الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبيه الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم اهدنا إليك، اللهم علمنا ما ينفعنا، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما. اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، اللهم يا مفهم سليمان فهمنا.
حياكم الله إخواني وأخواتي في هذا الدرس الثامن من سلسلة دروس الفقه في أكاديمية زاد المباركة، أسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بما نقول وما نسمع في هذه الأكاديمية. إخواني وأخواتي، سوف نتطرق إن شاء الله تعالى اليوم إلى الحديث عن فرائض الوضوء، وكنا قد تحدثنا في الدرس السابق عن حكم الوضوء وعن تعريفه وعن شروطه، واليوم نريد أن ننتقل إلى فرائضه وأركانه، فنقول: يمكن استنباط هذه الفرائض والأركان من الآية الكريمة التي شرعت الوضوء وأمرت به، آية المائدة، فلنقف مع هذه الآية قليلا.
قال الله سبحانه وتعالى في سورة المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: 6]. إلى هذا المقطع نهاية صفة الوضوء، ثم تتمة الآية جاء فيها صفة الغسل وصفة التيمم: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: 6]. إذا، هذه تتمة الآية المتعلقة بالغسل والمتعلقة بالتيمم، والذي يهمنا هنا هو المقطع الأول المتعلق بالوضوء.
إذا، أول فرائض الوضوء وأركانه: غسل الوجه. الوجه في اللغة هو ما تحصل به المواجهة، وحده من منابت شعر الرأس -من هنا تقريبا من منابت شعر الرأس، هذه منابت شعر الرأس هذا كله تحصل به المواجهة- إلى هنا، الذي تحصل به المواجهة. أما من الناحية العرضية فهو من هذا المكان من، لاحظوا هذا الأذن هنا، هذا الأذن، من هذه الأذن إلى حد الأذن من الجهة الأخرى. إذا، هذا الذي تحصل به المواجهة.
ممَّا ننبه جيدا إليه، ننبه إلى خطأ بعض الناس في هذا الأمر، أن بعض الناس إذا غسل وجهه يغسل إلى لحيته ويهمل هذه المنطقة، يهمل هذه المنطقة هنا، هذه المنطقة التي هي بين شعر اللحية وبين الأذن يهمل هذه المنطقة. لا، هذه داخلة في حد الوجه، لابد للإنسان أن يغسل وجهه من حد الأذن إلى الأذن، ومن منابت الرأس إلى ما استرسل من شعره. إذا، هذا هو حد الوجه الذي أمر الله سبحانه وتعالى بغسله.
ما معنى الغسل؟ اغسلوا، ما الفرق بين الغسل والمسح؟ إذا قمتم إلى الصلاة تأملوا هذه الآية: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ [المائدة: 6]، إذا، ما الفرق بين الغسل والمسح؟ الغسل في واقع الأمر هو امرار للماء على البشرة، أما المسح فليس فيه امرار للماء. فأنت مثلا تكون يدك مبتلة فتنشفها مثلا ثم تمسح، هذا يسمى مسحا، يمسح الإنسان ربما على يده، يمسح على ثوبه، يمسح على جبيرة، يمسح على خفه، يمسح على رأسه، هذا يسمى مسحا.
ولكن ما هو الغسل؟ الغسل فيه جريان للماء على العضو، إذا، فيه ماء ينهمر ويجري على العضو، هذا يسمى غسلا. أما إذا كان فقط الإنسان يكتفي بالماء العالق بيده فقط دون أن يجري هذا الماء على العضو فهذا معناه أن هذا مسح. إذا كان الإنسان يكتفي فقط بالماء العالق، يمرر يده على يده، هذا يعتبر مسحا ليده.
إذا، اغسلوا، أي أن الماء يجب أن يجري على الوجه، هذا معنى الغسل اغسلوا. بعض أهل العلم ذكر أن الغسل لا يسمى غسلا إلا مع شيء من الدلك، ولكن هذا حقيقة فيه نظر، ويكفي جريان الماء، ويكفي جريان الماء والله تعالى أعلم. أحيانا بعض الناس مع البرد فيكتفي، لا يريد أن يتأذى فيمسح، لا نقول لا، خطأ، هذا خطأ، لابد أن يجري الماء، لابد أن تأخذ شيئا من الماء وتضعه على وجهك بحيث يجري هذا الماء على الوجه.
إذا، أيها الإخوان والأخوات، هذا فرق بين الغسل والمسح؛ لأنه سيأتينا إن شاء الله تعالى من الفرائض مسح الرأس، هذا هو الفرق بين الغسل والمسح. كذلك مما ننبه إليه أيضا أن غسل الوجه يدخل فيه المضمضة والاستنشاق؛ لأنهما من الوجه الذي تحصل به المواجهة، وإن كان في واقع الأمر المضمضة هي إصال الماء إلى باطن الفم، إلى داخل الفم، والاستنشاق هو إصال الماء إلى داخل الأنف.
