الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علَّمتنا، وزدنا علماً. اللهم هيئ لنا من أمرنا رشداً، وآتنا من لدنك توفيقاً وسداداً وصواباً.
إخواني وأخواتي؛ هذا هو الدرس الحادي والثلاثون من سلسلة دروس الفقه في أكاديمية زاد المباركة. أسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بما نقول وما نسمع، وأن يجعل هذا العلم حجة لنا لا علينا.
إخواني وأخواتي؛ كنا قد وصلنا في سلسلة دروس الفقه إلى كتاب الصلاة، ثم تحدثنا عن تعريف الصلاة، وأركانها، وشروطها، وواجباتها. واليوم ننتقل إن شاء الله تعالى للحديث عن سنن الصلاة.
فمن أول هذه السنن، ولعلنا نذكرها بحسب ترتيب وقوعها: رفع اليدين في تكبيرة الإحرام، وفي ثلاث مواطن أخرى في الصلاة، فيكون مجموع المواطن التي ترفع اليدان فيها أربع مواطن في الصلاة.
الموطن الأول هو تكبيرة الإحرام؛ ترفع اليدين إلى حذو المنكبين، فتصل أطراف الأصابع إلى محاذاة الأذنين. لذلك جاء في بعض الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم رفع يديه حذو منكبيه، وفي بعضها حتى وصل بهما إلى أطراف أذنيه، وهذه كلها والله أعلم أنها صفة واحدة متفقه، فيكون رفع اليدين بهذا القدر.
رفع اليدين في تكبيرة الإحرام؛ يبسط الإنسان فيها الأصابع، ولا تكون الأصابع مضمومة ولا مقبوضة، يبسط الإنسان أصابع يديه، يستقبل القبلة بكفه. واستقبال القبلة هذا دائم عند الإنسان في جسده، وفي كفه وأصابعه، وفي أطراف أصابع قدميه عند السجود، يتوجه الإنسان بأطراف أصابع قدميه نحو القبلة.
كذلك عند سجود الإنسان، لما يضع يده على الأرض، يضع يده مستقبلاً بها القبلة، مستقبلاً بأطراف أصابعه القبلة؛ لأن بعض الناس يحرف يديه هكذا مثلاً في السجود، لا، الإنسان يستقبل بأطراف أصابع يديه وقدميه، يستقبل بهما القبلة، استقبال القبلة دائماً يكون في هيئات الصلاة.
ما الفرق بين قولنا إن رفع اليدين في التكبيرة سنة، وبين قولنا إن تكبيرة الإحرام فرض، وبين قولنا إن تكبيرات الصلاة الانتقالية واجب من واجبات الصلاة؟ هذه يحسن بطالب العلم أن يدرك الفروق بين هذه المسائل الثلاثة.
تكبيرة الإحرام؛ بمعنى الدخول في الصلاة بالتكبير، هذا ركن من أركان الصلاة، ولا يدخل الإنسان في الصلاة إلا بتكبيره الإحرام؛ يعني لو أن انساناً دخل في الصلاة مباشرة، وجد الإامم مثلاً قائماً أو راكعاً أو ساجداً، فدخل دون أن يكبر تكبيرة الإحرام، لقلنا إن هذه الصلاة ناقصة وغير صحيحة وباطلة، لابد للإنسان أن يكبر تكبيرة الإحرام التي يدخل بها في الصلاة، تحريمها التكبير وتحليلها التسليم، كما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا قمت إلى الصلاة فكبر»، كما جاء في حديث المسيء صلاته، حديث أبي هريره رضي الله تعالى عنه، لما علم النبي صلى الله عليه وسلم المسيء صلاته كيف يكون القدر الذي تتم به الصلاة، وهو أدنى شيء في الصلاة، وهذا لعله سوف ياتينا إن شاء الله تعالى الاستدلال به في عدد من المواطن.
إذاً؛ التكبير ركن من أركان الصلاة، اللي هو تكبيرة الإحرام، أن يقول: الله أكبر. رفع اليدين في هذا التكبير سنة، فلو أن إنساناً دخل الصلاة، قال: الله أكبر، ولم يرفع يده، لقلنا: هذه الصلاة صحيحة ولكن فاتته السنة.
طيب لو أن إنساناً رفع يديه دون أن يكبر؛ يعني مثلاً دخل في الصلاة قال كذا: الحمد لله رب العالمين، نقول: ايش هذه صلاة غير صحيحة، لماذا؟ لأنه رفع يديه دون أن يكبر، لابد أن يكون لفظ التكبير هذا لفظ التكبير تكبيرة الإحرام ركن من أركان الصلاة، لاحظتم؟
إذاً؛ إذا قال: الله أكبر، هذا ركن تصح به الصلاة. طيب إذا رفع يديه، هذا سنة من السنن الواردة في هذا التكبير.
