تسجيل الدخول

المحاضرة 29 - أركان الصلاة

منصور بن عبد الرحمن الغامديد. منصور بن عبد الرحمن الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما. إخواني وأخواتي في أكاديمية زاد، هذا هو الدرس التاسع والعشرون من سلسلة دروس الفقه.

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك فيما قلنا وفيما نسمع، وأن يجعلنا ممن ينتفع بهذا العلم، وأن يجعل هذا العلم حجة لنا لا علينا. كنا قد وقفنا عند أركان الصلاة وتحدثنا عن بعض أركانها، وقلنا إن من أركانها القيام وقراءة الفاتحة وتكبيرة الإحرام. وذكرنا كذلك من أركانها الركوع والرفع من الركوع. اليوم نريد أن نتحدث إن شاء الله تعالى عن السجود.

ولا شك أيها الإخوة أن السجود ركن من أركان الصلاة، وقد جاء الأمر به في كتاب الله سبحانه وتعالى في قوله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُم﴾ [الحج: 77]. وجاء في سورة آل عمران في قصة مريم عليها السلام: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: 43]. وجاء في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر المسيء صلاته أن يسجد حتى يطمئن ساجدا.

والسجود كما جاء في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة» -وأشار بيده إلى أنفه- «واليدين والركتين وأطراف القدمين». فهذا يدل على أن الرأس شاملا الجبهة والأنف يعد عضوا، واليدين والركبتين وأطراف القدمين، والحديث هذا متفق عليه. وهذا يبين لنا الأعضاء التي يسجد عليها الإنسان التي تلامس الأرض حين سجوده، بدءا من رأسه جبهته وأنفه.

ثم النبي صلى الله عليه وسلم أشار إلى أنفه، فيه دلالة على أن الأنف لابد أن يلاصق الأرض؛ لأن بعض الساجدين ربما ألزق جبهته بالارض ولكنه رافع أنفه عن الأرض، فمثل من أشخص رأسه نحو الأرض فلامست جبهته الأرض ولم يلمس الأنف، وهذا خطأ. لابد للإنسان في سجوده أن يستوي رأسه على الأرض فتسجد جبهته وأنفه، تمس الأرض. واليدين، لاحظوا التعبير باليدين، هذا معناه أن اليدين ممدودتين بالأصابع تكون ممدودة باتجاه القبلة تلامس الأرض. الركبتين، وفي حديث قال وأطراف القدمين.

وهذا فيه دلالة أن القدم لا تمس، ليس باطن القدم هو الذي يمس الأرض، وإنما أطراف القدمين. ومما ينبغي التنبيه له أن أطراف القدمين لا يسجد الإنسان عليها بحيث تكون أصابعه متجهة إلى الأرض، لا، وإنما يسجد الإنسان بحيث تكون اطراف أصابعه -أطراف أصابع قدمه هكذا- أطراف أصابع قدمه متجهة نحو القبلة. فبهذا تكون هذه السبعة الأعظم هي التي يجب على الإنسان أن يمسها الأرض في حال سجوده.

وقد جاء في حديث أبي حميد الساعدي رضي الله تعالى عنه قال: فإذا سجد -أي النبي صلى الله عليه وسلم في وصفه لسجود النبي صلى الله عليه وسلم- قال: «فإذا سجد وضع يديه غير مفترش ولا قابضهما». والافتراش هذا إحدى صفات السجود المنهي عنها. الافتراش أن يسجد الإنسان بحيث تمس ذراعه الأرض على هذه الهيئة، فيسجد الإنسان وهذا الافتراش يجعل الإنسان هيئته كهيئة الكلب، والصلاة نهي عن التشبه فيها بهيئات الحيوان.

لكن من الهيئات المنهي عنها في السجود أن يفترش الإنسان يديه؛ بمعنى أنه يلصق ذراعه بالارض، المنكب يكون ملاصق للأرض واليدين. إذا، ما هي الهيئة المأمور بها في السجود أو المشروعة في السجود؟ أن يضع يده على الأرض، ويرفع عن الأرض منكبه ومرفقه. أما إذا لامست الذراع الأرض، هذه هي هيئة الافتراش.

جاء في حديث أبي حميد رضي الله تعالى عنه قال: ثم سجد، فإذا سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع يديه غير مفترش ولا قابضهما. لا يشغل انسانا أن يقبض أصابعه حال السجود، بخلاف هيئة الإنسان في حال الركوع، جاء في حديث أبي حميد الساعدي رضي الله تعالى عنه قال: «فإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه»، أي إمكان اليدين من ركبتيه هذه في حال الركوع، أي أنه يقبض على ركبتيه مفرج الأصابع. يعني ما هو الفرق بين هيئة اليدين في الركوع وفي السجود؟

في الركوع أمكن يديه من ركبتيه ثم هصر ظهره، كما جاء في حديث أبي حميد الساعدي رضي الله تعالى عنه: أمكن يديه من ركبتيه، يعني أي قبض بيديه على ركبتيه مفرقة الأصابع. أما هيئة اليدين في السجود فقد جاء في حديث أبي حميد قال: وضع يديه غير مفترش -هذه صفة الافتراش المنهي عنها التي ذكرنا- ولا قابضهما، وانما تكون اليد مبسوطة الأصابع متجهة إلى القبلة ممدودة إلى القبلة، هذه هي الهيئة الشرعية في السجود المشروع الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم.

