طالباً في كل علم نافع ينمو العلم ويتقدم، بتقنياته ومجالاته يطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي. أكاديمية زاد ينبوعها صافي اليوم غلة الظمآن، وتعلم الفقه الميسر عاملاً بالشرع دون تعصب لفلان، للعلم كالأزهار في البستان.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً. اللهم هيئ لنا من أمرنا رشداً، وآتنا من لدنك توفيقاً وسداداً وصواباً.
إخواني وأخواتي، وصلنا إلى الدرس الثلاثين من سلسلة دروس الفقه في أكاديمية زاد. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك بهذه الدروس، قائلها ومستمعها، وأن يجعلنا وإياكم ممن ينتفع بها، وأن يجعل هذه العلوم التي نسمعها ونقولها أن يجعلها حجة لنا، وأن لا تكون حجة علينا والعياذ بالله.
إخواني وأخواتي، تحدثنا عن أركان الصلاة في درس سابق، وتحدثنا قبل هذه الأركان عن شروط الصلاة. نريد اليوم أن نتحدث عن واجبات الصلاة. ما المراد بقولنا واجبات الصلاة؟ لا شك أن إذا نظرنا إلى تعريف الواجب في الاصطلاح الأصولي، فانه ما أمر به الشارع أمراً لازماً، واستدعاه استدعاءً جازماً بحيث أن فاعله ينال الثواب، وتاركه يستحق العقاب.
هذا تعريف الواجب. هذا التعريف للواجب في واقع الأمر ينطبق على واجبات الصلاة، وينطبق على أركان الصلاة، وينطبق على شروط الصلاة، فإنها كلها قد استدعاها الشرع وطلبها طلباً جازماً. أتضح لكم أيها الإخوة؟ إذاً نقول: الواجب في التعريف الأصولي ينطبق في واقع الأمر على ما يسميه الفقهاء واجبات الصلاة، وما يسميه الفقهاء أركان الصلاة، وما يسميه الفقهاء شروط الصلاة.
طيب، إذاً لماذا تسمى واجبات الصلاة بهذا الاسم وهذه الأمور كلها واجبة، سواء أركان أو الشروط أو غيرها؟ نقول: هذا اصطلاح فقهي، اصطلاح فقهي وهو بخلاف الاصطلاح الأصولي في تعريف الواجب. طيب، ما هو تعريف الواجب في الاصطلاح الفقهي؟ ما هو تعريف الواجب في الاصطلاح الفقهي هنا في باب واجبات الصلاة؟
نقول: يريد به الفقهاء ما طلبه الشارع طلباً جازماً، واستدعاه استدعاءً لازماً بحيث أن فاعله يستحق الثواب، وتاركه يستحق العقاب، إلا أنه يجبر عند تركه سهواً بسجود السهو. طيب، لماذا زدنا هذه الزيادة؟ لنفرق بينه وبين الركن الذي لا يجبر عند تركه بسجود السهو، وإنما يجب عليه أن يأتي به وتبطل صلاته، ويجب عليه أن يعيد صلاته إذا طال الفاصل. لو ترك ركناً وطال الفصل، نقول: أعد صلاتك. إذاً لاحظتم الآن، فما هو الفرق بين الواجب وبين شروط الصلاة؟
نحن إذا كان الفرق بين الواجب والركن ما هو، فما هو الفرق بين الواجب والشرط؟ نقول: الشرط كذلك طلبه الشارع طلباً جازماً، واستدعاه استدعاءً، بحيث أن فاعله يستحق الثواب، وتاركه يستحق العقاب، إلا أن الصلاة تبطل بعدمه، إلا بعض الشروط اللي ذكرناها مثل اجتناب النجاسة؛ لو تركها الإنسان، لو وقع الإنسان في مخالفة هذا الشرط سهواً فإنه يعفى عنه. لأن الشروط في واقع الأمر بعضها تركه يبطل الصلاة، وبعضها تركه لا يبطل الصلاة.
طيب، إذاً ما الفرق بين الشروط والاركان والواجبات ضمن هذا الاصطلاح الفقهي؟ نقول: إن ثمة أمراً مشتركاً بين الأركان والواجبات. ما هو الامر المشترك بين الأركان وواجبات الصلاة؟ أركان الصلاة واجبات الصلاة؛ الأمر المشترك بينهما أن الأركان والواجبات كلها من الصلاة، يعني جزء من الصلاة. يعني لما نتحدث نحن عن أركان الصلاة، نقول: القيام والركوع والسجود والرفع منه، هذه أفعال الصلاة.
لما نتحدث عن الواجبات، مثلاً نقول: قول سبحان ربي العظيم في الركوع، قول سبحان ربي الأعلى في السجود، قول رب اغفر لي، مثلاً هذه إذاً كلها أفعال في الصلاة. أما الشروط فهي أفعال خارج أفعال وأركان الصلاة نفسها؛ مثلاً مثل استقبال القبلة، مثلاً مثل الوضوء، مثلاً مثل دخول الوقت، مثلاً هذه كلها ستر العورة، هذه ليست من ضمن أفعال الصلاة، وإنما هي صفات وهيئات.
ليست معنى قول إنها خارج الصلاة معناها أن الانسان يستر عورته خارج الصلاة، لا، يستر عورته في الصلاة، لكن ليست هي من أعمال الصلاة. إذاً الصلاة ليست هي ستر العورة، لا، الصلاة هي الركوع والسجود، ويكون هذا الركوع والسجود والقيام والجلوس على هيئة وصفة وهي أنه متخذ لزينته ساتر لعورته.
