تسجيل الدخول

المحاضرة 21 - فضل الصلاة ومكانتها

منصور بن عبد الرحمن الغامديد. منصور بن عبد الرحمن الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما. اللهم هيئ لنا من أمرنا رشدا، وآتنا من لدنك توفيقا وسدادا وصوابا.

إخواني وأخواتي، ها نحن في الدرس الحادي والعشرين من سلسلة دروس الفقه في أكاديمية زاد. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك فيما قلناه وما سمعناه وفيما علمناه وفيما تعلمناه، وأن يجعل هذه العلوم في هذه الاكاديمية حجة لنا لا حجة علينا.

إخواني وأخواتي، كنا قد بدأنا في الدرس الماضي الحديث عن الصلاة بعد حديثنا عن الطهارة في الدروس السابقة، وتكلمنا عن تعريف الصلاة، وتكلمنا عن فضل الصلاة وأهميتها، وأنها أعظم شعائر الإسلام التي فرضها الله سبحانه وتعالى على المسلمين. لا شك أن هذا الفرض يكون في رتبة بعد فرض الشهادتين، ولكن الشهادتين هذا فرض عام على الناس كلهم، فإذا دخل المسلم الإسلام بالشهادتين، فإن أعظم فرض على المسلمين بعد إسلامهم هو الصلاة. وهذا التميز في شأن الصلاة لا شك أنه تميز له مستنده من القرآن والسنة، هذه الأهمية وهذا العظم له مستند من القرآن والسنة. تكرار الأمر بالصلاة، الثناء على أهلها، ذكر الترغيب في الخشوع فيها وفي من قام بها وأقامها، والترهيب ممن فرط فيها أو تركها، جاء مثل هذا على لسان النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه. بيان فضائلها وعظم شأنها، وبيان الترغيب فيها من المرغبات، وبيان الترهيب من تركها، كل هذا جاء في القرآن وفي السنة.

سوف نذكر كذلك وجها آخر من أوجه فضيلتها، وهو أن الصلاة جمعت من أجناس التعبدات لله سبحانه وتعالى ما لا يجتمع في غيرها من العبادات. فمثلا إذا كان الذكر موجودا في الحج في بعض شعائره، إلا أنه في الصلاة ذكر فرض مشترط، وهو ركن من أركان الصلاة؛ مثلا في تكبيرة الإحرام، في أثناء الركوع واجب، في أثناء السجود واجب أن يقول المسلم: «سبحان ربي العظيم»، «سبحان ربي الأعلى». ركن الفاتحة لا تصح الصلاة إلا بها، أن يقرا سورة من القرآن، وهذا كله فرضية الذكر في الصلاة أعلى وأعظم وأقوى من فرضيتها مثلا في الحج أو في الصوم أو في غيرها من العبادات.

أفعال الصلاة، يعني مثلا الركوع والسجود ما فرضت في جنس آخر من العبادات غير الصلاة. السجود شرع، مثلا السجود شكرا، السجود للتلاوة، شرع السجود المطلق على القول بشرعيته حتى في خارج الصلاة، ولكنها لم تفرض، لم يفرض جنس السجود والركوع إلا في الصلاة. القيام لله سبحانه وتعالى، كذلك الجلوس لله سبحانه وتعالى في هذه الصلاة، كذلك كل هذا من العبادات التي فرضها الله سبحانه وتعالى في الصلاة، جمعت أجناس العبادات.

مثلا الأجناس المرتبطة بالامتناع؛ الامتناع عن الأكل والشرب والجماع، هذا موجود في الصوم، وهو في الصلاة كذلك، الصلاة فيها امتناع عن الأكل والشرب والجماع وامتناع عن الكلام، فوق يعني جنس الامتناع أبلغ في الصلاة. الحج فيه امتناع عن الجماع فقط، وأما الأكل والشرب فهو مباح في الحج، أما الصوم فهو امتناع عن الأكل والشرب والجماع، أما الصلاة فهي امتناع عن الأكل والشرب والجماع والكلام. إذا فيها من القنوت والخشوع، جمعت من أجناس العبادات، سواء كانت هذه العبادات أفعالا كركوع وسجود وقراءة وذكر فرضت في الصلاة على وجه لم تفرض في غيرها، أو أنها جمعت من أجناس الامتناع العبادات التركية ما لا يحصل في غيرها من مباني الإسلام.

من الذكر وفرضيته وشكله وهيئته ما لا يوجد في غيره من الشعائر والفرائض، مثلا قراءة القرآن جنس مشروع في غير الصلاة، ولكن في الصلاة شرعت قراءة القرآن بوجه أبلغ واعظم. فمثلا قراءة القرآن الفاتحة ركن من أركان الصلاة، هذا لا يوجد مثل هذا الفرض ومشروعية في غيرها من العبادات في خارج الصلاة، يعني لم يشرع مثلا، أو لا يقال عن نوع من القراءة أنه واجب وجوبه في الصلاة، قراءة القرآن مثلا لا في الصوم واجب، ولا في الحج، ولا في الزكاة، لا، وإنما.

