تسجيل الدخول

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أعين. اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، اللهم يا مفهم سليمان فهمنا، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، اللهم هيئ لنا من أمرنا رشدا، وآتنا من لدنك توفيقا وسدادا وصوابا.

إخواني وأخواتي من طلبة هذه الأكاديمية المباركة، هذا هو الدرس التاسع من سلسلة دروس الفقه في أكاديمية زاد. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا مباركين، وأن ينفعنا بما نقول وما نسمع، وألا يجعل هذا العلم حجة علينا، وأن يجعل هذا العلم حجة لنا، اللهم آمين.

إخواني وأخواتي، كنا قد ذكرنا في الدرس السابق فرائض الوضوء وأركانه، وتحدثنا عن الغسل، غسل الوجه، وغسل اليدين، والمسح، مسح الرأس، وغسل الرجلين إلى الكعبين، وأضفنا إليهما أضفنا إلى هذه الأربعة الترتيب، وقلنا إن ادخال الممسوح بين المغسولات يقتضي الترتيب.

وتحدثنا في الشرط السادس عن الموالاة، والموالاة يراد بها أن يكون هذا الوضوء متتابعا، بمعنى أن يغسل وجهه ثم يديه ثم يمسح رأسه بشكل متتابع وألا يفصل بينها فاصل طويل. مثلا بعض الناس ربما غسل وجهه ثم غسل يديه، بعد أن انتهى من غسل يديه رن الجوال في جيبه فأخذ الجوال وذهب ذهب يكلم مكالمة، أخذ في هذه المكالمة مثلا ربع ساعة ثم رجع يريد أنه بعد ما يرجع أنه يبغى يكمل رأسه، يقول لا، أنت الآن فصلت بين أعضاء الوضوء، فصلت بين أعضاء الوضوء فاصلا طويلا، فاصلا طويلا، فلذلك الآن يجب عليك أنك ترجع تبدا من غسل من غسل الوجه واليدين.

لكن لو أن إنسانا هذا الفاصل رفع السماعة وقال: طيب يا اخي أنا سوف أكلمك بعد قليل، أنا أتوضأ الآن أكلمك بعد قليل، وأرخى السماعة ثم رجع ومسح برأسه، نقول هذا هذا فاصل يسير ولا يؤثر ولا يؤثر ولا يؤثر في الوضوء.

أما إذا كان الفاصل طويلا فانه يؤثر. طيب، ما هو الحد الفاصل بين الطويل والقصير؟ نقول الحد الفاصل الحقيقة بين الطويل والقصير هو العرف، إذا صار هذا الفاصل طويل، مكالمة جوال مثلا ربع ساعة أو أكثر، فهذا لا شك أنه فاصل طويل، أما إذا كانت كلمتين أو ثلاث فهذا لا شك أنه فاصل فاصل يسير.

وضبطها بعض أهل العلم بأن قال إن إذا نشف العضو الذي قبله فهذا يعد فاصلا طويلا، أما إذا فصل بفاصل ولا زال العضو الذي قبله مبتلا فيه أثر الوضوء، فانه أو بنفس المدة والمقدار فانه لا باس أن يواصل، لا باس أن يواصل هذا الوضوء ولا يعد فاصلا طويلا مبطلا للوضوء. إذا هذا ضابط ذكره بعض أهل العلم، في واقع الأمر أن الضابط الحقيقي هو العرف، ولكن هذا ضابط يعني تقريبي أنه والله إذا كان قد نشف العضو الذي قبله فأعد الوضوء، أما إذا لم يكن قد نشف فان يصح لك إكمال إكمال الوضوء.

طيب، ها هنا مسائل نود الحديث عنها متعلقة بفرائض الوضوء، وهي كيف يغسل العضو المقطوع؟ نقول إن بقي بعد القطع شيء من القدر الواجب فانه يغسل؛ لأن هناك قاعدة فقهية: فاتقوا الله ما استطعتم، وعندنا قاعدة: الميسور لا يسقط بالمعسور، فإذا إذا بقي الانسان مثلا نصف يده، نقول ايش؟ يجب عليك أنك تغسل هذا النصف.

هنا مسألة أخرى، وهي أن من ركب عضوا صناعيا، سواء كان في اليد أو في القدم أو غيرها ساترا لمحل فرض الوضوء، فنقول هنا حالان: إن كان من السهل نزعها وغسل البدن، فهذا ينزعها ويغسل بدنه، وإن كان يشق عليه ويحتاج النزع إلى يعني عمل طويل أو إلى طبيب أو إلى جهد منه، فهذا ايش؟ لا يحتاج، وإنما يغسل وإنما يغسل ما ظهر ما ظهر من من هذا العضو العضو الذي هو عضوه الأصلي أو ما ظهر من هذا العضو الصناعي.

