الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما. اللهم هيئ لنا من أمرنا رشدا، وآتنا من لدنك توفيقاً وسداداً وصواباً. أما بعد؛ إخواني وأخواتي، فهذا هو الدرس الثاني والعشرون من سلسلة دروس الفقه في أكاديمية زاد. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الأكاديمية، وأن يجعلنا وإياكم ممن ينتفع بما يقال فيها وما يسمع، وأن يجعل هذا العلم الذي نقوله والذي نسمعه حجة لنا لا حجة علينا. اللهم إنا نعوذ بك أن يكون هذا العلم حجة علينا.
إخواني وأخواتي؛ كنا قد بدأنا من درسين بالحديث عن الصلاة، وبينا تعريفها وففضلها وحكمها، ولخصنا أنها تجب أو يتعلق الوجوب بذمة من توفرت فيه الأربع صفات: مسلم، بالغ، عاقل، طاهر من الحيض والنفاس؛ غير حائض ولا نفساء. هؤلاء يتعلق الوجوب بذمتهم. وقلنا إن الكافر لا يقبل منه عمل ولو أسلم؛ فلا يطالب بقضاء ما تركه من الصلوات، لأنه أصلاً لم تجب عليه ولم يطالب بأدائها.
وقلنا إن الصغير الذي لم يبلغ لا تجب عليه الصلوات الوجوب الشرعي، وإن كان يطالب بها، تجوز أن نقول تجب عليه، لكن نقول وإن كان يطالب بها لا وجوباً شرعياً، وإن كان يطالب بها مطالبة تربوية تأديبية تعويداً له ليصلي عند البلوغ. والعاقل قلنا المراد العاقل بمعنى غير المجنون، وغير من زال عقله بخرف مثلاً عند كبره؛ فهذا خلاص زال عقله، والعقل هو آلة التمييز، فلذلك من زال عقله فانه لا يخاطب أصلاً بوجوب الصلاة، بخلاف نقول من غطى عقله بنوم مثلاً أو سكر أو إغماء؛ فالقول بوجوب الصلاة متجه.
النوم قطعا تجب الصلاة على من نام إذا استيقظ. وكذلك السكران مثلاً من شرب الخمر أعاذنا الله وإياكم من ارتكاب هذا المحرم؛ نقول يحرم عليه أن يصلي وهو سكران، ولكن إذا أفاق فانه يصلي وتجب عليه الصلاة. من أغمي عليه، في الحقيقه الإغماء يتجاذب طرفان؛ يتجاذب طرف أنه مثل من زال عقله مثل المجنون مثلاً أو الخرف، والمجنون قطعاً لا تجب عليه الصلاة، فصار الإغماء مرحلة متوسطة بين النائم والسكران مثلاً الذي يزول عقله فترة بسيطة، وبين المجنون الذي هو المغمى عليه.
لذلك حصل خلاف بين أهل العلم؛ فبعض الناس ألحقوه بالنائم فقال يجب عليه أن يقضي ما فاته من الصلاة وهو مغمى عليه، وبعض أهل العلم قال إنه لا يجب عليه قضاء أي صلاة، وبعض أهل العلم توسط وهذا القول حقيقة قول متوسط وله وجه، ويقال: إذا كان أغمي عليه فترة قليلة فهذا أشبه بالنائم، لكن إذا أغمي عليه فترة طويلة، بعض الناس يغمى عليه لمدة أشهر مثلاً، فهذا أشبه بمن زال عقله بجنون أو غيره. لاحظتم الفرق؟ لكن من أغمي عليه مثلاً صلاتين أو ثلاث صلوات أو أربع، فإن هذا أشبه بالنائم الذي إذا أفاق فانه يقضي هذه الصلوات. الحقيقة هذا القول قول له وجه من النظر، خصوصاً أن الإغماء متردد؛ أحياناً يكون طويلاً جداً، بعض الناس يغمى عليه أشهر كما ذكرت أو سنين، فهذا القول بوجوب القضاء عليه لا شك أنه قول شاق وغير متجه.
كذلك من أغمي عليه مثلاً ساعات؛ ساعتين أو ثلاث ساعات، وكانت هذه الساعتين أو الثلاث ساعات في وقت الفجر، فهذا في الحقيقه فيه شبه كبير بالنائم، لذلك القول بوجوب القضاء عليه متوجه. يبقى عاد قضية: ما هو الضابط في التفريق بين الفترة القليلة والفترة الطويلة؟ بعض أهل العلم ضبطها مثلاً بثلاثة أيام، وبعض أهل العلم ضبطها بأقل من ذلك أو أكثر. حقيقة الأمر في ذلك محتمل، ويحتاج الرجوع فيه إلى النصوص والآثار.