هذا كله أيها الإخوة والأخوات يدلنا على أن الصلاة جمعت من أجناس التعبدات، سواء كانت هذه التعبدات فعلية أو تركية، ما لا يجتمع في غيره. هذا في التعبدات الظاهرة، كذلك جمعت الصلاة من التعبدات الباطنة ما لا يجتمع في غيرها من أنواع العبادات. ما هو حكم الطمأنينة في الصلاة؟ ركن. ما هو حكم الخشوع في الصلاة؟ الصحيح أن ثمة قدر منه ركن وواجب، وأن من صلى ولم يَدْرِ كم صلى ولا ما صلى ولا شيئا، أن صلاته غير صحيحة، لذلك ثمة قدر منه ركن أو فرض في الصلاة، وهناك قدر من الخشوع قدر زائد على ذلك، وهو قدر مستحب ومشروع ومؤكد عليه. جمعت من الإقبال على الله سبحانه وتعالى ودعاء الله والاتصال به، وإقبال القلب على الله سبحانه وتعالى، والخوف منه سبحانه وتعالى ورجائه، كذلك أوجه موجودة في غيرها من العبادات، ولكنها في الصلاة أكمل وأتم.

لذلك جاء في الحديث: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد». إذا هذا فيه تذلل القلب لله سبحانه وتعالى وخضوع القلب لله سبحانه وتعالى. إذا حقيقة اجتمع في الصلاة أجناس من العبادات القلبية على وجه لم يجتمع في غير الصلاة. الأمر الآخر أن وجودها في الصلاة على وجه أبلغ وآكد وأعظم، أعني العبادات القلبية أبلغ وأعظم وآكد من وجودها في غيرها من العبادات. إذا اجتمع هذا كله -لاحظوا الآن- إذا اجتمع هذا كله، أن اجتمع فيها من أجناس العبادات الظاهرة والباطنة، سواء كانت هذه العبادات فعلية أو تركية، بمعنى الامتناع، يعني كانت فعلا أو امتناعا باطنة أو ظاهرة، ما لم يجتمع في غيرها من العبادات ايا كانت هذه العبادات.

فلذلك كما ذكرنا وأكدنا مرارا، لا شك أن المسلم إذا نظر إلى هذه الامور كلها، فانه ينظر إلى الصلاة نظرة أخرى، ويكون اهتمامه بالصلاة اهتماما آخر، اهتمام غير الاهتمام الذي الحقيقة للاسف نعيشه اليوم، ضعيف اهتماما بالصلاة، نفرط في الصلاة، نتأخر في الصلاة، لا نخشع في الصلاة. لا شك لذلك السلف رضوان الله تعالى عليهم يقولون: انظر إلى قدر القرآن والصلاة في قلبك، فتعرف منزلتك وقدرك عند الله سبحانه وتعالى؛ لان الصلاة هي اتصال بالله، وقراءة القرآن هو كلام الله، فبقدرهما يعرف المسلم قدره عند ربه، قدر هذين الامرين، بقدر اهتمامك بهما، بقدر عنايتك بهما، بقدر ما يكون في واقع الأمر، بقدر ما يكون شأنك عند الله سبحانه وتعالى من عظم الصلاة وعظم كلام الله، فلا شك أن الله سبحانه وتعالى يحبه ويكرمه.

ايها الاخوة، من تأمل في احوال السلف مع الصلاة يجد أحوالا عجيبة. إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم في قيامه في الليل، وهو نوع من انواع الصلاة، حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه صلى ذات ليلة مع النبي صلى الله عليه وسلم، فوصف لنا صلاة النبي صلى الله عليه وسلم فقال: قام فافتتح البقرة، افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم البقرة، قلت يركع عند مئة فجاوزها، فقلت يركع عند آخرها فجاوزها وافتتح النساء صلوات الله وسلامه عليه، فقلت يركع عند آخرها حتى أتم سورة النساء، وافتتح آل عمران حتى أتمها صلوات الله وسلامه عليه. قام ركعة واحدة صلوات الله وسلامه عليه سورة البقرة وسورة النساء وسورة آل عمران، فطور القيام ومناجاة الله سبحانه وتعالى في هذه الصلاة.

يقول حذيفة رضي الله تعالى عنه: ثم كبر وركع ركوعاً قريباً من قيامه، الله أكبر، ما أطول هذا الركوع! ثم رفع صلى الله عليه وسلم وقام قياماً قريباً من ركوعه صلوات الله وسلامه عليه.

شوف عظم مناجاة الله سبحانه وتعالى، ثم سجد سجوداً قريباً من قيامه. لا شك أيها الإخوة والأخوات أن من استشعر هذه الصلاة وخشع فيها أنه يركز ويلتذ بهذه الصلاة، ويخرج عن الدنيا ويخرج عن همومها ومشاكلها.

لذلك الله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: 45]. المسلم إذا خشع في الصلاة تكون الصلاة خفيفة عليه، تكون لذيذة وتكون طيبة، مثل حال النبي صلى الله عليه وسلم: «وجعلت قرة عيني في الصلاة».