المواطن الأخرى لرفع اليدين في التكبير؛ رفعهما عند تكبيره الركوع، تكبيره الركوع واجب من واجبات الصلاة، رفع اليدين عند تكبيرة الركوع مستحب وسنة من سنن النبي صلى الله عليه وسلم، كما جاء في عدد من الأحاديث، بل رواه كما يقول الإمام ابن القيم رحمه الله أكثر من ثلاثين نفساً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
إذاً؛ رفع اليدين عند الركوع هذا سنة من سنن النبي صلى الله عليه وسلم التي حافظ عليها، وداوم عليها، ونقلها عنه أصحابه الكرام رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
الموطن الثالث؛ عند الرفع من الركوع، يرفع من الركوع فيقول: سمع الله لمن حمده، يرفع، هذا موطن ثالث لمواطن الرفع.
الموطن الرابع؛ إذا قام من الركعتين، هذا الموطن الرابع من مواطن رفع اليدين، إذا قام من الركعتين؛ إذا الإنسان يقوم أحياناً من الركعة الأولى إلى الثانية، هذه لا يرفع يديه، من القيام من الركعة الثانية إلى الثالثة هذه يرفع يديه، من الثالثة إلى الرابعة لا يحتاج أو لا يرفع يديه، لأنه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم.
طيب؛ هذه مواطن رفع اليدين كما ذكرنا أربعة مواطن، ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ونقلها عنه أصحابه. وبعض أهل العلم نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رفع يديه عند السجود، أو عند الرفع من السجود، وهذا في الحقيقه يعني لم يثبت ثبوتاً بيناً ظاهراً والله تعالى أعلم، وربما اشتبه على هذا القائل قول النبي صلى الله عليه وسلم، أو ما نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يكبر في كل خفض ورفع، التكبير في كل خفض ورفع هذا واجب من واجبات الصلاة كما أسلفنا، وأما رفع اليدين فالتكبير في كل خفض ورفع فهذا والله أعلم أنه لم يثبت ثبوتاً ظاهراً بيناً صحيحاً والله تعالى أعلم.
طيب؛ إذاً هذه سنة من سنن الصلاة ألا وهي سنة رفع اليدين، وذكرنا مواطنها الأربع.
صفة الرفع؛ أن يمد أصابعه ولا يفرج بينها، لما ورد عن أبي هريره رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل في الصلاة رفع يديه مداً.
السنة الثانية؛ بعد رفع اليدين، لاحظوا أن هذه السنة تتعلق كذلك بهيئة اليدين في الصلاة، ألا وهي وضع اليمين على الشمال حال القيام، وضع اليمين على الشمال في حال القيام، وهذا قد جاء في حديث سهل بن سعد، وحديث وائل بن حجر، وجاء في بعض روايات حديث وائل بن حجر أنه وضع يمينه على شماله على صدره في الصلاة، وهذه سنتان:
السنة الأولى: وضع اليمين على الشمال، هذه السنة الأولى، أو أن يقبض بيمينه على شماله.
والسنة الثانية: أن تكون على صدره، وهذه لا شك أن ثبوتها أضعف من ثبوت وضع اليمين على الشمال؛ لأن ثبوت وضع اليمين على الشمال هذا ثبت عن عدد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، واما موضع هذا الوضع فقد جاء أنه على الصدر، وجاء أنه أدنى من ذلك، أو أعلى من سرته، أو على سرته.
الأمر في ذلك إن شاء الله تعالى واسع؛ لأنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم فيها ثبوت ظاهر وصحيح مثل ثبوته في وضع اليمين على الشمال في الصلاة. إذاً السنة الثانية أن نقول: يضع يمينه على شماله، إذا وضعها على صدره فهذا قد جاء في حديث وائل بن حجر، يعني نقول حديث إن شاء الله تعالى يعني هو أصح ما في الباب، أصح ما في الباب أنه وضعها على شماله على صدره في الصلاة، وإن وضعها على سرته أو فوق سرته.
فالأمر في ذلك إن شاء الله تعالى واسع بما ذكرنا؛ أنه لم يثبت فيها عن النبي صلى الله عليه وسلم ثبوت صحيح وظاهر.
لاحظوا هنا أن لما نتحدث عن سنن الصلاة فإننا نتحدث عن أفعال النبي صلى الله عليه وسلم التي نقلت عنه والتي نقلها عنه الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم، أما في حديثنا السابق عن واجبات الصلاة وأركان الصلاة وشروط الصلاة فإننا نتحدث عن شيء أقوى من رتبة الفعل المنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهي رتبة الأمر النبوي الكريم. ولما تحدثنا عن قضية الأركان أو الشروط فهو أمر اقترن بإبطال الصلاة إذا لم يحصل.
إذا هذه لاحظوا الآن عندنا رتب في المشروعية؛ رتبة السنية، سنن الصلاة. وهنا فائدة، كيف نستدل على أن هذا الأمر سنة من سنن الصلاة؟ نستدل عليه بفعل النبي صلى الله عليه وسلم له، هذا دليل على أنه سنة. وسوف يأتيك إن شاء الله تعالى أن أفعال النبي صلى الله عليه وسلم متفاوته، فليس كل ما نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة أنه سنة، وليس كل ما نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم يعتبر سنة مؤكدة راتبة، بل ما نقل من فعله صلى الله عليه وسلم إما أن يكون سنة مؤكدة لازمها وداوم عليها الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه، وإما أن يكون سنة فعلها مرة وتركها مرة، وإما أن يكون فعله عادة صلوات الله وسلامه عليه ولم يفعلها على وجه السنية ولم يفعلها على وجه الاقتداء به صلوات الله وسلامه عليه، يعني لم يفعل هذا ليقتدوا به. وهذا لعلنا نذكر له بعض الأمثلة إن شاء الله تعالى في أثناء حديثنا عن سنن الصلاة.
