الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبيه الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما. اللهم هيئ لنا من أمرنا رشدا، وآتنا من لدنك توفيقا وسدادا وصوابا.
إخواني وأخواتي في أكاديمية زاد، هذا هو الدرس السابع من سلسلة دروس الفقه في هذه الأكاديمية المباركة. أسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعني وإياكم بما نقول وما نسمع، وأن يجعل هذا من العلم النافع الذي يجعلنا نتقرب إلى الله سبحانه وتعالى.
إخواني وأخواتي، عندنا في هذا اليوم إن شاء الله تعالى درس عن الوضوء، وسوف نأخذ سلسلة من الدروس عن الوضوء في صفة الوضوء وفرائضه وسننه ثم نواقضه إن شاء الله تعالى. نبدأ اليوم بالحديث عن الوضوء، فنقول: الوضوء لغة مشتق من الوضاءة، وهي الحسن والنظافة.
مما يحصل التنبيه إليه صرفيا هو أن قولنا الوضوء بضم الواو يعني الفعل، فهو مصدر. وأما قولنا الوضوء فهو الماء الذي يتوضأ به، وهذا مثل قولنا الطهور أي فعل طهارة، المصدر وهو فعل الطهارة. وأما قولنا الطهور فهو الماء الذي يتطهر به، أو الأمر الذي يتطهر به أيا كان.
فهنا باب الوضوء الوضوء أي صفة الوضوء وفعل الوضوء. أين تحدثنا عن الوضوء؟ تحدثنا عنه في باب المياه، فقلنا إن من شرط الوضوء أن يكون ماء، وأن يكون هذا الماء طاهرا، ولا يجوز الوضوء بغير الماء ولا بالماء النجس.
طيب، ما صفة أو ما تعريف الوضوء في الاصطلاح الشرعي؟ تعريف الوضوء في الاصطلاح الشرعي هو استعمال الماء في غسل الأعضاء الأربعة التي ذكرها الله سبحانه وتعالى في آية المائدة: الوجه، واليدين، والرأس، والرجلين؛ مع نية التعبد لله سبحانه وتعالى.
وهذا لا شك أنه أحد أهم فرائض الوضوء وشرائطه. لماذا ننص دائما على نية التعبد لله سبحانه وتعالى؟ لأن الوضوء من العبادات التي شرعها الله سبحانه وتعالى لعباده ليتقربوا إليه، والعبادات لا تصح إلا بنية التعبد لله سبحانه وتعالى.
هل يمكن أن يحصل وضوء بدون نية؟ أنا أضرب لكم مثلا: لو أن شابا كان يلعب الكرة، بعد أن انتهى من لعب الكرة غسل يديه ووجهه مثلا من آثار التراب أو من آثار الغبار الناتج من هذا اللعب، وغسل يديه، ثم بعد أن غسل يديه وغسل وجهه ويديه سمع الأذان يؤذن، فقال: فلأكمل وضوئي لأجل الصلاة، فلأجعله وضوءا، ثم بعد ذلك مسح برأسه وغسل رجليه.
هل يصح هذا الوضوء أم لا يصح؟ نقول إن هذا الوضوء غير صحيح. فهو وإن كان قد غسل يديه ووجهه ثم غسل يديه إلى المرفقين ثم مسح برأسه ثم غسل رجليه، نقول: إنه لا يصح؛ لأنه لم يبدأ وضوءه بالنية، يعني لم ينوي التعبد لله سبحانه وتعالى بهذا الوضوء، لم ينوي الاستعداد للصلاة، وإنما نوى مثلا غسل الغبار الذي على وجهه ويديه، ثم بعد ذلك نوى الوضوء.
لاحظتم إذا، لابد أن تكون نية الوضوء حاضرة. كيف نية الوضوء حاضرة؟ يعني من حين أن يبدأ وضوءه، بدأ وضوءه بنية التوضأ، بنية التعبد، بنية استباحة الصلاة، بنية رفع الحدث، أنه يريد أن يفعل عبادة الوضوء، يريد أن يفعل عبادة، هذا معنى النية.
لماذا النية؟ لما جاء في الحديث الصحيح المتفق عليه حديث عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنما الأعمال بالنيات». هذا أصل عظيم إخواني وأخواتي من أصول الدين: إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى.
المسلم في تعامله يتعامل مع ربه سبحانه وتعالى الذي يعلم السر وأخفى، يعلم النية ويعلم القلب وما يريد. والنية من الجيد أن ننبه إلى اصطلاحات الناس فيها؛ فاصطلاح الفقهاء دائما يتحدثون في النية عن العمل، عن إرادة عمل ما، عن النية المميزة لهذا العمل عن العادة.