لا شك أن قرة العين هي أبلغ درجات المحبة والرضا والأنس والطمأنينة. النبي صلى الله عليه وسلم بفعله هذا أو قيامه وصلاته لا شك أنه يسن لأمته منهجاً يتعلمون منه تعاملهم مع الصلاة.

وقد أخذ هذا عن النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه أصحابه الكرام رضي الله تعالى عنهم أجمعين، فكانوا معظمين للصلاة مقدرين لشأنها. ابن مسعود يقول: ما يتخلف عن صلاة الجماعة إلا منافق معلوم النفاق. ولقد رأيته وما يدخل، وإنه ليؤتى بالرجل يهادى بين الرجلين لأجل أن يقام في الصف فيحضر صلاة الجماعة.

قيام أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قيام عثمان رضي الله تعالى عنه، قيام أبي بكر، قيام عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهم أجمعين، قيامهم وصلاتهم بالليل، حرصهم على الصلاة والتبكير فيها والخشوع، خروجهم المبكر إلى الصلاة، كان يخرج أصحابه بالقناديل، ولما تطلع الشمس يبكرون للخروج إلى الصلاة.

ينتظرون الصلاة بعد الصلاة، يبقون في المسجد يعتكفون في المسجد لأجل انتظار الصلاة. هذا كله لا شك أنه تعظيم لسنة النبي صلى الله عليه وسلم وشأنه مع الصلاة.

أخذ هذا عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم التابعون الذين تبعوا أصحاب رسول الله بأحسان، مثلاً سعيد بن المسيب رضي الله تعالى عنه سنين أربعين سنة أو يقاربها ما فاتته تكبيرة الإحرام في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، من أهل المدينة ما فاتته تكبيرة الإحرام.

يقول: ما نظرت إلى قفا رجل في الصلاة أبداً، معظم للصلاة سعيد بن المسيب رضي الله تعالى عنه. لذلك رفع الله سبحانه وتعالى شأنه وذكره وعلمه ونفع به لأجل هذا التعبد لله سبحانه وتعالى والتعظيم لشأن الصلاة.

كذلك حكايات التابعين مع الصلاة وشأنهم مع الصلاة حقيقة حكايات عجب. أوصي نفسي أولاً وأوصي إخواني وأخواتي ثانياً بأن نراجع بعض سير السلف من خلال مثلاً كتاب سير أعلام النبلاء، أو صفة الصفوة لابن الجوزي، أو غيرها من الكتب، نراجع شأن السلف رضي الله تعالى عنهم مع الصلاة، كان شأن عظيم وشأن عجيب. أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن تبعهم بإحسان أخذوا عن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم اهتمامه بالصلاة.

نكمل إن شاء الله تعالى موضوعنا بإذن الله تعالى عن الصلاة، ولعلنا نشرع في شيء من أحكامها بإذن الله تعالى بعد هذا الفاصل. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم من أهل الصلاة.

حرص الإسلام على زرع المحبة والود بين المسلمين وعلى اقتلاع أسباب التباغض والشحناء من بينهم، ومن المعاملات التي تورث الباغض بين المسلمين بيع المسلم على بيع أخيه أو شراؤه على شراء أخيه، لذلك نهى عنها الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: «لا يبع بعضكم على بيع أخيه».

والشراء مثل البيع، فيحرم شراء المسلم على شراء أخيه. ومثال البيع على البيع: اشترى زيد من عمرو سيارة بعشرة آلاف، فذهب رجل إلى زيد وقال له: أنا أعطيك مثلها بتسعة، أو أعطيك أحسن منها بعشرة، أو أبيعك مثلها بعشرة، فهذا بيع على بيع المسلم، لا يحل.

ومثال الشراء على الشراء: باع زيد لعمرو بتسعة، فجاء آخر وقال للبائع: بعتها على فلان بتسعة؟ قال: نعم. قال: أنا أعطيك فيها عشرة، أو بعها لي أنا بتسعة ودعك منه. والراجح أن البيع على البيع حرام، سواء كان ذلك في زمن الخيار أو بعد تمام البيع؛ لأنه مما يورث الشحناء والبغضاء بين المسلمين.

نعود إليكم بعد هذا الفاصل. وقد أطلنا في الحديث عن أهمية الصلاة وعن شأنها، وفي الحقيقة ما أطلنا هذه الإطالة إلا لتكون هذه الإطالة أو هذه الكلمة وقفة نقف فيها مع حالنا نحن مع الصلاة.

والله يا أيها الإخوة والأخوات إن حالنا مع الصلاة فيه من التقصير وفيه من القصور شيء عظيم جداً لا يناسب حال المسلم، لا يناسب حال طالب العلم وطالبة العلم. ينبغي أن يكون حالنا مع الصلاة أفضل وأعلى وأتم وأكمل.

أيها الإخوة والأخوات، نريد أن ننتقل الآن إلى الأحكام الفقهية المتعلقة بالصلاة إن شاء الله تعالى. أول شيء نتطرق إليه حكم الصلاة. حكم الصلاة لا شك أن الصلاة واجبة، بل حقيقة المتأمل فيما ذكر من الفضائل والآيات والأحاديث والترغيب والترهيب لا شك أنه يشعر أن كلمة واجبة يعد قليلة في حق الصلاة وفي شأن الصلاة.