فمثلا مما فعله النبي صلى الله عليه وسلم وداوم عليه، مثلا في التكبير، رفع اليدين في التكبير، هذه نقلها جمع من صحابة النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه ورضي الله تعالى عنهم أجمعين، هذه سنة مؤكدة داوم عليها ولازم فعلها صلوات الله وسلامه عليه. مثلا على القول بأنه رفع يديه عند السجود، نحن نقول هذا لم يثبت، ولو ثبت فهو سنة لم يداوم عليها ولم ينقلها عنه الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم، ولو ثبت هذا الحديث فإنما هو فعل قد نقله عنه واحد مثلا من الصحابة، لكن ليس هو الفعل الذي داوم عليه.
مثلا من الصفات التي لم ينقل عنه صلى الله عليه وسلم المداومة عليها وإن كان قد فعلها صلوات الله وسلامه عليه، مثلا جلسة الإقعاء بين السجدتين؛ بأن ينصب الإنسان قدميه ويجلس على عقبه، يضع مقعدته على عقبه وينصب الإنسان قدمه، هذه الجلسة ذكر ابن عباس جاءت في حديث ابن عباس أنها سنة من سنن النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن الذي يظهر والله تعالى أعلم هذه ليست من السنن التي داوم عليها النبي صلى الله عليه وسلم والتي نقلها أصحابه الكرام الآخرون رضي الله تعالى عنهم أجمعين. نقل ابن عمر مثلا، أبو حميد الساعدي، غيرهم من الصحابة، نقلوا صفة جلسة الافتراش، ولعل نذكرها إن شاء الله تعالى في موطنها.
إذا المراد هنا التنبيه، هل هناك شيء فعله النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة وليس بسنه؟ نقول: نعم، قد يكون النبي صلى الله عليه وسلم فعله على وجه العادة أو الاحتياج، ولكن ليس بالضرورة أنه فعله ليقتدوا به، مثل ما نقله مالك بن الحويرث رضي الله تعالى عنه في جلسة الاستراحه؛ جلسة الاستراحه نقلها مالك بن الحويرث أنها جلسة جلسها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد سجوده الثاني في الركعة الأولى عند قيامه للركعة الثانية، جلسة توسط فيها النبي صلى الله عليه وسلم بين السجود وبين القيام، أي أنه لم ينهض صلوات الله وسلامه عليه من سجوده مباشرة إلى القيام، لا، وإنما جلس في نهاية الركعة الأولى جلسة خفيفه سماها بعض أهل العلم جلسة الاستراحه، جلسة خفيفة ثم قام إلى الركعة الثانية. فهذه الجلسة لم ينقلها واصف صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما نقلها مالك بن الحويرث، ومالك بن الحويرث قد وفد على النبي صلى الله عليه وسلم في آخر حياته، فمما ذكره بعض أهل العلم في هذه الجلسة أنها جلسة احتاج إليها النبي صلى الله عليه وسلم لما ثقل صلوات الله وسلامه عليه واحتاج إلى أن يستند ويعتمد ليقوم صلوات الله وسلامه عليه إلى الركعة الثانية. وأما في صلواته التي نقلها مثلا جمهور الصحابة الذين عاشوا مع النبي صلى الله عليه وسلم فلم يذكروا هذه الجلسة، والجلسة جدير بالذكر أنها هيئة من هيئات الصلاة، يحتاج أنها تنقل، فهي هذه الجلسة هيئة فعلية.
أحيانا الهيئات القولية أو الأذكار القولية في الصلاة يتخفف فيها، قد ينقل شخص ما لا ينقله الآخرون فيكون هذا مقبولا، لأن الانفراد بذكر من الأذكار أو دعاء من الأدعية هذا وارد، أما هيئة فعلية فالناظر لا يفرق بين هذه الجلسة والجلسة بين السجدتين، كلاهما هيئة فعلية وجلسة، فيحتاج إلى نقل مؤكد متواتر. لم ترد في حديث أبي هريرة المسيء صلاته، لم ترد في حديث من نقل صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، ابن حجر، أبو حميد الساعدي، ابن عمر، غيرهم، ما وردت هذه الجلسة. فلذلك بعض أهل العلم قال إن هذه الجلسة سنة بعض المرات عند من اعتبرها سنة، وبعض أهل العلم قال: إذا احتاج إليها الإنسان جلسها وإلا فليست هي سنة بمعنى أنها فعلت على وجه الاقتداء به صلوات وسلامه عليه، لا، لم يفعلها الرسول اقتداء به وإنما فعلها على وجه العادة والكبر والثقل، احتاج إليها الصلاة والسلام ليقوم ويعتمد فجلسها صلوات الله وسلامه عليه لأجل العادة وليس لأجل الاقتداء به.