إذا هذا الشخص الذي وصفنا حاله قبل قليل الذي كان يلعب الكرة ثم بعد ذلك توضأ، لم ينوي التعبد لله بالوضوء، وإنما نوى أن يغسل الغبار الذي في يده ووجهه، ثم بعد ذلك حصلت أو بدأت نية الوضوء. لا، نقول: النية التي تحدث عنها أهل الفقه، التي يتحدث عنها أهل الفقه، هي النية المميزة للفعل عن العادة، فهذا المعنى الأول للنية.
المعنى الثاني للنية عند الفقهاء: النية المميزة لهذا الفعل عن المندوب والمستحب، المميز لنية الفرض عن المندوب والمستحب. أنا أضرب لكم مثالا: لو أن إنسانا كان يركع ركعتين نافلة في منتصف صلاته، بعد أن أمضى ركعة مثلا، تذكر أن عليه صلاة الفجر فائتة نسيها، أو قال: لم لا أجعل هذه الصلاة صلاة للفجر، وأنا قد أمضيت ركعة، فلأكمل الركعة الثانية بنية الفجر؟
هل تصح هذه النية؟ هل تصح هذه العبادة؟ هل تصح هذه الصلاة باعتبارها صلاة فجر؟ نقول: لا. لماذا؟ إنما الأعمال بالنيات. إذا، هو ابتدأ هذه العبادة على أنها نافلة مطلقة مثلا، أو أنها ركعتا الفجر، ثم بعد أن صلى ركعة قال: فلأجعلها صلاة الفجر.
نقول: لا، صلاة الفجر الفريضة يجب أن تستوعب النية، نية الصلاة أن تكون حاضرة من أول الصلاة إلى آخرها، أن هذه نية الفجر، نية صلاة الفجر. إذا، المعنى الذي يتحدث عنه الفقهاء للنية هو تمييز العبادة من العادة، هذا المعنى الأول.
يتحدثون كذلك عن تمييز الفرض من المستحب، كذلك يتحدثون عن تمييز المستحبات بعضها عن بعض؛ فأنت مثلا بإمكانك أن تصلي ركعتين باعتبارهما ركعتي الفجر، وهناك ركعتان تصليهما بنية ركعتي الضحى، أو ركعتي الظهر، أو ركعتين بعد صلاة المغرب، وهكذا تميز المستحبات والمندوبات كذلك من النية.
الذي يتحدث عنه أهل الفقه ما يميز بين الفرائض. كيف يميز بين الفرائض؟ مثلا، انسان نفترض أنه أغمي عليه أو نام عن صلوات مثلا، ثلاث صلوات أو أربع صلوات أو صلاتين مثلا الظهر والعصر بدون قصد منه، لما قام، ما الذي يميز قضاؤه لصلاة الظهر عن قضاؤه لصلاة العصر؟ النية.
كل هذه أربع ركعات وهذه أربع ركعات، لكن كيف نميز بينهما؟ من خلال النية. فإذا كبر ينوي أن هذه قضاء صلاة الظهر، ثم بعد ذلك ينوي أن هذه قضاء صلاة العصر، وهكذا. إذا، النية تميز العبادة عن العادة، تميز الفرض عن المستحب، تميز الفروض بعضها عن بعض، تميز المستحبات بعضها عن بعض، وهكذا.
إذا، النية هي عزمك وإرادتك لمباشرة هذه العبادة، سواء كانت فرضا أو نفلا أو غير ذلك. طيب، النية شرط من شروط العبادة، هذا الاصطلاح الذي تحدثنا عنه قبل قليل هو الاصطلاح الفقهي.
هناك اصطلاح آخر يتحدث عنه أهل الزهد والسلوك وأهل العقيدة والتوحيد في علم آخر، ما هو هذا المصطلح بالنية؟ يقولون: النية الصحيحة هي إرادة وجه الله سبحانه وتعالى بهذا العمل، وألا يريد رياء ولا سمعة.
إذا، هذا المعنى التفريق بين إرادة غير وجه الله وبين إرادة وجه الله، هذا المعنى في واقع الأمر لا شك أنه من الواجبات في العبادات، ولكن هذا الواجب لا يتحدث عنه أهل الفقه وليس مرادا بحديثهم عن النية هذا المعنى، وإنما يتحدث عنه كما ذكرنا أهل السلوك والزهد، أهل العقيدة والتوحيد، يتحدثون عن هذا المعنى وهو إرادة وجه الله سبحانه وتعالى.
ما الذي يعنونه بهذا؟ يعني مثلا إذا الإنسان صلى أو تصدق، فعليه أن ينوي بصدقته أو صلاته التقرب إلى الله سبحانه وتعالى، وألا ينوي بصدقته أن يراه الناس ويقولون عنه كريم مثلا، أو أن يراه الناس ويقولون عنه: ما شاء الله، هذا رجل مصلي أو قائم لليل. لا، وإنما يبتغي بصلاته وجه الله سبحانه وتعالى.
يقبل على صلاته وهو يريد التعبد والتقرب لله سبحانه وتعالى. هذا المعنى جاء في عدد من الآيات الكريمة؛ مثلاً في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: 19].