بل الصلاة نقول أعظم الواجبات، أعظم الواجبات العملية أو الفعلية. الصلاة فرض أو الصلاة ركن بني عليه الإسلام، يعني الحقيقة لا يكتفي الإنسان بقول واجبة أو أنها تجب، بل نقول أعظم من ذلك، هي ركن مبني عظيم من مباني الإسلام، بني الإسلام على خمس، ثاني ركن ركن الصلاة.

تأملوا معي خيمة أو بيت مبني على هذه المباني، أو هذه الأركان أو الأعمدة أو الأسس التي قام عليها دين الإسلام، لا شك أنه إذا اختلت الصلاة... لذلك لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة، لا حظ، هذه كلمة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، قال: لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة. هذا الذي فهمه من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في تكفير تارك الصلاة، لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة والعياذ بالله.

فلا شك أن نقول إنها واجبة أبلغ درجات الوجوب وأعلى واعظم درجات الوجوب. طيب، على من تجب الصلاة؟ نقول إنها واجبة على كل مسلم بالغ عاقل غير حائض ولا نفساء.

واجبة على كل مسلم بالغ عاقل، ممكن نستعيض عن كلمة بالغ عاقل بأن نقول مكلف؛ لأن التكليف معناه البلوغ والعقل. نقول واجب على كل مسلم مكلف، والمكلف هو البالغ العاقل غير حائض ولا نفساء، لأنه سوف يأتينا إن شاء الله تعالى كيف استثناؤهم، جاء في حديث أبي سعيد المتفق عليه: أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟ فلا تصلي الحائض والنفساء.

هؤلاء هم الذين تجب من أجتمعت فيهم هذه الشروط الأربعة أو الصفات الأربع، والصلاة واجبة عليه المسلم، طبعا لا تجب الصلاة على كافر، وهذا ظاهر بمعنى أنه لا يطالب بفعلها، بل يقال أول شيء: تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ثم بعد ذلك تطالب بالصلاة، وهذا مأخوذ من حديث معاذ، أنهم إن أجابوك للشهادتين فاعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، والحديث المتفق عليه حديث معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن.

الصلاة لا يطالب الكافر بادائها، بل يطالب بالدخول في الإسلام الذي هو قبل الصلاة. والكافر مهما عمل من عمل: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾ [الفرقان: 23]، ما تقبل منه الصلاة صلى أو ما صلى.

لا تقبل صلاة الكافر، وإن كان بعض أهل العلم يقولون إن الكفار لم يطالبوا أو لا يطالبون بأداء الصلاة وفعلها، إلا أنهم يعاقبون في الآخرة على عدم إيمانهم بالنبي صلى الله عليه وسلم، وعدم شهادتهم أن لا إله إلا وأن محمداً رسول الله، ويعاقبون كذلك بالإضافة إلى هذا على ترك الصلاة وعلى ترك غيرها من الواجبات الشرعية.

وإن كانوا هم لو فعلوها في حال كفرهم لم تقبل منهم، لكن هذا إمعان وزيادة في عقوبتهم على ترك هذه الواجبات الشرعية، وهذا شأن آخر يعني نحن نتحدث، ليس مقام الفقه هو الحديث عن زيادة العقوبة في الآخرة أو عدم زيادتها، وإنما شأن الفقه حقيقة هو الحديث عن أحكام الأفعال في الحياة الدنيا.

فنحن نقول: الكافر لا يطالب بالصلاة ولا يطلب منه أداؤها.

طيب، قلنا تجب على كل مسلم بالغ.

الصغير هل تجب عليه الصلاة الذي ليس ببالغ؟ لذلك غالباً مثلاً النساء ربما تكون المرأة ما هي علامة بلوغها؟ علامة بلوغها الحيض أو علامة بلوغها مثلاً بلوغ خمس عشرة سنة، الشاب علامة بلوغه بلوغ خمسة عشر سنة أو الإنزال، هذه علامات البلوغ متى ما وجدت فهذا حد التكليف بمعنى أنه تجب عليه الفرائض بعد هذا الحد.

طيب هل تجب على من لم يبلغ؟ هل تجب عليه الصلاة من لم يبلغ؟ يعني مثلاً المرأة التي لم تحض أو لم تبلغ خمس عشرة سنة، الشاب الصغير الذي لم يبلغ، لم ينزل، لم يبلغ خمس عشرة سنة هل تجب عليه الصلاة؟ نقول: بعض أهل العلم قال بوجوب الصلاة عليه لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر».

نحن نقول في واقع الامر الصحيح والصواب والله تعالى أعلم أن هذه مؤكدة تأكيداً بالغاً، لكن هل نقول إنها واجبة الوجوب الشرعي الذي هو ثابت في حق البالغ الذي يكفر تاركها؟ نقول: لا، هذا لا يكون في حق من لم يبلغ.

ولكن من قال بالوجوب فمراده أنها وجوب أخف من وجوب البالغ الذي يكفر بترك الصلاة، بمعنى أنه وجوب خلونا نقول مبدئي أو تمهيدي، والذي يظهر والله تعالى أعلم أنها مؤكدة تأكيداً بالغاً.