ولأجل كونهما إصال الماء إلى داخل الفم أو داخل الأنف حصل فيها خلاف، هل هي واجبة أو ليست بواجبة؟ ولكن مما ننبه إليه أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يؤثر عنه تركهما البتة، قد جاء في حديث لقيط بن صبرة عند أبي داود: «إذا توضأت فمضمض». لذلك المضمضة تكون من ضمن الوجه إن شاء الله تعالى، تكون المضمضة والاستنشاق، يمضمض بحيث يضع جزءا من الماء الذي في كفه يضعه في فمه.
طيب، ما هي المضمضة؟ المضمضة هي إدارة الماء في الفم، فإذا أدخل الماء إلى فمه يمضمض بمعنى أن يحرك هذا الماء، يرج هذا الماء داخل فمه، يديره داخل فمه، ثم بعد ذلك يمج هذا الماء، يمج هذا الماء، إذا، هذه هي المضمضة. الاستنشاق، ما معنى الاستنشاق؟ معناه أن يقرب الماء إلى أنفه ثم يستنشقه بحيث يدخل قطرات من الماء إلى داخل أنفه، هذا هو الاستنشاق، يقرب الماء فيدخل الماء إلى أنفه.
ثم بعد ذلك يستنثر، ما هو الاستنثار؟ الاستنثار هو أن يخرج هذا الماء الذي دخل إلى أنفه وذلك عن طريق الهواء، فيستنثر بمعنى أنه يخرج هذا الماء من خلال، بيده اليسرى يخرج هذا الماء إلى خارج الأنف. إذا، غسل الوجه يشمل المضمضة وهي إدارة الماء في الفم، ويشمل الاستنشاق وهو إدخال الماء إلى الأنف، هذا كله داخل في حد غسل الوجه.
قول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: 6]، لو قال قائل: إن البسملة من واجبات الوضوء؛ فقد روي في حديث وإن كان فيه ضعف وكلام: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه». نقول أولا: هذا الحديث فيه ضعف ولا يثبت بمثله واجب، فضلا عن ثبوت كون التسمية شرطا، لا تثبت بمثل هذا الحديث الضعيف.
الامر الثاني أن نقول: إنها لم تذكر في آية الوضوء، وقد قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: 6] ولم يذكر البسملة. إذا، من هذه الآية نستطيع أن نستنبط عددا من الأمور، فنقول: إن التسمية قبل الوضوء سنة، ونقول كذلك أن غسل اليدين ثلاثا قبل الوضوء سنة كذلك؛ فقد جاء في حديث حمران عن عثمان رضي الله تعالى عنه وهو يصف وضوء النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «غسل كفيه ثلاثا، ثم بعد ذلك تمضمض واستنشق واستنثر وغسل وجهه ثلاثا».
نقول: إن غسل الكفين ثلاثا هذا لا شك أنه سنة، لماذا؟ لأن اليدين هما آلة الوضوء، آلة الوضوء التي يرفع بها الماء، والتي يغسل بها اليد والوجه، فلذلك يشرع للإنسان أن ينظف آلة الوضوء قبل أن يقوم بالوضوء. لكن هل هذا الغسل لليدين واجب؟ نقول: لا، ليس بواجب، وإنما هو مشروع لكونهما آلة الوضوء، وأما واجب فلا؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: 6]. إذا.
نستنبط من هذا أن ما لم يذكر قبل غسل الوجه أنه يعد من مندوبات الوضوء ومن سننه، مثل التسمية مثلاً، ومثل غسل الكفين ثلاثاً. وسوف نتطرق إن شاء الله تعالى إلى هذا في درسنا القادم عن سنن الوضوء ومستحباته إن شاء الله تعالى.
طيب، إذا هذا هو غسل الوجه بكامله، لقول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: 6]. هذا هو الواجب الأول من واجبات الوضوء. ننتقل إن شاء الله تعالى إلى الواجب الثاني بعد هذا الفاصل القصير، نعود إليكم إن شاء الله تعالى.
