ومجالاته، ومعه تتطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي. أكاديمية زاد، الفقه الميسر من الشرع دون تعصب لفلان، بالعلم كالأزهار في البستان. الحمد لله رب العالمين، ولي المؤمنين، والصلاة والسلام على نبينا محمد النبي الأمي الكريم الأمين، وعلى آله وأصحابه، وعلى من سار على نهجه، واتبع هداهم، واقتفى أثرهم إلى يوم الدين.
أما بعد، إخواني الكرام، أخواتي الكريمات، فإننا نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا إلى ما فيه الخير، وأن يهدينا إلى الحق والصواب، وأن يجعلنا هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين. إخواني وأخواتي، هذا هو الدرس السابع والعشرون من سلسلة دروس الفقه في الفصل الدراسي الثالث في أكاديمية زاد. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الدروس، قائلها وسامعها وناشرها ومن ساهم فيها، وأن يجعلها من العلم النافع في حقنا جميعاً، وأن يجعلها حجة لنا لا حجة علينا، وأن يلهمنا فيها الحق والصواب.
إخواني وأخواتي، كنا قد بدأنا في درسنا الماضي الحديث عن صفة الحج، ويكتسب الحديث عن صفة الحج أهمية بعد الحديث عن أركانه وواجباته وشروطه وسننه؛ لأنه يركب لنا هذه الأركان والواجبات والشروط والسنن تركيباً، وينظمها لنا في سلك واحد، فيعرف طالب العلم أول الأعمال وثانيها وثالثها وآخرها وهكذا. وقد قلنا في صفة الحج إن القادم حين يصل إلى الميقات، فإنه يحرم من الميقات، ويفعل سنن الإحرام، ويجتنب محظورات الإحرام، ويستمر في التلبية حتى يصل إلى مكة.
فإذا وصل إلى مكة، كان المستحب له أن يكون أول شيء يبدأ به الطواف بالبيت، إلا أنه إذا وصل في حال إقامة فريضة، فإنه يصلي حينئذ الفريضة مع الناس. فيقدم إلى البيت فيطوف سبعاً، وتحية البيت الطواف، من بدأ قدومه بالبيت مباشرة فطاف به، لا يحتاج أن يصلي ركعتين تحية المسجد، بل يبدأ مباشرة بالطواف، ثم بعد ذلك يركع ركعتين بعد الطواف، هما ركعتا الطواف كما قد ذكرناه في لقائنا السابق.
ثم بعد أن يركع الركعتين بعد الطواف، وتكون هاتان الركعتان خلف المقام، يذهب إن تيسر له فيستلم الحجر الأسود كما استلمه النبي ﷺ بعد هاتين الركعتين. ثم يتجه بعد ذلك إلى المسعى فيبدأ بالصفا، ويقول حين يتجه إلى الصفا ما قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ ۖ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا ۚ وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 158].
فإذا وصل إلى الصفا، كان المستحب له أن يرقى حتى يرى البيت، فإن لم يتيسر له رؤية البيت، فيكتفي برقي الصفا، ويدعو الدعاء الوارد الذي قلناه: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، نصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده». ثم يسأل الله سبحانه وتعالى بما شاء، يكرر ذلك ويفعله ثلاثاً.
ثم ينزل من الصفا ويتجه إلى المروة، ذهابه إلى المروة سعيه، وعوده من المروة إلى الصفا سعيه، ويسعى سعياً شديداً، ذكرنا أنه الخبب بين الميلين الأخضرين، العلامتين المعلمة اليوم بالعلامات الخضر، يسعى بينهم، وكانت سابقاً وادياً. النبي ﷺ لما مشى أنصبت قدماه في بطن الوادي سعياً، حتى إذا وصل لمنتهى الوادي مشى، يسعى بين العلمين الأخضرين سواء كان في ذهابه إلى المروة أو في عوده من المروة، حتى يتم سبعة أشواط. إذا أتم سبعة أشواط سيكون حينئذ منتهياً على المروة.