لذلك حث النبي صلى الله عليه وسلم على أمر الصبيان بالصلاة لسبع والضرب عليها لعشر، وهذا الضرب الذي يظهر والله تعالى أعلم أن هذا من قبيل الوجوب الذي يمكن أن نسميه التربوي، لتربية هؤلاء الأبناء والبنات على الصلاة.

إذاً، لا نقول هو الوجوب الشرعي الذي يلحقهم فيه الإثم أو الكفر، لا؛ لأنه كما جاء في الحديث: «رفع القلم عن الصغير حتى يبلغ».

فلا يؤاخذ بما يفعله قبل بلوغه؛ ولأنه لا يعقل العقل الذي يمكنه به التمييز كالبالغ، وإنما تكون مبادئ التمييز عند السبع، وأما العقل لما يكون مثلاً في الآخرة والعقوبات والجنة والنار فهذه لا تكون عند التمييز الأولي، وإنما تكون عند تميز البلوغ، والبلوغ قد جعلته الشريعة حدا للتكليفات.

قد يستشكل بعض الناس الأمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مروهم بالصلاة لسبع».

نحن نقول إن النبي صلى الله عليه وسلم ما أمر الصبيان، وإنما أمر الآباء والأولياء بأن يأمروهم بالصلاة، وهنا فرق.

لذلك نقول: ليس الأمر بالامر بالشيء أمراً به، وهذه ربما قاعدة أصولية ربما إن شاء الله تعالى تدرسونها في الأصول، نقول: إن الأمر بالامر بالشيء ليس أمراً به.

فالنبي صلى الله عليه وسلم أمر الأولياء بأن يربوا ويأمروا أولادهم بالصلاة لسبع، وهذا فيه تعويد لهم على الصلاة، وأن يضربوهم عليها لعشر.

طبعاً هذا الضرب ليس ضرباً مبرحاً، لا، وإنما هو ضرب ما يمكن أن نسميه اليوم بالضرب التأديبي، يعني ما اصطلحنا على تسميته بأنه ضرب تأديبي أو تربوي لأجل بيان أهمية الصلاة، فهو ليس ضرباً مبرحاً نقول إنه مثلاً يؤلم أو يكون ضاراً بالطفل، وإنما هذه قضية حقيقة في واقع الأمر خاضعة للمصلحة الشرعية التي يراها الوالدان لتحبيب ابنهم أو بنتهم وترغيبهم في الصلاة.

فلذلك يؤدب على الصلاة، إذا ترك الصلاة يؤدب، ربما يؤدب بالكلام، الضرب غير المبرح، يحرم مثلاً من شيء كان يحبه الطفل مثلاً كانت تشترى له حلوى، لا يشترى له حلوى في ذلك اليوم.

وكذلك في الحث على الصلاة، إذا حرص على الصلاة أو كان مثلاً هذا الصغير يشق عليه القيام لصلاة الفجر، فانه يرغب في ذلك ربما بحلوى، ربما بألعاب، يخرج به إلى ألعاب، إلى حديقة إذا حرص على الصلاة وهكذا.

هذه قضية مهمة ينبغي للمسلمين عموماً، الآباء والأمهات، ينبغي لهم أن يراعوها، وأن يأخذوا بهذا الهدي النبوي الكريم الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم الوالدين.

أيها الوالدان، إن من اعظم ما يجب عليكما تعويد أبنائكما وبناتكما على الصلاة.

هذه قضية مهمة، أيها الآباء والأمهات، للأسف نجد حقيقة بعض الآباء وبعض الأمهات حتى في حق البالغين والبالغات الكبار ربما يتساهلون في أدائهم للصلاة، ويقول مثلاً: اترك هذا الولد، ما نام إلا متأخراً لا توقظه للصلاة، اترك هذه البنت نامت متأهة وسهرت في الليل فتصلي فيما بعد إذا قامت ولو بعد طلوع الشمس.

لا، هدي النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه تعويد الأبناء والبنات على الصلاة من صغرهم من سبع سنين يؤمرون بالصلاة، كم يتكرر هذا الأمر بالصلاة؟ يتكرر عشرات المرات بل آلاف المرات إذا كان يأمر بالصلاة في كل يوم وليلة خمس مرات.

كم معنى هذا أنه لن يضرب هذا الطفل إلا بعد أن يؤمر بالصلاة آلاف المرات، وأن يعود عليها وأن يرغب فيها؟ النبي صلى الله عليه وسلم حث على الترغيب قبل التأديب، ما يمكن أن نعتبره العقاب على ترك الصلاة.

ولعلنا إن شاء الله تعالى نتطرق إلى أهمية هذا الموضوع ولكن بعد هذا الفاصل القصير.

نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتحدث بواقع الأمر عن من تجب عليهم الصلاة، وقلنا إنها تجب على كل مسلم بالغ عاقل غير حائض ولا نفساء.

طيب ذكرنا، المسلم الكافر لا يطالب بأداء الصلاة ولو أنها لم تقبل منه، لأن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾ [الفرقان: 23]، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ ۗ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [النور: 39].