من يركب تركيبة أسنان صناعية، هل يلزمه هل يلزمه أن يزيلها قبل أن يتمضمض؟ في واقع الأمر أنه لا يلزمه ذلك، وقد جاء في حديث عرفجة بن أسعد رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «أمره أن يتخذ أنفا من ذهب»، فهذا الآن غسله على وجهه، على هذا الانف لم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بأن ينزعه في حال في حال الوضوء.

إذا مثل هذا الأنف من ذهب مثله الأسنان الصناعية التي لا يلزم المسلم المتوضئ بنزعها في حال الوضوء.

طيب، نريد أن ننتقل حقيقة في درسنا هذا اليوم إلى سنن الوضوء، وقد تحدثنا عن بعض هذه السنن أثناء الفرائض، ولكن من المهم للمسلم والمسلمه أن يتعلموا سنن الوضوء ليكون يكون وضوء وضوءا كاملا على وفق سنة النبي صلى الله عليه وسلم. من أول هذه السنن السواك قبل البدء بالوضوء.

وقد جاء في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة». وفي لفظ من ألفاظه: «عند كل وضوء». وهذا اللفظ اخرجه مالك وأحمد وصححه ابن خزيمة وقد حسنه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى. إذا بناء على هذا اللفظ وصحته نقول: يستحب أن يتسوك الانسان قبل وضوئه، وقد تحدثنا عن السواك وكونه من سنن الفطرة التي جاءت في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها.

طيب، من سنن الوضوء كذلك التسمية في أوله عليه، وقد روي فيه حديث، وإن كان هذا الحديث ضعيفا: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» رواه أبو داوود. هذا الحديث وإن كان فيه ضعف إلا أنه يعني البدء بالبسمله يعني معهود في الشريعه في عدد من المواطن، ويعمل بهذا الحديث الضعيف، ولكن لا يعمل به تماما الى الحد الذي يجعل التسمية شرطا؛ لأن قولنا شرط يعني إبطال وضوء من لم يسمي، وهذا القدر يحتاج إلى دليل قوي، هذا القدر يحتاج إلى دليل قوي أن تبطل وضوء من لم يسمي، معنى ابطال وضوءه معناه أنه معناته أن صلاته التي صلاها بهذا الوضوء باطلة، وأنه يجب عليه أن يعيد الصلاة ويعيد الوضوء، هذا الحكم لا يثبت بحديث ضعيف وإنما يحتاج إلى حديث قوي.

ولكن حكم الاستحباب عموما إذا كان الأمر معهودا في الشريعة فانه قد يؤخذ فيه بالحديث الضعيف الذي لم يقوى ضعفه الذي لم يقوى ضعفه، فانه يؤخذ به ويعمل به، ولكن طالما نحن في دائرة في دائرة الاستحباب.

من سنن الوضوء كذلك غسل الكفين ثلاثا قبل البدء في الوضوء، والكفان هما آلة الوضوء، لذلك شرع للمسلم المتوضئ أن يغسلهما قبل البدء قبل البدء في الوضوء لأنهما آلة الوضوء.

وقد جاء في حديث حمران أن عثمان رضي الله تعالى عنه دعا بوضوء، دعا بوضوء، ولا بوضوء؟ من الذي يعني ينبه هذه المسألة؟ الأمر دعا بوضوء، الوضوء ذكرنا أنه هو الماء الذي يتوضأ به، واما الوضوء فهو الفعل. إذا عثمان في وضوئه رضي الله تعالى عنه أمام الناس دعا بوضوء فدعا بوضوء ليري الناس كيف كان يتوضأ الرسول صلى الله عليه وسلم، فكان من أول ما صنع أنه غسل كفيه ثلاثا قبل البدء في الوضوء، ثم مضمض واستنشق واستنثر، ثم غسل وجهه ثلاثا. إذا ثم قال في آخر هذا الحديث: رايت النبي صلى الله عليه وسلم توضا نحو وضوئي هذا.

إذا هذا أيها الإاخوة والأخوات يدلنا على أن غسل الكفين كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم قبل الوضوء.

يتاكد هذا الغسل يتاكد هذا الغسل تتاكد سنيته إذا قام من نوم ليل، فانه يغسل يديه قبل ثلاثا قبل أن يدخلهما في الإناء. إذا غسل الكفين ثلاثا تتاكد سنيته إذا قام من نوم ليل، فيغسل يديه ثلاثا قبل أن يدخلها في الإناء؛ لما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها».