إذاً، نحن نقول هذا حكم الصلاة وعلى من تجب الصلاة. من بلغ مثلاً في الساعة الثانية ظهراً، هل الوجوب يبدا في حقه من الصلاة التالية أو في نفس وقت الصلاة؟ نقول: لا، في نفس وقت الصلاة. لاحظتم؟ امرأة مثلاً بلغت، بمعنى أنها حاضت أول حيض لها مثلاً في الساعة الثانية ظهراً، نقول قد تعلق بذمتك وجوب صلاة الظهر، وإن كانت لا تستطيع أن تصلي الآن لأنها حائض، نقول إذا انتهى الحيض فإنك تقضين صلاة الظهر على ما ذكرناه نحن. كذلك إسلام الكافر؛ نقول يجب عليك حين تسلم، تخاطب بالصلاة التي وجبت في ذلك الوقت.
نريد أن نختم بمساله تتعلق بحكم الصلاة، وهو ما حكم تارك الصلاة؟ حقيقة تارك الصلاة؛ ترك الصلاة من أخطر الكبائر وأعظمها في دين الاسلام. لذلك كما ذكرنا النصوص والآثار والآيات والأحاديث التي جاءت عن السلف في تكفير تارك الصلاة، من ذلك مثلاً قول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: 11]، معنى ذلك أنه إذا لم يفعلوا هذه الأพور فهم ليسوا إخواننا في الدين. قول النبي صلى الله عليه وسلم: «بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة» كما جاء في حديث جابر. قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث بريدة: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر». أقوال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؛ جاء عن عمر: «لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة». بل إنه حكي إجماعهم كما ذكرنا عن عبد الله بن شقيق قال: ما كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر غير الصلاة. هذا أثر عن عبد الله بن شقيق يبين أن تعامل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مع الصلاة غير تركهم لمباني الإسلام الأخرى والفرائض الأخرى، وإنما كان تعاملهم مع الصلاة تعاملاً آخر، فلذلك كانوا يرون تاركها كافراً.
بل إن إسحاق بن راهويه الإام المحدث قال: ما زال الناس يرون كفر تارك الصلاة من عهد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حتى يومنا هذا. هذا حديث إسحاق بن راهويه يقول إنه ما زال الناس على هذا أن تارك الصلاة كافر. فهذا في الحقيقه يمكن أن يعتبر كفر تارك الصلاة من الاجماعات القديمة. الاجماعات القديمة بمعنى أنها إجماعات في زمن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم، هذا من الاجماعات القديمة ومسائل الإجماع التي يحكى فيها الإجماع؛ بعضها إجماعات قديمة في عصر الصحابة، حتى الإجماع في عصر الصحابة بعضه إجماع قديم في عصر أبي بكر وعمر، وبعضه إجماع بعد ذلك. ثم هناك إجماعات متأخرة في زمن التابعين أو تابع التابعين أو المذاهب الأربعة وما بعد المذاهب الأربعة؛ في الحقيقة هذه الإجماعات المتأخرة يعتبرها العلماء دائماً إشكالاً من حيث ثبوتها، لكن الإجماعات القديمة غالباً تكون إجماعات صحيحة وثابته، لذلك إجماعات الصحابة خصوصاً في زمن الخلفاء الراشدين ومن بعدهم غالباً تدرك وتحكى وتكون إجماعات صحيحة وثابتة، بخلاف الإجماعات التي تحكى عند المتاخرين. هذه قضية لعلكم إن شاء الله تدرسونها بتوسع في باب الإجماع في أصول الفقه.
ننبه هنا إلى أن ترك الصلاة أنواع؛ من جحد وجوب الصلاة فهذا كافر بلا إشكال بإجماع المسلمين. من جحد وجوبها، وفي الحقيقة أن مناط كفره ليس هو ترك الصلاة، وإنما هو جحد الوجوب، لذلك هذه المسألة ترجع إلى مسائل الإيمان والاعتقاد؛ فكون جحد وجوب الصلاة، جحد هذا المعلوم من الدين بالضرورة فهذا كافر، طبعا هذا في حق من امكنه العلم أو يمكنه العلم، بمعنى مثلاً ما هو من أسلم اليوم فلا شك أنه من الطبيعي أنه لا يعلم وجوبها.
أما من يعلم وجوب الصلاة لكن لو أن إنسانا جاء في مجتمع من مجتمعات المسلمين ونشأ في مجتمع من مجتمعات المسلمين ويجحد وجوب الصلاة، نقول: هذا لا شك أنه كفر. هذا إذا جحد الوجوب.
الأمر الثاني هو تركها أباء وامتناع؛ بمعنى أنه يعلم أنها مفروضة عليه ولكن يتركها امتناعا وربما دعاه الإمام أو قاتله على فعلها وهو يتركها، فهذا الترك الامتناعي؛ ﴿كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [القيامة: 32]، فالكذب من أصل الكفر، والتولي هو الإعراض والامتناع والإباء، ولو قوتل عليها ربما يقاتل عليها ويمتنع، فهذا كذلك كفر.