فإذا انتهى على المروة، شرع له بعد ذلك أن يتحلل من عمرته إن كان معتمراً أو كان متمتعاً، لأن هذه عمرة تمتع. أما إذا كان مفرداً أو كان قارناً قد ساق الهدي كما فعل رسول الله ﷺ، فإنه لا يتحلل من عمرته، وإذا كان مفرداً، فإن هذا في حقه يعد طواف القدوم، ويعد كذلك في حقه سعي الحج، يعتبر من له قبل يوم النحر، ولا بأس في هذا التقديم إن شاء الله تعالى. الشاهد أن المفرد والقارن لا يتحللان بعد هذا السعي، وأما المتمتع أو المعتمر عمرة في غير أشهر الحج، فإنه يتحلل بعد السعي بالحلق أو التقصير.
والمستحب دائماً لكل معتمر، سواء كانت عمرة تمتع أو عمرة عادية، الأصل المستحب أنه يستحب لهم أن يحلقوا رؤوسهم، الرجال يستحب لهم أن يحلقوا رؤوسهم؛ لأن النبي ﷺ دعا للمحلقين ثلاثاً، فقال: «اللهم ارحم المحلقين». قيل: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: «اللهم ارحم المحلقين». قيل: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: «اللهم ارحم المحلقين». قيل: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: «والمقصرين». فدعا للمحلقين ثلاثاً وللمقصرين مرة. ولا شك أن المسلم عليه أن يحرص على أن تصيبه دعوة رسول الله ﷺ بالرحمة والمغفرة.
إلا أن هنا تنبيهاً، وهو أن المتمتع في عمرة التمتع إن كانت عمرته قريبة من يوم النحر، بمعنى أن عمرة التمتع التي أداها كانت في اليوم السابع مثلاً أو السادس أو كانت في اليوم الرابع مثلاً، يعني الوقت قصير إلى يوم النحر الذي يشرع فيه حلق نسك الحج، فإنا نقول له: لا تحلق رأسك في عمرتك، بل قصر من رأسك في عمرتك حتى يتوفر لك شيء من شعرك لحلقه في يوم النحر. أما إن كان المتمتع قد أدى عمرة التمتع مبكراً، مثلاً في شهر ذي القعدة أو في شهر شوال، فإنه يشرع له أن يحلق كما يشرع لكل معتمر أن يحلق رأسه، لماذا؟ لأنه سيبقى قرابة الشهر حتى يطلع شعره، مثلاً أو ثلاثة أسابيع، وكل إنسان يقدر هذا بحسب حاله.
فالشاهد أنه يستحب للمتمتع إن كان قد ضاق الوقت أن يوفر شيئاً من شعره ليحلق يوم العيد بتمام الحلق أو التقصير. المرأة يشرع لها أن تقصر من كل ظفيرة من ظفائر شعرها، أو من كل جهة من جهة شعرها، قدر الأنملة. بهذا يكون المعتمر والمتمتع قد حلا من عمرتهما. وأما القارن الذي قد ساق الهدي والمفرد، فإنهم لا يحلون، ولا يجوز لهم الحلق ولا التقصير. الله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: 196]. من ساق الهدي فلا يحلق رأسه حتى يبلغ الهدي محله، يعني حتى يوم النحر.
والمفرد لا يحلق رأسه لأنه قد نوى الحج ولم ينوِ العمرة، فلا يحل حتى يأتي يوم النحر ويرمي، فإنه بعد ذلك يحل ويقصر. وأما المتمتع، لماذا قلنا بإحلاله في هذا الموطن؟ لأنه معتمر. لذلك دائماً نفرق بين حكم المتمتع والمعتمر؛ المتمتع الذي لم يسق الهدي والمعتمر، حكمهما في هذا الموطن حكم واحد، يحلون من هذه العمرة التي قاموا بها، بخلاف القارن فإنه لا يحل من عمرته هذه التي قام بها، وإنما يتصل إحرامه إلى يوم الحج، لماذا؟ لأنه قد ساق الهدي. نحن خصصنا هذا الحكم بالقارن الذي قد ساق الهدي مثل رسول الله ﷺ. والنبي ﷺ لما أمر أصحابه رضي الله تعالى عنهم أن يحلوا في هذا الموطن، شق عليهم ذلك؛ لأنهم أرادوا الحج، ولكن النبي ﷺ حثهم على التحلل وقال: «لولا أني قد سقت الهدي لأحللت معكم ولصنعت كما تصنعون». ولكن النبي ﷺ كان سوقه للهدي مانعاً له من الإحلال من عمرته، صلوات الله وسلامه عليه.