ثلاثا فإنه لا يدري أين باتت يده؛ فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده. لذلك نحن نقول لأجل هذا الحديث: إنه تتأكد سنية هذا الغسل قبل البدء وقبل غمس اليدين في الإناء، يشرع له أن يغسلهما خارج الإناء ثلاثا، ثم بعد ذلك يبدأ بالغرف من الإناء، فيتمضمض ويستنشق ويستنثر، ويغسل وجهه ثلاثا، ثم يديه إلى المرفقين ثلاثا.

طيب، من سنن الوضوء كذلك التي يشرع للمسلم والمسلمة أن يبالغ في الاستنشاق، وقد جاء في حديث ابن صبرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما». والحديث أخرجه الأربعة وصححه ابن خزيمة. المبالغة في الاستنشاق معناه أنه يشفط الماء داخل أنفه بمبالغة، ولا يقتصر فقط على إيصال الماء إلى أطراف الأنف فقط، لا، وإنما يستنشق فيدخل هذا الماء إلى داخل أنفه.

طيب، من سنن الوضوء كذلك تخليل اللحية الكثيفة، لما جاء في حديث أنس رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا توضأ أخذ كفا من ماء فأدخله تحت حنكه فخلل به لحيته، والحديث أخرجه أبو داود وصححه الألباني. هذا القدر، تخليل اللحية، نحن نقول: يجب على المسلم أنه يغسل ظاهرها، وأما تخليل باطنها فهذا تخليل اللحية الكثيفة، فهذا مستحب. لماذا قلنا الكثيفة؟ ما الفرق بين الكثيفة واللحية الخفيفة؟ اللحية الخفيفة هي التي يرى البشرة من خلالها، فهذا يجب على المسلم أن يغسل بشرته؛ فإذا كان المسلم لحيته خفيفة ترى بشرته من خلالها فهذا يجب عليه أنه يغسل هذه البشرة، وأما إذا كانت لحيته كثيفة فانه يغسل ظاهر الشعر، وأما باطنه فيستحب له تخليله. وقد جاء هذا كذلك في حديث عثمان رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخلل لحيته في الوضوء، أخرجه الترمذي وصححه ابن خزيمة.

كذلك من سنن الوضوء التي جاءت في حديث عبد الله بن زيد رضي الله تعالى عنه قال: مسح رسول الله صلى الله عليه وسلم برأسه بماء غير فضل يديه، والحديث أخرجه مسلم. ما معنى هذا؟ معناه أن بعد غسل اليدين يبقى الإنسان يده مبتلة، يجوز له أن يمسح رأسه مباشرة بالماء الفاضل من يديه من غسل اليدين، ويجوز له أن يأخذ ماء جديدا فيمسح به رأسه، أن يأخذ ماء جديدا فينفضه فيمسح به رأسه. إذا، لاحظوا هنا في حديث عبد الله بن زيد قال إنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم مسح برأسه بماء غير فضل يديه، والحديث أخرجه مسلم. فاصل قصير ونعود اليكم إن شاء الله تعالى ونتابع معكم سنن الوضوء.

المنذري هو عبد العظيم بن عبد القوي بن عبد الله المنذري، الشامي الأصل، المصري، الإمام، الحافظ، المحدث، الفقيه، صاحب كتاب الترغيب والترهيب. كان عالما بصحيح الحديث وضعيفه، متبحرا في معرفة أحكامه ومعانيه ومشكلة واختلاف ألفاظه. توفي رحمه الله سنة ست وخمسمائة وستمائة من الهجرة.

لقد شرع الله الدين للناس رجالا ونساء، ووعد الجميع الجنة والحياة الطيبة إذا قام بواجبه، فقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 97].

وقد جاء الإسلام فأكرم المرأة وحملها مع الرجل مسؤولية النهوض بالمجتمع وحسن الرعاية له، فقال عليه الصلاة والسلام: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته». وقد شغلت المرأة في العهد النبوي وما بعده مكانا رفيعا بمشاركاتها العلمية والاجتماعية والتربوية، وتصدر اسمها في قائمة المساهمين في بناء المجتمع وصياغة هوية الأمة والمحافظة على ثوابت الدين. ولا زال التاريخ يذكر أم المؤمنين خديجة، وأم المؤمنين عائشة، ونسيبة بنت كعب، وأم حرام بنت ملحان، وحفصة بنت سيرين، وفاطمة بنت عبد الملك، وزبيدة بنت جعفر، وغيرهن رضي الله عنهن ورحمهن.