يبقى عندنا مسألة ثالثة، وهي مسألة حصل فيها خلاف عند المتأخرين، ولكن والله تعالى أعلم أن الإجماع ثابت فيها عند المتقدمين. ما هي المسألة؟ هذه مسألة تارك الصلاة تهاونا وكسلا؛ بمعنى أنه مقر بوجوبها وأنه مقر بوجوبها وغير ممتنع، وغير ممتنع يعني ليس متوليا ومعرضا عن أدائها، وإنما يتركها تهاونا وكسلا؛ بمعنى أنه عنده أصل التصديق وعنده أصل الإذعان ولكنه مفرط وتارك للصلاة. فهذه مسألة كما ذكرنا اختلف فيها المتأخرين، والذي يظهر والله تعالى أعلم أن الإجماع واقع عليها عند المتقدمين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين، وحكي هذا الاجماع كما ذكرنا، حكاه عبد الله بن شقيق، وحكى مثلا مثل إسحاق بن راهويه الإمام، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة، كان هذا مشهورا عند أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة.
طبعا القائلون بهذا القول اختلفوا في مناطه أو تحقيق مناطه، هل هو في ترك صلاة واحدة مثلا أو صلاتين أو ثلاث صلوات، أو من ترك صلوات النهار إلى صلوات الليل أو دخول الليل، أو ترك صلوات الليل إلى دخول النهار؟ والذي يظهر والله تعالى أعلم أن المراد بالترك هنا الترك الغالب؛ بمعنى أنه مفرط تفريطا غالبا، وأن هذا الأمر -والله تعالى أعلم ونسبة العلم له أسلم- أن هذا الكفر لا ينسب إلى من ترك صلاة واحدة تهاونا وكسلا أو ترك صلاتين تهاونا وكسلا، وإن كان بعض أهل العلم -وقولهم له وجه وقوة- ذكروا هذا الحكم فيمن ترك صلاة واحدة، هذا في الحقيقة يدلنا على خطر ترك الصلاة، لكن الذي يظهر والله تعالى أعلم أن المراد بالترك تهاونا وكسلا أنه يغلب عليه تركها، يغلب عليه تركها.
كذلك القول بأن المراد بالترك الترك التام، حقيقة هذا قول مخالف للصواب، تفسير الترك بأنه الترك التام؛ لأن الترك التام أشبه بالامتناع والإباء، وإنما ترك التهاون والكسل هو الترك الذي من شخص مذعن للوجوب ولكن تغلبه نفسه وشهوته على الترك، هذا المراد، هذا تفسير تركها تهاونا وكسلا، أما إذا ترك شخص الصلاة تركا تاما فهذا أشبه الإعراض والتولي والإباء، هذا أشبه الإعراض والتولي والإباء.
إذن نحن نفرق بين ثلاث مسائل: أولا، جحد الوجوب، فهذا تكذيب بما فرضه الله سبحانه وتعالى من الصلاة. الأمر الثاني، الإباء والامتناع والتولي، فهذا كذلك مناط كفر آخر غير التكذيب، هو يقر بانها واجبة ولكن يتركها امتناعا عنها، يأبى أن يسجد لله سبحانه وتعالى، يأبى أن يسجد لله سبحانه وتعالى، فهذا مناط كفر. يبقى عندنا المصدق والذي يذعن ولكنه مهمل، يتهاون ويكسل، تغلبه شهوات نفسه، فهذا أهل العلم جمهور أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم بل إجماعهم كما ذكرنا -حكي الإجماع هذا عن غير واحد- بل إجماعهم على أن هذا المتهاون بشأن الصلاة أنه يكفر.
طبعا ما هو قدر التهاون؟ هل هو في صلاة واحدة أو في صلاتين أو ثلاث أو خمس؟ يعني هذه أقوال عند القائلين بهذا القول، وإن كانوا قد اتفقوا على أن التارك تهاونا فإنه يكفر، لكن الذي يظهر والله تعالى أعلم أن المراد الترك الغالب؛ بمعنى أنه دائما مفرط في الصلوات، دائما مفرط في الصلوات، يترك في كل يوم وليلة يترك عدد من الصلوات، ربما أهملها أياما وفعلها أياما، ربما أن أهمل في كل يوم ثلاث صلوات لم يصليها وصلى صلاة أو صلاتين، فهذا الترك الغالب الذي يغلب عليه الترك، هذا والله أعلم أنه داخل في هذا المناط، وهو تاركها تهاونا وكسلا، وأنه داخل في هذه الآية والأحاديث التي تبين حكم تارك الصلاة.
هذا القدر الذي أحببنا أن نؤكد عليه فيما يتعلق بحكم الصلاة وحكم تاركها، ونريد أن ننتقل إن شاء الله تعالى إلى موضوع آخر، وهو ما يتعلق بالأذان والإقامة، وننتقل إليه إن شاء الله تعالى بعد هذا الفاصل القصير.