فاصل قصير ونعود إليكم بعد الفاصل إن شاء الله تعالى.
بشرى لنا، زادُ أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان. قد وصل بي الحال إلى الغفلة عن الطاعة والتكاسل في أدائها، وكأني لا أشتاق إلى جنة ولا أرهب ناراً، ولا أخشى أن يتخطفني الموت في أي لحظة، ولا أدري ماذا أفعل. كانت هذه رسالة من شاب أصيب بضعف الإيمان نتيجة تكاسله في طاعة ربه وغفلته عنها، ورأى من نفسه كثرة الوقوع في المعاصي، التدرج إلى معاص جديدة، التهاون في أداء الصلوات والتكاسل عن الطاعات، قلة ذكر الله ودعائه، عدم التأثر بآيات القرآن، عدم ذكر الموت أو التأثر به.
كل هذه أعراض لها أسباب منها: فالتواجد في وسط تكثر فيه الغفلة وارتكاب المعاصي، التسويف وطول الأمل، شدة التعلق بالدنيا والغفلة عن الآخرة وحسابها، الإفراط في المباحات والإكثار من الكماليات. فمن أراد النجاة والفلاح، فلينفض عن نفسه غبار التكاسل والتهاون والتسويف، وليبتعد عن أهل الغفلة والسوء والهوى، وليلتزم طاعة ربه ومرضاته وذكره ودعاءه، وليحرص على صحبة صالحة تذكره إذا نسي، وتعينه عند الفتور والكسل؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: 28].
بشرى لنا، زادُ أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان. نعود إليكم بعد هذا الفاصل، ونتابع حديثنا معكم عن صفة الحج. ذكرنا أن المعتمر والمتمتع يحلون من عمرتهم بعد سعيهم، وأما القارن الذي قد ساق الهدي والمفرد، فإنهم لا يحلون حتى يكونوا يوم النحر. فإذا أحل المتمتع والمعتمر، فإنه يباح لهم كل شيء قد حرم عليهم، وهذا إحلال، الإحلال بمعنى أنه صار حلالاً، حل له كل شيء. أما القارن الذي قد ساق الهدي والمفرد، فإنه يبقى حراماً، أي يبقى محرماً على إحرامه.
ما الفرق بين الحلال والمحرم؟ الفرق بينهم في عدد من الأمور وهي محظورات الإحرام. الحلال يجوز له أن يأخذ من شعره، يجوز له أن يقلم أظفاره، يجوز له أن يمس الطيب، يجوز له أن يلبس المخيط، يجوز له أن يأتي أهله وأن يجامعهم وأن يباشر، ثم أن يعقد النكاح، كل هذه مباحة له. أما المحرم فلا يجوز له كل هذه الأمور. طيب، سؤال: هل الحلال الذي أحل، يجوز له قتل الصيد؟ نقول: يختلف، إن كان داخل حدود الحرم، فلا يجوز له قتل الصيد؛ لأن الحرم له حرمة مكانية ثابتة سواء كان الشخص حلالاً أو حراماً. لكن إن خرج من حدود الحرم، فإنه يجوز له الصيد؛ لأنه قد حل، ويرجع إلى مكة مرة ثانية فلا بأس.
طيب، يبقى المتمتع محلاً أو حلالاً حتى يأتي اليوم الثامن، وأما القارن الذي قد ساق الهدي والمفرد، فإنه يبقى حراماً إلى اليوم الثامن. فإذا جاء اليوم الثامن، شرع لجميع الحجاج، سواء كانوا متمتعين أو قارنين أو مفردين، شرع لهم أن يصلوا الظهر بمنى، والنبي ﷺ صلى صلاة الظهر في اليوم الثامن بمنى. صلى بمنى في ذلك اليوم خمس صلوات؛ أربع صلوات في يوم ثمانية ثم بات بها، صلوات الله وسلامه عليه، ثم صلى بمنى فجر التاسع. إذاً هذه خمس صلوات صلاها النبي ﷺ بمنى.