لا شك أن ثمة أخطاء في بعض الصفات التي تحصل من الناس، من هذه الأخطاء الافتراش كما ذكرنا، من هذه الأخطاء مثلا قبض اليدين، من هذه الأخطاء رفع الأنف عن الأرض. مثلا بعض الناس كذلك ربما لم تلامس اطراف قدميه الأرض، تبقى معلقة مرفوعة مثلا، تبقى معلقة ولا يلامس بها الأرض، فيكون هذا في واقع الأمر ساجدا على خمسة أعظم وليس ساجدا على سبعة أعظم. لابد أن أطراف القدمين تمس الأرض.

بعض الناس ربما من هذا نوع من أنواع العبث في الصلاة كذلك؛ رفع إحدى قدميه على الأخرى مثلا، هذه ربما بعض الأطفال أو بعض الصغار يلعب في الصلاة ويرفع قدم على قدم، لا، الواجب أن تكون القدمين مصفوفة ملامسة للأرض. في حديث أبي حميد الساعدي رضي الله تعالى عنه قال: «فإذا سجد وضع يديه غير مفترش ولا قابضهما واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة».

وهذا فيه بيان أن القدم لا توضع باطن الاصابع على الأرض، وإنما تكون أطراف الاصابع متجهة نحو القبلة بهذا الشكل، أطراف أصابع القدمين -أنا أعني أطراف أصابع القدمين- تكون متجهة نحو القبلة والقدم تكون منصوبة مرتفعة. هذه هي هيئة السجود المشروعة، وبينَّا بعض الهيئات غير المشروعة.

نريد أن ننتقل بعد ذلك إلى ركن آخر من أركان الصلاة، ألا وهو ركن الرفع، ركن الرفع من السجود والجلسة بين السجدتين. هذه الجلسة هي متوسطة بين السجدتين في كل الصلوات، في كل الصلوات التي يصليها المسلم على جميع أنواعها وفروضها وهيئاتها، تكون الركعة فيها على سجودين.

الركعة الواحدة مشتملة على سجودين وتكون مشتملة على ركوع واحد، إلا في صلاة الكسوف والخسوف كما سنبينه إن شاء الله تعالى في موطنه، فإنها تكون بركوعين، الركعة الواحدة تكون بركوعين. لكن السجود هذا مطرد في انواع الصلوات كلها فرضها ونفلها، أنه يكون في الركعة الواحدة سجدتان بينهما هذه الجلسة، وهي جلسة بين السجدتين.

كيف يجلس الإنسان بين السجدتين؟ يجلس الإنسان بين السجدتين جلسة الافتراش، ما هي جلسة الافتراش؟ أن ينصب قدمه اليمنى، مستقبلا بأطراف أصابع قدمه اليمنى القبلة، ويثني اليسرى ويجلس عليها. هذه الجلسة يسميها أهل العلم جلسة الافتراش.

وهذه الجلسة تشرع حين الجلوس بين السجدتين، وحين التشهد الأول. في الصلاة الرباعية، أو في التشهد الوحيد في الصلاة الثنائية التي هي صلاة الفجر؛ إذا كانت الصلاة ذات تشهدين، فإن التشهد الأول يشرع أن يكون على صفة الافتراش، والتشهد الثاني يشرع أن يكون على صفة التورك.

وأما الصلاة ذات التشهد الواحد كصلاة الفجر، فإنها يشرع أن تكون على جلسة الافتراش. هذه الجلسة التي وصفناها ينصب اليمنى، وقد جاءت في عدد من الأحاديث؛ حديث أبي حميد وحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنه وغيرهما. جلسة ينصب القدم اليمنى، ويثني اليسرى أي يفترشها ويجلس عليها.

ماذا يقول في هذه الجلسة بين السجدتين؟ يقول: رب اغفر لي، كما سيأتينا إن شاء الله تعالى في واجبات الصلاة. لكن نحن هنا نفرق بين أمرين؛ بين الهيئة العملية الفعلية وهذه ركن من أركان الصلاة، وبين الذكر الواجب فيه وهذا واجب من واجبات الصلاة.

إذاً لما نحن عن السجود نقول: السجود ركن، وأما أن يقول سبحان ربي الأعلى في سجوده مثلاً، أو أن يدعو في السجود أو غير ذلك من الأذكار الواردة في السجود، هذه من واجبات السجود أن أقول سبحان ربي الأعلى في سجوده، لكن الركن الهيئة العملية الفعلية أن يسجد في صلاته.