هل أنت حريص على تصحيح عباداتك؟ هل ترجو أن يتقبلها الله؟ اطلب العلم، إذ لا تصح العبادة إلا به. قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: 19]. وشرط قبول طلب العلم صدق النية، بألا تريد به إلا وجه الله. قال تعالى: ﴿قُل إنّي أُمِرتُ أن أعبُدَ اللَّهَ مُخلِصًا لَهُ الدّينَ﴾ [الزمر: 11]. وبالإخلاص ترزق صحة الفهم وقوه الاستنباط. قال صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين». وبالإخلاص يذعن المتعلم للحق ويقبل النقد. قال الذهبي: علامة المخلص أنه إذا عوتب لا يبرئ نفسه، بل يعترف ويقول: رحم الله من أهدى إلي عيوبي. ويجب أن يتوفر الإخلاص في التعلم والتعليم والتأليف. قال أبو داود الطيالسي: ينبغي للعالم إذا حرر كتابه أن يكون قصده بذلك نصره الدين، لا مدحه بين الأقران لحسن التأليف. فأخلص النية واحذر من فسادها كطلب العلم لأجل المال والثروة، أو الجاه والشهرة، أو المراء والجدل، فإن ذلك يفسد العمل. قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾ [الفرقان: 23].
نعود إليكم بعد هذا الفاصل، وكنا قد تحدثنا في الحلقات الماضية عن حكم الصلاة وحكم تاركها وعلى من تجب. نريد أن ننتقل حقيقة إلى موضوع مهم، ألا وهو موضوع النداء للصلاة والدعاء للصلاة.
الله سبحانه وتعالى شرع الصلاة، ثم بعد فرضها من الله سبحانه وتعالى وبعد بقاء المسلمين فترة يؤدونها، اجتمع المسلمون ذات يوم وتناقشوا في كيفية الدعاء للصلاة، فقال بعضهم في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، اجتمعوا هذا في السنة الأولى من الهجرة، طبعا الصلاة فرضت في ليلة الإسراء والمعراج، والإسراء والمعراج الذي يظهر والله تعالى منه في السنة العاشرة من البعثة، المسلمين بقوا فترة يصلون دون أذان ولا إقامة، فلما وصلوا إلى المدينة وبنى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد كيف كانوا يجتمعون في المسجد؟
كانوا يتحرون وقت الصلاة فربما بكر بعضهم تبكيرا بالغاً، فربما يعني أعاق هذا عن بعض أنشطته وأعماله وينتظر الصلاة، وربما بعضهم تأخر عن الصلاة وأدرك المسلمين مثلا وهو متاخر، فكان ثمه نقاش في السنة الأولى من الهجرة، وهو: كيف نتفق على وقت للصلاة وندعو الناس إلى الصلاة؟ نعم، وقت الصلاة معروف بدايته مثلا وقت الظهر زوال الشمس، لكن طبعا زوالها لا يدرك كل أحد بالنظر، يحتاج الإنسان إلى أن يضع عمودا فينظر زوال الشمس، هذا سوف نبينه إن شاء الله تعالى في مواقيت الصلاة بالتفصيل، فينظر إلى الظل بعد تناقصه متى يبدا؟ هذا لا يتيسر لكل أحد الناس، فينظرون فإذا رأوا والله أن وقت الزوال قد اقترب ربما من بكر ذهب إلى المسجد، وبعض الناس يتاخر، وهكذا.
فحصل نقاش في السنة الأولى من الهجرة، وهي: كيف نعرف ونتعرف ونتعبد بوقت الصلاة وداء الصلاة؟ فقال بعضهم: اتخذوا ناقوسا، الناقوس الذي يضرب مثل الموجود اليوم في كنائس النصارى، الجرس الكبير الذي يضرب بحيث إنه والله إذا أراد إذا زالت الشمس وأراد أداء الصلاة أنه يضرب هذا الناقوس حتى يجتمع الناس للصلاة، هذا كان أحد الاقتراحات. وقال بعضهم: بل اتخذوا بوقا، والبوق الذي يظهر والله تعالى البوق كان يتخذ اليهود يتخذه بوقا بحيث إنه ينفخ في هذا البوق أو القرن فيجتمع الناس للصلاة. وقال بعضهم: بل أوقدوا نارا، وهذا موجود عند المجوس عباد النار، أنهم يوقدون يوقدون النار لأجل الدعوة إلى عباداتهم، وربما عبدوا النار هذه. ففي حقيقة الأمر كل
هذه الاقتراحات لم تحظَ بقبول رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان هذا الأمر مشكلاً، إلى أن فرض الله سبحانه وتعالى وشرع الأذان.