يشرع للحاج، سواء كان متمتعاً أو قارناً أو مفرداً، أن يأتي منى فيصلي بها صلاة الظهر من اليوم الثامن ويبقى بها خمس صلوات. هنا تنبيه: القارن والمفرد ظاهر وضعهم ولا إشكال فيه إن شاء الله تعالى؛ لأنهم أصلاً محرمون، يتحركون إلى منى. المتمتع ماذا يفعل؟ لأنه أصلاً محل حلال، نقول: إنه يهل من مكة، يهل من مكة، كيف يهل من مكة؟ يستعد، يتجرد من المخيط كما فعلنا نحن عند الميقات بحقهم جميعاً، ما قلنا عند الميقات سنن الإحرام ومحظورات الإحرام وواجبات الإحرام يفعلها، ولكن في مكة.
فماذا عليه أن يفعل المتمتع؟ نقول: أول شيء تجرد من المخيط، البس إزاراً ورداءً أبيضين نظيفين، تقول: لبيك ثم حجا، وتمتنع من الطيب، وتمتنع من جميع محظورات الإحرام؛ سواء كان لبس المخيط، أو تغطية الرأس، أو تقليم الأظفار، أو حلق الشعر، أو الجماع، أو المباشرة، أو عقد النكاح، أو الصيد، أو غيره، تمتنع خلاص، يحل بعد السعي ثم يهل في اليوم الثامن. هذا المتمتع فإذا أهل بالحج قال: لبيك اللهم حجا، صبح الثامن، ضحى الثامن، لماذا؟ حتى يقدم صلاة الظهر يوم ثمانية في منى وهو محرم.
يبقى الحاج بمنى، وهذا اليوم يسمى يوم التروية، وكان الحجاج يتزودون فيه بالماء لذلك سمي يوم التروية. يشرع للحاج أن يبقى هذا اليوم ويصلي بمنى الظهر والعصر والمغرب والعشاء قصراً دون جمع. لا يشرع للحاج الجمع، دائماً هذه خذوها قاعدة: لا يشرع لأي مسافر ولا حاج الجمع بين الصلوات إلا الجمع المذكور في عرفة، وهو أنه ﷺ جمع بين الظهر والعصر جمع تقديم بعرفة، وجمع بين المغرب والعشاء جمع تأخير في مزدلفة. والمسافر قد ذكرنا قاعدته، وهو أن الجمع يشرع له إذا جد به السير.
فالآن هذا الموطن في منى، لاحظوا أن الحجاج مقيمون بمنى ليسوا جادين في السير، يعني ليسوا في سير ويسيرون، وكذلك ليسوا في عرفة ولا مزدلفة في الموطن الذي يباح فيه جمع النسك. إذاً نقول: الحاج ينبغي له أن يصلي كل صلاة في وقتها، هل يجوز له الجمع؟ نقول: يجوز له الجمع ولكنه خلاف السنة، يجوز له الجمع إن كان مسافراً ولكنه خلاف السنة. طيب، فيقصر الصلوات بمنى، ولكن تكون هذه الصلوات في أوقاتها، ويبيت بمنى.
وهذا المبيت سنة، ما الفرق بين هذا المبيت والمبيت بمنى في ليالي التشريق أو المبيت بمزدلفة أو الوقوف بعرفة؟ لماذا لم نقل بحكم أن النبي ﷺ بات بمنى في اليوم الثامن، بقي بها إلى صلاة الفجر، ما الفرق بين هذا المنسك وهذا المشعر وغيره من المناسك، ولماذا لم يكن واجباً كغيره؟ خصوصاً أن النبي الكريم ﷺ قد قال: «خذوا عني مناسككم».