ومن هنا كان للمرأة المسلمة دورها المهم والخطير في صياغة المجتمع، مما أكسبها قيمة واعتبارا واحتراما لا مثيل له في المجتمعات الأخرى، كما اعتراف بذلك المنصفون من الغربيين، وبأنهم إنما تعلموا احترام المرأة من مسلمي الأندلس. يقول المفكر الفرنسي مارسيل بويزارد: إن الشعراء من المسلمين هم الذين علموا مسيحي أوروبا عبر إسبانيا احترام المرأة. فللمراه على ثغر الحياة الزوجية أثر خطير، وفي التربية على الدين والخلق دور كبير، وفي التعليم والدعوة والطب والرعاية مكانة ومسؤوليات، وقيام المرأة المسلمة بهذا وغيره له أثره الإيجابي في اصلاح المجتمع كله أسرا وأفرادا. وصدق عليه الصلاة والسلام حين قال: «إنما النساء شقائق الرجال».

نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع معا سنن الوضوء، فنقول: إن من سنن الوضوء كذلك تخليل أصابع اليدين والرجلين. وقد جاء في حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا توضأت فخلل أصابع يديك ورجليك». وقد جاء في حديث ابن صبرة الذي ذكرنا أنه أخرجه الأربعة وصححه ابن خزيمة قال: «وخلل بين الأصابع وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما». فالتخليل بين الأصابع بمعنى غسله، ولا يكتفي الإنسان فقط بوصول الماء إليها، وإنما يخللها بمعنى أنه يدلك ما بين الأصابع، وما بين أصابع رجليه، يمرر اصبعه يخلل ما بين الأصابع، هذا لا شك أنه من السنن. وأما إذا كان الماء أصلا لا يصل فنقول: واجب أنه يوصل الماء إلى كل جزء من قدمه ويده.

إذا، هناك في التخليل نقول: إن هناك قدر واجب وهناك قدر مستحب. القدر الواجب هو الذي يصل به الماء إلى كل الرجل وكل اليدين، والقدر المستحب هو الدلك والفرك والتخليل بمعنى أنه يتاكد من وصول الماء ويمسح بيده هذا الماء.

كذلك من سنن الوضوء: التيامن. التيامن أي البدء باليمنى قبل اليسرى في اليدين والرجلين. وقد جاء في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شانه كله، وهذا الحديث متفق عليه. وكذلك جاء في حديث حمران عن عثمان رضي الله تعالى عنه في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم قال: ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاث مرات، ثم اليسرى مثل ذلك، وفي آخر الحديث: ثم غسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثلاث مرات، ثم اليسرى مثل ذلك. فهذا دلنا على أن البداءة باليمين من سنن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شانه كله، كما جاء في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها. إذا، هذه كلها من سنن الوضوء.

كذلك أيها الأخوة والأخوات من سنن الوضوء: أن يغسل وجهه ويديه ورجليه ثلاثا. الواجب في غسل الوجه واليدين والرجلين هو مرة واحدة فقط، يعمم وجهه ويديه ورجليه بالغسل مرة واحدة، هذا أدى الأمر الواجب، لأن الإطلاق في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾ يدل على أن أدنى الواجب ما يتحقق به الغسل وهو يتحقق بمره واحدة، بل إنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه توضا مرة مرة. إذا، يجوز، أو بالاصح نقول: القدر الواجب أن يتوضا الإنسان مرة مرة. طيب، القدر المستحب أن يتوضا الإنسان ثلاثا ثلاثا، فيغسل وجهه ثلاثا، ويغسل يديه إلى المرفقين ثلاثا، ويغسل رجليه إلى الكعبين ثلاثا، هذا القدر المستحب.

كذلك من السنن الواردة في الوضوء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يغسل مرتين مرتين. كذلك من السنن الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه غسل بعض أعضائه مرة وبعضها مرتين وثلاثا. إذا، هذه كلها مما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، والأكمل هو أن يغسل المسلم وجهه ويديه ورجليه ثلاث مرات.

طيب، ما هو الأكمل في المسح؟ مسح الرأس. الأكمل في مسح الرأس أن يمسح برأسه مرة واحدة، يقبل بيديه ويدبر، يبدأ بمقدم رأسه حتى يذهب بهما إلى قفاه، ثم يرجع إلى المكان الذي بدأ منه، ويمسح أذنه مرة واحدة. لا يشرع للمسلم أن يزيد على هذه.

يزيد على هذا مرة؛ إذ لاحظوا ينبغي لنا أن نتنبه إلى السنن العددية؛ فهو بعض أركان الوضوء أو بعض الأعضاء ثلاثاً، وبعض الأعضاء وهو مسح الرأس والأذنين يكون مسحاً مرة واحدة فقط مرة واحدة. ذكرنا أن الإقبال والإدبار يعد مرة واحدة وهذا هو المشروع، ولا يشرع للمسلم أن يمسح رأسه مرتين أو ثلاثاً، ولا يشرع للمسلم أن يغسل وجهه ويديه ورجليه مثلاً أربعة أو خمس مرات، هذا يعد من الإسراف والتبذير الذي جاء فوق الأمر المشروع الذي حث النبي صلى الله عليه وسلم عليه وفعله صلوات الله وسلامه عليه.