الجلسة بين السجدتين هذا ركن من أركان الصلاة، والذكر الواجب فيها هذا من واجبات الصلاة كما سيأتينا. نحن قد فصلنا ربما في درس سابق في الفرق بين الركن والواجب، وقلنا إن كلا هذين الأمرين من الأمور الواجبة المفروضة، ولكن وجوبهما يتفاوت قوة وضعفاً، وهذا سنبينه إن شاء الله تعالى عند الحديث عن واجبات الصلاة.

لأن الفرق بينها وبين الركن ليس من حيث استدعائها وطلبها، كلها مطلوبة، ولكن درجة الوجوب في الركن أقوى من درجته فيما اصطلح أهل العلم على تسميته بالواجب من واجبات الصلاة. إذاً نحن نقول: الجلسة بين السجدتين، وقد جاءت في حديث المسيء صلاته أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً».

من الأخطاء الموجودة عند بعض المصلين في هذه الجلسة هي سرعة هذه الجلسة وعدم الاطمئنان فيها. فما إن يرفع جذعه من هذا السجود إلا ويرجع مرة أخرى فيسجد مرة أخرى بسرعة، ولا تستقر عظامه ومفاصله جالساً، لم يطمئن جالساً وإنما بمجرد أن يرفع يسجد مباشرة.

وهذا في الحقيقة مخالف لركن الطمأنينة الذي سوف نفصل فيه إن شاء الله تعالى، والذي بينه النبي صلى الله عليه وسلم في حديث المسيء صلاته أتم بيان، كما جاءنا وكما روى لنا هذه القصة أبو هريرة رضي الله تعالى عنه، ولعلنا نذكر ركن الطمأنينة في الصلاة ولكن بعد هذا الفاصل إن شاء الله تعالى.

نعود إليكم بعد هذا الفاصل مواصلين الحديث إن شاء الله تعالى عن أركان الصلاة. وكنا قد تحدثنا عن جملة من الأركان في الدرس السابق، وفي هذا الدرس من الأركان المهمة في الصلاة ولعلنا نشير إليه الآن، هو ركن الطمأنينة في الصلاة.

ركن الطمأنينة في الصلاة بمعنى التؤدة والخشوع العملي، البقاء والمكث الذي يقوم به المسلم وحده. الواجب المفروض أن تستقر عظامه ومفاصله على الهيئة التي أوجبها الله سبحانه وتعالى في هذا الركن، فمثلاً ما هو حد الطمأنينة في الركوع؟ أن يركع حتى يستوي ظهره. لاحظوا الآن يستوي ظهره ويمكث قدرا في هذا الاستواء ثم بعد ذلك يرفع.

لكن لو أن الإنسان ركع هكذا يعني لم يبق في الركوع فترة تستقر فيها عظام ومفاصل ويستقر فيها، يعني ليس الركوع هيئة فقط مثل التمرين الرياضي نزول وصعود، يجب أن يكون ثمة نزول يبقى معه الإنسان ثم بعد ذلك صعود وارتفاع. نفس الأمر في الارتفاع. بعض الناس من أخطائه في الصلاة أنه حين يرتفع من الركوع لا يستوي ويبقى قائماً، يرتفع هكذا ثم يرجع ويسجد، فإذا ارتفع من السجود جلس وسجد مرة أخرى.

هذا خطأ، هذا كله خطأ، يجب على الإنسان، بل هو ركن من أركان الصلاة. من أين أخذنا أنه ركن؟ النبي صلى الله عليه وسلم قال لهذا الرجل المسيء صلاته، قال يا رسول الله لا أحسن غير هذا فعلمني، قال له في المرة الأولى: «ارجع فصل فإنك لم تصل». قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فإنك لم تصل» يدلنا على أن الطمأنينة ركن من أركان الصلاة، وأنه إذا فقد هذا الركن لم تصح الصلاة.

من أين أخذناها أنها لم تصح؟ من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ارجع فصل فإنك لم تصل». ولعلكم تذكرون أننا قلنا إن الركن هو واجب من واجبات الصلاة، إلا أن وجوبه وجوب قوي تبطل الصلاة بعدمه، لأن ثمة من الواجبات ما يجبر بسجود السهو.

لاحظوا أن في حديث المسيء صلاته لم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بأن يسجد سجدتي السهو، وإنما أمره أن يعود فيصلي: «ارجع فصل». هذا دليل على أن ثمة أمرا مفقودا أبطل الصلاة، كان لهذا الفقدان مبطل للصلاة. إذاً هذه رتبة قوية في الوجوب، وثمة من الواجبات ما يأثم الإنسان بتركه عمداً، ولكن إذا تركه سهواً أو خطأً فانه يجبره بسجود السهو، وهذه رتبة الواجبات التي سنبينها إن شاء الله تعالى في درس لاحق.