طيب، يكون هذا الركوع والسجود على هيئة استقبال القبلة، إذاً هذه أوصاف لأفعال الصلاة. يكون الركوع والسجود وهو متطهر، الطهارة. لاحظتم الفرق؟ إذاً لما نتحدث نحن عن الشروط، فنحن نتحدث عن أفعال ليست داخلة في ماهية الصلاة، ليست داخلة في ماهية الصلاة وأفعالها وأقوالها التي انبنت منها الصلاة.
إذاً يمكننا أن نشبه، مثلاً لو أرادنا أن نشبه الصلاة ببناء منزل، لقلنا إن الأركان هي أعمدة هذا المنزل، أعمدة الأركان. والواجبات هي أعمدته مثلاً، وجدرانه ونوافذه وأبوابه التي يكون منها هذا المنزل. طيب، ما الذي يشبه الشروط في المنزل؟ نقول: أشياء خارج المنزل، ولكنها ليست هي من ماهية المنزل، ولكنها لازمة للمنزل. مثلاً أن يكون لهذا المنزل مثلاً ممر ومنفذ من الشارع.
تخيلوا لو أن هذا المنزل مثلاً كان محاطاً بسور بأربعة جدران، ليس فيها أبواب، أو محاط بأربعة منازل، ولا يمكن النفوذ إليه، ما صار منزلاً هذا، هذا صار بناءً لا يوصل إليها. إذاً حتى يكون المنزل منزلاً ويسكن، فلابد أن يكون له منفذ وممر إلى الشارع. طيب، هل هذا المنفذ وهذا الممر جزء من المنزل من بنائه؟ نقول: لا، لكن شرط فيه، ولكنه شرط فيه.
إذاً الأركان والواجبات هي جزء من ماهية الصلاة، جزء من حقيقة الصلاة، تمثل أفعال الصلاة وأقوالها. طيب، الشروط نقول: هي هيئات وصفات وأفعال مطلوبة، ولكنها ليست داخلة في ماهية الصلاة.
طيب، انتهينا من هذا الفرق الأول. طيب، الفرق الثاني أن نقول: هذه الأشياء التي هي جزء الماهية وحقيقة الصلاة، الأفعال والأقوال، تتفاوت في وجوبها. فأعلى الأشياء وجوباً اصطلح أهل الفقه على تسميته بأركان الصلاة، الأدنى منها اصطلحوا على تسميته بواجبات الصلاة. لاحظتم؟
طيب، هذه الأشياء التي الأفعال التي خارج الماهية، كذلك تتفاوت في الوجوب؛ فمنها الطهارة مثلاً من أقوى الأشياء المشترطة خارج ماهية الصلاة، لدرجة أنه لا تقبل الصلاة بغيرها: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ». لا يقبل الله صلاة بغير طهور. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ [المائدة: 6].
طيب، إذاً الوضوء والغسل درجة عالية في الوجوب في الأشياء التي هي خارج الصلاة. طيب، هناك درجة أقل، مثلاً مثل اجتناب النجاسة؛ اجتناب النجاسة مطلوبة في الصلاة، ولكن إذا وقع الإنسان فيها سهواً، فمثلاً صلى وعليه نجاسة ولم يعلم إلا بعد صلاته أو أثناء صلاته، فإننا نقول: صحح أثناء الصلاة، يعني اخلع النجاسة أو ابعدها عنه، ولا يحتاج أنك تعيد. بخلاف لو صلى الإنسان محدثاً، نقول: أعد الصلاة.
إذاً طهارة الوضوء أو طهارة رفع الحدث، الوضوء والغسل هذه وجوبها وجوب قوي، وإن كانت هي خارج الصلاة. اجتناب النجاسة وجوبها وجوب أقل من هذا الوجوب، وهي كذلك خارج ماهية الصلاة. إذاً حتى الشروط حتى الشروط على رتب في الوجوب، كما أن الأشياء التي داخل الصلاة على رتب في الوجوب.
لو قال قائل: طيب، هذه كلها واجبات في الحد الأصولي لتعريف الواجب بأنه المطلوب طلباً جازماً، والمستدعى استدعاءً لازماً بحيث أن فاعله يستحق الثواب، وتاركه يستحق العقاب؟ نقول: نعم، إذا نظرنا إلى التعريف الأصولي للواجب، فلا شك أن هذه الأشياء كلها يمكن أن نعتبرها واجب، ولكن هذا المصطلح الأصولي مختلف عن المصطلح الفقهي في واجبات الصلاة لما قالوا إنها جزء من الماهية، والامر الثاني أنها تجبر بسجود السهو.
وفي واقع الأمر، حقيقة لو أن الفقهاء حقيقة اصطلحوا على واجبات الصلاة، يعني اختاروا لفظاً غير واجبات الصلاة، مثلاً باب فروض الصلاة مثلاً، حتى لا يحصل التباس بين الواجب مثلاً في المصطلح الأصولي الذي يشمل هذه كلها، وبين الواجب في المصطلح الفقهي هنا، لكان أفضل. يعني لو سمى الفقهاء مثلاً فروض الصلاة مثلاً.