كذلك أيها الأخوة والأخوات من سنن الوضوء أن يقول الذكر المشروع الوارد بعد الوضوء، وقد جاء في حديث عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما منكم من أحد يتوضأ فيسبغ الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية» متفق عليه. هذا لا شك أنه فضل عظيم أيها الأخوة والأخوات أن الإنسان يقول بعد وضوئه: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وزاد الترمذي في رواية ذكرها الحافظ بن حجر في بلوغ المرام: زاد الترمذي في هذا الدعاء: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين. لذلك لو زادها المسلم كذلك في دعائه فهي زيادة رويت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإن لم ترد في الصحيحين إلا أنه قد رواها الترمذي رحمه الله تعالى.

كذلك من سنن الوضوء التي فعلها النبي صلى الله عليه وسلم حكاها لنا أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ بالمد. يتوضأ بالمد، ما هو مقدار المد؟ المد هو مقدار تقريباً كوب الماء، كوب الماء المتوسط هذا تقريباً مقداره مد. إذاً يقول أنس رضي الله تعالى عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد. والحديث متفق عليه، الصاع كم مقداره؟ مقداره أربعة أمداد.

فإذاً وضوء النبي صلى الله عليه وسلم أي الماء الذي يتوضأ به كان مقداره مداً، والمقدار الذي كان يغتسل به صلوات الله وسلامه عليه من أربعة أمداد أي صاع إلى خمسة أمداد صاع صاع ومد خمسة أصول لأن الصاع كما ذكرنا أربعة أمداد، فهذا هو القدر يعني تقريباً أربعة أكواب من الماء أو خمسة أكواب من الماء أكواب متوسطة تقريباً هذا هو كان غسل النبي صلى الله عليه وسلم، وكوب واحد هذا تقريباً كان وضوء النبي صلى الله عليه وسلم. ولا شك أن هذا فيه حث للمسلم على الاقتصاد في الماء وعدم التبذير والإسراف فيه، وقد روي في حديث ضعيف: «لا تسرف ولو كنت على نهر جار»، وإن كان هذا الحديث فيه كلام إلا أن معناه صحيح، فالله سبحانه وتعالى قد قال في كتابه الكريم: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31].

للأسف اليوم من الأخطاء التي يقع فيها بعض الناس عند وضوئهم أنه يفتح صنبور الماء هذا ويتوضأ، فيأخذ الماء ثم يغسل وجهه، ثم يغسل يديه والماء هذا يصب، يجلس يصب ثم يعني يأخذ قدراً قليلاً من الماء ينفض من يده لمسح رأسه والماء لا يزال يصب من هذا الصنبور، ثم بعد ذلك يغسل رجله، هذا في الحقيقة فيه نوع من الإسراف، في هذا الوضوء فيه نوع من الإسراف. المفترض على المسلم أنه إذا أخذ قدراً من الماء يريد أن يمسح مثلاً رأسه في هذه الأثناء يقفل صنبور الماء بحيث أنه يمسح رأسه والماء لا يصب صباً، ويمسح برأسه ويمسح بأذنه، ثم بعد ذلك يصب الماء على رجله يرفع رجله في هذه المغسلة يغسل رجله، فاذا نزل رجله فانه يغلق صنبور الماء الى ان يضع رجله الاخرى، وهكذا، أما أن والله من حين أن يبدأ في الوضوء إلى حين أن ينتهي تماماً والماء يصب صباً بالغاً كبيراً هذا لا شك أن فيه نوعاً من الإسراف في استخدام الماء المخالف لهدي النبي صلى الله عليه وسلم.

تأملوا معي يتوضأ النبي صلى الله عليه وسلم بكأس ماء بمد، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يسبغ الوضوء. يسبغ الوضوء بمعنى أنه لا يتوضأ وضوءاً يعني على الحد الأدنى لا، ولا يمسح مسحاً لا، وإنما كان يغسل غسلاً صلوات الله وسلامه عليه ويسبغ الوضوء في هذا المد. هذا لا شك أن فيه درساً لنا يعني نتعلم منه قضية عدم الإسراف وعدم التبذير، عدم التبذير في وضوء الإنسان وفي غسله. إذاً هذه كلها من السنن الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم في سنن الوضوء.