فالشاهد من أين أخذنا ركنية الطمأنينة في الصلاة؟ نقول: من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً». هذا يدلنا على وجوب الطمأنينة. طيب من أين أخذنا ركنيتها وأن عدمها مبطل للصلاة؟ نقول: أخذناه من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ارجع فصل فإنك لم تصل».

لذلك حديث المسيء صلاته عند أهل العلم يعد بياناً لأركان الصلاة الواجبة التي تبطل الصلاة بعدمها، لأن النبي صلى الله عليه وسلم يمكننا أن نقول إنه علم هذا الشخص الحد الأدنى الذي تصح به الصلاة. وإن كان ثمة من الفضائل والسنن والهيئات مثلاً ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله أو يحث عليه أو يأمر به ولم يأمر بها في هذا المقام، فهذه تدلنا على أن هذه الهيئات إما أن تكون من الأمور الواجبة وإما أن تكون من الأمور المستحبة.

طيب في حديث المسيء صلاته قال: لا أحسن غير هذا فعلمني. قال: «إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تعتدل قائماً». وجاء في بعض الأحاديث قال: «حتى يعود كل فقار مكانه». حتى يعود كل فقار مكانه؛ أي أن هذا القيام قيام معتدل تطمئن فيه.

إذاً الطمأنينة في الصلاة هي البقاء لفترة من الوقت على هذه الهيئة على هيئة الركن هذا حتى تستقر العظام والمفاصل. هل يلزم بعد استقرار الإنسان أن يبقى كذلك فترة إضافية؟ قال بعض أهل العلم كذلك: إنه يبقى فترة يعني بقدر أدائه للذكر الواجب، يعني لا يجوز للإنسان مثلاً أنه إذا استقر قائماً

أن يركع مباشرة، لا، وإنما يستقر قائماً، ويبقى ثوانٍ، أو مثلاً أكثر من ذلك، بقدر ما يقول مثلاً: «اللهم ربنا لك الحمد»، ثوانٍ معدودة يبقاها الإنسان وهو مستقر قائماً.

وهو مستقر قائم، ثم يسجد السجود، كذلك يبقى فترة بقدر ما يقول: «سبحان ربي الأعلى»، ثم يرفع بقدر ما يقول: «ربي اغفر لي»، ثم يسجد، وهكذا. طيب، هذا نبهنا للطمأنينة لما يحصل فيها حقيقة من خلل، خصوصاً في ركن الجلسة بين السجدتين. بعض الناس يرفع وينزل مباشرة، أو يحصل كذلك الخلل فيها في ركن الرفع بعد الركوع.

هذا كذلك من الخلل الموجود. طيب، كذلك من أركان الصلاة التي يحسن تنبيهها هي جلسة التشهد الأخير. جلسة التشهد الأخير ويراد به في صلاة الفجر فاللي بعد الركعة الثانية، وفي صلاة المغرب جلسة التشهد التي في الركعة الثالثة.

وفي صلاة العشاء جلسة التشهد التي في الركعة الرابعة. نحن نفرق بين جلسة التشهد الأخير وجلسة التشهد الأول. جلسة التشهد الأخير هذه من أركان الصلاة، بينما جلسة التشهد الأول من واجباتها، هذا فرق بين الجلستين.

لانه جاء في الحديث في كل ركعتين التشهد. طيب، هذا التشهد الذي في كل ركعتين يجبر بسجود السهو إذا نسيه الإنسان أو أخطأ، وقد حصل هذا من النبي صلى الله عليه وسلم فجبره بسجود السهو. أن النبي صلى الله عليه وسلم قام إلى ثالثة وترك جلسة التشهد، فجبرها صلوات الله وسلامه عليه بسجود السهو. هذا دلنا على أن جلسة التشهد واجبة، ولكن وجوبها لا يرقى إلى مستوى الركنية الذي تبطل الصلاة بعدمه.

وإنما هو واجب يجبر بسجود السهو. طيب، وأما جلسة التشهد الأخير فهي ركن من أركان الصلاة. إذاً، نحن نفرق بين الجلستين. طيب، كذلك الذكر الواجب، الذكر الواجب في هذا التشهد الأخير هو ما يسميه الناس التحيات، أو يسمونه التشهد. وكذلك من الأركان الواجبة في الصلاة.

وقد جاء صفة التشهد في حديث ابن مسعود وفي حديث ابن عباس، وجاء في عدد من الأحاديث، ومنها كذلك حديث عمر رضي الله تعالى الموقوف عليه أنه علم الناس التشهد على المنبر. وأشهر هذه الصفات هي ما جاء في حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: «علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم التشهد وكفي بين كفيه فعلمنا فقال: قولوا التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله».

وهذه الصيغة عند أهل العلم من أقوى صيغ التشهد وأصحها، وقد رواها جمع وطائفة كبيرة من التابعين، وانتشرت في كتب السنة وآثارها، وعند أهل العلم لما اقترن في هذا الحديث من أوصاف جعلته مقدماً على غيره. إن النبي صلى الله عليه وسلم علمه التشهد بصفة قال: «وكفي بين كفيه»، وفي رواية: «كان يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن». وقد جاء في قصة هذا الحديث.