عشان لا يستخدمون مصطلح لا يلتبس بمصطلح لا يلتبس مصطلح آخر لكان أولى، لكنه ما دام أنهم استخدموا هذا المصطلح نحن نفهم هذا المصطلح ونحتاج أن نفرق بينه، يعني لا يفهمن شخص أنه معنى أن هذه الواجبات وغيرها سنن لا، غيرها قد يكون سنناً وغيره قد يكون أركان أقوى منها أصلاً وإن كانت هي داخلة في حد، وإن كانت هي داخلة في حد الواجب، هذا فقط مجرد تنبيه لأننا إذا قلنا واجبات الصلاة فنحن نريد بها المصطلح الفقهي.
إذا قال الفقهاء -وهذه قضية حقيقة ننبه إليها طلبة العلم من إخواننا وأخواتنا- وهي ضرورة العناية بمصطلحات أهل العلم بحيث أنها تفهم وفقاً لمراداتهم في سياقاتها، فأنت إذا أردت أن تقرأ كتاباً فقهياً وقرأت باب واجبات الصلاة فأنت تحتاج أن تفهم هذا اللفظ وفقاً لاصطلاح الفقهاء في مذهبهم، وإذا أردت أن تقرأ كتاباً أصولياً في أصول الفقه فتحدث مثلاً هذا قال الأصولي مصنف في أصول الفقه قال مثلاً إن الأحكام التكليفية خمسة، الواجب والمسنون أو المندوب والمباح والمكروه والمحرم.
لاحظ هنا أنك يحتاج أنك تفهم هذا الاصطلاح وفق أصول، لو جاء قائل وقال: طيب أين الركن بهذه الأحكام التكليفية الخمسة؟ نقول: فالركن هو داخل في الواجب.
طيب قال: أين الشروط؟ أقول: هي داخلة في الواجب، أنها أمور مطلوبة طلباً لازماً في قولنا في شروط الصلاة مثلاً، لكن يحتاج أننا نفهم هذه المصطلحات وفقاً للسياقات الواردة فيها.
يعني نضرب لذلك مثلاً آخر حتى يتضح المقصود، السنة ما المراد إذا قلنا والله هذا الأمر سنة في درسنا الفقهي؟ هذا الأمر مسنون فمعنى ذلك أنه مستحب، وإن لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم.
طيب قد يقول قائل: هل هناك مستحب لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم؟ نقول: نعم، قد تثبت الأمور، قد يثبت دليل الاستحباب، يثبت من خلال القرآن، يثبت من خلال السنة، يثبت من خلال القياس، هذه كلها تدل مثل الوجوب، قد نثبته من خلال القرآن أو السنة أو القياس أو المصلحة المرسلة أو الاستحسان مثلاً أو سد الذريعة، نثبت بها حكم الوجوب أو التحريم أو الاستحباب أو الكراهة.
طيب هذا مصطلح فقهي، إذا قالوا هذا الأمر مثلاً مسنون ينبغي أن نفهمه في سياق الفقه، ليس مراد الفقهاء بقوله مثلاً هذا أمر مسنون مرادهم أن النبي صلى الله عليه وسلم فعله، طيب فرق بين هذا المصطلح وبين مصطلح السنة عند المحدثين، إذا قالوا هذا سنة فمعنى ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم فعله، لاحظوا هنا أنهم يقولون إن هذا الأمر من سنن النبي صلى الله عليه وسلم، قد يكون هذا الأمر عند الفقهاء واجباً ولا يعني غرابة ولا إشكال في هذا الاصطلاح، لأن اصطلاح المحدثين السنة يقولون: ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير، طيب هذا القول أو الفعل قد يكون أمراً عند الفقهاء مثلاً ركن أو واجب أو مستحب، هذه كلها عند المحدثين داخلة مثلاً في حد سنة النبي صلى الله عليه وسلم، أي أقواله وأفعاله، إذاً لاحظوا اختلاف مصطلح السنة عند المحدثين عن مصطلح السنة عند الفقهاء، هذه قضية نتنبه لها في اصطلاحات أهل العلم.
إذاً نحن اصطلاحنا هنا لما نتحدث عن واجبات الصلاة لا نريد بالواجب المصطلح الأصولي، لا، مصطلح الأصول الحقيقة يشمل بعض الأركان وبعض الواجبات وبعض الشروط وغيرها، يعني نحن نتحدث عن مصطلح فقهي وذكرنا بيانه أنه شيء من جزء الصلاة وماهيتها وهو مطلوب لزوماً، ولكن هذا الطلب اللازم يجبر إذا ترك بسجود السهو خلافا للأركان التي تطلب لزوماً ولا تجبر بسجود السهو، بل تبطل الصلاة بتركها.
ولعلنا إن شاء الله تعالى بعد فاصل قصير نعود إن شاء الله تعالى معكم في الحديث عن واجبات الصلاة.
ربما تحب أحد الأبناء أو البنات أكثر من إخوتهما، إما لبره أو أدبها أو غير ذلك، ولكن هل يجوز أن تفضل من تحب في العطية وتخصه بالهدايا دون الآخرين؟ لنستمع إلى هذه القصة التي جرت لصحابي جليل النعمان بن بشير، يقول رضي الله عنه: سألت أمي أبي بعض الموهبة لي من ماله فوهبها لي، فقالت: لا أرضى حتى تشهد النبي صلى الله عليه وسلم، فأخذ بيدي وأنا غلام فأتى بي النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: يا بشير ألك ولد سوى هذا؟ قال: نعم، فقال: أكلهم وهبت لهم مثل هذا؟ قال: لا، قال: فلا تشهدني إذاً فإني لا أشهِد على جور.