جاء في الأحاديث أن شرع الأذان، أنه أول ما ابتدأ كان -طبعاً الأحاديث والروايات فيه متعددة- بعضه أنه كان رؤيا من عبد الله بن زيد، وبعضه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بلالاً أن يشفع الأذان، ثم جاء عبد الله بن زيد فوافق أمر النبي صلى الله عليه وسلم. طبعاً الروايات في هذا كثيرة، ولكن الذي يظهر والله تعالى أعلم من رؤيا عبد الله بن زيد في الأذان أنها ثابتة وصحيحة، وجاءت بها عدد من السنن والمراسيل المتصلة. فأصل قصة رؤيا عبد الله بن زيد في الأذان ثابتة.
هل هي قبل أمر النبي صلى الله عليه وسلم لبلال بالأذان، أو أن عبد الله بن زيد رآه ثم أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم بلالاً بالأذان؟ هذه مما تفاوتت فيه بعض الروايات. الشاهد أن عبد الله بن زيد رأى في المنام هذا الخلاف الذي حصل -وأن بعضهم قال كذا- وأنه رأى رجلاً معه ناقوس، فقال له: اتتبعني هذا الناقوس؟ قال: لما يا عبد الله؟ قال: نريد أن ندعو به إلى الصلاة. فقال له هذا الرجل: ألا أدعوك إلى، أو ألا أدلك على ما هو خير من ذلك؟ خير من الناقوس الذي تريد أن تشتريه، ألا أدلك على ما هو خير من ذلك؟ هذا طبعاً كله في المنام. قال: بلى.
فقال: تقول: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة حي على الصلاة، حي على الفلاح حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله. فكانت هذه قصة بداية الأذان. فلما أصبح عبد الله بن زيد -وجاء في بعض الروايات أنه رآها ثلاث ليالٍ- فشاهد أنه لما أصبح عبد الله بن زيد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، وفي بعض الروايات أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنها لرؤيا حق»، ثم أمر بلالاً أن يؤذن بهذا الأذان، فعلمه عبد الله بن زيد علمه الأذان، فأذن به بلال.
كذلك في بعض الروايات أن عمر رضي الله تعالى عنه لما سمع بلالاً يؤذن، جاء فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى رؤيا توافق هذا الذي سمعه من بلال، أو توافق رؤيا عبد الله بن زيد. الشاهد في هذه القصة حقيقة عدد من العبر والفوائد نقف عندها: أولاً وهو أن المسلمين أهمهم أمر الصلاة، وكيف طريقة الاجتماع للصلاة؟ فلذلك تشاوروا في شأنها. وهذا الحقيقة يدلنا على أهمية شان الصلاة وأهمية الاجتماع لها، وذلك يدلنا على حرص أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على جماعة المسجد، وأن الجميع يريد أن يدرك الصلاة مع النبي صلى الله عليه وسلم.
وإن كان ربما بعضهم بكر، انقطع عن أعماله، وربما بعضهم تأخر تأخراً بسبب سهو أو غير ذلك، أنه لم يسمع نداءً للصلاة. وهذا في الحقيقة من تعود على سماع الأذان في بلاد المسلمين، ربما إذا سافر إلى بلاد الكفار أول مرة ينزل إلى بلاد الكفار التي لا يسمع فيها أذان بسبب اعتماده على دائماً الأذان في بلاد المسلمين، ربما إذا نزل بلاد الكفار ربما يسهو عن صلاة أو صلاتين في أول يوم، لماذا؟ لأنه معتاد على سماع الأذان الذي يذكر بالصلاة، ولم يتعود بعد على بلد لا ينادى فيها للصلاة. لذلك ربما نُسبّه، نبه إخواننا الذين يسافرون أول سفرهم إلى أن ينتبهوا للصلاة وتوقيت الصلاة، خصوصاً الذين كانوا يعتمدون على الأذان في بلاد المسلمين.