جهل وظلم، فرقة وقطيعة، شرك وضلال. هكذا كان الحال، فيأذن الله بإشراقة فجر جديد ونور يمحو به تلك الظلمات. محمد رسول الله ﷺ. وصفه ربه بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]. فجمع له من خصال الكمال ومحاسن الصفات ما لم ينله أحد من البشر، فقد ثبت أنه كان أوفر الناس عقلاً، أجودهم نفساً، أرحمهم صدراً، أشدهم حياءً. كان مع الناس، وأزهدهم في الدنيا، وأكثرهم تواضعاً، يعين أهله، ويخيط ثوبه، ويخدم نفسه، يزور المسلمين وغير المسلمين، ويعود مرضاهم، ويدعوهم إلى الخير.
كان صادق اللهجة، راسخ المبدأ، أعدل الناس، أرفقهم بالضعفاء، أنصف المرأة والطفل، وشملت رحمته حتى الحيوان. أثنى عليه حتى المنصفون من غير المسلمين، فيقول الألماني يوهان جوته: إننا أهل أوروبا بجميع مفاهيمنا لم نصل بعد إلى ما أوصل إليه محمد. ويقول الإنجليزي جورج برنارد شو: إن العالم أحوج ما يكون إلى رجل في تفكير محمد. بل قال تولستوي الأديب العالمي: إن شريعة محمد ستسود العالم لانسجامها مع العقل والحكمة.
ولنصرته لنعرف قدره ومكانته، ولننشر في الناس فضائله ومكارمه، ولنقتدي به ونمتثل أمره، ولنذب عن شريعته وندفع عنها الشبهات. فلو لم يكن للنبي صلى الله عليه وسلم من الفضل إلا أنه الواسطة في حمل رسالة رب العباد إلى عباده وتعريفهم به، لكان فضلًا لا يستقل العالم بشكره ولا البشرية بمكافئته. فقد عاش حياته يبلغ الخير لأمته، ولم يكتف بهذا، بل سأل ربه أن يشفعه فيهم يوم القيامة، وصدق الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]، ورتل القرآن ترتيلاً. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات: 1].
نعود إليكم بعد هذا الفاصل، ونواصل حديثنا عن فرائض الوضوء وأركانه. فنقول: تحدثنا عن غسل الوجه وأنه أول هذه الفرائض والأركان، الفريضة الثانية أو الركن الثاني هو غسل اليدين إلى المرفقين. غسل اليدين إلى المرفقين، ما معنى، ما هو أو أين هما المرفقان؟ هذا هو المرفق، هذا هو المرفق، هذا هو المرفق. إذا، نلاحظ على ماذا؟ عذراً وأن نرفع هذا، هذا هو المرفق. غسل اليدين إلى المرفقين، إذا، هذا هو الواجب الثاني من واجبات الوضوء؛ أن يغسل المسلم يديه إلى المرفقين.
طيب، بعض الناس أحياناً يبدأ وضوءه بأن يغسل كفيه، وهذا سنة مستحب وجيد، ثم بعد ذلك يغسل وجهه وهذا جيد، ثم بعد ذلك يغسل يديه من أين؟ يغسل يديه من هنا إلى هنا، لماذا؟ لأن الماء أو قد غسل كفه في البداية. نقول: لا، لا يصح هذا، لابد أن تغسل اليدين وحدهما من أطراف الأصابع. بعض الناس إذا جاء في غسل اليدين خلاص يغسل من هنا بس يكتفي بهذا المقدار، لا، هذا لا يصح، فيجب على المسلم أن يغسل يديه كاملتين إلى المرفقين، وغسلهما من هذا الحد من نهاية الأظفار إلى المرفق. إذاً، هذا هو حد اليد، ولا يصح للمسلم أن يغسل يده فقط من هنا إلى هنا.
طيب، هنا مسألة أخرى نود الحديث عنها، وهي المرفقان: هل يغسلان؟ أو فقط يغسل دونهما؟ جاء في حديث روي عند الدارقطني أن النبي صلى الله عليه وسلم «أدار الماء على مرفقيه». وهذه مسألة يذكرها أهل العلم دائماً، يقولون: هل الغاية تدخل في المغيا أم لا؟ بمعنى أنه إذا ذكر في الكتاب والسنة مثلاً إلى كذا، فما بعد (إلى) هل يدخل في حكم ما قبلها؟ إلى المرفقين، هل يوصل المرفقان أم لا؟ أتموا الصيام إلى الليل، هل يصيب جزءاً من الليل أم لا؟ يعني، هل يدخل هذا الجزء البسيط من الليل أم لا؟ هذه الغايات هل تدخل في المغيا قبلها أم لا؟
وفي واقع الأمر أن في هذه المسألة تفصيلاً، فنقول: إن كانت هذه الغاية من جنس ما قبلها فتدخل، وإن كانت هذه الغاية ليست من جنس ما قبلها فلا تدخل، فالليل ليس من جنس النهار، فيصوم الانسان النهار مستوعباً له ولا يحتاج أن يصوم شيئاً من الليل. وأما المرفق فهو من جنس اليد، فهو من اليد: ﴿وَاغْسِلُوا أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: 6]. لذلك، فإن الانسان يشرع له أن يدير الماء على مرفقه بحيث يستوعب هذا المرفق بالغسل، والا يترك المرفق. بعض الناس يغسل يعني إلى هذا الحد فقط، هذا أهمل المرفق، والمرفق داخل في حد اليد.