ففي هذا الحديث تحذير من تفضيل أحد الأبناء على إخوته، وأنه من الجور والظلم، ولم يفرق بين الذكر والأنثى، وذلك لما يؤدي إليه من الكراهية والنفور بينهم، ولا حرج في الميل القلبي لأحد الأولاد دون غيره لأن ذلك أمر ليس في مقدور العبد، وإنما الذي يحرم أن يفضل المحبوب على غيره بالعطايا دون سبب شرعي.
فإن حصل مثل هذا التفضيل وجب رد القضية أو إعطاء الآخرين مثل أخيهم، ويجوز التفضيل بين الأولاد إذا كانت هناك أسباب وجيهة تدعو إلى ذلك، كأن يخص أحد أولاده لمرض أصابه أو فقر وحاجة ألمت به أو لاشتغاله بطلب العلم ونحوه من الفضائل، وللوالد أن يمنع العطية عمن يستعين بها على معصية الله تعالى ويعطيها لمن يستحقها.
قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: 2].
نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع الحديث معكم عن واجبات الصلاة، وكنا قد بينا معنى اصطلاح الفقهاء في قولهم واجبات الصلاة، ما هي واجبات الصلاة؟
من واجبات الصلاة تكبيرات الانتقال، الإنسان في صلاته عدد من التكبيرات، أول هذه التكبيرات تكبيرة الإحرام، تنبهوا إلى أن تكبيرة الإحرام ركن، وهي التكبيرة الواردة في حديث المسيء صلاته قال: ثم كبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، إذاً ذكر تكبيرة الإحرام وهذا من أدلة ركنيتها.
هل ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في حديث المسيء صلاته تكبيرات الانتقال؟ لا، قال: ثم اركع حتى تطمئن راكعاً ثم ارفع حتى تعتدل قائماً، ما قال: ثم كبر واركع، فدلنا هذا على أن تكبيرة الإحرام ركن، وأن تكبيرات الانتقال من الواجبات في الصلاة التي واظب عليها النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن مات، كان النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الحديث يكبر في كل خفض ورفع، يكبر في كل خفض ورفع، أي أنه يكبر حين الركوع.
طيب يقول: سمع الله لمن حمده حين الرفع، يكبر حين السجود، ثم يكبر حين الرفع من السجود، يكبر حين السجود مرة أخرى، هذه يسميها أهل العلم تكبيرات الانتقال تمييزاً لها عن تكبيرة الإحرام، إذاً تكبيرة الإحرام ركن من أركان الصلاة، تحريمها التكبير كما جاء في الحديث وكما جاء في حديث المسيء صلاته، تكبيرات الانتقال هذه من واجبات الصلاة.
طيب واجبات الصلاة، قد يقول قائل: ما الدليل على وجوب شيء في الصلاة؟ ما الدليل على وجوب شيء في الصلاة؟ كنا قد ذكرنا في درس الأركان الأدلة التي نلتمس منها ركنية أمر من الأمور.
طيب ما هي الأدلة التي نلتمس منها حكم الوجوب؟ هي عموم أدلة الوجوب، الأمر بالشيء، مواظبة النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الفعل مع قوله: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، فعل النبي صلى الله عليه وسلم الذي خرج مخرج بيان الأمر، هذا كله يدل على الوجوب.
طيب الأركان كما ذكرنا في الدرس السابق تزيد على هذا الوجوب بماذا؟ بتأكيد الوجوب، مثلاً بأن يحتف به من القرائن ما يدل على بطلان الصلاة إذا لم يفعل هذا مثلاً، مثل حديث المسيء صلاته، حديث المسيء صلاته قال: فصل فإنك لم تصل، لم تصل نفى عنه الصلاة الشرعية، إذاً لاحظوا أن هذا يرقى من الوجوب إلى الركنية لأنه قال: لم تصل.
طيب قلنا ما هي الأدلة؟ ذكرنا سابقاً ما يستفاد منه الركنية، نريد الآن نذكر ما الذي يستفاد منه الوجوب.
ما الذي يستفاد منه الهجوم؟ نقول الأمر بالشيء طيب، هذا واحد، مثلاً قول النبي صلى الله عليه وسلم كما سيأتينا في التسبيحات: قال: «اجعلوها في ركوعكم» ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: 74]. هذا دلنا على وجوبها، تسبيحات الركوع، هذا دل على الوجوب. إن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ إذاً هذا واجب من واجبات الصلاة، فسره النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «اجعلوها في ركوعكم». دلنا هذا على أن هذا التسبيح تسبيح في الركوع أنه واجب من واجبات الصلاة.
طيب، لو قال قائل: هذا التسبيح في الركوع ركن؟ نقول: لا، في واقع الأمر ليس ركناً، لأنه نحن ارتقينا به إلى الوجوب، ارتقينا به إلى الوجوب. لأن الفعل المجرد للنبي صلى الله عليه وسلم يدل على السنية، لكن هذا فعل من النبي صلى الله عليه وسلم اقترن بقول وأمر: «اجعلوها في ركوعكم»، وجاء تفسيراً لقول الله سبحانه وتعالى المشتمل على الأمر: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾، ارتقى إلى الوجوب.