إذاً، فرق الله سبحانه وتعالى بين من أراد الآخرة وأراد الحياة الدنيا. جاء في حديث كذٰلك أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: «أول من تسعر بهم النار ثلاثة»، وذكر منهم العالم أو القارئ الذي يقال له: فيم قرأت؟ أو فيما تعلمت؟ فيقول: فيك يا رب. فيقول الله له: كذبت. وتقول الملائكة له: كذبت، بل ليقال عالم أو قارئ، وقد قيل.
أي أنك نلت أجرك في الدنيا. وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حكى عن ربه سبحانه وتعالى أنه قال: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه».
أي أن الله سبحانه وتعالى لا يريد من عبده التشريك في نيته، بل يريد أن يكون هذا العمل خالصاً، خالصاً يعني متمحضا، وهذا هو معنى الإخلاص؛ أي أن يخلص هذا العمل وأن تخلص هذه العبادة لله سبحانه وتعالى. ذكرنا يا إخواني وأخواتي، هذه كلها تندرج في النية، هذه كلها تندرج في النية، ولكن النية باعتبار التمييز في ذات العمل بين العبادة والعبد، هذا معنى يتحدث عنه أهل الفقه الفقهاء، وأما النية باعتبار إخلاص القصد لله سبحانه وتعالى فهذا معنى يتحدث عنه أهل الزهد والسلوك.
إذاً، هذه معاني النية إجمالاً، ونحن لما نقول هنا النية نريد بها النية في الوضوء؛ يعني التعبد لله سبحانه وتعالى بالوضوء، أي النية المميزة لهذا العمل عن العادات. من عادات الناس اليوم مثلاً أن يغسلوا وجوههم وأيديهم، هذا من عادات الناس، أو ربما يغسلون أقدامهم أو غير ذلك أو يمسحوا رؤوسهم، هذه عادات. كيف نفرق؟ هل هذه العادات إذا الإنسان قام بها مثلاً، كان على يديه غبار أو على وجهه ثم نظفه ومسحه، هل هذا يعد وضوءاً؟
لا، لا يعد وضوءاً، ولو أتى بالغسل للأعضاء الأربعة ما دام أنه لم ينوي أنه متعبد لله بالوضوء، الوضوء الذي يستبيح به الصلاة ويريد به رفع الحدث، أو يريد تجديد الوضوء مثلاً. المهم أن ينوي التعبد لله سبحانه وتعالى بالوضوء. هذا معنى حديثنا عن النية. وكما ذكرنا، لا شك أن النية هي أحد شروط العبادات في الإسلام؛ الصلاة، الوضوء، الغسل، الزكاة مثلاً.
كيف الزكاة يكون فيها؟ لو أن انسان مثلاً طلبه فقير فقال: أعطني صدقة أو أعطني شيئاً آكله، فأعطاه مثلاً عشرة ريالات أو مئة ريال أو ألف ريال، ثم في اليوم التالي جاء هذا الرجل يحسب زكاته فوجد أنها مثلاً ألف ريال، فقال: فلأعتبر الصدقة التي تصدقتها بالأمس، فلا أعتبره زكاة. هل يصح هذا؟ لا يصح. لماذا؟ لأنها لم تتوافر نية الزكاة حين دفع هذا المال.
إذاً، النية شرط من شروط العبادة لله سبحانه وتعالى. نضرب لذلك مثلاً في الحج، لو أن الإنسان خرج للتجارة في الحج مثلاً؛ فمثلاً كان يبيع في عرفة مثلاً أطعمة أو أغذية أو ماء، ثم بعد أن انصرف الناس إلى مزدلفة انصرف معهم ليبيع ويشترى معهم، فقال له شخص: يا اخي لما لم تحج؟ لما أنت لابس هذه الملابس؟ لما لم تحرم؟ فقال: هل يصح أني أحج بهذا الثوب؟ قال: نعم لا بأس أحرم. قال: الآن نحن في صباح اليوم العاشر، هل يجوز لي أني أعتبر وقوفي بالأمس أنه هو عبادة الحج؟ نقول: لا.
لانه لم تتوافر إرادة التعبد في هذا الوقوف، وإنما وقف لأجل البيع والشراء، فلا تأتي النية بأثر رجعي؛ بمعنى أن يقول: والله خلاص سوف أجعل ذلك الوقوف وقوفاً بعرفة الذي هو عبادة. إذاً، نحن ندرك هنا معنى النية.