كذلك من السنن الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم التي جاءت في حديث ابن صبغ رضي الله تعالى عنه قال: اسبغ الوضوء. إسباغ الوضوء منه قدر واجب ومنه قدر مستحب. القدر الواجب القدر الواجب هو استيعاب هذه الأعضاء بالغسل، أن يصل الماء إلى جميع وجهه ويديه ورجليه وأن يمسح برأسه، إذاً هذا القدر الواجب من الإسباغ. هناك قدر مستحب من الإسباغ، ما هو؟ أن يكرر الإنسان الغسل ثلاثاً، أن يدلك يديه ووجهه هذا الدلك مثلاً، أن يخلل هذا نوع من الإسباغ، الإسباغ يعني بمعنى الكمال والتحرير والتاكيد في هذا الوضوء بحيث يسبغه فيكون تاما وكاملا.

وقد جاء مدح ومشروعية إسباغ الوضوء على المكاره، ما معنى إسباغ الوضوء على المكاره؟ أحياناً يكون إنسان مثلاً في يوم بارد مثلاً، فيكون وضوءه غير سابغ، يكون وضوءه إما على الحد الأدنى أو لا يحقق الغسل تماماً، فيعني يقطر الماء قطرات لا يكون وضوءً سابقاً بسبب مثلاً أن والله هناك البرد مثلاً. لا شك أننا حين نتحدث عن البرد الذي يضر بالانسان بمعنى يمرض الانسان اذا اغتسل مثلا فانه يشرع له الانتقال عنه الى التيمم، لكن نحن لا نتكلم عن البرد الضار، نحن نتكلم عن برد ربما يؤذيه يعني بمعنى أنه والله يشعر برعشة أو رعدة ويؤذيه هذا البرد، هنا نقول يشرع لك إسباغ الوضوء. إذاً نحن نفرق بين البرد الضار الذي ينقل المسلم من الغسل إلى التيمم هذا يضر يضره بمعنى يمرضه، وأما إذا لم يكن هذا البرد ضاراً ولكن يتاذى الإنسان يعني لا يريد أن يعني أن يبرد هذا البرد الشديد فيحاول أن يخفف وضوءه، نقول لا، إسباغ الوضوء عند المكاره من السنن التي ندب النبي صلى الله عليه وسلم إليها.

إذاً إسباغ الوضوء هو أن يأتي به الإنسان تاماً وكاملاً على وفق سنة النبي صلى الله عليه وسلم، والقدر الواجب منه القدر الواجب منه هو استيعاب وصول الماء إلى جميع الأعضاء المغسولة من أولها إلى آخرها، ثم بعد ذلك يمسح، يمسح بعد غسل وجهه ويديه يمسح برأسه، ثم يغسل رجليه إلى الكعبين. إذاً استيعاب الغسل هذا إسباغ واجب، وأما أمرار الماء وتكثيره وغسله العضو ثلاث مرات والتخليل فهذا قدر مستحب من الإسباغ، وكما ذكرنا أنه يستحب وخصوصاً عند المكاره.

طيب هذه يعني بإجمال سنن الوضوء، فاصل قصير ونعود إليكم إن شاء الله.

العالم انتبه إذا كان طفلك في مرحلة تعلم النطق فاعتني بالنطق السليم للكلمات أمامه، ولا تحاكه في طريقة كلامه لأنك تهز ثقته بنفسه أو ترسخ النطق الخاطئ لديه. هل أنت حريص على تصحيح عباداتك؟ هل ترجو أن يتقبلها الله؟ اطلب العلم، إذ لا تصح العبادة إلا به، قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: 19]. وشرط قبول طلب العلم الإخلاص فيه، بلا تريد به إلا وجه الله، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: 11]. وبالإخلاص ترزق صحة الفهم وقوة الاستنباط، قال صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين». وبالإخلاص يذعن المتعلم للحق ويقبل النقد.

قال الذهبي: علامه المخلص أنه إذا عُتِبَ لا يبرئ نفسه، بل يعترف ويقول: رحم الله من أهدى إلي عيوبي. ويجب أن يتوفر الإخلاص في التعلم والتعليم والتأليف. قال أبو داود الطيالسي: ينبغي للعالم إذا حرر كتابه أن يكون قصده بذلك نصرة الدين لا مدحه بين الأقران لحسن التأليف. فأخلص النية واحذر من فسادها كطلب العلم لأجل المال والثروة أو الجاه والشهرة أو المراء والجدل، فإن ذلك يفسد العمل.

قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾ [الفرقان: 23].

نعود إليكم بعد هذا الفاصل بعد أن تحدثنا عن سنن الوضوء، كنا قد ذكرنا أن من سنن الوضوء أن يأخذ لرأسه ماءً جديداً، كما جاء في حديث عبد الله بن زيد رضي الله تعالى عنه أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح برأسه بماء غير فضل يديه؛ يعني أنه أخذ لرأسه ماء جديداً ونفضه ثم مسح برأسه صلوات الله وسلامه عليه. نريد أن ننبه هنا إلى بعض ما قد يظنه بعض الناس سنةً أو قيل إنه سنة وليس بسنه؛ إذ نود أن ننبه الآن إلى بعض ما قيل إنه سنة أو روي أنه سنة وليس كذلك.