طيب، لو قال قائل: لا، هذا ركن؟ نقول: لا، لم يأتنا دليل يدل على بطلان صلاة من لم يقل سبحان ربي العظيم، لاحظتم؟ إذاً الفعل يدلنا على السنية، قد يرتقي إلى الوجوب إذا اقترن بأمر مثلاً أو كان هذا الفعل بياناً لامر واجب، ارتقى من السنية للوجوب. طيب، متى يرتقي من الوجوب إلى الركنية؟ هذا رتبة أعلى، نقول: إذا احتف به من القرائن ما يدل على بطلان صلاة من لم يفعله، قال: «فإنك لم تصلي»، إذاً هذا ركن، إذاً هذا ركن.
مثلاً لو أنه جاء في حديث المسيء صلاته، طبعا الحديث لم يأتي به هذا، لكن أنا أقول لو بس من باب التوضيح، لو جاء في حديث المسيء صلاته: ثم اركع وسبح باسم ربك العظيم، لوجدنا من أهل العلم من يقول بأن التسبيحات هذه ركن من أركان الصلاة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أبطل صلاته ودله على الأشياء التي تصحح صلاته، لاحظتم؟ لكن لم تأتي في حديث المسيء صلاته.
طيب، نعود للحديث عن تكبيرات الانتقال أنها واجب من واجبات الصلاة، نفرق بينها وبين تكبيرة الإحرام. التسبيحات في الركوع والسجود لقول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾، وجاء في الحديث: «اجعلوها في ركوعكم»، ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: 1]، وجاء في الحديث: «اجعلوها في سجودكم». ما معنى قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾، ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ لما لم يقل سبح ربك العظيم؟
ما الفرق؟ إذا جاء: سبح ربك العظيم، لأجزأ الإنسان أن يقول سبحان الله، لأنه سبح الله سبحانه وتعالى، سبح ربه العظيم وهو الله سبحانه وتعالى. لكن في الأمر بقوله: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ أي سبحه بهذا الاسم فقل سبحان ربي العظيم، إذاً ما هو امتثال الأمر في قول الله: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾؟ أن تقول سبحان ربي العظيم فتسبحه باسمه العظيم.
لو أن الأمر سبح ربك العظيم أو سبح ربك سبحانه وتعالى، لكان الإنسان مبتدئاً إذا قال: سبحان الله، سبحان ربي العظيم، سبحان ربي الأعلى، سبحان الله العظيم، ممتثلاً. لأنه سبح الله سبحانه وتعالى، لكن الله سبحانه وتعالى أمر أن يسبح باسمه باسمه العظيم، كذلك نقول في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ أي سبحه ونزهه بهذا الاسم سبحان ربي الأعلى. هذا الامتثال لهذا الأمر.
طيب، إذاً قول سبحان ربي العظيم وسبحان ربي الأعلى في الركوع وفي السجود هذا من واجبات الصلاة. كم يقولها الانسان؟ نقول: الواجب مرة واحدة الذي يكون به الإنسان ممتثلاً لهذا الواجب، ما يمكن أن نسميه الحد الأدنى، الواجب أن يقولها مرة، لو قالها ثلاثاً أو عشراً لكان هذا إن شاء الله تعالى من المستحب والكمال، لأنه كلما نزه الله سبحانه وتعالى وذكر الله سبحانه وتعالى في صلاته خصوصاً إذا أطال الإنسان في ركوعه، فانه يستحب له أن يكرر التسبيح والثناء على الله سبحانه وتعالى.
حقيقة تطويل الركوع يعني شيء عجب في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في حديث حذيفة لما قام مع النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الليل استفتح البقرة فقلت يختم عند مئة أو يركع عند مئة، فوصل النبي صلى الله عليه وسلم فقلت يركع عند آخرها فاستفتح النبي صلى الله عليه وسلم بعدها سورة النساء، فقلت أركع عند آخرها فاستفتح النبي صلى الله عليه وسلم بعدها سورة آل عمران.
لاحظوا هذا الطول في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، قرأ سورة البقرة والنساء وآل عمران، ماذا قال بعد ذلك؟ قال: ثم ركع، ثم ركع ركوعاً طويلاً قريباً من قيامه صلوات الله وسلامه عليه. إذا كان قيام النبي صلى الله عليه وسلم بهذه السور الثلاث الطوال أطول سور القرآن، فما مقدار هذا الركوع الذي سيكون قريباً من هذا القيام؟ لا شك أنه ركوع طويل. لذلك من المشروع للمسلم أن يطيل في ركوعه، فنذكر إن شاء الله تعالى هذا في سنن الصلاة.
لكن حديثنا الآن في مقام واجبات الصلاة، نقول إن التسبيح الواحدة هي الواجب، ولكن الإنسان إذا أكثر من التسبيح فهذا إن شاء الله تعالى من المندوبات. كذلك من المندوبات في الصلاة نذكره إن شاء الله تعالى في موطنه، وهو أن ينوع الإنسان في أذكار الركوع والسجود. هناك عدة أذكار واردة عن النبي صلى الله عليه وسلم في الركوع والسجود: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي»، هذه التي قالها النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في حديث عائشة يتأول القرآن: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: 3]. أو أن يقول الإنسان: «سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة»، هذا كذلك من الأدعية الواردة في التسبيحات أو في السجود كذلك.
تنويع الإنسان في الأذكار يجعل الإنسان يخرج في أدائه للعبادة من مرحلة العادة المجردة إلى استشعار المعاني، لأنه يقولها بقصد وبتنويع، مرة يقول هذا الدعاء ومرة يقول هذا الدعاء. بخلاف الإنسان، بعض الناس إذا جاء يركع: سبحان ربي العظيم، سبحان ربي العظيم، سبحان ربي العظيم، ما ينوع، يقولها أصلاً لا شعورياً. يقولها لا شعورياً، لماذا؟ لأنه يؤديها عادة، يؤديها عادة.