إذا هذا يقودنا إلى أن أفعال النبي صلى الله عليه وسلم التي تنقل عنه في الصلاة إما أن تكون أفعالاً داوم عليها ولازمها وهذه سنن مؤكدة، وإما أن تكون فعلها مرة وهذه سنة تفعل وتترك أحياناً، يعني تفعل مرات وتترك مرات، وإما أن تكون قد فعلت على وجه العادة وليس على وجه الاقتداء به صلوات الله وسلامه عليه، وهذا يفعل الإنسان إذا احتاج إليها وإذا لم يحتاج إليها فليست هي قد فعلت على وجه الاقتداء والمشروعية. ولعلنا نتابع إن شاء الله تعالى بعد الفاصل موارد السنية، كيف نستنبط حكم السنية والاستحباب.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43].
نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونواصل حديثنا عن سنن الصلاة، وكنا قد تحدثنا قبل هذا الفاصل عن موارد حكم الاستحباب والسنية، ذكرنا أن ثمة درجات للمشروعية، ما معنى المشروعية؟ قولنا هذا الشيء مشروع بمعنى أنه مطلوب، درجة الطلب تختلف، قد تكون مثلاً أدنى درجات الطلب وهي السنة التي تفعل ولو مرة واحدة وتترك مرات، هذا أدنى درجة من درجات الطلب. طيب، هناك سنة مؤكدة بمعنى أنه طلب مؤكد في طلبها في مشروعيتها. طيب، هناك شيء يرتقي من السنة المؤكدة إلى الواجب، بمعنى أنها طلب طلباً جازماً ولازماً. هناك شيء يرتقي فوق الواجب إلى درجة الركنية والشرطية بمعنى أنها إذا لم تفعل فإن الصلاة تبطل. لاحظوا إذا هنا درجات للمشروعية. طيب، كيف نعرف أن هذا الشيء مشروع أصلاً، بمعنى أنه مطلوب؟ نقول: إذا أمر به النبي صلى الله عليه وسلم أو فعله.
النبي صلى الله عليه وسلم أو حث عليه، هذا دليل أنه مطلوب. طيب، ياتينا في أي درجة من درجات الطلب؟ هل هو سنة فعلت مرة ولا تفعل مرات ولا تترك مرات؟ أو أنها سنة مؤكدة مداوم عليها؟ أو أنها واجب؟ أو أنها ركن؟ أعلى درجات المشروعية.
نقول: هذا متفاوت، هذا متفاوت بحسب النصوص الوارده بهذا الطلب وبهذا الفعل. فالفعل المجرد من النبي صلى الله عليه وسلم هذا دليل السنية، دليل السنية. طيب، الفعل الذي نقله جمع من الصحابة ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم خلافه، ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم تركه، فهذا دليل أنه سنة مؤكدة داوم عليها صلوات الله وسلامه عليه. إذا نحن انتقلنا الآن إلى درجة من درجات التأكيد.
كذلك مما يدلنا على السنية أمر النبي صلى الله عليه وسلم الذي اقترن بترك بعض المرات، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم هذا دلنا على المشروعية، طبعا لو لم يرد ترك لقلنا إنه أمر وجوب، لكن لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم وترك هذا الفعل بعض المرات، ترك هذا الفعل مثلا في بعض الأحوال، دل على أن هذا الأمر أمر استحباب، أمر استحباب.
إذا هذه كذلك من موارد دليل الاستحباب والسنية، وهي أن نقول الموارد القولية أو حث النبي صلى الله عليه وسلم الترغيب دون أن يأمر أمرا جازما، دون أن يأمر أمرا جازما، مثلا مثل حث النبي صلى الله عليه وسلم للصحابه الكرام رضي الله عنهم المسلمين على الصف الأول، الحرص على الأذان: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول لتوهما ولو حبوا أو لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا»، هذا يدل على فضيلة هذا الأمر، إذا هذا فضيلة دون أمر، دلا على فضيلة الصف الأول وفضيلة الأذان.
إذا ما الذي يدلنا على الاستحباب؟ أما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، أما بيان فضائل الشيء دون أمر به، أما الأمر الثالث أن يكون ثمه أمر به ولكن اقترن بهذا الأمر ما يصرفه عن الوجوب كترك النبي صلى الله عليه وسلم له في بعض الأحوال، فنستدل بهذا الترك على أن هذا الأمر ليس للوجوب، وإنما هو للاستحباب والسنية.
لاحظتم كيف نستدل أو كيف نصل إلى حكم الاستحباب والسنية من خلال عدد من الموارد؟ طيب، الآن لما ذكرنا من سنن الصلاة رفع اليدين في تكبيرة الإحرام، لاحظوا رفع اليدين نقله أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مثل حديث أبي حميد مثلا، مثل حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما.
طيب، هل أمر به النبي صلى الله عليه وسلم؟ يعني أمر الصحابي مثلا مسيء صلاته، قال: «إذا قمت إلى الصلاة فكبر وارفع يديك مع التكبير»، لو ورد هذا اللفظ لقلنا إذا رفع اليدين هذا صار واجب، لاحظتم؟ أو صار ركن حسب حسب رتبه الأمر، ما ورد هذا، وإنما ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم فعله.