أعمال الكافرين لا تقبل منهم لأنهم تركوا الايمان بالله، اعظم واجب، أعظم حقيقة في الكون في الدنيا في الوجود هي عبودية الإنسان لربه سبحانه وتعالى.

هذا قلنا لا تجب أو لا يطلب أداؤها من كافر، ثم ذكرنا بعد ذلك أنها تجب على المسلم البالغ، وذكرنا أن غير البالغ نعم لا تجب عليه الوجوب بمعنى الوجوب الشرعي الذي يأثم به أو يكفر بتركه، لا، وإنما الذي لم يبلغ نقول إنها مؤكدة في حقه تأكيداً بالغاً، والوالدان من أهم الواجبات الشرعية عليهم تعويد أبنائهم.

على الصلاة أبنائهم وبناتهم على الصلاة. هذا من أهم الواجبات الشرعية. بل أعظم الواجبات الشرعية على الوالدين؛ لأنهم مسؤولون عن هذه الرعية، وأول شيء يسألون عنه دينهم، وأول شيء في دينهم يسألون عنه قضية إقامتهم للصلاة. هذه قضية أساسية. كل إنسان مسؤول عن رعيته. للأسف، نحن اليوم نشهد من الآباء والأمهات تفريطاً في قضية تربية أولادهم وتعويدهم على الصلاة، أو التهاون في إيقاظهم للصلاة، بل حتى ما هو... يعني الصغار الذين لم يبلغوا، حتى البالغين لأسف نجد أن بعض الاباء لا يوقظ ولده وعمره عشرين سنة أو ثمنتعشر سنة، لا يوقظه للصلاة، أو الأم لا توقظ البنت للصلاة وعمرها ثمنتعش أو عشرين، ولا يحرصون على صلاتهم.

يجب الحرص على... إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم -تأملوا- قال: «مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر». وهنا في الحقيقة رسالة نوجهها للآباء والأمهات؛ الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: 6]. هذا ترهيب شديد، أمر للمسلم والمسلمة بأن يقوا أنفسهم أولاً، وأهليهم ثانياً، نار جهنم. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيذنا وأهلينا جميعاً وإياكم جميعاً من نار جهنم. أيها الإاخوة والاخوات، ما حال المسلم -والعياذ بالله- الذي يرى ولده ابنه أو بنته يراه يلقى في نار جهنم -والعياذ بالله-؟ لا شك أن هذا خسارة عظيمة؛ لأنه أهمله في الحياة الدنيا ولم يقم بتعويده على ما أمر الله سبحانه وتعالى به من الصلاة.

لذلك يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر: 15]. يعني أعظم الخسارة أن الإنسان يخسر نفسه ويخسر أهله يوم القيامة. خسارة النفس بان يلقى في نار جهنم، وخسارة الأهل بان يلقى أهله في نار جهنم. لا شك أن أعظم الخسارة من جمع الخسارتين. ولكن الإنسان قد يكون في حقه... يعني قد يخسر نفسه، وهذا لا شك أنه رتبة ثانية. رتبة ثالثة أن الإنسان يخسر أهله -والعياذ بالله-، يعني ينجو هو بنفسه ولكن يرى ابنه أو بنته يلقى به في نار جهنم -والعياذ بالله-. لماذا؟ لأنه كان في الحياة الدنيا... يعني يريد أنهم يرتاحون ولو تركوا الصلاة، يهمل في شأن دينهم، حتى يلقى هؤلاء الابناء والبنات في نار جهنم، وهو مهمل لهم في شأن دينهم، ولا يربيهم على الصلاة، ولا يوقظهم للصلاة، ولا يحثهم على الصلاة، ولا يأمرهم، أو الأم كذلك لا تحث بنتها ولا تحث ولدها ولا تأمرهم بالصلاة. لا شك أن هذا تقصير عظيم.

لذلك إذا الإنسان تأمل هذه الآية: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر: 15]، علم أن أعظم الخسارة الخسران المبين. ذلك هو الخسارة المبين: الإنسان يخسر نفسه وأهله -والعياذ بالله-، أو يخسر نفسه أو يخسر أهله، يخسر ولده أو بنته في نار جهنم -والعياذ بالله-. إذا الإنسان تأمل قول الله: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: 6]، استشعر أيها الاب، استشعري أيتها الأم، أنكم حين ترون أولادكم أبناءكم وبناتكم، ترونهم مثلاً مفرطين، استشعروا عظم المسؤولية والأمانة. ولا يكفي الأب والأم أنهما فقط يصلون ويهملون أهلهم وأولادهم وذريتهم، بل ينبغي عليهم أن يحرصوا. لذلك جاء في وصف إسماعيل عليه السلام في القرآن الكريم: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم: 55].