لكن تنويع الإنسان لأذكار الركوع والسجود ينقل الإنسان من مرحلة العادة إلى مرحلة العبادة، فيقول وهو مستشعر لهذا الذكر، مرة يقول هذا الذكر، مرة يقول هذا الذكر الآخر، مرة يقول هذا الذكر الآخر وهكذا فينوع في هذه الأذكار.
طيب، ننتقل بعد ذلك إلى واجب آخر، ألا وهو واجب التسميع والتحميد، ربما يفهم بعض الناس أنه داخل في تكبيرات الانتقال بحكم أنه انتقال من الانتقالات، ولكن نقول نميزه لماذا؟ لأن صفته على غير صفة التكبير، فإذا رفع من الركوع فانه لا يكبر وإنما يقول: «سمع الله لمن حمده»، كما جاء في سنة النبي صلى الله عليه وسلم. ويقول الإمام والمأموم: «اللهم ربنا ولك الحمد» أو «اللهم ربنا لك الحمد» أو «ربنا لك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعده». هذا الثناء والمجد أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد، هذا كذلك من الأذكار الواردة حين الرفع من الركوع.
وقد جاء في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا اللهم ربنا لك الحمد». والحديث متفق عليه. إذاً لاحظوا هنا الأمر: «فقولوا اللهم ربنا لك الحمد»، طيب، هذا إذاً كذلك من واجبات الصلاة. ولعلنا نتابع إن شاء الله تعالى معكم بقية واجبات الصلاة بعد هذا الفاصل القصير.
لقد شرع الله الدين للناس رجالاً ونساءً، ووعد الجميع الجنة والحياة الطيبة إذا قام بواجبه، فقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 97].
وقد جاء الإسلام فأكرم المرأة، وحملها مع الرجل مسؤولية النهوض بالمجتمع وحسن الرعاية له. فقال عليه الصلاة والسلام: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته». وقد شغلت المرأة في العهد النبوي وما بعده مكانا رفيعا، بمشاركاتها العلمية والاجتماعية والتربوية.
وتصدر اسمها في قائمة المساهمين في بناء المجتمع، وصياغة هوية الأمة، والمحافظة على ثوابت الدين. ولا زال التاريخ يذكر أم المؤمنين خديجة، وأم المؤمنين عائشة، ونسيبة بنت كعب، وأم حرام بنت ملحان، وحفصة بنت سيرين، وفاطمة بنت عبد الملك، وزبيدة بنت جعفر وغيرهن رضي الله عنهن ورحمهن. ومن هنا كان للمرأة المسلمة دورها المهم والخطير في صياغة المجتمع، مما أكسبها قيمة واعتبارا واحتراما لا مثيل له في المجتمعات الأخرى.
كما اعترف بذلك المنصفون من الغربيين، وبأنهم إنما تعلموا احترام المرأة من مسلمي الأندلس. يقول المفكر الفرنسي مارسيل بويزارد: إن الشعراء من المسلمين هم الذين علموا مسيحي أوروبا عبر إسبانيا احترام المرأة. فللمرأة على ثغر الحياة الزوجية أثر خطير، وفي التربية على الدين والخلق دور كبير، وفي التعليم والدعوة والطب والرعاية مكان ومسؤوليات. وقيام المرأة المسلمة بهذا وغيره له أثره الإيجابي في إصلاح المجتمع كله أسرا وأفرادا. وصدق عليه الصلاة والسلام حين قال: «إنما النساء شقائق الرجال».
نعود إليك بعد هذا الفاصل ونتابع إن شاء الله تعالى معا الحديث عن واجبات الصلاة. كنا قد ذكرنا تسبيحات الركوع والسجود، وذكرنا تكبيرات الانتقال، وذكرنا التسميع والتحميد عند الرفع من الركوع. كذلك من واجبات الصلاة أن يقول الإنسان في الجلسة بين السجدتين: ربي اغفر لي. بما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول بين السجدتين: رب اغفر لي، رب اغفر لي. هذا كذلك من واجبات الصلاة.
من واجبات الصلاة كذلك التشهد الأول في الصلاة الثلاثية والرباعية؛ الجلسة للتشهد الأول والتشهد الأول في الصلاة الثلاثية والرباعية. لماذا نقول في الصلاة الثلاثية والرباعية؟ لأن في صلاة الفجر الثنائية أو في غيرها من الصلوات التي هي الركعتين مثلا النافلة ركعتين، في واقع الأمر التشهد الأول هو التشهد الأخير وهو ركن من الأركان.
إذا نحن نعني بقولنا إن من واجبات الصلاة نقول: التشهد الأول والجلوس له؛ في ماذا؟ في الصلاة الثلاثية والرباعية، فنقيد التشهد الأول بهذا القيد؛ التشهد الأول حيث يوجد تشهدان. وأما إذا لم يوجد إلا تشهد واحد فلا شك أن هذا التشهد ركن من أركان الصلاة، ويكون هو التشهد الأخير في حق الركن.
طيب، ما الذي دلنا على أن التشهد الأول واجب من واجبات الصلاة وليس ركنا من أركانها فرقناه عن التشهد الأخير؟ ما الذي دل على هذا؟ نقول في واقع الأمر نحن نحتاج إلى دليل من جهتين لبيان أن التشهد الأول في الصلاة الثلاثية والرباعية واجب من واجبات الصلاة. دليل ينقله من السنية إلى الوجوب، أمر به. والناحية الثانية نحتاج إلى دليل يبين أن هذا الوجوب لا يرقى إلى مستوى الركنية.