إذاً، بعض الناس أحياناً من أخطائهم في الوضوء أنه يترك هذه، بالمناسبة أيها الأخوة والأخوات، هناك مواضع في الجسد، مثلاً مثل مرفق، أسفل المرفق هنا، أو مثلاً مثل الأعقاب وهي خلف القدم، تجويف كذا يهمله الإنسان، لا ينبغي الإنسان حين الوضوء أن يستوعب هذه الأعضاء وأن يتنبه للأماكن التي يصعب وصول الماء إليها أو لا يصل إليها. الإنسان لو مثلاً وضع يده مثلاً تحت الماء قد لا يصل الماء بنفسه إلى آخر المرفق، لا، يحتاج الإنسان أن يمرر يده حتى يصل الماء إلى آخر المرفق.
طيب، قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: 6]. قول الله سبحانه وتعالى: وأيديكم، هذه إعرابها ما إعرابها؟ اغسلوا وجوهكم. إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا عذراً، فاغسلوا وجوهكم، وجوهكم مفعول به منصوب، وأيديكم مفعول به منصوب. إذاً، ما هو العامل في نصب قول الله سبحانه وتعالى وأيديكم؟ الأمر بالغسل؛ أي أن أيديكم معطوفة على وجوهكم، فكلاهما عمل فيه فعل (اغسلوا)، عمل فيه النصب فصار مفعولاً به، والثاني معطوف على المفعول به. هذا نفهم منه إذاً أن الواجب في اليدين هو الغسل. لذلك سوف نذكر إن شاء الله تعالى القراءات في قول الله سبحانه وتعالى: وأرجلكم، وما هو العامل فيها؟ هل هو (اغسلوا) أم (امسحوا)؟ أن شاء الله تعالى في موطنه. لكن أيديكم ليس فيها قراءتان، وإنما هي قراءة واحدة والواجب فيها هو الغسل أي إلى المرافق.
طيب، ثم قال الله سبحانه وتعالى بعد هذه الآية: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: 6]. لاحظوا هنا أنه تغير الفعل، الأول (اغسلوا) والثاني (امسحوا برءوسكم). ما الفرق بين المسح والغسل؟ الغسل قلنا أنه جريان للماء على العضو، وأما المسح فهو إمرار باليد، ولكن دون جريان للماء، إمرار لليد المبتلة على العضو ولكن دون جريان للماء. إذاً، مسح الرأس يكون دون غسله، لا يصرخ المسلم والله أنه يأخذ مثلاً كاس الماء فيريقه على رأسه، لا، وإنما تكون يده مبتلة فيمسح برأسه.
ما صفة مسح الرأس؟ جاء في حديث عبد الله بن زيد رضي الله تعالى عنه في صفة مسح رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ثم مسح رسول الله صلى الله عليه وسلم برأسه، فأقبل بيديه وأدبر، بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه» يعني هكذا «حتى ذهب بهما إلى قفاه إلى هنا حتى ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه». إذاً، يشرع للمتوضئ أن يقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم في صفة المسح، طبعا البداية بمقدم الرأس حتى يذهب بهما إلى قفاه ثم يرجع.
هل هذا من السنن؟ لكن لو أن إنسانًا مثلا مسح برأسه مثلا بدءا من الجهة اليمين ثم اليسار ثم مر، هذا صحيح؟ نقول: هذا صحيح؛ ولكنه أتى بالواجب وهو قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾. ولكن سوف يأتينا إن شاء الله تعالى في سنن الوضوء في الدرس القادم صفة مسح النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه مسح برأسه بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه، ثم رجع إلى المكان الذي بدأ منه.
وهذا المسح يختلف مسح الرأس عن غسل الوجه واليدين بعدد من الاختلافات؛ أولها: أن الواجب في الوجه واليدين هو الغسل، وأما الواجب في الرأس فهو المسح، هذا أولا. ثانيا: أنه مما يشرع في غسل الوجه واليدين التثليث، فيثلث غسل وجهه، ويثلث غسل يديه، يعني يغسلهما ثلاثا، أما مسح الرأس فيكون مرة واحدة فقط، فيكون هذا هو السنة، والزيادة عليها ليس مشروعا، الزيادة عليها ليس مشروعا.