فاصل قصير ونعود إليكم إن شاء الله تعالى. إذا أحببت أن تتعرف على دينك أكثر، أن تزداد علماً وتنهل خيراً، أن تسمع وترى ما يقربك من ربك، تحببك في نبيك، وتزكو به نفسك، في قناة زاد تجد ذلك وأكثر. تصفح وتجول في واحة إيمانية من مقاطع مميزة من إنتاج مجموعة زاد، تتنوع بين المادة العلمية والرقائق الإيمانية، والفواصل الدعوية المحترفة إعلامياً والمؤصلة منهجياً، تخاطب الرجال والنساء الكبار والصغار، تدعو البعيد وتؤنس القريب. مقاطع موشن جرافيك مميزة، دورات علمية متخصصة، فواصل درامية شيقة، لقاءات دعوية ممتعة، برامج تلفزيونية وندوات شرعية. شاهد، شارك، انشر. مجموعة زاد تقدم لكم نخبة مميزة من إصداراتها: كتاب كيف عاملهم صلى الله عليه وسلم للشيخ محمد صالح المنجد، أربعون نصيحة لإصلاح البيوت، أدرك أهلك قبل أن، المجمعات التجارية آداب وأحكام، زاد الحج، زاد الصائم، طوبى للشام، كيف تقرأ كتاباً، معاني الأذكار، اترك أثراً قبل الرحيل، وكتاب بدعة إعادة فهم النص. لمزيد من المعلومات يرجى زيارة المواقع التالية.
تهنئة الكفار بأعيادهم أمر محرم؛ لأن في ذلك الإقرار بباطلهم. وحتى لو هنؤونا بأعيادنا لا نبادلهم ذلك، أولاً لأننا على حق، إذا هنأونا به وهم على باطل كيف نهنئهم به؟ ثم إن التهنئة بالاعياد ليست مثل التهنئة بالمولود الجديد والبيت الجديد والترقية في وظيفة، هذه التهنئة بأامور دنيوية ممكن للكافر غير المحارب، لكن الأعياد قضية دين وعقيدة، لا يجوز أن نهنئهم بها. قناة زاد العلمية، لا إاله إلا الله والعلم في كل وقت.
نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا عن الوضوء، وذكرنا تعريف الوضوء وأنه هو استعمال الماء في غسل الأعضاء الأربعة التي ذكرها الله سبحانه وتعالى في آية المائدة؛ الوجه، اليدين، ومسح الرأس، وغسل الرجلين. ولكن ذكرنا قيداً مهمناً في التعريف، وهو أن يكون هذا الغسل على وجه التعبد لله سبحانه وتعالى. لماذا على وجه التعبد لله سبحانه وتعالى؟ لأن الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى. فلذلك المميز لهذا العمل عن العادات هو النية إرادة الوضوء.
طيب، هل يستحب للإنسان أو يشرع له من باب تأكيد النية أن يتلفظ بها؟ فيقول مثلاً: أنا أريد أن أتوضأ الآن، بعد أن يقول هذا الكلام يبدأ الوضوء. نقول: لا يشرع التلفظ بالنية، التلفظ بالنية بدعة لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا صحابته الكرام رضي الله تعالى عنهم أجمعين. لم يؤثر عن أحد من الصحابة من السلف المتقدمين، لم يؤثر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول حين الوضوء: اللهم إنني أريد التوضؤ. لماذا؟ لأن الله سبحانه وتعالى هو الذي يعلم النوايا. المهم أنك تقدم على هذا الفعل وأنت تريد التعبد لله سبحانه وتعالى.
إذا كبرت للصلاة تقدم على هذا الفعل وأنت تريد التعبد لله سبحانه وتعالى، لا داعي بل لا يشرع أن يقول المسلم حين تكبيرته: اللهم إنني أريد مثلاً صلاة الظهر، وأنني أميزها أربع ركعات، وأنني أميزها عن صلاة النافلة، أو أنني لا أريد القصر. لا، لا يشرع هذا، كل هذا لا يشرع. النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يتلفظ بهذه النية، لم يؤثر عنه صلى الله عليه وسلم، وكما ذكرنا سابقاً إذا كنتم تستحضرون وتسترجعون.
ذكرنا في الدرس الأول أن الأصل في القربات والتعبدات لله سبحانه وتعالى أن تكون على وفق ما شرعه الله وشرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكرنا هنالك بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، وفي لفظ: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد». وذكرنا أن هذا هو مصداق قول الله سبحانه وتعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3].
لذلك من اعتبر أن هذا أمر مشروع، أن هذا أمر مشروع أن يقول: اللهم إنني انوي الصلاة الفلانية، أو اللهم إنني انوي الوضوء، أو اللهم إنني انوي الصوم، أو غيرها، أو حين يزكي يقول: اللهم إن الزكاة مثلاً. أقول: لا.
كل هذا تلفظ بالنية وهو غير مشروع. بل النية لما سميت نية لأن الإنسان ينويها في قلبه، ينويها في قلبه. إذا النية أصلاً لفظ النية مأخوذ من إرادة القلب، فإذا ظهر هذا على اللسان لم يعد نيةً، وإنما صار قولا، لم يعد نية وإنما صار قولا من أقوال العبد. لذلك نحن قولنا: النية إنما الأعمال بالنيات، أي بمرادات القلوب التي تقدم عليها وتعزم عليها.