أن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: «كنا قبل أن يفرض علينا التشهد نقول السلام على الله من عباده». في هذا الحديث كلمة يفرض علينا التشهد دلنا على وجوب هذا التشهد وركنيته قبل أن يفرض علينا التشهد.

قال: كانوا يقولون السلام على الله من عباده، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم علمهم هذه الصيغة. ثمة صيغة أخرى عند ابن عباس، وقد ثبتت كذلك عن هذا الصحابي الجليل رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتشهد فيقول: «التحيات لله، التحيات الصلوات المباركات الطيبات لله». ما الفرق الأساسي بين حديث ابن مسعود وحديث ابن عباس؟ أنه في حديث ابن عباس جعل هذه الأمور أوصافاً للتعظيمات والعبادات لله سبحانه وتعالى.

بينما في حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه عطف بعضها على بعض بالواو، فصارت الأشياء المفردة لله: التحيات والصلوات والطيبات هذي كلها التحيات والصلوات والطيبات لله سبحانه وتعالى. أما في حديث ابن عباس رضي الله عنه.

جعلها أوصافاً للتحيات: التحيات المباركات والصلوات الطيبات لله. ما معنى التشهد؟ ما معنى التحيات؟ التحيات تعني التعظيمات، التعظيمات لله سبحانه وتعالى. الثناء لله سبحانه وتعالى. التحميدات لله. هذي كلها داخلة في التحيات.

لذلك المسلم صلاته من بدئها إلى نهايتها تعظيم لله سبحانه وتعالى وحمد له وثناء عليه. فاذا استفتح الصلاة «الله أكبر»، قرأ «الحمد لله رب العالمين». إذا اختتمها يقول: التحيات، التحيات أي التعظيمات والثناءات هذه لله سبحانه وتعالى. التحيات لله.

والصلوات، الصلوات هي الصلوات المعروفة: صلاة الإنسان، الصلوات الخمس المكتوبة، النوافل التي يصليها الإنسان، كذلك يدخل في الصلوات الدعاء، فإن الصلاة من معانيها في اللغة الدعاء. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ﴾ [التوبة: 103] أي ادع لهم.

والصلاة تطلق ويراد بها الدعاء، فكذلك معنى الصلوات نقول: الصلاة المفروضة المعروفة فرضها ونفلها، والدعوات كذلك، لأن الإنسان لا يجوز له أن يدعو غير الله سبحانه وتعالى. فهذه كلها مما يفرد الله سبحانه وتعالى بعبadته. التحيات لله والصلوات لله.

والطيبات، ما هي الطيبات؟ الطيبات هي الأعمال الصالحة الطيبة، وفسرها بعضهم كذلك بأنها الأوصاف الطيبة لله سبحانه وتعالى. وكلا الأمرين واسع ووارد وكلاهما كلا الأمرين ثابت لله سبحانه وتعالى.

فإذا فسرناها بمعنى أوصاف الله سبحانه وتعالى، كان هذا من الثناء عليه سبحانه وتعالى، أي أن الأوصاف الطيبة لله سبحانه وتعالى. والله سبحانه وتعالى له الأسماء الحسنى، الحسنى أي بالغة الغاية في الحسن المتضمنة لما دلت عليه من الصفات على أتم الوجوه وأكملها اللائقة بالله سبحانه وتعالى. طيب، هذا معنى الطيبات، يعني الأسماء الطيبة والصفات الطيبة لله سبحانه وتعالى هذا لو فسرناها بما يتعلق به سبحانه وتعالى. وبعض أهل العلم فسرها بما يتعلق بالعبد، الطيبات أي الأعمال الصالحة الطيبة التي يقوم بها العبد لله سبحانه وتعالى.

والله سبحانه وتعالى كما جاء في الحديث: «طيب لا يقبل إلا طيبا»، الله سبحانه وتعالى طيب لا يقبل إلا طيباً، لذلك الإنسان يقدم لله سبحانه وتعالى الطيبات.

مثل ما قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: 267]. بل المسلم يختار الشيء الطيب لله سبحانه وتعالى. التحيات أي تعظيمات، والصلوات يعني العبادة المعروفة وهو الدعوات كذلك لله، والطيبات كذلك لله. السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، والسلام معروف هو اسم من أسماء الله سبحانه وتعالى، أو هو السلامة من الإثم والسلامة مثلاً من كل مكروه.

الدعاء للشخص المسلم عليه بالسلامة من كل مكروه. السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. عباد الله الصالحين هم كل مسلم يعبد الله سبحانه وتعالى: الملائكة المقربون، والأنبياء المرسلون، والصالحون، والصحابة، والتابعون ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. كل هؤلاء داخلون في قول العبد في صلاته: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.