حقيقة هناك حديث قوي عند أهل العلم، ألا وهو حديث عروة بن المضرس، له عدد من الدلالات. عروة بن مضرس أدرك النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر في جمع عند المشعر الحرام في مزدلفة، فقال: يا رسول الله، ما تركت من جبل إلا وقفت عليه، أتعبت نفسي وأكللت راحلتي وما تركت من جبل إلا وقفت عليه، فهل لي من حج؟
فقال النبي صلى الله عليه وسلم المقولة التقعيدية المعروفة المشهورة: «من أدرك صلاتنا هذه، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً، فقد تم حجه وقضى تفثه». قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فقد تم حجه وقضى تفثه» دل دلالة على أن الأعمال التي قبل هذا الوقت، قبل صلاة الفجر بمزدلفة -غير عمل ذكر الله سبحانه وتعالى في المزدلفة الذي ذكرناه، أنه إما أن يصلي بها المغرب والعشاء أو يصلي الفجر- التي عبر عنه النبي الكريم صلى الله عليه وسلم بقوله: «من أدرك صلاتنا هذه»، وغير الوقوف بعرفة، وكان قد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً، فقد تم حجه.
إذاً النبي صلى الله عليه وسلم ذكر هذين الأمرين، مزدلفة وعرفة، وقال إن من أتى بهما فقد تم حجه. طبعاً لم يأتِ وقت أعمال يوم النحر التي ستأتينا، لكن ذكر هذين الواجبين؛ ركن عرفة وواجب المبيت بمزدلفة، وقال: «فقد تم حجه وقضى تفثه». استنبط منها أهل العلم أن الأعمال قبل يوم النحر لا يجب منها إلا هذين الشيئين: المبيت بمزدلفة الذي عبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم: «من أدرك صلاتنا هذه» -على تفصيل سنأتي له إن شاء الله تعالى في حال المبيت- والوقوف بعرفة، وكان قد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً.
استنبط منه أهل العلم إذاً أن المبيت بمنى في اليوم الثامن أنه غير واجب. كذلك استنبط منه أهل العلم مثلاً أن الذهاب إلى عرفة نهاراً أو الذهاب إلى نمرة ضحى أن هذا أمر غير واجب، وأن لو قدم عليها مساءً فإن هذا أمر جائز. كذلك استنبط منها أهل العلم أن النزول بنمرة مثلاً نزول غير واجب. كذلك استنبط منها أهل العلم عدداً من الاستنباطات، أننا مثلاً الإقامة بمنى في اليوم الثامن، المبيت بها ليلة التاسع، صلاة الفجر بها في صبح عرفة، البقاء في نمرة، دخول عرفة بعد زوال الشمس مبكراً، لا، خلاص، النبي حدد: «وكان قد وقف بعرفة ليلاً أو نهاراً».
إذاً هذا الحديث إذا دلنا على الأمور الواجبة؛ حديث عروة بن مضرس الأمور الواجبة قبل عرفة. لذلك استنبط منها أهل العلم، وكان شبه اتفاق عند أهل العلم، أن المبيت بمنى في اليوم الثامن ليلة التاسع أنه غير واجب، لاحظوا هذا بخلاف المبيت بمنى في أيام التشريق، فإن جمهور أهل العلم على وجوبه. إذاً حديث عروة بن مضرس يعتبر صارفا عن الوجوب جميع الأفعال التي فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل يوم النحر غير المبيت في مزدلفة وغير الوقوف بعرفة. هذا صرفها عن الوجوب؛ لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وكان قد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً»، وقال: «أدرك صلاتنا هذه»، فقط «فقد تم حجه وقضى تفثه». إذاً لم يلزم النبي صلى الله عليه وسلم عروة بن مضرس بدم مثلاً، أو دله على كفارة لأجل تركه المبيت بمنى في اليوم الثامن. هذا وجه دلالة من حديث عروة بن مضرس.
الزواج هو الصلة التي ارتضاها الإسلام لإعفاف النساء والرجال واستمرار النسل لمواصلة إعمار الأرض وإصلاحها. وهو عقد مودة فيه سكن للنفس وارتياح للقلب، قال تعالى: ﴿تَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21]. والمرأة المسلمة حين تقبل على الزواج فهي تقدم على مرحلة جديدة في حياتها، تعد مرحلة مهمة وجليلة الشأن، فلا بد أن تعرف متطلبات نجاحها، فإن جزءاً كبيراً من سعادة بيتها واستقراره بيديها إن هي أحسنت التهيؤ والاستعداد لهذا الأمر.