لذلك نفرق بين التكبير وبين رفع اليدين، هذا مهم لطالب العلم وطالبة العلم أنها تعرف، وأن يعرف الجميع كيف يفرق بين درجات المشروعية، بين درجات المشروعية هذا أساس في الفقه، أساس في الفقه، وهي أن يعرف ويميز الواجب من الشرط من الركن من المستحب، حتى يبني على هذا التمييز صحة صلاة الإنسان، أو وجوب سجود السهو، أو عدم وجوب شيء عليه، وعدم لزوم شيء عليه، أو مثلا إعادة الصلاة، هذه كلها أحكام مترتبه على ماذا؟ على هذا التمييز في درجات المشروعية.
طيب، وضع اليمين على الشمال كذلك جاء في حديث وائل بن حجر كما ذكرنا في فعل النبي صلى الله عليه وسلم. طيب، كذلك من سنن الصلاة دعاء الاستفتاح، ما هو دعاء الاستفتاح؟ دعاء الاستفتاح هو دعاء يقوله المصلي بين تكبيرة الإحرام وبين قراءة الفاتحة، بين الركنين؛ ركن التكبيره وركن قراءة الفاتحة.
ما هو دعاء الاستفتاح؟ هذا الموطن من مواطن إيجاب الدعاء، كما دل على ذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم، فقد جاء مثلا في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أرايت سكوتك بين التكبير والقراءه ما تقول؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد»، هذا من أدعيه الاستفتاح الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم.
كذلك من أدعية الاستفتاح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين».
ومن أدعية الاستفتاح أن يقول: «سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك وتعالى جدك، ولا إله غيرك»، كل هذا مما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو ورد عن الصحابة الكرام رضي الله عنهم مثل الدعاء الأخير الذي ورد عن عمر رضي الله تعالى عنه.
كذلك من أدعية الاستفتاح مثلا قوله: «الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكره وأصيلا»، هذه كلها أدعية للاستفتاح، لماذا سمي الاستفتاح؟ لأنه في بداية الصلاة قبل قراءة الفاتحة.
طيب، سؤال: فعل النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الدعاء دلنا على المشروعية ودلنا على أصل السنية، لما لم يكن دعاء الاستفتاح ركنا؟ أو لما لم يكن واجبا من واجبات الصلاة؟ أليست تكبيرة الإحرام قبله ركن وقراءة الفاتحه بعده ركن؟ فلماذا تميز هذا الدعاء فقط بكونه سنة، لما لم يكن ركنا أو واجبا على الأقل؟
لما نقول: لأنه جاء من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، طيب ودلالة النبي صلى الله عليه وسلم للرجل المسيء صلاته لما قال له: «إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم اقرا»، لاحظوا الآن دله على الحد الأدنى لصحه الصلاة: «كبر ثم اقرا»، ما قال له ثم ادع دعاء الاستفتاح أو ادع فقل كذا وكذا وكذا، لاحظتم؟
إذا حديث المسيء صلاته دلنا على القدر اللازم، لكن هناك أحاديث أخرى من فعل النبي صلى الله عليه وسلم نقلت عنه هذا موطن من مواطن الدعاء، مثل ما جاء في حديث أبي هريرة لما استفهم من النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا الدعاء، استفهم من النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه السكتة ماذا يقول فيها؟ فدله النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الأمر.
وقد جاء النبي صلى الله عليه وسلم كذلك في صلاة الليل أنه كان يقول: «اللهم رب جبرائيل وميكائيل واسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم»، هذا من الأدعية العظيمة التي يطلب المسلم فيها الهداية من الله سبحانه وتعالى.
وطلب الهداية من الله سبحانه وتعالى لا شك أنه من الأدعية العظيمة التي تتكرر في الصلاة، فرضه الله سبحانه وتعالى في كل ركعة من ركعات الصلاة في قراءة الفاتحة، قراءة الفاتحة وهي أعظم سور القرآن اشتملت على هذا الدعاء العظيم: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: 6]، هذا دلنا على ماذا؟ على أهمية الدعاء بالهداية وطلب الهداية من الله سبحانه وتعالى.
طيب، إذا هذه الأدعية أدعيه الاستفتاح ذكرنا أنها سنة. بعد ذلك كذلك من سنن الصلاة التعوذ قبل القراءة، ودلنا على هذا قول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَان الرَّجِيمِ﴾ [النحل: 98]. فالامر بالاستعاذة لو قال قائل إن الأمر بالاستعاذة يدل على الوجوب، فكيف نجيب عن هذا؟ نقول: نعم، ولكن حديث المسيء صلاته لم ياتي فيه الأمر بالاستعاذة ما قال ثم استعذ بالله ثم اقرأ، ما صد دلنا على القدر الواجب، دلنا على القدر الواجب اللازم.
إذا نقول إن الاستعاذة من الشيطان الرجيم كذلك هي من جنس الدعاء، من جنس الدعاء المستحب في الصلاة أن الإنسان يتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لماذا؟ لأن الشيطان يقبل على الإنسان في صلاته، يصرفه عن الخشوع في الصلاة، يصرفه عن الخشوع في الصلاة، لذلك يشرع الإنسان دائما
أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم حتى يقبل على صلاته ويقبل قلبه على هذه الصلاة، يخشع في صلاته، يقبل على الله سبحانه وتعالى يتأمل ويتدبر آيات القرآن الكريم التي يتلوها والتي ربما يسمعها من الإمام حسب الصلاة كونها سرية أو جهرية.