استشعر أيها الأب، استشعري أيتها الأم هذا الموقف يوم القيامة، أن الإنسان يخسر أهله في نار جهنم يوم القيامة. والله إن الإنسان إذا استشعر هذا الموقف الشنيع العظيم -أسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيذنا من هذا الموقف-، لا شك أنه سوف يبالغ في حرصه على تحريص أبنائه أو بناته على الصلاة. لذلك لا غرو أن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الذي ما من خير إلا دل أُمَّتَهُ عليه، وما من شر إلا حذر أمته منه صلوات الله وسلامه عليه حتى ترك هذه الأمة على المحجة البيضاء، لا غرو أن النبي صلى الله عليه وسلم يأمر الآباء والأمهات بقوله: «مروهم بالصلاة لسبع». هذا أول بند من بنود المسؤولية أمام الله سبحانه وتعالى؛ قضية الدين، وأول شيء في قضية الدين: الصلاة. لذلك النبي صلى الله عليه وسلم الشفيق على أمته، الرحيم بها، الحريص عليها، أمرنا بأن نأمر أولادنا بالصلاة وأن نضربهم عليها لعشر.

هذا تمام الرحمة. هذا والله -أيها الإخوة والأخوات، أيها الآباء والأمهات- هذا والله تمام الرحمة والشفقة على هؤلاء الأبناء والبنات، أنهم يؤدبون على ترك الصلاة، وأنهم يؤمرون، وأن تتمحور حياة الأسرة المسلمة على الصلاة. طبعا لا شك نحن نقول إن هذا الضرب إذا كان منفراً للابن والبنت بحيث إنه ينفر عن الصلاة بشكل أبلغ، فلا شك أن هذا الضرب غير مأمور به، وإنما هذا الضرب المأمور به المراد به الضرب المصلح للأبناء والبنات، وهو كما اصطلحنا على تسميته في هذا الدرس بأنه ضرب تأديبي يقصد منه تربية الولد والبنت على الصلاة.

نعود فنكمل: من تجب عليهم الصلاة؟ قلناها: كل مسلم بالغ عاقل. فمن لم يكن عاقلاً كالمجنون -عافانا الله وإياكم- لا تجب عليه الصلاة. كذلك بعض الناس يسأل ربما عن بعض آبائهم أو أمهاتهم الذين بلغوا سناً من الهرم والكبر إلى درجة أصبح فيها هؤلاء كبار السن لا يعقلون، أصابهم ربما خرف أو الهرم البالغ الذي لا يعقلون معه. هل تجب عليهم الصلاة؟ نقول: لا تجب عليهم الصلاة ما دام هذا الكبير في السن أو الكبيرة في السن... ما داموا يعقلون، تجب عليهم الصلاة. طيب، إذا كان لا يقدر على أدائها مثلاً واقفاَ نقول: صل جالساً. ما يقدر، نقول: صل على جنب، صل وأنت مستلق على ظهرك أو على جنب.

لكن نفرق نحن بين أمرين: ما دام يعقل الخطاب فمعنى هذا أن الصلاة واجبة عليه. هيئة الصلاة وشكلها يختلف؛ نقول: لا تجب عليه قائماً. تجب عليه قاعداً الأصل، فإن لم يقدر فقاعداً، فإن لم يقدر فعلى جنب أو مستلقياً، أياً كانت الهيئة التي يقدر عليها، لكن ما دام يعقل الخطاب فمعنى ذلك أن الصلاة واجبة عليه. أما إذا كان هذا الكبير في السن أو الكبيرة وصلا إلى درجة لا يعقلون معها الخطاب، لا يفهمون... نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيذنا وإياكم من أن نرد إلى أرذل العمر. فإذا وصلوا إلى هذه الدرجة أنهم لا يعقلون الخطاب، فهذا يسقط عنه التكليف، ويسقط عنهم فرض الصلاة وغيرها من الفروض. التكليف يسقط عنهم لأنهم لا يعقلون. المجنون كذلك -عافانا الله وإياكم- يسقط عنه فرض الصلاة.

قلنا: مسلم بالغ عاقل غير حائض ولا نفساء. ليس بحائض ولا نفساء؛ لأن الحائض والنفساء لا تجب عليهما الصلاة. لا تجب عليهما الصلاة، بمعنى ما معنى لا تجب عليهما الصلاة؟ يعني لا يتعلق بذمتهم وجوب الصلاة، فلا يخاطبون بها أداءً، ولا يؤمرون بقضائها. لاحظتم أننا نحن الآن نتحدث عن تعلق الوجوب بالذمة، فلا يتعلق الوجوب أصلاً بذمة الحائض والنفساء. ما الفرق طيب؟ الصوم، الصوم هل يجب على الحائض والنفساء؟ نقول: هذه العبارة موهمة، فإن اريد أنه يتعلق الوجوب بذمتهم؟ نعم، يتعلق الوجوب بذمتهم، فبحكم أنها الآن حائض ونفساء لا يمكنها أداء الصوم، ولكن يتعلق الوجوب بذمتها فتخاطب بقضائه. وإن اريد أنه والله هل يجب على الحائض نفسها بمعنى أنه هل تخاطب بأدائه الآن؟ نقول: يحرم عليها أداؤه الآن. إذاً لاحظتم لما نقول نحن يجب مثلاً على الحائض والنفساء، يجب عليهم الصوم، نقول: إن أريد بالوجوب هذا تعلق الوجوب بذمته، بمعنى أنه والله يخاطبون بقضائه، بقضاء رمضان الذي أدركوه.