جاء في رواية لحديث عبد الله بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ لأذنيه ماءً خلاف الماء الذي أخذ لرأسه، أخرجه البيهقي. وهذه الرواية ضعيفة. ما الفرق بين هذه الرواية والرواية التي ذكرناها من قبل أنها سنة؟ الرواية التي من قبل -أعيدها، تاملوا معي حديث عبد الله بن زيد أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح برأسه بماء غير فضل يديه- هذا أخرجه مسلم، وهذا صحيح أن الماء أن مسح برأسه بماء جديد. ما هي هذه الرواية التي عند البيهقي؟ قال: إنه أخذ لأذنيه ماءً خلاف الماء الذي أخذ لرأسه.

إذا عرفنا الفرق بين الروايتين، هذه الرواية التي عند البيهقي أنه أخذ لأذنه ماءً خلاف الماء الذي أخذ لرأسه، قال عنها الحافظ ابن حجر رضي الله تعالى عنه: هذه الرواية معلولة، وأن الحديث عند مسلم من نفس هذا الوجه بلفظ: مسح برأسه بماء غير فضل يديه. إذاً، اتحاد الحديث اتحاد الروايتين في المخرج وكونهما من وجه واحد، ثم تجيء إحدى هذه الروايتين رواها الثقات وهي موجودة عند الإمام مسلم أنه مسح برأسه بماء غير فضل يده، والرواية الأخرى فيها وهم من الراوي، وهو أنه أخذ لأذنه ماءً خلاف الماء الذي مسح به رأسه.

لذلك قال الحافظ ابن حجر رضي الله تعالى عنه: رواية مسلم قال إن هذه الرواية هي الرواية المحفوظة، وعن الرواية التي عند البيهقي أنها رواية معلولة أي أنها غير المحفوظة، فهي رواية شاذة. ولعلكم إن شاء الله تعالى تدرسون في مصطلح الحديث بإذن الله تعالى في مادة مصطلح الحديث تدرسون الفرق بين الرواية المحفوظة والرواية المعلولة الشاذة أو المنكرة، التي أخطأ فيها الراوي وخالف فيها من هو أوثق منه حفظاً أو عدداً، أكثر منه عدداً، خالفهم في هذه الرواية.

إذاً، نحن نقول: إن ما روي من حديث عبد الله بن زيد أنه أخذ لأذنه ماءً جديداً، نقول إن هذه الرواية غير محفوظة وهي رواية معللة. وبنفس هذا الوجه، لماذا لا نقول إن كل الروايتين صحيحة؟ لأن مخرج الروايتين مخرج واحد؛ حديث عبد الله بن زيد مخرجها مخرج واحد، لذلك كون هذا الراوي يخالف من هو أوثق منه وأكثر منه عدداً يدل على أنه أخطأ في هذه الرواية. والرواية المحفوظة هي التي سبق أن نبهنا إليها، وهي أنه مسح برأسه بماء غير فضل يديه.

إذاً، لا يشرع للمتوضئ أن يأخذ ماءً جديداً للأذن، وإنما يأخذ ماءً جديداً للراس، فإذا مسح برأسه هكذا فانه يدخل أصبعيه السباحتين في أذنيه ويمسح بابهاميه ظاهر أذنيه على ما جاء في حديث عبد الله بن عمرو وأبي العاص رضي الله تعالى عنهم أجمعين.

كذلك ننبه إلى أمر قد يظنه بعض الناس سنةً أو روي فيه سنة وليس مستحباً ولا مندوباً. فمن ذلك مثلاً ما ثبت عن أبي هريرة رضي الله عنه في الصحيحين أنه قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أمتي يأتون يوم القيامة غراً محجلين من أثر الوضوء». وهذا الحديث متفق عليه. إلا أن ثمة تتمة له وهي: «فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل». غرته وتحجيله فليفعل، هذه الزيادة هل هي مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أو أنها موقوفة على أبي هريرة، أو من هو دون أبي هريرة؟ هذان قولان لأهل العلم.

فالذين قالوا أنها مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم استحبوا للمتوضئ أن يزيد عن المرفق فيطيل غرته وتحجيله، بمعنى أنه يغسل يده حتى يشرع في العضد، وهذا فعل أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه كان يغسل يده حتى يشرع في العضد، وأنه كان يغسل رجله رضي الله تعالى عنه -عن أبي هريرة كان يغسل رجله حتى يشرع في الساق.