ومن حسن الاستعداد الاهتمام بحسن الاختيار على أسس صحيحة وأهمها الدين والخلق، الاستخارة والاستشارة للوصول إلى القرار الأقرب إلى الصواب، الاستفادة من فترة الخطبة في التأكد من مصداقية الخاطب وسلوكه، الاستعداد نفسياً وبدنياً لمسؤوليات وشؤون بيت الزوجية، إثراء فهمها ووعيها بمرحلة الزواج ومتطلبات نجاحها، سواء بالقراءة أو بتجارب الناجحات ووصاياهن، أو بالالتحاق بدورات تثقيفية في هذا الأمر. معرفة حقوقها وما يجب عليها تجاه زوجها، وأن حسن تبعلها لزوجها ليس لنجاح زواجها فقط، بل هو قربة وعبادة لله تعالى. ولتعلم المرأة أن بيت الزوجية هو مملكتها الجميلة ومستقر سعادتها ومحضن أطفالها، وبحسن تصرفها في تدبيره ورعايته تتضاعف سعادتها وتنال رضا الله وجميل ثوابه.
نعود إليكم ونتابع حديثنا معكم عن صفة الحج. وذكرنا أن الحاج يصلي الفجر بمنى في اليوم التاسع بعد أن بات بها في اليوم الثامن ليلة التاسع، فإذا صلى الفجر شُرع له أن يتحرك ضحى بعد طلوع الشمس، يتحرك إلى نمرة أو إلى عرفة. النبي صلى الله عليه وسلم لما تحرك من منى صلوات الله وسلامه عليه، أمر بقبة ضُرِبت له بنمرة وهي قرية أو مكان دون عرفة، بقي النبي صلى الله عليه وسلم بها إلى زوال الشمس، فنزل صلوات الله وسلامه عليه في بطن عرنة، فخطب بالناس صلوات الله وسلامه عليه الخطبة المعروفة وهي خطبة عرفة. ثم إنه بعد خطبته صلى الله عليه وسلم أمر المؤذن فنادى، أذّن بصلاة الظهر، ثم صلى بهم الظهر قصراً، ثم صلى بهم العصر صلوات الله وسلامه عليه قصراً، وهذا جمع تقديم. ثم بعد ذلك دخل إلى عرفة.
إن تيسر للحاج موافقة هدي النبي صلى الله عليه وسلم فلا شك أن هذا حسن إن شاء الله تعالى، والغالب أن الناس اليوم يتجهون إلى عرفة مباشرة ولا ينزلون بنمرة، وأهل العلم قد ذكروا هل نزول النبي صلى الله عليه وسلم بنمرة هل هو نزول نسك أم هو نزول متيسر، الحاجة المتيسرة له؟ والظاهر والله تعالى أعلم أن هذا نزول حاجة متيسر له وأنه ليس من قبيل النسك، والله تعالى أعلم، فلا يقال إنه يستحب للحاج أن ينزل بنمرة.
الشاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الظهر والعصر صلوات الله وسلامه عليه ببطن عرنة في موضع المسجد المعروف اليوم مسجد نمرة، الناس يسمونه مسجد عرفة أو يسمى مسجد نمرة أو يسمى مسجد عرنة. هذا المسجد بُني في المكان الذي خطب فيه النبي صلى الله عليه وسلم، وصلى به رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الظهر والعصر. لاحظوا أيها الإخوة والأخوات، قد نبهنا على هذا التنبيه، أن الجزء الأمامي من المسجد في موضع صلاة النبي صلى الله عليه وسلم خارج حد عرفة، ولكن بعد أن وُسّع المسجد عدداً من التوسعات صار جزءه الخلفي من حدود عرفة. لذلك من أراد أن يقف وقفة عرفة في هذا المسجد، فعليه أن يقف في الجهة الخلفية، وكلا النوعين من الناس، سواء من وقف وبقي في الجهة الأمامية أو الجهة الخلفية نقول حجهم صحيح، باعتبار أن أبواب المسجد قد جُعلت في الجهة الخلفية من المسجد، لذلك كل داخل إلى المسجد سواء جلس في مقدمه أو في مؤخره قد مر بعرفة قطعاً، لأن أبواب المسجد خلفية داخل حدود عرفة، فهو حين دخوله وحين خروجه قد دخل عرفة فيصح حجه إن شاء الله تعالى، وهذه فكرة حسنة وجيدة ولطيفة، كون أن جُعلت الأبواب فقط في الجهة الخلفية حتى يدخل الناس ويمروا بعرفة. لكن لو جُعلت الأبواب أمامية، لو جُعل هناك أبواب أمامية لربما تخيلنا أو تصور دخول إنسان إلى المسجد وبقاؤه في الجهة الأمامية ثم خروجه من الباب الأمامي ولا يدخل إلى عرفة طبعاً ولا يصح حجه، وهذا لا شك أنه إشكال كبير، ولكن بفضل الله سبحانه وتعالى أن هذه الفكرة الحسنة مطبقة وموجودة، أن الدخول يتم من الأبواب الخلفية.
يستحب لمن وقف بعرفة أن يتفرغ لذكر الله سبحانه وتعالى ودعائه. في هذا الموقف الذي تفرغ النبي صلى الله عليه وسلم فيه للذكر والدعاء، أيها الإخوة، من تأمل عدداً من الأمور علم عظمة هذا اليوم، هذا اليوم من خير الأيام عند الله سبحانه وتعالى، وقد قال بعض أهل العلم إن هذا اليوم خير وأفضل عند الله سبحانه وتعالى من يوم النحر، وقال بعض أهل العلم إن يوم النحر أفضل وأعلى وأعظم وأجل عند الله سبحانه وتعالى. ولا شك أن هذين اليومين يومان عظيمان، يحتاج المسلم في الحقيقة في هذين اليومين أن يتفرغ فيهما لذكر الله ولعبادته خصوصاً في يوم عرفة. يوم عرفة ينزل الله سبحانه وتعالى إلى السماء الدنيا فيباهي بعباده ملائكته ويقول: «هؤلاء عبادي أتوني شعثاً غبراً». على أهل الموقف أن يقدروا وأن يعظموا هذا النزول الإلهي إلى أهل الموقف في عشية عرفة.
كذلك مما يدل على عظمة هذا اليوم وعظمة التفرغ للدعاء فيه، أن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم شرع فيه الجمع بين الظهر والعصر جمع تقديم لأجل التفرغ إلى الدعاء، وهذا الجمع جمع نسك، فغير أهل النسك لا يُشرع لهم هذا الجمع. كذلك مما يدل على عظيم هذا اليوم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشتغل فيه بحديث ولا بطعام ولا بشراب، بل إن الناس شكوا هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم صائماً، هذا دليل على انشغال النبي صلى الله عليه وسلم بالدعاء، فأرسلت أم الفضل بنت الحارث رضي الله تعالى عنها بقدح من لبن، فشرب منه النبي صلى الله عليه وسلم شربة ثم رده، فعلم الناس أنه ليس بصائم من هذه الشربة التي شربها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
إذاً هذا فيه دلالة أيها الإخوة والأخوات على أن من يسّر الله سبحانه وتعالى له الوقوف في هذا الموقف حاجاً متعبداً لله سبحانه وتعالى، عليه أن يستغل هذا الموقف وألا يضيع هذه اللحظات، وحسافة وحسرة من قدم وتعب حتى وصل إلى عرفة ثم ضيع هذا الموقف في السواليف وفي الكلام وفي الأكل وفي الشرب وفي النوم. كلها كم مدة هذه الوقفة؟ من زوال الشمس صلاة الظهر والعصر إلى غروب الشمس، يعني لا تتجاوز الأربع الساعات أو الخمس ساعات، فإن طالت فهي ست ساعات، لا تزيد على حد، فما أحرانا أيها الإخوة والأخوات أن نتفرغ في عبوديتنا، أن نأطر أنفسنا على الذكر لله سبحانه وتعالى، دعاء الله سبحانه وتعالى، وقد جاء في الحديث: «خير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير». على المسلم أن يكثر من هذا الدعاء؛ التهليل والتسبيح والتحميد والتكبير والتلبية وقراءة القرآن ودعاء الله سبحانه وتعالى وسؤاله وطلبه. النبي صلى الله عليه وسلم وقف بعرفة صلوات الله وسلامه عليه رافعاً يديه يدعو صلوات الله وسلامه عليه في هذا الموطن الجليل.