فهذا معناه مثلاً: نفترض أن امرأة أول حيض يأتيها بلغت في منتصف رمضان، هذا بلوغها، فهل تخاطب بالصيام في هذا النص؟ يقول: لا، ما تخاطب بالصيام لأنها حائض، ولكن بعد انتهاء شهر رمضان فإنها تخاطب بقضاء شهر رمضان كاملاً، أو النصف الذي حاضته من شهر رمضان، أو قدر الأيام التي حاضتها من شهر رمضان؟ نقول: قدر الأيام التي حاضتها؛ لأنها بلغت، علامات البلوغ هي الحيض، فتقضي الأيام هذه.

لماذا تقضي هذه الأيام؟ لأن الوجوب تعلق بذمتها. هل هذا شأن الحائض والنفساء كذلك في الصلاة؟ نقول: لا، هذا شأن الحائض والنفساء في الصوم فقط، أما الصلاة فإن الوجوب أصلاً لم يتعلق بذمتهم، فلا يخاطبون لا بالصلاة حين حيضهم ونفاسهم، ولا يخاطبون بقضائها، إذاً نحن نفرق بين قضيتين: بين تعلق الوجوب بالذمة، وبين الأداء.

أنا أضرب لكم مثالاً آخر متعلقاً بالصلاة: هل تجب الصلاة على الجنب؟ نقول: لا شك أن المجنب الذي عليه جنابة يتعلق الوجوب بذمته ويجب عليه الصلاة، لكن هل يؤديها حال الجنابة؟ نقول: لا، لا يؤديها حال جنابة، وإنما يجب عليه أن يتطهر الطهارة الكبرى بالغسل، فإن لم يجد ماء فيتيمم ثم بعد ذلك يصلي. إذاً نحن الآن نتحدث عن تعلق الوجوب بالذمة ولا نتحدث عن الأداء، من الذين يخاطبون بالصلاة؟

من الذين يخاطبون بالصلاة؟ نقول: المسلم البالغ العاقل غير الحائض والنفساء. الحائض والنفساء لا يتعلق الوجوب بذمتهم ولا يخاطبون بالصلاة، إذاً من اجتمعت فيه هذه الأوصاف نقول إنه قد تعلق الوجوب بذمته.

طيب، لو أن انساناً مثلاً كان سكران والعياذ بالله، شرب خمراً فسكر، هل تجب عليه الصلاة؟ نقول: بما أنه مسلم بالغ عاقل -عاقل لاحظوا قبل أنه غير مجنون، يعقل الخطاب- أما هذا السكران فيتعلق الوجوب بذمته. هل يؤدي الصلاة الآن؟ نقول: لا يؤديها الآن، يحرم أداؤها الآن؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: 43].

متى أفاق يجب عليه قضاؤها، ولكن تعلق الوجوب بذمته. وهذا بخلاف المجنون؛ بخلاف المجنون أصلاً لم يتعلق الوجوب بذمته، أصلاً لا يخاطب. الهرم الذي لا يعقل الخطاب، هذا أصلاً لم يتعلق الوجوب بذمته. ملاحظتم؟ إذاً نحن نفرق في قولنا العاقل، بين العاقل نريد به غير الذي يعقل الخطاب الذي يفهم الخطاب، ولا نريد به مثلاً من كان سكران أو نائم أو زال عقله بشكل مؤقت، فهو ما نسميه زوال العقل الحقيقي، نسميها تغطية العقل؛ لأنه ما زال العقل، سواء العقل بالجنون أو الخرف، أما هذا فقد غطي عقله بنوم أو سكر، وإلا فهو عاقل يفهم الخطاب. في هذه الحال فقط أنا أقول: هذا يتعلق الوجوب بذمته، وإن كان لا يصح منه أداؤها في حال سكره، أو لا يتصور منه أداؤها في حال نومه مثلاً.

لكن نقول: متى ما أفاق أو استيقظ من نومه فانه يجب عليه أداء الصلاة. إذاً نقول: تجب الصلاة بمعنى تعلق الوجوب بالذمة، وليس لهذه المسألة ارتباط بالأداء. فنحن نقول: يتعلق الوجوب بذمة حتى مثلاً من غطى عقله بنوم أو سكر أو غيره مثلاً أو إغماء، إذا كان هذا الإغماء قليلاً يعني مثلاً صلاتين أو يومين، فانه يقضي صلواته على الصحيح والله تعالى أعلم، وسوف نتطرق إن شاء الله لهذه المسألة بإذن الله تعالى في درس لاحق.

فالشاهد: ما هي الشروط للوجوب أو تعلق الوجوب بالذمة؟ نقول: الإسلام، البلوغ، العقل، الطهارة من الحيض والنفاس. نقف عند هذا القدر، ونوصي إخواننا وأخواتنا من الدارسين في هذه الأكاديمية المباركة بالرجوع إلى صفحتهم الشخصية للإجابة على سؤال الأسبوع. وصلى الله وسلم نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

يا راغبا في كل علم نافع متطلعا يأتيك ميسورا بأي مكان تروي غلة الظمان وتعلم الفقه الميسر عاملا بالشرع دون تعصب لفلان للعلم كالازهار في البستان