ثم بعد ذلك يذكر الشهادتين: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وهذا من أسماء هذه سمي التشهد بهذا لما لما فيه من الشهادتين: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. كان هذا بايجاز بيان لصيغة من صيغ التشهد.

وذكرنا أن صيغة ابن مسعود انتشرت عند أهل العلم انتشاراً عظيماً، وكذلك صيغة ابن عباس رضي الله تعالى عنه، كذلك صيغة عمر رضي الله تعالى عنه علمها الناس على المنبر وفيها اختلاف بسيط كما ذكرنا في قضية العطف أو الوصف.

ولعلنا نتابع إن شاء الله تعالى معكم الحديث عن بقية أركان الصلاة بعد هذا الفاصل القصير.

إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون صاحبهما فإن ذلك يحزنه. أدب يعلمنا إياه نبينا صلى الله عليه وسلم من خلال النهي عن التناجي وهو أن يستأثر اثنان بالحديث سرّاً دون الثالث، أو ثلاثة دون الرابع، أو أربعة دون الخامس، وهكذا. فان هذا لون من ألحاق الأذى بالمسلم لأنه.

يعود عليه بالحزن والخوف، وربما ظن أن ذلك لاحتقاره والحط من كرامته فيزيده ذلك غماً وحزناً. لذا حرم الإسلام التناجي كما قال تعالى عنه: ﴿وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المجادلة: 8]. ومن صور التناجي المحرمة أن يتكلم اثنان بلغة

مختلفة لا يفهمها الثالث، أو أن يكتب أحدهما للآخر في ورقة والثالث جالس ولا يمكنه الاطلاع على ما كتب. قال النووي رحمه الله: وفي معناه، أي معنى التناجي، ما إذا تحدث بلسان لا يفهمهما، لأن العلة موجودة. فإذا كان الحديث دائراً بين اثنين بداية، ثم أتى ثالث وأراد أن يدخل بينهما، فإن ذلك لا يجوز إلا باذنهما. لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا كان اثنان يتناجيان فلا تدخل بينهما».

واعلم أنه إن دعت الضرورة إلى التناجي، فإنه يكون مباحاً بشرطين: الأول: أن تكون هناك مصلحة راجحة على مفسدة التناجي. الثاني: أن يكون ذلك بإذن الشخص الثالث ورضاه، وإلا حرم.

فالتناجي من تسويل الشيطان وتزيينه، فإذا أحسست بحزن من جراء تناجي بعض الناس أمامك، فاستعذ بالله وتوكل عليه، فانه سبحانه كافيك من كل سوء وكيد، قال تعالى: ﴿وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِّ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المجادلة: 10].

نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونواصل الحديث عن أركان الصلاة. وكنا قد ذكرنا التشهد وذكرنا الجلوس له، جلسة التشهد الأخيرة أنها من أركان الصلاة، وأن جلسة التشهد الأول في صلاة المغرب وصلاة العشاء وصلاة الظهر والعصر أنها من واجبات الصلاة، كما سنبينه إن شاء الله تعالى لاحقاً عند الحديث عن واجبات الصلاة.

كذلك من أركان الصلاة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم. وقد جاء في حديث أبي مسعود الأنصاري رضي الله تعالى عنه أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أمرنا الله أن نصلي عليك فكيف نصلي عليك؟ وفي بعض الروايات: إذا نحن صلينا في صلاتنا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم انك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم انك حميد مجيد».

وقد جاء في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عدد من الصيغ، ولا شك أيها الاخوة والاخوات أن البخيل من ذكر عنده الرسول صلوات الله وسلامه عليه ولم يصل عليه، ولذلك ينبغي على المسلم دائماً أن يلهج بالصلاة على النبي الكريم إذا ذكر اسمه أو ذكر وصفه صلوات الله وسلامه عليه. ومن الصيغ: «اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين انك حميد مجيد».

هذا كله من الصيغ الواردة في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم. ومما يجدر الحديث والتنبيه إليه أن الإنسان إذا صلى مثلاً بتشهد ابن مسعود أو ابن عباس، أو بتشهد عمر، أو صلى بالصيغة الواردة عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله تعالى عنه أو غيره من الصيغ في الصلوات على النبي صلى الله عليه وسلم، كل هذا الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم لا شك أنه كله مشروع.

طيب، نريد أن نبين معنى الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم. إذا قال المسلم اللهم صل على محمد، فانه يطلب من الله سبحانه وتعالى أن يصلي على نبيه الكريم محمد. والصلاة من الله سبحانه وتعالى، ما هي الصلاة من الله التي نطلبها نحن في هذا الدعاء؟ ألسنا ندعو فنقول يا الله يا رب صل على محمد؟ فما معنى الصلاة من الله سبحانه وتعالى؟ الصلاة من الله قال أهل العلم إنها الرحمة. وقال بعض أهل العلم، منهم أبو العالية وابن القيم رحمهم الله تعالى جميعاً، إنها الثناء عليه في الملأ الأعلى، وكلا القولين قول صحيح.