نحتاج إلى أن نبين أن هذا التشهد الأول واجب من واجبات الصلاة، نحتاج إلى دليل نجيب به على من يقول هو ركن، ونجيب به على من يقول هو سنة. بغض النظر هل هناك قائل بهذا القول أو لا، نحن نقول نجيب به على الاعتراض مثلا بأنه ركن. طيب، ما الذي يدلنا على أنه واجب؟ الأمر به؛ فقد جاء في الحديث: «إذا قعدتم في كل ركعتين فقولوا التحيات لله». والنبي صلى الله عليه وسلم واظب على قعدة التشهد في كل ركعتين، إذا هذا دلنا على وجوبه. أولا: أمر النبي صلى الله عليه وسلم، ومواظبة النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الفعل إلى أن مات، مع قوله: «صلوا كما رأيتموني أصلي».
دليل ثالث يدل على الوجوب: أن النبي صلى الله عليه وسلم جبره لما تركه بسجود السهو جبرا له. قد يقول قائل: أين الوجوب؟ نقول: الإنسان إذا ترك مثلا سنة من السنن فإنه ما يحتاج أن يجبرها بسجود السهو. مثلا لو أن الإنسان مثلا في قيامه للصلاة لم يضع يده اليمنى على اليسرى؛ هذا سنة من السنن، لم يضع يده اليمنى على اليسرى في الصلاة وهو قائم وإنما أسدلها، هل يجبرها بسجود السهو؟ يقول: لا، هذا ترك سنة وفوت سنة، لا شك أنه فاته اجر الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في هذه الهيئة وفي هذا الموطن، ولكن ما يحتاج إلى أن يجبر بسجود السهو. وهناك قول لبعض أهل العلم أن سجود السهو يجبر السنن التي يواظب عليها الإنسان كذلك. المهم بغض النظر وجود هذا، إن شاء الله سوف نتحدث عنه في سجود السهو في موطنه، ولكن نحن نقول إن فعل النبي صلى الله عليه وسلم وسجود السهو دلنا على وجوب هذا الأمر، لأنه احتاج إلى جبره، جبره صلوات الله وسلامه عليه، فدلنا على وجوبه.
إذا، هذه ثلاثة أدلة تدلنا على وجوب جلسة التشهد الأول: إذا صليتم.. إذا قعدتم في كل ركعتين فقولوا التحيات لله، ومواظبة النبي صلى الله عليه وسلم على القعدة في كل ركعتين؛ هذا دلنا على وجوبه. طب لو قال قائل إنه ركن؟ نقول: لا، ليس بركن، هذا الوجوب لا يرقى إلى مستوى الركنية.
طيب، ما هو الدليل على أن هذا الوجوب لا يرقى إلى مستوى الركنية؟ تقول: مما يدل على هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم تركه مرة في صلاته فلم يرجع إليه، ولم يعد صلاته، وإنما استمر النبي صلى الله عليه وسلم قائما. وهذا يدلنا على أنه ليس بركن، أنه ليس بركن، وسجد النبي صلى الله عليه وسلم للسهو في آخر صلاته. إذا، هذا يدلنا على أن الجلسة للتشهد الأول -طبعا لما قام النبي صلى الله عليه وسلم فهو قطعا قد ترك الجلسة والتشهد- قد ترك الجلسة والتشهد، نفرق بين هذين الأمرين.
يعني في أركان الصلاة الجلسة للتشهد الأخير ركن والتشهد الأخير ركن، وفي واجبات الصلاة الجلسة للتشهد الأول واجب، والتشهد الأول وهو الذكر القولي واجب من واجبات الصلاة. إذا بس هذه بس من باب التفريق؛ أننا نفرق بين الواجب الفعلي وهو الجلسة الهيئة الفعلية، وبين الذكر القولي وهو أن يقول التحيات لله والصلوات والطيبات إلى آخر التشهد. هذا الذكر القولي كذلك واجب. إذا كلا الأمرين أخذناه من سجود النبي صلى الله عليه وسلم للسهو جبرا لتركه لهذا الفعل، أخذنا منه أن هذا التشهد والجلوس له أنه واجب من واجبات الصلاة التي تجبر بسجود السهو، وأنه ليس بسنة من سننها المستحبات، وأنه ليس بركن من أركانها. إذا أخذناه وجعلناه في هذه الرتبة، هذا باختصار يعني واجبات الصلاة.
إذا ننبه، طبعا قولنا واجب يدلنا على أن الإنسان إذا تركه عمدا تبطل صلاته. لو قال قائل: أنا سوف اتركه عمدا وأجبره بسجود السهو؟ نقول: لا، لأن الترك عمدا هذا يوقع الإنسان في الإثم؛ لأنه لم يمتثل هذا الأمر الشرعي الذي أمر الله به أو رسوله صلى الله عليه وسلم.