الشاهد، حرص أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم على الصلاة جعلهم يتناقشون في هذا المبدأ: كيف نجتمع للصلاة؟ كل شخص من الصحابه كان يراقب الشمس، يتذكر، يذكر بعضهم بعضاً: هيا إلى الصلاة. يخرج بعضهم إلى بعض حتى يجتمعوا للصلاة. فلا شك أن هذا الاجتماع دون داعٍ أو دون نداء يدعوهم إلى الصلاة التوقيت فيه مشكل، الجميع يعرف وقت الصلاة، ولكن بعضهم ربما جاء في أولها، بعضهم جاء في آخرها، بعضهم جاء قبلها، فلذلك تناقشوا في هذا الأمر لحرصهم على أن يجتمعوا في جماعة واحدة، وأن يجتمعوا في صلاة واحدة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
كذلك مما نستفيده من هذا الحديث، وهو كراهة النبي صلى الله عليه وسلم للناقوس وللبوق وللنار، يدلنا على أمر وهو تميز المسلمين في عبادتهم، وأنه مما يشرع للمسلم مخالفة أهل الكتاب؛ مخالفة اليهود والنصارى، ومخالفة المجوس؛ مخالفتهم في عباداتهم، المسلم متميز، لذلك شرع الله سبحانه وتعالى للمسلمين الأذان، متميزاً عن طريقة دعاء النصارى لعباداتهم، واليهود لعباداتهم، والمجوس لعباداتهم، متميزاً طريقة المسلمين. وهذا من تمام نعمة الله على أهل الإسلام وكمال دينهم أن الله سبحانه وتعالى شرع لهم هذا النداء بهذه الصفة الميسورة السهلة التي لا تحتاج إلى إيقاد نار، ولا تحتاج إلى ناقوس، ولا تحتاج إلى بوق، وإنما كل مسلم يمكنه أن يقوم بها بالدعاء والنداء، يكبر في صحراء، ربما في مكان في البر، في البحر، حتى في الجو، في غيرها، يمكنه النداء بسهولة وبيسر بفضل الله سبحانه وتعالى، وهذا من كمال الدين وتمام النعمة. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيننا على شكر هذه النعمة؛ نعمة الإسلام.
كذلك من تامل هذا الدعاء وهذا النداء، وجده دعاءً مشتملًا على عبارات عظيمة؛ عبارات الشهادة لله سبحانه وتعالى بالتوحيد أولاً، تعظيم الله سبحانه وتعالى: الله أكبر، الشهادة لله بالتوحيد، الشهادة لنبيه بالرسالة، الدعاء إلى الصلاة، وصف هذه الصلاة بأنها هي الفلاح: حي على الفلاح، ثم إعادة تعظيم الله سبحانه وتعالى وشهادته له بالتوحيد: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله. افتتحت بتوحيد الله سبحانه وتعالى، واختتمت عباراته وجمل الأذان اختتمت بتوحيد الله سبحانه وتعالى: لا إله إلا الله. لا شك أن هذا من اعظم فضائل الأذان وأعظم خصائصه ومميزاته.
إذاً أيها الإخوة، الأذان من خصائص هذه الأمة التي تميزت به عن غيرها من الأمم، سواء الكتابية أو الوثنية، تميزت به عن غيرها من الأمم. اليوم، هل كان سابقاً في زمن الأنبياء السابقين هل كان يدعى إلى الصلاة بالأذان؟ الله تعالى أعلم. لكن اليوم النصارى واليهود يدعون إلى صلواتهم بالناقوس، وبالبوق، أو القرن الذي ينفخون فيه.
فمشروعية المخالفه للمشركين ولاهل الكتاب هذه قضيه حقيقه مهمه، من تامل في شعائر الاسلام يجد أن هذا مقصد من مقاصد الدين، وهو تميز المسلم، لذلك جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: «خالفوا اليهود والنصارى، أعفوا اللحى وقصوا الشوارب». جاء كذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم لما بلغوه اليهود يصومون عاشوراء قال: «لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع». وهذا فيه مخالفه اليهود في تعظيمهم لعاشوراء، أن النبي صلى الله عليه وسلم صام عاشوراء وصام يوماً قبله.
كذلك من اوجه المخالفة أن النبي صلى الله عليه وسلم خالف المشركين في الإفاضة مثلاً من مزدلفة؛ في إفاضة مزدلفة كانوا ينتظرون الشروق، يقولون: أشرق ثبير كيما نغير. فالنبي صلى الله عليه وسلم أشرق عند الإسفار جداً قبل الشروق. هذه المعاني كلها في شريعة الإسلام يدلنا على أن مخالفة المشركين في عبادات أهل الإسلام وتميز المسلمين في عبادتهم أنها مقصد من مقاصد الشريعة، أن المسلم يعبد الله سبحانه وتعالى بعبادة تتميز عن عبادة أهل الكتاب الذين حرفوا دينهم، وأهل الأوثان الذين يعبدون أوثانهم. وهذا حقيقه مضطرد في شريعة الاسلام، لذلك نجد النهي عن الصلاه بعد الصبح حتى تطلع
الشمس بما فيه مشابهة عباد الشمس وغير ذلك من العبادات والشرائع التي نجد فيها أن هذه القضية قضية مطردة في شرائع دين الإسلام.
طيب، نعود إليكم إن شاء الله تعالى بعد الفاصل، ونناقش معكم شيئاً من فضائل الأذان وتعريفه وحكمه، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم لكل خير. ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: 6].