وإن كان الثاني في واقع الأمر يميز الصلاة عن عموم الرحمة، فإن الرحمة لفظ عام، ولكن الصلاة لفظ خاص، لذلك نقول دائماً الصلاة على النبي الكريم، ولا تذكر الصلاة على غير الأنبياء والرسل غالباً، وإن كانت بمعنى الثناء من الله سبحانه وتعالى أو بمعنى الرحمة فإنها تصح حتى لغير الأنبياء والرسل، لكن هذا أصبح من العرف عند الناس أنهم لا يصلون إلا على الرسل والأنبياء، لذلك نحن نقول غالباً وإن جازت لغيرهم. فلذلك ذهب بعض أهل العلم إلى أن الصلاة من الله سبحانه وتعالى أخص من مطلق الرحمة.

فلذلك أنت تقول اللهم ارحم عبادك الصالحين، وصل على أنبيائك المرسلين، إذاً هذا فيه معنى أخص من معنى مطلق الرحمة، وهذا في الحقيقة مما يقوي هذا المعنى. فلذلك الثناء، الصلاة من الله هي الثناء عليه في الملأ الأعلى، فاذا قلت اللهم صل على محمد أي أثن عليه في الملأ الأعلى. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، وال محمد هم أزواجه وذريته صلوات الله وسلامه عليه، وهم أهل بيته صلوات الله وسلامه عليه ورضي الله تعالى عنهم اجمعين.

اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم. إبراهيم النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه، أبو الانبياء والمرسلين، جعل الله سبحانه وتعالى في ذريته النبوة والكتاب. بارك الله سبحانه وتعالى له بذريته: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ [الصافات: 113].

فالمسلم يدعو الله سبحانه وتعالى أن يصلي على نبيه الكريم محمد، وأن يبارك فيه وفي آله كما صلى وبارك على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، والله سبحانه وتعالى حميد مجيد. إذاً هذا معنى الصلاة، الصلاة من الله سبحانه وتعالى هي الرحمة. وإذا خصصناها بالثناء على هذا المصلى عليه، فإن هذا المعنى كذلك نقول أوجة. والصلاة من الملائكة مثلاً، الملائكة يصلون عليه، ما معنى الملائكة يصلون على العبد؟ أي يستغفرون له. الصلاة من العبد ما معناها؟ معناها الدعاء، وصلي عليهم أي ادع لهم. الصلوات تقول فلان يصلي لله سبحانه وتعالى، أي يدعو الله سبحانه وتعالى، وصلي عليهم، النبي صلى الله عليه وسلم كيف طبقها وفسرها وأولها؟ قال: «اللهم صل على آل أبي أوفي»، أي دعا لهم لما قدموا زكاتهم. هذه هي الصلاة على النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وذريته وأصحابه واتباعه.

كذلك من أركان الصلاة المهمة ركن الترتيب. ركن الترتيب ما معنى الترتيب؟ بمعنى أن يأتي بالأركان التي ذكرناها: القيام، والركوع، ثم الرفع منه، ثم السجود، ثم الرفع منه، ثم السجود؛ يأتي على هيئة مرتبة. فلو أن الإنسان أتى بهذه الأركان على هيئة غير مرتبة، فمثلاً أتى بالركوع ثم السجود ثم الرفع، نقول: لا، لابد أن تأتي بالركوع ثم الرفع ثم السجود ثم الجلسة، إذاً لابد من أن يأتي الإنسان بهذه الأركان مرتبة. لو أن الإنسان سجد ثم جلس ثم سجد ثم رفع وركع، نقول: لا، الركوع قبل السجود في كل ركعة في جميع صلوات الإنسان، الركوع دائماً يكون قبل السجود.

إذاً هذا ترتيب هذه الأركان ركن من الأركان، ترتيب هذه الأركان أن يأتي بها على الهيئة. ما الذي دل عليه؟ لو قال قائل إن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: 77]، عطفها بالواو، لاستدللنا عليه بحديث المسيء صلاته. ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك الحديث؟ قال: «ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تعتدل قائماً، ثم اسجد»، إذاً "ثم" تدل على الترتيب، وقلنا إن حديث المسيء صلاته عمدة في أركان الصلاة، في آخر الحديث قال: «ثم افعل ذلك في صلاتك كلها».

إذاً هذه الأركان لابد أن يأتي بها مرتبة. كذلك من أركان الصلاة، وهو آخر أركانها بعد أن يأتي بهذه الأركان مرتبة مطمئناً فيها، آخر ركن أن يختم صلاته بالتسليم. فقد جاء في الحديث في وصف الصلاة قال: «تحريمها التكبير»، ابتداؤها هو بالتكبير الذي يدخل الانسان، لذلك تسمى تكبيرة الإحرام، يدخل بها الانسان في صلاته. وتحليلها التسليم، أي الخروج من هذه الصلاة والمخرج منها يكون بالتسليم.