إذا أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح برأسه، وهذا جاء في حديث، بل جاء في حديث حمران عن عثمان رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم مثلا غسل وجهه ثلاثا، قال: ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاثا، ثم اليسرى مثل ذلك، ثم مسح برأسه واحدة، يمسح الإنسان برأسه واحدة، ثم غسل رجله اليمنى ثلاثا، ثم اليسرى مثل ذلك. إذا مسح الرأس يختلف عن بقية أعضاء الوضوء؛ أولا: في أن الواجب فيه هو المسح، والأمر الثاني: أن الواجب فيه أن يكون واحدا، الإقبال أن يبدأ بمقدم رأسه ثم يرجع، هذا يسمى واحدا، ولا يعد مسحا مرتين لما جاء في حديث عبد الله بن زيد رضي الله تعالى عنه.
في حديث عبد الله بن زيد قال: فأقبل بيديه وأدبر. ما معنى فأقبل بيديه وأدبر؟ حقيقة الإنسان لو اقتصر على هذا اللفظ ربما أشكال عليه: فأقبل بيديه وأدبر؛ لماذا؟ لأن الإقبال هو أن يأتي بهما من الخلف إلى الأمام، وأدبر هو أن يأتي بهما من الأمام إلى الخلف، هذا معنى فأقبل بيديه وأدبر. ولكن هذا يسميه أهل البلاغة وأهل علم اللغة يسمونه لفّا ونشرا غير مرتب؛ أي إنه في واقع الأمر أدبر بيديه ثم أقبل، أدبر بيديه ثم أقبل. من أين أخذناه؟ لأنه في لفظ حديث عبد الله بن زيد قال: فأقبل بيديه وأدبر، بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه. إذا فسرها رضي الله تعالى عنه، فسرها، إذا لا يشكل علينا هذا اللفظ فأقبل، لكن لو لم يرد هذا اللفظ بدأ بمقدم رأسه لربما قال بعض الناس: والله إن المستحب أو الأفضل هو أن يبدأ بمؤخر رأسه وأن يقبل بيديه. وهذا يتوقع الأمر مصداق لفظ حديث عبد الله بن زيد حرفيا: فأقبل بيديه، المشروع أن يقبل، لكن فسره عبد الله بن زيد باللفظ الذي ذكرناه؛ أنه بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه، ثم رجع إلى المكان الذي بدأ منه.
مما يجدر التنبيه إليه أن المسح يبدأ من منابت الشعر المعتاد إلى القفا، أن المسح يبدأ من منابت الشعر المعتاد إلى القفا. هنا سؤال: هل يمسح الأصلع على رأسه؟ بمعنى مثلا من كان أصلع الرأس كاملا، وبعضهم يكون نصف الرأس أصلع مثلا، هل يمسح على رأسه؟ أو أنه يمسح على الشعر فقط؟ أو أنه لا يمسح مطلقا؟ لا، نقول: يمسح على رأسه، يجب عليه أن يمسح على رأسه، والآية قالت: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ ما جعلتها على الشعر فقط، وليس الشعر، امسحوا برؤوسكم. إذا، وهذه قضية مهمة؛ وهي أنه ينبغي دائما في مناطات الأحكام أن نرجع إلى ماذا؟ إلى نصوص الشارع. لو كان النص والله امسح بشعرك، نقول: خلاص، اللي ما عنده شعر لا يمسح، لكن هنا قال إيش؟ ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ أي إن مناط المسح هو الرأس، لذلك يمسح الأصلع.
بعض النساء مثلا اللواتي شعرهن يكون طويل مثلا يتجاوز حد الرأس، نقول: الواجب عليها أنها تمسح إلى القفا، ولا يشرع لها أو لا يجب عليها أنها تمسح ما استرسل من شعرها؛ لأن هذا ليس تجاوز حد الرأس. إذا الواجب هو مسح الرأس، فإذا لم يكن في الرأس شعر نقول: يجب عليك أن تمسح الرأس، إذا كان هناك شعر مسترسل نقول: لا يجب عليك أن تمسح الشعر المسترسل؛ لماذا؟ لأن الحكم منوط بمسح الرأس وليس منوطا بمسح الشعر، وهذا هو الفرق بين مسح الرأس ومسح الشعر.