إذا ذكرنا أن النية شرط من شرائط الوضوء وهي ركن فيه، لا يصح الوضوء إلا بها. هناك شروط أخرى كذلك للوضوء، من هذه الشروط الإسلام، وهذا أمر ظاهر إن شاء الله تعالى، فإن الكافر لا يصح منه نية التعبد لله سبحانه وتعالى بهذه الشرائع الشرعية التي شرعها الله سبحانه وتعالى للمسلمين. لو أن هذا الكافر توضأ وقال: أنا أريد أن أتوضأ وأصلي مثلكم. نقول: نعم، ولكن هذا لا يعد منك وضوءا شرعيا ولا صلاة، إلا وتعد منك حركات فقط وغسل للأعضاء، لماذا؟ لأنه لا يصح ولا يصدر منك نية التعبد لله سبحانه وتعالى. إذا أردت أن تتعبد لله سبحانه وتعالى فأول أمر هو شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. فليكن أول ما أدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. هذا جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم وتوجيهه لمعاذ رضي الله تعالى عنه: «فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله».
لذلك هذه الأعمال التي يعملها الكافر في واقع الأمر لا تقبل منه عند الله سبحانه وتعالى، لأنه لم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. كل إنسان يتعبد لله بتعبدات، سواء كان من الكفار المشركين، أو كان من أهل الكتاب أو غيرهم في زماننا هذا، الذين لم يدخلوا في دين الإسلام الذي ارتضاه الله سبحانه وتعالى للناس ديناً، ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: 19]. لا شك أيها الأخوة والأخوات أن هذه العبادات لا يتقبلها الله سبحانه وتعالى منهم. فقد قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾ [الفرقان: 23]. وقال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ ۗ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [النور: 39]. تخيلوا هذا الوصف الذي وصفه الله سبحانه وتعالى، أعمالهم سراب بقيعة سراب يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا.
إذا ربما ظن أنه سيوفى أجرا على عمله وأنه سوف يقبل منه، ولكن لا يقبل الله سبحانه وتعالى من الكافر الذي لم يشهد أن لا إله إلا الله ولم يشهد أن محمدا رسول الله، لا يقبل الله سبحانه وتعالى منه عملا ولا صرفا ولا عدلا. وقال الله سبحانه وتعالى كذلك في الدلالة على هذا المعنى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْنًا * ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا﴾ [الكهف: 103-106]. إذا الإسلام لا شك أنه شرط في جميع العبادات التي شرعها الله سبحانه وتعالى، لماذا؟ لأن الكافر لا يقبل الله سبحانه وتعالى منه هذه العبادة حتى يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.
كذلك من شروط الوضوء العقل، لماذا العقل؟ لأن المجنون لا يتصور منه القصد إلى العبادة لأنه غائب العقل. كذلك التمييز، ما معنى التمييز؟ التمييز بمعنى أن يبلغ الطفل سنا يستطيع أن يفهم به الخطاب وأن يحسن الجواب، هذا التمييز. إذا الطفل مثلا الذي عمره سنة أو سنتين أو ثلاث سنوات، هذا لا يحسن ولا يفهم الخطاب ولا يحسن الجواب. أما إذا وصل الطفل إلى ست سنوات سبع سنوات هذا مميز، بمعنى أنه يفهم فتقول له: والله توضأ.
لكن ما رأيكم في هذا الطفل الذي عمره مثلا سنتين أو ثلاث سنوات، وقد قام والده أو والدته بتغسيل وجهه ثم يديه إلى المرفقين ثم مسحوا رأسه ثم غسلوا رجله؟ نقول: أصلا لا تتصور منه نية العبادة، ليست المشكلة هنا والله أن التغسيل جاء من غيره، لا، قد يكون الإنسان مقعداً مثلا ويغسله غيره هذا لا أشكال فيه، ولكن إذا غسله غيره يريد هو نية العبادة لله سبحانه وتعالى، نية الوضوء لله سبحانه وتعالى.
أنا أريد أن أسأل سؤالا: لو أن إنسانا مقعداً لا يستطيع الحراك وهو نائم، فجاء إنسان ووضأه وضوءا كاملا ثم استيقظ هذا الإنسان في منتصف الوضوء أو في نهاية الوضوء، هل يصح هذا الوضوء؟ الجواب أن نقول: لا يصح هذا الوضوء. لماذا؟ لأن النية لم تقع منه من أول هذا الوضوء، لابد أن تقع منه النية من أول الفعل إلى آخر هذا الفعل، وليست المشكلة هنا والله أن فلان غسله، لا مانع أن الإنسان يغسله غيره إن احتج إلى هذا.