كيف يتخلص الإنسان من هذا الشيطان الرجيم؟ بأن يلوذ بالله سبحانه وتعالى، ويعوذ بالله سبحانه وتعالى، يلجأ إلى الله سبحانه وتعالى أن يخلصه من هذا الشيطان الرجيم؛ من نفثه ونفخه وهمزه ووسوسته. هذا اللياذ بالله سبحانه وتعالى لا شك أنه هو العصمة للمؤمن والمسلم في صلاته وفي حياته وفي دعائه.
ثم بعد ذلك من سنن الصلاة كذلك أن يبسمل الإنسان قبل قراءة فاتحة الكتاب، ولعلنا نتحدث إن شاء الله تعالى عن هذه السنة وعن التفصيل فيها إن شاء الله تعالى، ولكن بعد هذا الفاصل القصير.
﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [آل عمران: 137]. التاريخ مخزن العبر ومعلم الأمم، فيه أخبار السابقين الأول وأسباب التمكين وزوال الدول. من اعتبر بدروسه نجا، ومن تعامى عن حوادثه هوى. وقد عني القرآن بذكر الكثير من القصص والتنويع في أحداثها لتوجيه الأنظار إلى الاعتبار بأحوال الأمم في كفرهم وإيمانهم وشقاوتهم وسعادتهم، فلا شيء يهدي الإنسان كالمثل والوقائع. قال تعالى: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: 176]. ومن هنا ينجلي للعاقل أهمية العلم بالتاريخ وعلو شأنه. فإذا نظر الإنسان إلى أحوال الأمم السالفة وأسباب قوتهم وضعفهم وعزهم وذلهم، حمله ذلك على حسن الأسوة والاقتداء بأسباب السعادة والتمكين واجتناب ما كان من أسباب الشقاوة والهلاك والتدمير. وإن التحولات في أحوال الأمم من رخاء إلى شدة ومن شدة إلى رخاء إنما هو من جراء أعمال العباد. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11]. فمن فوائد وثمرات دراسة التاريخ: الإحاطة بالتطبيق العملي للإسلام وذلك من خلال السيرة النبوية، العلم بأن الأمة مكلفة بهدف عظيم وهو عمارة الأرض بمنهج الله تعالى، العلم بأعداء الأمة والعلم بطبيعة الصراع بين الحق والباطل، فهم الحاضر لأن الحاضر جزء من الماضي فمن لم يعتبر بماضيه لن ينتفع بحاضره، إدراك سنن الله تعالى في هذا الكون وأنها لا تحابي أحدا. قال تعالى: ﴿فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر: 43].
نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا عن سنن الصلاة، وكنا قد ذكرنا من سنن الصلاة: رفع اليدين في تكبيرة الإحرام، وضع اليمين على الشمال، الإنسان يدعو بدعاء استفتاح، يتعوذ بالله من الشيطان الرجيم ثم يبسمل.
والبسمله الصحيح والله تعالى أعلم أنها من سنن الصلاة، أن الإنسان يبسمل سرا في صلاته. هذا طبعا الإمام، نحن نتحدث عن الإمام، أن الإنسان يبسمل سرا، وهذا كان هدي النبي صلى الله عليه وسلم الدائم الذي نقله مثلا مثل عائشه رضي الله تعالى عنها، ومثل أنس رضي الله تعالى عنه. مثلا في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يستفتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين، هذا الحديث دلنا على أنه الشيء الذي كان يجهر به النبي صلى الله عليه وسلم يستفتح به قراءته الحمد لله رب العالمين، ما كان يجهر فيقول بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب...
كذلك أنس بن مالك رضي الله عنه نقل عنه أن نقل صلاة النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر، قال: صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر فكانوا يستفتحون الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين. وزاد الإمام مسلم رحمه الله تعالى في روايته إلى هذا الحديث قال: لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في آخرها. فإذا نقل أنس رضي الله تعالى عنه صلاته خلف النبي صلى الله عليه وسلم وصلاته خلف أبي بكر وخلف عمر رضي الله تعالى عنهم أنهم ما كانوا يجهرون بهذه البسمله.
وهذا في الحقيقة يدلنا على عدد من الأمور ويؤكده كذلك عدد من الأمور؛ من هذه الأمور أن البسمله لا تعد آية من فاتحة الكتاب، وإنما هي يقولها المسلم قبل قراءته لفاتحه الكتاب استعانه بالله سبحانه وتعالى في هذه القراءة: بسم الله الرحمن الرحيم؛ أي أستعين بالله سبحانه وتعالى أو باسم الله سبحانه وتعالى أو أقرأ باسم الله سبحانه وتعالى، فهي مقدمه لفاتحة الكتاب وليست جزءا منها.
الصحيح والله تعالى أعلم ما دل على هذا حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين». حديث أبي هريرة دلنا على أن فاتحة الكتاب مقسومة إلى جزئين؛ جزء لعبد وجزء لله سبحانه وتعالى، وهناك جزء مشترك بينهما وهو الآية الرابعة كما سياتي في حديث أبي هريرة.