من رحمة الله تعالى بعباده، الرخص لهم في المسح على الخفين والجوارب في الوضوء بدلاً من غسل الرجلين، وذلك بالمسح مرة واحدة أعلى الخف الأيمن باليد اليمنى، وأعلى الخف الأيسر باليسرى، مفرجاً أصابعه، مبتدئاً من أصابع رجليه إلى بداية ساقيه، يمسح على الخفين معاً أو يبتدئ بالأف الأيمن ثم الأيسر، فالأمر في ذلك واسع، بشرط أن يكون الخف طاهراً من النجاسة، وأن يكون ساتراً للقدم مع الكعبين، وأن يلبسهما على وضوء كامل، ومدته يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام بلياليها للمسافر، يبدأ احتسابها من أول مسح بعد انتقاض الوضوء.
فلو توضأ لصلاة الفجر مثلاً ولبس الخفين، ثم انتقض وضوءه الساعة التاسعة صباحاً، وتوضأ في الساعة الثانية عشرة ومسح على الخفين، فيبدا احتساب المدة من الساعة الثانية عشرة لا من الساعة التاسعة، ويكون المسح في الحدث الأصغر، وأما الحدث الأكبر فيجب فيه الاغتسال الكامل.
ومن خلع خفيه أو انتهت مدته فوضوؤه صحيح ما لم ينتقض بناقض آخر، فإن أراد المسح مرة أخرى وجب عليه أن يتوضأ أولاً وضوءاً كاملاً يغسل فيه قدميه، ثم يلبس الخف ويراعي الشروط السابقة.
قناة زاد الفضائية.
نعود إليكم بعد هذا الفاصل الذي تحدثنا فيه عن قصة بدء الأذان ومشروعية الأذان، وذكرنا ما جاء فيه من نقاش وحوار بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكراهة رسول الله صلى الله عليه وسلم لمشابهته الكتاب أو المجوس أو غيرهم، إلى أن هدى الله سبحانه وتعالى أمة الإسلام لهذا الأذان، ثم أقرت عليه أمة الإسلام، وأقر الله سبحانه وتعالى عليه.
جاء الأذان في كتاب الله سبحانه وتعالى، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ [المائدة: 58]. إذن ذكر الله سبحانه وتعالى نداء إلى الصلاة، وقال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجُمُعَة: 9]. فشرع الله سبحانه وتعالى، أو أقر الله سبحانه وتعالى أمة الإسلام على هذا الأذان الذي رؤي في منام عبد الله بن زيد، وأقره النبي صلى الله عليه وسلم وأمر به، ثم بعد ذلك أقر الله سبحانه وتعالى عليه في كتابه الكريم وصار شريعة من شرائع الإسلام.
طبعاً رآه عبد الله بن زيد ورآه عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، طبعاً هل راوه بعد أمر النبي صلى الله عليه وسلم لبلال أن يؤذن أو قبل أمر النبي صلى الله عليه وسلم لبلال أن يؤذن؟ الموجود في السنن، سنن أبي داود والنسائي وغيرهما، أنه قبل، أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بلالاً بعد أن أخبره عبد الله بن زيد بهذه الرؤيا، بعد أن أخبره عبد الله بن زيد بهذه الرؤيا.
وقلنا إنه أصل قصة رؤيا عبد الله بن زيد هذا ثابت، هذا ثابت في عدد من المسانيد المتصلة وفي عدد من المراسيل، مثل مرسل سعيد بن المسيب رضي الله تعالى عنه ورحمه.
طيب، أيها الإخوة، ما معنى الأذان؟ الأذان في اللغة هو النداء أو الاعلام، مثلاً جاء في القرآن: ﴿وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ [التوبة: 3]. يعني بلاغ وإعلام. لذلك الأذان الذي نقوم به اليوم، لما سمي أذاناً؟ لأنه إعلام وبلاغ بالصلاة.
طيب، الإقامة كذلك فيها إعلام، ولكن الإقامة هي إعلام بالقيام إلى الصلاة. بعض الناس إذا جاء مثلاً، ربما كانوا في رحلة مثلاً أو في بر أو شيء من هذا، فأرادوا أن يصلوا فينادي بعضهم بعضاً يقول: يلا يا قوموا إلى الصلاة، ثم يصفون صفاً ويكبر أحدهم. أقول: هذا خطأ، المفترض أنه من أراد أن يقيم إلى الصلاة، كيف يققيم الناس إلى الصلاة؟ ما يقول لهم: قوموا يلا خلونا نصلي، ثم يكبر للصلاة فيصلون معه أو يصفوا للصلاة يصلون. لا، المشروع في حقهم أن يققيم الصلاة: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، ثم يتم الإقامة التي شرعها الله سبحانه وتعالى على لسان رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم في هذه الرؤيا الفاضلة الشريفة.