ومن مسح الرأس مسح الأذنين، وقد جاء في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما صفة هذا المسح فقال: وأدخل أصبعيه السباحتين -هذه السبابة تسمى السباحة أو المسبحة يعني التي يتشهد بها المسلم في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: وأدخل أصبعيه السباحتين في أذنيه ومسح بابهاميه- هذا الابهام مسح به ظاهر أذنيه، الظاهر يعني هذه المنطقة، هذه المنطقة باطن، وهذه المنطقة ظاهر، فمسح الابهام هذا يمسح الظاهر كذا، والسبابة هذه تدخل في الباطن كذا، هكذا يعني يدخل هذا ويمسح هكذا، لاحظتم؟ إذا هذا جاء في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما قال: وأدخل أصبعيه السباحتين في أذنيه ومسح بابهاميه ظاهر أذنيه. إذا هذا في صفة مسح الرأس.
لا يشرع للمسلم أن يزيد في دين الله بغسل الرأس، نقول: لا يشرع للمسلم، لو قال الانسان: والله أنا أبغى أجتهد في العبادة أكثر، وأنا أبغى أجعل بدل المسح هذا لا أنا بغسله ثلاثا، نقول: لا، بل أنا أقول لكم: يكون أهل العلم إن من أهراق الماء على رأسه مثلا، لو أن إنسان مثلا وقف تحت دش الماء ووضع رأسه تحت دش الماء والماء يصب على رأسه صبا، ثم بعد ذلك انتهى وأزال رأسه، يقولون: إن هذا لا يصح وضوءه. ليش يقولون؟ لأن الواجب هو المسح، يجب عليه أن يمر يده. لكن لو وضع رأسه تحت الدش مثلا ومسح رأسه بيديه هذا يصح وضوءه، يصح وضوءه فقط لأجل أنه مسح برأسه، وأما الماء هذا اللي يصب هذا ما هو بمشروع، لو اقتصر فقط على هذا الماء الذي يصب لما صح وضوءه؛ لأنه غسل رأسه دون أن يمسح، الواجب عليه هو المسح، بمعنى لذلك بعض الناس مثلا ربما توضأ وهو يغتسل مثلا، فنقول: يجب عليك ترى انتبه، لا تجعل راسك تحت الدش دون أمرار يدك، يجب أن تمر يدك على رأسك؛ لأن هذا هو المعتبر في الوضوء ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾. وذكرنا أن المسح منه مسح الأذنين، وذكرنا صفتهما كما جاء وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم.
فاصل قصير ونعود إليكم إن شاء الله تعالى.
على مجموعة زاد تقدم لكم نخبة مميزة من إصداراتها؛ كتاب: كيف عاملهم صلى الله عليه وسلم للشيخ محمد صالح المنجد، أربعون نصيحة لإصلاح البيوت، أدرك أهلك قبل أن، المجمعات التجارية آداب وأحكام، زاد الحج، زاد الصائم، طوبى للشام، كيف تقرأ كتابا، معاني الأذكار، اترك أثرا قبل الرحيل، وكتاب بدعة إعادة فهم النص. لمزيد من المعلومات يرجى زيارة المواقع التالية: قناة زاد الفضائية، والعلم في كل وقت.
نعود إليكم بعد هذا الفاصل. وتكلمنا في هذا الدرس عن آية الوضوء التي اشتملت على فرائضه وأركانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ هذه ثلاثة فرائض تكلمنا عنها.
وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وأرجلكم إلى الكعبين.
طيب إخواني وأخواتي، هذه الآية بالمناسبة عند أهل القراءات فيها قراءتان. القراءة الأولى هي ما قرأته قبل قليل: وأرجلكم إلى الكعبين. والقراءة الثانية هي: وأرجلكم إلى الكعبين. ما الفرق بين هاتين القراءتين؟
طيب أنتم عندكم دروس في النحو، لابد أن تدركوا الفرق بين قول الله: وأرجلكم أو وأرجلكم. إذا قلنا: وأرجلكم، فمعنى هذا أنها معطوفة على منصوب. ما هو المنصوب المتقدم؟ اغسلوا وجوهكم وأيديكم، ثم امسحوا برؤوسكم، وهذا فاصل، ثم قال: وأرجلكم. يعني أرجلكم معطوفة على أيديكم ووجوهكم. لاحظتم؟
إذا قرأنا بقراءة النصب: وأرجلكم، معنى ذلك أنها معطوفة على أيديكم ومعطوفة على وجوهكم. وأما إذا قرأنا بقراءة الخفض أو الجر: وأرجلكم، فمعنى هذا أنها معطوفة على ماذا؟ معطوفة على قول الله سبحانه وتعالى: برؤوسكم. امسحوا برؤوسكم برؤوسكم، يعني مخفوضة أو مجرورة بحرف الباء. فقولنا: وأرجلكم بالخفض، معناها أنها معطوفة على برؤوسكم.