مما يجدر ذكره أن أهل العلم قد اتفقوا على أن آيات الفاتحة سبع آيات، وقد فسر قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: 87]، السبع المثاني فسر بفاتحة الكتاب، وفسرت كذلك بالسبع الطوال؛ السور الطوال البقرة وآل عمران والنساء وما بعدها. فسرت بأنها السبع الطوال، أو فسرت بأنها فاتحة الكتاب، ولكن أهل العلم على أن آيات الفاتحة سبع آيات وإن اختلفوا في مواطن هذه الآية، مواطن هذه الآية السبع.
والصحيح والله تعالى الذي دل عليه حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه الحديث القدسي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله سبحانه وتعالى يقول: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين؛ فاذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، قال الله: حمدني عبدي. وإذا قال: ﴿الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾، قال الله: أثنى علي عبدي. وإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، قال الله: مجدني عبدي. هذه الثلاث هذه لله سبحانه وتعالى. فإذا قال العبد: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، قال الله سبحانه وتعالى: هذه بيني وبين عبدي». لاحظوا أن هذه الآية الرابعة بين العبد وبين الله سبحانه وتعالى.
ثم بعد ذلك إذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: 6-7]، قال الله سبحانه وتعالى: هذه لعبدي، ولعبدي ما سأل، ولعبدي ما سأل. فدلنا على أن آيات الفاتحة سبع آيات؛ الآية الأولى منها ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ﴿الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾، ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ هذه ثلاث آيات. ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ هذه الآية الرابعة التي تكون بين العبد وبين ربه كما جاء في الحديث القدسي حديث أبي هريرة. ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ هذه آية، ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ هذه آية، ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ هذه الآية السابعة من آيات فاتحة الكتاب.
وهذا الذي يظهر من هدي النبي صلى الله عليه وسلم في صلاته وهدي أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهم أنهم ما كانوا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم لأنها لم تعد آية من آيات فاتحة الكتاب. إذاً عدم الجهر بالبسمله المنقول نقلا متواترا في من وصف صلاة النبي صلى الله عليه وسلم يعني لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم الجهر بالبسمله في حديث صحيح صريح، وإنما ما نقل عنه من الجهر بالبسمله إما حديث ضعيف أو نقل عن بعض الصحابه رضي الله تعالى عنهم. لكن هل نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث صحيح صريح الجهر بالبسمله؟ هذا ما نقل عنه صلوات الله وسلامه عليه.
إذاً هذا يدلنا على ماذا؟ بل المنقول عنه خلاف ذلك، المنقول عنه خلاف ذلك كما ذكرنا في حديث أنس وحديث عائشة وهذه الأحاديث الصحيحة. إذاً هذا يدلنا على ماذا؟ على أن الهدي الغالب في سنة النبي صلى الله عليه وسلم هو عدم الجهر بالبسمله. طيب، هل يجوز الجهر بالبسمله؟ نقول لا باس أن الإنسان يجهر بالبسمله، وإن كان هذا خلاف الهدي الغالب ولكن يعني نقل عن بعض
الصحابة رضي الله تعالى عنهم، مثلًا نقل عن يروى عن أبي هريرة والله تعالى أعلم بصحته، بعض أهل العلم يتكلم في ثبوته عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه كان يجهر بالبسملة، أو عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه، أو عن عائشة، أو غير ذلك، أو حتى نقل عن أنس الذي ذكرنا حديثه آنفًا، نقل عنه أن هذه بعض الأحاديث حقيقة موقوفه، والله أعلم بثبوتها عن هؤلاء الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم.
ولكن نحن نقول إنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء مرفوع صحيح في الجهر بالبسملة، إذاً هذا يدلنا على ماذا؟ يدلنا على عدد من الأمور؛ يدلنا على أن البسملة لا تعد آية من فاتحة الكتاب. لماذا نقول هذا الكلام؟ لأن بعض أهل العلم الذين عدوا البسملة من فاتحة الكتاب ينبني عليه أنه من ترك البسملة، فمعنى ذلك أنه ترك آية من فاتحة الكتاب، وهذا يعني أنه لم يقرا بفاتحه الكتاب تامة كاملة، وهذا يعني عدم صحة صلاته وبطلانها، ولا شك أن هذا القول قول خطير؛ ينبني عليه بطلان صلاة من لم يقرا البسملة.
لذلك الصحيح والصواب والله تعالى أعلم أن نقول إن البسملة ليست آية من فاتحة الكتاب، وذكرنا تقسيم فاتحة الكتاب السبع المثاني على القول الصحيح وأنها ثلاث لله سبحانه وتعالى، وثلاث للعبد، والآية الرابعة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ هي الآية المتوسطة في سورة فاتحة الكتاب، وأنها بين العبد وبين ربه سبحانه وتعالى.
وأن صلاة من لم يقرا البسملة لا سرا ولا جهرا أن صلاته صحيحة، وأن البسملة سرا أنها سنة من سنن الصلاة، وإن جهر بها فلا باس، ولكن نقول السنة الله تعالى أعلم الإسرار بها، لما ذكرنا في حديث عائشة أنه كان يستفتح القراءة بالحمد لله رب العالمين، حديث أنس كانوا يستفتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين، ما كانوا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في آخره، هذا في حديث أنس نص عليه رضي الله تعالى عنه.