كذلك من التنبيهات التي ننبه إليها إخواننا وهو عدم النوم في هذه اللحظات، للأسف بعض الناس ربما -وهذا حقيقة ناتج عن الأكل والشرب والسواليف وغيرها- ينتج عنه النوم والكسل في طاعة الله سبحانه، لا، على المسلم أن يجتهد وأن يؤجل مبيته إلى مزدلفة كما فعل النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه. يقف الحاج بعرفة إلى غروب الشمس، فإذا غربت الشمس مكث قليلاً ثم بدأ الانصراف إلى مزدلفة، يتوجه إلى مزدلفة للمبيت بها، وهذا هو الواجب الثاني من الواجبات في هذا اليوم العظيم الجليل يوم عرفة. وقد ذكر أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن مكث قليلاً بالصلاة، فقال: الصلاة يا رسول الله، والنبي صلى الله عليه وسلم رد عليه وقال له: «الصلاة أمامك»، فيه دلالة على أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يصلي المغرب والعشاء بمزدلفة. فلما وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى مزدلفة صلى بها المغرب والعشاء جمع تأخير، وهذا هو الموطن الثاني من جمع النسك، جمع النسك يكون في عرفة ظهراً وعصراً، وفي مزدلفة المغرب والعشاء، هذا جمع النسك.
فبعد أن جمع صلى الله عليه وسلم بين الصلاتين بات صلوات الله وسلامه عليه بمزدلفة حتى أصبح، إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد سيّر النساء والثقل معهم، الصبيان ومعهم بعض من يرافقهم، سيّرهم النبي صلى الله عليه وسلم مزدلفة ليلاً حتى لا يحطمهم الناس في نفرة الصبح. لاحظوا هنا أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما سيّرهم من مزدلفة بعد أن قضوا جزءاً من الليل، وقد جاء في حديث أسماء رضي الله تعالى عنها أنها كانت دائماً تخرج من مزدلفة بعد مغيب القمر، فكانت تسأل: أغاب القمر؟ فإذا قيل لها قد غاب القمر انصرفت، هذا حد حسن الخروج من مزدلفة، وهو غالباً يكون بعد، في غياب القمر يكون في ثلث الليل الآخر، في بداية ثلث الليل الآخر أو بعد منتصف الليل بشيء يسير، فيُشرع حينئذ الانصراف من مزدلفة للنساء والصبيان ومن يرافقهم.
وأما الرجال فحقيقة ينبغي لهم أن يأخذوا، الأقوياء الأشداء، فينبغي لهم أن يأخذوا بالهدي الأتم الأكمل الذي حرص عليه الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه، وهو البقاء بمزدلفة حتى صلاة الصبح. النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الصبح في مزدلفة في أول ميقاتها.
مباشرة عند انفجار الصبح أذّن صلوات الله وسلامه عليه وأقام، ثم وقف صلى الله عليه وسلم بمزدلفة وبقي بها يدعو الله سبحانه وتعالى إلى الإسفار، أي قبل إشراق الشمس. الإسفار هو انتشار النور قبل شروق الشمس.
فاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من مزدلفة عند الإسفار متجهاً إلى منى ليشرع في أعمال يوم النحر التي سوف نأتي إن شاء الله تعالى على تفصيلها في لقائنا القادم. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم للهدى، وأن ييسر لنا ولكم حجة مقبولة على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
متطلع بزيادة الإيمان وتريد ميسوراً بأي مكان، وتعلم الفقه الميسر عاملاً بالشرائط ودون تعصب لفلان.
د. منصور بن عبد الرحمن الغامدي