إذا هذه شروط الوضوء كما ذكرنا: الإسلام، العقل -غير العاقل لا يتصور منه نية-، التمييز -الطفل الصغير غير المميز الذي لا يفهم لا يستطيع أن يميز، هذا لا يتصور منه نية ولا القصد للتعبد لله سبحانه وتعالى-. النية يمكن أن نعتبر في واقعنا وممكن نعتبر العقل والتمييز أنها راجعة إلى النية، لأن هؤلاء غير العاقل وغير المميز لا يتصور منهم نية، قد يقال إن هذين الاثنين راجع إلى النية، وقد يقال إنهما تعتبران شروطا مستقلة لا مانع. الكافر لأجل أنه لا تصح منه العبادة، إذا هذه أربعة شرائط: الإسلام، العقل، التمييز.
هل نقول التمييز ولا البلوغ؟ لا، نقول التمييز، لماذا؟ لأن المميز تصح منه النية، ليس من شرط الوضوء أن يكون الإنسان بالغا، بل يصح الوضوء من غير البالغ، بل جاء في الحديث: «مروا بالصلاة لسبع»، أي نأمر الطفل بالصلاة مع أنه لم يبلغ، تعويدا له على الصلاة. «مروا أبناءكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر»، مع أنهم لم يبلغوا في هذا السن، ولكن لماذا؟ تعويدا لهم على العبادة. كيف يصلي وهو لم يتوضأ؟ إذا نقول هناك فرق بين أن نقول التمييز وفرق بين أن نقول البلوغ. التمييز بمعنى أن يصل إلى سن يمكنه التمييز فيه، يفهم الكلام يستطيع الجواب. أما البلوغ لا، فهو شأن متقدم يأتي في سن الخامسة عشرة أو عند الإنبات أو عند حيض المرأة أو عند الإنزال، هذه علامات البلوغ. علامات البلوغ هي مناط التكليف الشرعي ومناط الوجوب والتكليفات الشرعية.
هذه أربعة شروط إلى الآن: الإسلام، العقل، التمييز، النية. كذلك من شروط الوضوء أن يكون الوضوء بماء طهور أو طاهر، على ما ذكرنا سابقا أنه لا فرق بين أن كل ماء طاهر فهو مطهر لغيره. هذا الشرط الخامس أن يكون بماء وأن يكون هذا الماء طاهرا، نقول إن هذا الشرط فيه قيدين: الماء والطهورية، فإذا لا يصح الوضوء بغير الماء. فلو أن انسانا مثلا لم يجد ماء فوجد شايا، هل يصح له أن يتوضأ بالشاي؟ نقول: لا، لا يصح الوضوء بالشاي، إذا لم تجد ماء تيمم، ولا يصح الوضوء بالشاي.
لو أن انسانا ليس أمامه إلا ماء نجس، نقول: لا يجوز الوضوء كذلك بالماء النجس، ولا تجوز مباشرته ولا شربه ولا طبخه، ولا يجوز للمسلم أن يتوضأ وأن يتعبد لله سبحانه وتعالى بهذا الماء النجس، بل هو مأمور بأنه إذا وقعت عليه النجاسة أن يغسل نفسه منها، فكيف نقول: لو توضأ بهذا الماء النجس؟ إذا الشرط الخامس من شروط الوضوء هو أن يكون هذا الوضوء بماء طهور.
أن يكون هذا الوضوء، أي هذا الفعل، أن يكون بماء طاهر أو بماء طهور، ورجحنا نحن في باب المياه أن الماء الطهور والطاهر كلاهما بمعنى، سواء سميناه طاهرا أو طهورا، ما دام ماء لم يتغير بنجاسة فيصح الوضوء والغسل والشرب والطبخ به.
ربما يسأل المربي أسئلة لا فائدة منها، والأسلوب الحكيم للمربي الانتقال السلس بلا توبيخ إلى الأنفع له، وهو حينئذ سيفهم التوجيه الضمني؛ أعن بما يفيدك. سأل بعضهم الإام الزاهد عمر بن ذر عن القدر، فقال له عمر: ها هنا ما يشغل عن القدر. قال: ما هو؟ قال: ليلة صبيحتها القيامة، فبكيا جميعا.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183]. التقوى غاية الصوم العظمى، وهي اجتناب ما حرم الله وأداء ما افترض. فالصوم يربي في المسلم هذا المعنى، ففي الحديث: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه».
فكيف يصوم المسلم عن الطعام والشراب وهو يشهد أو يأخذ الرشوة ويأكل الربا أو يقع في أعراض الناس؟ والصوم يعين المسلم على ضبط نفسه وكظم غيظه والصبر على الأذى، ففي الحديث: «الصيام جنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث يومئذ ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني امرؤ صائم». فالصوم يربي في المسلم مراقبة الله وابتغاء وجهه بالعمل، فحاذر من أن تتعب نفسك بترك الطعام والشراب دون أن تنال ثمرة الصيام بصدق عند مليك مقتدر.