إذاً، القراءة الأولى وهي قراءة النصب تعطفها على قول الله سبحانه وتعالى: اغسلوا وجوهكم وأيديكم، فيكون الواجب في الرجل هو الغسل. وقول الله سبحانه وتعالى: وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم قراءة الجر تعطفها على رؤوسكم ويكون الواجب هو المسح. وهذا في واقع الأمر مطابق لشريعة الإسلام، فإن الرجل فيها سنتان: سنة الغسل، وهذا إذا لم يكن عليها خف ولا جورب، يجب على المسلم أن يغسل رجله إلى الكعبين.
وفيها سنة أخرى، وهي سنة المسح على الخفين والجوربين. وسنة المسح هذه هي قراءة الخفض المعطوفة على مسح الرأس، لاحظتم؟ وأما سنة الغسل فهي معطوفة على المنصوب: وجوهكم وأيديكم.
إذاً، عندنا في الرجل حالتان: الحالة الأولى: وجوب غسلها إذا كانت خالية عن الخف أو الجورب. وأما إذا كان عليها خف أو جورب، ففيها سنة المسح التي يتكلم عنها، وهي المسح على الخفين. وسوف نتطرق إن شاء الله في لقاء قادم عن المسح على الخفين شروطه وأحكامه وسننه بإذن الله تعالى.
ولكن نحن نريد أن نتكلم الآن عن غسل الرجلين، وهذا هو الأصل والأغلب على الناس، أنه يجب عليهم غسل أرجلهم إلى الكعبين. ما هما الكعبان؟ الكعبان هما العظمان الناتئان في أسفل الساق. بعض الناس يفهم أن الكعب هو المحل الذي يطأه الإنسان أو يلامس الأرض، يظن يقول: هذا الكعب، هذا متداول عند الناس، أن الكعب هو الجزء من الرجل الخلفي الذي يطأ الأرض، وهذا خطأ.
الكعب هو المفصل الذي يقع بين الساق وبين القدم، هذا هو الكعب. المفصل هذا يسمى الكعب. هذا الكعب فيه عظمان ناتئان من اليمين واليسار، هذان هما الكعبان، العظمان الناتئان من اليمين واليسار أسفل الساق فوق القدم، هذا هو الكعب. لكن كما ذكرت أنه عند بعض الناس دارج أن الكعب هو الجزء الذي يطأ الإنسان به الأرض وهذا خطأ، هذا خطأ.
إذاً، قول الله سبحانه وتعالى: وأرجلكم إلى الكعبين معناه وجوب غسل الرجلين إلى الكعبين. طيب هل الكعبان يدخلان في الغسل؟ نعم، لأن الكعبين من الرجل فيدخلان في الغسل. إذاً، هذه الآية بقراءة النصب: وأرجلكم إلى الكعبين تدل على وجوب غسل الرجلين إلى الكعبين.
مما يحسن التنبيه له وهو أن هذا القدر الذي يطأ الإنسان به الأرض هذا يسمى عقباً. في الجهة الخلفية من العقب تجويف أحياناً لا يصل إليه الماء إلا إذا اهتممت بإيصاله، يعني إذا مررت يدك عليه وأوصلت إليه الماء، لذلك جاء في الحديث: «ويل للأعقاب من النار». وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في حديث أنس رجلاً وفي قدمه مثل الظفر -شوفوا مثل الظفر يعني منطقة بسيطة جداً لم يصلها الماء- في قدمه مثل الظفر لم يصله الماء، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ارجع فأحسن وضوءك» أخرجه أبو داود والنسائي من حديث أنس رضي الله تعالى عنه.
إذاً، يجب على المسلم أن يستوعب الرجلين بالغسل إلى الكعبين. ومما يحسن التنبيه له وهو أن أحياناً يكون بعض الناس أصابع أقدامهم متلاصقة، تكون متراصقة، وهذا يجعل الماء لا يصل إلى المناطق المتخللة بين أصابع الرجل. أصابع اليدين درسناها، سهل يعني أنت إذا صلحت كذا خلاص هذا وصل الماء، لكن أصابع الرجلين أحياناً لو تصب الماء عليها صباً وتكتفي بهذا الصب فقط فقد لا يصل الماء إلى ما بين الاصابع.
لكن نحن نقول إنه بعض الناس ربما تكون أصابعهم متفرقة أو إنه يتخللها الماء بشكل، هذا جيد. ولكن إذا لم يصل وماتت متلاصقة، فانه يجب عليه إيصال الماء، يجب عليه إيصال الماء إلى ما بين أصابع رجليه.