والأمر الثاني نقول: إذا تركه عمدا فقد أتى بصلاة على غير الوجه الذي أمر الله به وشرعه رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، ومن أتى بصلاة على غير الوجه المشروع فلا شك أن هذا داخل في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، «ومن عمل عملا ليس عليه فهو رد». إذا، كونه يترك هذا الواجب عمدا نقول: هذا يبطل صلاتك؛ لأنك أنت تأتي الآن، أنت تخالف الشريعة، أن ترتكب الإثم كونك تترك هذا الواجب عمدا فمعنى ذلك.. الركن إذا تركه عمدا لا شك أنه يعني أقوى في إبطال الصلاة، لا شك أنه أقوى في إبطال الصلاة؛ لأننا نقول إنك بمخالفتك للأمر النبوي أو الأمر القرآني تعد آثما ومرتكبا لهذا الإثم، وهذا الواجب ارتباطه بالصلاة وتركك له عمدا يبطل صلاتك.
إذا متى يجبر بسجود السهو؟ نقول: يجبر بسجود السهو إذا تركه الإنسان سهواً، إذا تركه الإنسان خطأً. بمعنى مثلاً الإنسان أحياناً قد بسبب تفكيره أو انشغاله في صلاته يعني مثلاً ينسى جلسة التشهد فيقوم للركعة الثالثة.
طيب هنا تنبيه: إذا قام الإنسان من السجود الثاني في الركعة الثانية، قام ولم يجلس للتشهد وانتصب قائماً، ثم تذكر حين انتصب قائماً، تذكر أنه الآن بدأ في الركعة الثالثة، وأنه كان المفترض أنه يجلس للتشهد، أو أن مثلاً بعض المأمومين يسبح: سبحان الله، فتنبه هذا الإمام بعد أن قال، هل يرجع لجلسة تشهد؟ نقول: لا. الرجوع هذا خاص بالأركان.
بمعنى آخر مثلاً: لو أن إنسان سجد السجدة الأولى ثم قام فنبهه المأمومون: سبحان الله سبحان الله، فلما تنبه أنه لم يسجد السجدة الثانية يقول: أرجع؛ لأنه يجب أنك تأتي بالركن، أرجع مباشرة واسجد بالسجدة الثانية، ثم بعد ذلك ارجع قائماً وأكمل صلاتك. لاحظتم؟
طيب، هل الواجب يرجع إليه كما أوجبنا عليه في الرجوع للركن؟ نقول: لا، لا يجب عليه الرجوع له، خصوصاً أنه قد بدأ في ركن آخر، الآن دخل في ركن القيام فلا يترك ركن القيام لأجل واجب من واجبات الصلاة؛ لأن الركن أقوى من الواجب.
فنقول: إذا قام من السجود في الركعة الثانية وانتصب قائماً، نقول: لا، لا ترجع، خلاص، أنت الآن دخلت في الركن وهو ركن القيام، وهذا الآن الركعة الثالثة ولا ترجع إلى هذا الواجب. طيب لو ترك السجدة الثانية؟ نقول: أرجع إليها؛ لأن هذا ركن من أركان الصلاة لا تصح الصلاة إلا به فترجع إليه.
إذاً، الأركان يرجع إليها، أما الواجبات فلا يرجع لها؛ لأنه دخل في الركن الذي يليه. طيب، تعليلنا هذا قلنا: لأنه دخل في الركن الذي يليه، بمعنى ذلك مثلاً افترضوا أن إنسان قام من السجدة الثانية في الركعة الثانية وهو في انتصاف القيام يعني يقوم الآن يريد أن يقوم، رآه أحد المأمومين فسبح وهو يقوم مثلاً لم يستتم قائماً بعد، لم يدخل في ركن القيام يعني لا زال في المنتصف، أو تذكر مثلاً لما قام وانتهض تذكر أنه الآن هذه نهاية الركعة الثانية أنه لازم يجلس جلسة تشهد، هل نقول له أرجع؟ نقول: نعم أرجع، لا بأس؛ لأنك لم تدخل في الركن.
نقول: لأنك لم تدخل في الركن، إذاً نحن نفرق هنا في قضية الرجوع، الرجوع للواجب، نفرق بين إذا دخل في الركن فنقول: خلاص لا ترجع للواجب. طيب إذا دخل في الركن هل يرجع للركن؟ نقول: قطعاً أرجع للركن؛ لأن الصلاة لا تصح إلا بهذا الركن الذي فوته، يجب أنك ترجع إليه.
طيب، في حالة الواجب إذا لم يدخل في الركن التالي وإنما أخطأ فنهض، وهو في أثناء نهوضه لم يستتم قائماً، هل يرجع للواجب وهو الجلسة بعد الركعة الثانية، جلسة التشهد الأول التي تكون بعد الركعة الثانية؟ نقول: نعم أرجع؛ لأنك لم تستتم قائماً ولم تشرع في قراءة فاتحة الكتاب التي هي الركن، وإذا شرعت في الركن فلا ترجع إلى واجب، وإنما تجبره بالسجود السهو.
هذه بعض التفريقات بين الواجبات والأركان أو الشروط التي ذكرناها. طبعا ذكرنا أنه هذه كلها من الأمور اللازمة على المسلم، فهي داخلة في حد الواجب عند الأصوليين، ولكن هذه تفريقات اصطلاحية عند أهل العلم لتسهيل الفهم، لتسهيل الفهم أنهم سموه هذا والله من واجبات الصلاة وهذا من أركان الصلاة وهذا من شروط الصلاة، ليسهل على الإنسان الفهم والمقارنة بين هذه الأنواع التي هي كلها لازمة وواجبة.
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يفقهنا في الدين، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، يأتيك ميسوراً بأي مكان، وتعلم الفقه الميسر عاملاً بالشرع دون تعصب لفلان.
د. منصور بن عبد الرحمن الغامدي