الطبري هو محمد بن جرير بن يزيد، الإمام المجتهد، المفسر، الفقيه، المؤرخ، صاحب التفسير المشهور المسمى جامع البيان عن تأويل آي القرآن، وتهذيب الآثار. كان عالما بالقراءات، فقيها في أحكام القرآن، عالما بالسنن والآثار. قال مرة لأصحابه: هل تنشطون لتأريخ العالم من آدم إلى وقتنا؟ قالوا: كم قدره؟ فذكر نحو ثلاثين ألف ورقة، فقالوا: هذه مما تفنى الأعمار قبل تمامه، فقال: إنا لله ماتت الهمم! فاختصر ذلك في نحو ثلاثة آلاف ورقة. ولما أراد أن يملي التفسير قال لهم نحوا من ذلك، ثم أملاه على نحو من قدر التأريخ. توفي رحمه الله سنة عشر وثلاثمائة من الهجرة.
نعود إليكم بعد هذا الفاصل، ونواصل حديثنا عن شروط الوضوء التي ذكرنا أنها الإسلام، والعقل، والتمييز، والنية، وذكرنا الشرط الخامس وهو أن يكون هذا الوضوء بماء طهور. ننتقل الآن إلى شرط سادس، وهو أن يزيل من جسده ما يمنع وصول الماء إلى بشرته. إذا لابد أن يغسل أعضاءه بالماء، لكن لو كان ثمة مثلا الإنسان يلبس قفاز، هل يغسل هذا القفاز؟ نقول لا، أزل هذا القفاز ثم اغسل يديك مثلا. لو أن انسان مثلا يلبس نظارة، نقول ارفع النظارة هذه عشان تغسل وجهك، يصل الماء إلى وجهك إلى عينك، وهكذا.
إذا لابد من إزالة ما يمنع وصول الماء إلى بشرته، لأن الله سبحانه وتعالى أمر بغسل الوجه واليدين والرجل، وأمر بمسح الرأس، إذا لابد أن يباشر الإنسان الماء هذه الأعضاء. وفي حديث أنس رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا وفي قدمه مثل الظفر لم يصبه الماء، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ارجع فأحسن وضوءك» أخرجه أبو داود والنسائي. إذا لابد أن يصل الماء إلى البشرة في أعضاء الوضوء.
هذه هي شروط الوضوء، لعلنا هذا الشرط السادس إن شاء الله أن نفصل فيه بعض المسائل خصوصا المسائل المعاصرة. نريد أن ننتقل الآن بعد شروط الوضوء إلى حكم الوضوء. الوضوء حكم الوضوء نقول إنه واجب على من أراد القيام إلى الصلاة إذا كان محدثا، لماذا؟ لأن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: 6]. إذا هذه آية المائدة أمرت المسلم إذا أراد القيام إلى الصلاة بأن يتوضأ، لذلك قال أهل العلم إن الوضوء واجب على كل من يريد الصلاة إذا كان محدثا.
أما إذا لم يكن محدثا، مثلا توضأ وضوء سابق وصلى به ولم يكن محدثا، فهذا يستحب له أن يتوضأ مرة أخرى ولا يجب عليه، وإنما يجب فقط على المحدث. وفي حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ». إذا من شروط الصلاة أن يكون الانسان متوضئا، ولا تصح صلاة المحدث.
إذا لم يكن هناك ماء لم يستطع الإنسان الوضوء لأي سبب من الأسباب، نقول ننتقل بعد ذلك إلى التيمم، وسوف نعقد إن شاء الله تعالى حلقة ودرسا قادما بإذن الله تعالى عن التيمم. ولكن نحن نقول إن الوضوء هو الأصل، لذلك حكم الوضوء هو الوجوب وانه شرط للصلاة.
نعود أيها الأخوة والأخوات إلى الشرط السادس الذي ذكرناه، وهو إزالة ما يمنع وصول الماء إلى البشرة. أريد أن أسألكم سؤالا: هل مثلا بعض الدهانات أو الكريمات التي يضعها الناس سواء كانوا رجالا أو نساء على أيديهم، هل هي مما يمنع وصول الماء إلى البشرة أو أنها ليست كذلك؟
في واقع الأمر أنها على نوعين: في بعضها يكون يتشربه الجلد مباشرة، ثم بعد ذلك بإمكان الإنسان إذا لمس يده أن يحس بشرته، مثلا بعض الملطفات أو المنعمات أو غيرها. وهناك بعض الدهانات أو الكريمات التي تعمل أو يكون لها جرم فوق البشرة، تكون من الثخانة بأن تصنع جرما فوق البشرة، نقول هنا لابد من إزالة هذا الجرم لأجل وصول الماء.
نضرب على ذلك مثلا آخر: الملونات، يضع بعض النساء على أظفارهم الملّون الذي يسمونه بالمناكير مثلا، يضعونه على أظفارهم يلون هذه الأظفار. في واقع الأمر هذه المناكير في غالبها إن لم يكن كلها والله تعالى أعلم تجعل على الظفر جرما، هي ليست مثل الألوان مثلا لو أن الإنسان أخذ لون من الألوان مثلا هذا القلم ولون به يده، هذا اللون لا يصنع جرم على اليد يمنع وصول البشرة، لا، وإنما لأنه خفيف تماما ويمكن وصول الماء إلى البشرة.