هذه التنبيهات التي في غسل الرجل، أحياناً الإنسان قد يتساهل في غسل باطن قدمه من أسفل مما يلي الأرض مثلاً، خصوصاً إذا كان واقفاً ويغسل رجله بالماء مثلاً بإبريق من أعلى، لا، يجب أنه يلف قدمه بحيث إنه يصل الماء إلى باطن قدمه، وينتبه في وصول الماء إلى خلف قدمه المنطقة الخلفية هذه الأعقاب، ينبغي له أن يتنبه في إيصال الماء إليها. إذاً يجب على المسلم أن يحرص على إيصال الماء إلى هذه الأماكن.
لو أردنا إجمال الحقيقة، لو أردنا أن ننبه أكيداً على بعض المناطق التي لا يصل إليها الماء لقلنا: الأعقاب هذه ينبغي لك أيها المسلم والمسلمة أن تتنبهوا لها. كذلك من الاماكن التي يغفل عنها بعض الناس المرافق، وربما غفلوا عن غسل الكفين يعني يكتفي بالغسل من هنا إلى هنا وهذا خطأ. كذلك من المناطق التي يتساهل فيها بعض الناس ولا يصلون الماء إليها، اللي هو خلف سعر اللحية، بين سعر اللحية والأذن هذه المنطقة ينبغي كذلك للمسلم والمسلمة أنهم يتنبهون لإيصال الماء.
استيعاب الوجه، واستيعاب اليدين، واستيعاب الرجلين بالغسل، هذه أبرز فرائض الوضوء وأركانه. هناك الركن الخامس أو الفريضة الخامسة من فرائض الوضوء: الترتيب. الترتيب بمعنى أن الإنسان يتوضأ مرتباً.
ما رأيكم لو أن انساناً توضأ فمسح برأسه، ثم غسل رجليه، ثم غسل يديه، ثم غسل وجهه؟ ما رأيكم في هذا الوضوء؟ نقول: هذا الوضوء غير مرتب، لم يقع وفق الترتيب الذي أمر الله سبحانه وتعالى به.
طيب لو قال قائل: إن عطف هذه الواجبات بالواو لا يقتضي الترتيب عند أهل اللغة، أن العطف بالواو لا يقتضي الترتيب بخلاف العطف بالفاء وثم فإنها تقتضي الترتيب. فقول الله سبحانه وتعالى: إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم، عطف بالواو، فلو أن إنسان غسل يديه ثم وجهه لما خالف هذه الآية؛ لأنه لأن العطف بالواو لا يأخذ الترتيب.
نقول له: إن العطف بالواو في الأصل لا يقتضي الترتيب، ولكن مما يدل على وجوب الترتيب في آية الوضوء أمر آخر غير قضية العطف بالفاء أو ثم، وقضية العطف بالواو، وإنما الذي يدل على الترتيب في آية الوضوء إدخال الممسوح بين المغسولات. ما هي المغسولات؟ الموصولات: الوجه (اغسلوا وجوهكم)، وأيديكم، وأرجلكم (آخر الرابع). فإدخال الممسوح -هذا اغسلوا وجوهكم وهذا أيديكم وأرجلكم هذه مغسولات- إدخال الممسوح (وامسحوا برؤوسكم) إدخال الممسوح بين هذه المغسولات الثلاثة في وسطها يدل على أن الترتيب مراعى؛ لأنه لو لم يكن مراعاً لكانت الآية كالاتي: اغسلوا وجوهكم وأيديكم وأرجلكم وامسحوا برؤوسكم، والترتيب غير مراعى. لكن إدخال الممسوح بين المغسولات يدل على أن الترتيب مراعى في هذه الآية.
ومما يدل إجمالاً على العناية بالترتيب ما جاء في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث جابر: «ابدؤوا بما بدأ الله به».
في حديث جابر هذا في البدء بالصفا في صفة الحج البدء بالصفا قبل المروة. النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ابدأ بما بدأ الله به». إذاً، هذا دل على مراعاة الترتيب إجمالاً في القرآن الكريم، ولكن نحن ننص في هذا الموطن على أن إدخال الممسوح بين المغسولات يدل يدل على الترتيب.
الركن السادس من أركان الوضوء هو الموالاة، والموالاة تعني المتابعة بحيث لا يفصل بين أعضاء الوضوء فاصل طويل جداً، وهذا سوف نفصل الحديث عنه إن شاء الله تعالى في درسنا القادم، ونقف عند هذا القدر، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
يا راغباً في كل علم نافع متطلعاً لزيادة الإيمان وتريد يأتيك ميسوراً بأي مكان من فقه الميسر عاملاً للشرع دون تعصب لفلان.
د. منصور بن عبد الرحمن الغامدي