والسلام يشرع فيه أن يكون مرتين: عن اليمين وعن اليسار، يقول: السلام عليكم ورحمة الله، هكذا. وقد جاء في الحديث في وصف السلام قال: «حتى يرى بياض خده»، أي أنه يلتفت التفاتا بهذا الشكل حتى يرى بياض خده صلوات الله وسلامه عليه.

لأن بعض الناس يسلم هكذا، يسلم يعني بانحراف بسيط جدا في سلامه في الصلاة، يسلم بانحراف بسيط جدا، ويسلم بانحراف بسيط آخر وهذا خطأ. يعني لو أراد أن نصفه، ما أدري هل الكاميرا ستصله بشكل كامل، لكن نقول إن يسلم أشبه بزاوية تسعين درجة هكذا، يعني حتى يرى بياض خده، حتى يرى بياض خده، ولكن لا يسلم التسليم، يعني لا ينحرف فقط. بعض الناس ينحرف كأنه التفت إلتفاتة صغيرة كذا إلى اليمين واليسار، هذا لا، ليس هذا هو السنة المشروعة، وإنما السلام أن يلتفت حتى يرى بياض خده.

كما جاء في وصف تسليم النبي صلى الله عليه وسلم، فيسلم تسليمتين، يقول عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله، ويقول عن يساره: السلام عليكم ورحمة الله. هذه بإجمال أركان الصلاة. هذه بإجمال أركان الصلاة التي ذكرناها، وقلنا إن العمدة فيها حديث المسيء صلاته. وقلنا إن الأركان تتميز عن غيرها من الواجبات بأنها واجبات ذات وجوب قوي، ذات وجوب قوي، وأن درجة هذا الوجوب القوي تتفاوت. وقلنا كذلك إن من آية هذا الوجوب القوي أنها إذا لم توجد فإن صلاة الإنسان تبطل، وأن الإنسان إذا تركها حتى ولو سهوا فإنه يجب عليه أن يأتي بها، لأنه يجب عليه أن يأتي بها، ولا يكفي أن يجبرها الإنسان بسجود السهو.

لذلك من علامة الأركان أنها لا تجبر بسجود السهو. إذا رأينا مثلا في حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه سجد للسهو لترك شيء، قلنا هذا دليل على أنه واجب في الصلاة، ووجوبه لا يصل به إلى رتبة الركنية، لاحظتم؟ إذا سجود السهو آية من آيات أن هذا الأمر واجب من الواجبات، وليس ركنا من الأركان. لماذا؟ لأن الأركان قلنا أنها لا تجبر بسجود السهو، بل إنها تبطل الصلاة إذا تركها. كذلك من آية الأركان أنها توصف بالانتفاء الشرعي إذا انتفت، صل فإنك لم تصل، أو مثلا في ركنية الفاتحة: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» كما جاء في حديث عبادة رضي الله تعالى عنه.

إذا نفي هذا الأمر يدلنا على ركنيته. كذلك من آية الأركان وعلامتها أن الصلاة تسمى بها، فجاء مثلا في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: 78]. فوصف الله سبحانه وتعالى الصلاة، سماها بالقراءة، دلنا هذا على أن القراءة ركن. قال الله سبحانه وتعالى: وقرآن الفجر، لاحظوا سميت صلاة الفجر قرآن الفجر، إذا دلنا هذا على أن قرآن الفجر أي قراءة الفجر، أي قراءة الصلاة ركن في الصلاة؛ لأن الصلاة سميت بها.

لذلك هذا دليل من أدلة أهل العلم على كفر تارك الصلاة، لما نظروا في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: 143]. فقالوا إن الله سبحانه وتعالى سمى الصلاة إيمانا، معنى وما كان الله ليضيع إيمانكم أي ما كان الله ليضيع صلاتكم التي صليتموها قبل أن تؤمروا بالتوجه إلى بيت الله الحرام الكعبة، ما كان الله ليضيع صلاتكم. فسمى الله سبحانه وتعالى الصلاة إيمانا فدلنا على أن الصلاة هي ركن الإيمان، ويزول الإيمان بزوال الصلاة. هذه كانت من أدلة أهل العلم في أن تارك الصلاة يكفر.

هذه مجمل أركان الصلاة كما ذكرنا وطرق الاستدلال للركنية، وننبه فنقول: ليس كون الشيء واجبا يدل على أنه ركن، بل نحتاج في دليل الركنية إلى أمر فوق دليل الوجوب حتى نميز بين هذا الوجوب وبين رتبة الركنية التي تعد أعلى من رتبة الوجوب المعتاد. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يفقهنا في الدين، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علما. أنبهكم إخواني وأخواتي إلى الرجوع لصفحتكم الشخصية للإجابة عن سؤال الأسبوع، وفقنا الله وإياكم لكل خير، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.