هذا بخلاف المناكير مثلا، لأن المناكير هي أشبه الدهان أو البوية التي تصيب البشرة، مثلا الدهانات أو الطلاءات التي تطلى بها الجدران مثلا لو وقعت على انسان في يده، نقول لابد أنك تزيلها من يدك وأن تجعل الماء يصل إلى البشرة. إذا نحن نقول هذه الكريمات، الدهانات، الملونات، الصبغات؛ منها ما هو حائل عن وصول الماء إلى البشرة، ومنها ما لا يعد حائلا عن وصول الماء إلى البشرة. فالذي لا يعد حائلا هذا يجوز الوضوء وفوقه، مثلا مثل الألوان العادية هذه إذا وقعت في اليد فهذه لا تعد حائلا يمنع وصول الماء إلى البشرة، بخلاف مثل ما ذكرنا المناكير مثلا أو الدهانات، هذه تمنع وصول الماء للبشرة.
صبغات الشعر هل هي تمنع وصول الماء إلى البشرة؟ الذي يظهر أن صبغات الشعر أنها من الملونات العادية التي لا يكون لها جرم يمنع وصول الماء إلى البشرة. إذا لابد من التأكد من إزالة ما يمنع وصول الماء إلى البشرة.
من الأشياء التي ربما تمنع وصول الماء إلى البشرة مثلا الأظفار الصناعية التي يضعها بعض الناس، هذه تمنع وصول الماء للبشرة، لابد من إزالتها بغض النظر عن حكمه الذي سنتطرق إليه إن شاء الله تعالى في درس لاحق بإذن الله تعالى.
كذلك ما الحكم فيمن زرع شعرا في رأسه؟ هل يمسح عليه؟ نقول نعم يمسح عليه، لأنه يأخذ اسم الشعر وهو فوق الرأس. وقد جاء في حديث
وقد جاء في الآية: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ [المائدة: 6]. فإذا الإنسان زرع شعراً فإنه يمسح عليه.
أما من تضع من النساء مثلاً رموشاً صناعية؛ فنقول: هل هذه الرموش تمنع وصول الماء إلى البشرة؟ الظاهر أنها لا تمنع وصول الماء إلى البشرة، وبذلك يكون هذا الوضوء صحيحاً. إذاً، هذه أبرز الموانع التي تمنع وصول الماء للبشرة، وأبرز الأشياء التي لا تمنع وصول الماء للبشرة.
ينبغي للمسلم وللمسلمة أن يحرص على الوضوء. ذكرنا حديث أنس رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً وفي قدمه مثل الظفر لم يصبه الماء، مقدار بسيط جداً لم يصبه الماء، فقال: «ارجع فأحسن وضوءك». أخرجه أبو داود والنسائي.
وفي الحديث الآخر: «ويل للأعقاب من النار، ويل للأعقاب من النار». العقب هو منطقة في القدم، خلف القدم، يكون فيها نوع من التجويف الذي لربما لا يصل إليه الماء بسرعة، يحتاج الإنسان أن يتأكد من وصول الماء إليه. فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: «ويل للأعقاب من النار». لابد للمسلم أن يتأكد أنه عمم بالغسل جميع قدمه، وأنه عمم بالغسل جميع وجهه وكذلك يديه، وأنه عمم رأسه بالمسح.
إذاً، هذه أبرز أحكام، لذلك على المسلم والمسلمة أن يحرصوا على وصول الماء إلى أبشارهم، وأن لا يتساهلوا في هذه الدهانات أو الطلاءات أو المناكير مثلاً أو غيرها من الأشياء التي تمنع وصول الماء إلى البشرة.
كذلك هناك مسألة بعد الوضوء؛ ما حكم تنشيف الأعضاء بعد الوضوء؟ بعض أهل العلم ذكر أن الاستحباب تنشيفها، وبعض أهل العلم ذكر أن الاستحباب تركها. والحقيقة في واقع الأمر فيه سعة وجائز؛ إذا الإنسان أراد أن ينشف أعضاءه بعد الوضوء، قد يحتاج إلى هذا مثلاً إذا كان هناك برد، يحتاج الإنسان أن ينشف أعضاءه لا بأس، أو يريد أن يترك هذا الماء يتقاطر من يده ووجهه، كذلك الأمر فيه إن شاء الله تعالى سعة ولا بأس فيه وهو جائز، سواء نشفها أو تركها.
نقف في درسنا عند هذا القدر، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
من نافع متطلع لزيادة الإيمان وتريد يأتيك ميسوراً بأي مكان، زاد زاد أكاديمية ينبوعها صافي صافي، وتعلم الفقه الميسر عاملاً دون تعصب لفلان الزار في البستان.
د. منصور بن عبد الرحمن الغامدي