إذاً هذا كله يدلنا على ماذا؟ يدلنا على أن الجهر بالبسملة ما كان من الهدي الدائم الغالب على النبي صلى الله عليه وسلم، نقول ولو ثبت شيء من الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم فعله لكان هذا من السنة التي لا تتكرر، بمعنى أنه فعله ربما تعليما، أو ربما مرة، أو ربما لأن الإنسان قد يجهر بصلاته لعارض من العوارض، الإنسان مثلا قد يجهر بصلاته قد يخالف سنة الصلاة لأجل التعليم مثلا، الإنسان يجهر بشيء ما في صلاته لأجل التعليم، نقول هذا لا باس إن شاء الله تعالى به، ولكن ليس هذا هو الهدي الغالب من هديه صلى الله عليه وسلم.
كذلك من سنن الصلاة بعد قراءة فاتحة الكتاب التأمين، والتأمين سنة من سنن الصلاة وليس آية من فاتحة الكتاب كما قد يتوهم بعض الناس، بعض الناس يتوهم أن التأمين آية من آيات الفاتحة، فربما حتى يقرا الفاتحة في موطن يقول ولا الضالين آمين، آمين هذا دعاء بأن الله سبحانه وتعالى يستجيب الدعاء الذي كان في هذه الفاتحة، اللهم آمين بمعنى اللهم استجب بعد قراءة فاتحة الكتاب.
لذلك التأمين بعد الفاتحة والبسمله قبل الفاتحة ليست من فاتحة الكتاب، وبناء عليه من تركهما فإن صلاته صحيحة، ويكون قد فاته سنة من السنن فقط، بخلاف لو قلنا إن البسملة من فاتحة الكتاب لقلنا أن صلاته إذا باطله إذا ترك الفاتحه، كما لو ترك مثلا ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ تكون صلاته باطلة لأنه ترك آية من الفاتحة ولم يقرا فاتحة الكتاب.
التأمين بعد قراءة الفاتحة هذا سنة من سنن الصلاة، بمعنى نسال لو تركه فإن صلاته صحيحة ولا يعد آية من فاتحة الكتاب، ولا يعد واجبا من واجبات الصلاة، وإنما هو سنة من سنن الصلاة، إذا أمن الإمام فآمنوا، وقد جاء في الحديث: «من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له».
ومما يعد من سنن التأمين هو الجهر، الجهر بالتأمين، فقد جاء في حديث وائل بن حجر عند أبي داوود والترمذي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال آمين ورفع بها صوته، إذن هنا سنتان؛ سنة التأمين أن الإنسان يؤمن، إذا الإنسان أمن سرا حقق سنة من السنن، وإذا أمن جهرا حقق سنتين، سنة التأمين وسنة الجهر، وغني عن الذكر أن نقول أن هذا التأمين الجهري إنما هو في الصلاة الجهرية، وأما الصلاة التي يسر الإنسان فيها بقراءة فاتحة الكتاب فإنه يسر بالتأمين كذلك، لا يصلح الإنسان يقرا سورة الفاتحة فاتحة الكتاب يقراها سرا ثم يؤمن جهرا، إذا قلنا إن التأمين الجهر به سنة فالمراد في الموطن الذي جهر فيه بقراءة فاتحة الكتاب.
هذا مجمل لبعض سنن الصلاة التي ذكرناها الآن، لعل هناك سنة لعلنا ننبه إليها كذلك قبل أن ننهي درسنا لهذا اليوم ونواصل إن شاء الله درسنا كذلك في السنن، ألا وهي سنة القراءه فيما زاد على الفاتحة، ما زاد على الفاتحة القراءة فيه سنة، اقرأ ما تيسر معك من القرآن، هذا الذي جاء في حديث المسيء صلاته فسره أهل العلم بأنه فاتحه الكتاب لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة لمن لم يقرا بفاتحة الكتاب»، لكن المراد بقراءه ما تيسر من القرآن بعد الفاتحة هذا سنة.
إذن نحن نفرق بين قراءة الفاتحة التي تعد ركنا، وبين قراءة ما زاد على الفاتحة من السور والآيات هذا يعد سنة من سنن الصلاة، وسوف ياتينا إن شاء الله تعالى أن القراءة أما أن تكون جهرا وأما أن تكون سرا، وهذا كله من سنن الصلاة الجهر والإسرار في بعض المواطن، ولكن إن شاء الله تعالى هذا نتحدث عنه باذن الله تعالى في الدرس القادم.
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يعلمنا وإياكم ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علما، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
يا راغبا في كل علم نافع متطلعا لزياده الإيمان وتريده سهلا نوال ميسرا ياتيك ميسورا باي مكان، زاد أكاديمية ينبوعها صاف صاف ليروي غلة الظمان، وتعلم الفقه الميسر عاملا بالشرع دون تعصب لفلان، بشر لنا زاد أكاديمية للعلم كالازهار في البستان.
د. منصور بن عبد الرحمن الغامدي