والقول الثاني، وهو الصواب والله تعالى أعلم، أن هذه الزيادة من قول أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وفعله، أدرجها بعض الرواة في الحديث ولم يفرق بين القدر المرفوع والقدر الموقوف. فالقدر المرفوع من الحديث والله تعالى أعلم هو ما رواه أبو هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن أمتي يأتون يوم القيامة غراً محجلين من أثر الوضوء». ثم زاد أبو هريرة على ما رجحناه والله تعالى أعلم، ثم زاد أبو هريرة حاثاً للناس من خلال فهمه لهذا الحديث يقول: فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل. أي أن يطيل غرته بمعنى أنه يشرع في العضد وأن يشرع في الساق.

وفي واقع الأمر قد يقال -وهو الصواب والله تعالى أعلم- أن هذا خلاف المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم. فقد جاء في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم التي رواها لنا عبد الله بن زيد، والتي رواها لنا عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، رواها لنا غير واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، كلهم اقتصروا في وضوءه صلى الله عليه وسلم على المرفقين في غسل اليدين؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم غسل يديه -في حديث عثمان- غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاثاً، ثم اليسرى مثل ذلك، وفي حديث عثمان قال: ثم غسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثلاثاً ثم اليسرى مثل ذلك، ولم ينقل أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في فعله أنه كان يشرع في العضد أو أنه صلوات الله وسلامه عليه كان يشرع في الساق. لا، وإنما المنقول عنه والمأثور عنه من فعله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقتصر على الوضوء إلى المرفقين وإلى الكعبين فقط.

إذاً، هذه الزيادة: «فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل» الأظهر والله تعالى أعلم أنها من اجتهاد أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وحرصه وفهمه لحديث: «إن أمتي يأتون يوم القيامة غراً محجلين من أثر الوضوء». والصحيح والله تعالى أعلم أنه الأمة تاتي يوم القيامة -أن أمة النبي صلى الله عليه وسلم من أثر الوضوء يأتون يوم القيامة غراً محجلين- ولا يلزم من هذا الزيادة على المشروع الذي أمر الله به وفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذاً، هذه قضية مهمة أحببنا أن ننبه لها.

إذاً، نحن قد ذكرنا في هذا الدرس جملة من السنن الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم في الوضوء؛ أول شيء يتسوك، ثم يسمي، ثم يغسل كفيه ثلاثاً، وذكرنا أن هذا الغسل ثلاثاً قبل أن يدخلها في الإناء يتاكد في حال القائم من نوم الليل، ثم يتوضأ أعضاءه تكون ثلاثاً.

ثلاثاً، يبدأ باليمين ثم باليسار في غسل يديه ورجليه، يسبغ الوضوء، يخلل بين الأصابع، يخلل لحيته، هذه كلها من السنن المستحبة. ويذكر بعد ذلك الذكر المشروع بعد الوضوء: «أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين». كذلك ذكرنا أن من السنن المبالغة في الاستنشاق إلا أن يكون الإنسان صائماً، كذلك من السنن أن يأخذ ماءً جديداً لمسح الرأس.

ونبهنا على أن ثمة أمرين قد يظن بعض الناس أنهما سنة وليس كذلك، ورجحنا أنهما ليسا بمشروعين؛ الأمر الأول: أن الإنسان يأخذ لأذنه ماءً جديداً خلاف الماء الذي أخذ لرأسه، ونبهنا إلى منشأ هذا الغلط وأنه رواية ضعيفة معللة خلاف المحفوظ في حديث عبد الله بن زيد.

ومنشأ ما يظنه بعض الناس سنةً وهو إطالة الوضوء حتى يشرع في العضد وحتى يشرع في الساق؛ نبهنا إلى منشأه وأنه فهمه بعض الناس مرفوعاً من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، والصحيح أنه موقوف عن أبي هريرة، أدرجه بعض الرواه في الحديث فلم يميز فيه بين المرفوع والموقوف. بهذا نستعرض سنن الوضوء وما ظنه بعض الناس سنة وليس كذلك.

إخواني وأخواتي، أنبهكم في ختام هذا الدرس بالرجوع إلى مواقعكم الشخصية للإجابة على سؤال الأسبوع. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن يجعل هذا العلم الذي تعلمناه خصوصاً في درسِنا هذا اليوم أن يجعله حجّة لنا. من أعظم ما يعين على حفظ هذه السنن إخواني وأخواتي تطبيقها والعمل.

فإذا طبقنا هذه السنن وعملنا بها في وضوئنا دائماً فلا شك أن هذا أمارة على أن هذا العلم في حقنا إن شاء الله تعالى علم نافع انتفعنا بتطبيقه والعمل به. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل هذا العلم في حقنا علماً نافعاً، وأن يجعله حجّة لنا لا حجّة علينا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.