طبعاً لا شك أن هذه مفخرة للصابي الجليل عبد الله بن زيد أنه راى الأذان، ومفخرة لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه راى الأذان. يروى أنه ابن أو بنت لعبد الله بن زيد، هل هو حفيد أو ابنه مباشرة؟ الله أعلم. قدم على عمر بن عبد العزيز فقال: أنا ابن الذي شهد بدرا واحداً والعقبة والمشهد، وابن الذي أري الأذان، وابن الذي أري الأذان. فقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى ورضيه، قال: هذه المفاخر.. لا قعبان.. لا قعبان من لبن يعرض ببيت للنابغة.. فقال: إن هذه هي المفاخر التي يفخر الإنسان بها، وهي أن يعني أنه راى الأذان أو أن أباه راى الأذان. فالشاهد.. وجاء كذلك في قصة التيمم لما قيل.. قال بعض الصحابه رضي الله عنه.. قال: ما هذه بأول مآثر أو مفاخر يا آل أبي بكر؟ فكون شرع عبادة من عبادات الإسلام على يعني بسبب أحد الصحابه، لا شك أن هذا يعتبر من فضيلة هذا الصحابي ومن كرامته وتشريفه.
فنقول إنه من الخطا الذي يقوم به بعض الناس اليوم، أن والله إذا أراد أن يدعو إلى الصلاة أمر مثلاً من معه بالقيام للصلاة ثم يتقدمهم فيصلي، نقول لا، المشروع في حقك أن تؤذن للصلاة ثم تقيم، ثم تقيم هذه الصلاة.
طيب، إذاً نقول الأذان هو إعلام، طيب ما الفرق بين الاعلامين: إعلام الأذان وإعلام الإقامة؟ الأذان إعلام، والاقامة إعلام. نقول إن الإقامة هي إعلام بالقيام إلى الصلاة، يعني الآن حانت الصلاة، قوموا للصلاة، لذلك يقول فيها: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، يعني قوموا إلى الصلاة. طيب إذاً هو إعلان بالقيام إلى الصلاة، طيب والأذان؟ الأذان حقيقة هو دعاء إلى الصلاة، فهو يدعو من هو خارج المسجد، يدعوه إلى الصلاة، يدعوهم إلى الصلاة للقدوم إلى المسجد، إلى القدوم إلى الجماعة، القدوم لصلاة.. لاحظتم الفرق؟ بينما هذه الإقامة هي إعلام للحاضرين الذين ينتظرون الصلاة بأن يقوموا إلى الصلاة.
وقال بعض أهل العلم: إن الأذان إعلام بدخول وقت الصلاة، وهذا يعني لا باس به كذلك، يعني قول.. قول يعني وجيه وسديد. ما الفرق بين هذا القول والقول الذي ذكرناه؟ نحن قلنا إن الإعلام هو نداء إلى الصلاة، طيب بخلاف الإقامة فهي إعلام بالقيام للصلاة.
طيب لماذا قلنا نداء إلى الصلاة؟ لأنه إذا أخرت الصلاة لأي سبب مناسب، مثلاً أخرت الصلاة مثلاً لأجل الإبراد في الظهر، وهذه سوف ناخذها إن شاء الله في المواقيت، أنه يشرع في صلاة الظهر تاخيرها في شدة الحر إبراداً لأجل الإبراد. طيب إذا أخرت الصلاة هل يؤذن لدخول عند دخول الوقت أو يؤذن متأخراً عند قرب الصلاة؟ نقول: الظاهر والصحيح والله تعالى أعلم أنه يؤذن متأخراً عند قرب الصلاة، ما هو بيؤذن عند دخول الوقت.
لماذا؟ لأن الأذان كما ذكرنا أنه إعلام ونداء للحضور إلى الصلاة: تعالوا تعالوا إلى الصلاة. فإذا أذن في أول الوقت، كيف يقول الناس: حي على الصلاة؟ تعالوا إلى الصلاة وهو أخر الصلاة إلى يعني منتصف الوقت أو آخره لصلاة الظهر إبراداً؟ فمعنى ذلك أنه ما حصلت.. ما حصل مقصود الإبراد. مقصود الإبراد هو التسهيل على المسلمين وكسر حدة الشمس عند الزوال، حتى لا يخرج الناس في هذا الوقت. طبعاً بفضل الله سبحانه وتعالى اليوم مع انتشار المراوح والمكيفات يعني في البلدان، ما عad
الناس يحتاجون لهذا الإبراد ربما احتاجوه إليه في البلدان التي لا يوجد فيها مثلا كهرباء أو لا يوجد فيها مكيفات أو مراوح أو كذا، فإنهم يحتاجون للإبراد يطبقون هذا الإبراد يطبقون هذا، أما من كان في المدن غالباً المدن المكتظة التي فيها الكهرباء والمكيفات والمراوح غالباً ما يحتاجون هذه الإبراد؛ لأنه بفضل الله سبحانه وتعالى أصبحت هذه المساجد يعني فيها مراوح وفيها تكييف يعني يكسر شدة الحر.
فالشاهد أن الأذان متى يشرع في حال الإبراد؟ لو فرضنا أنه والله المسلمون مثلاً يريدون أن يكسروا شدة الحر هذا واتفقوا مع إمامهم في جماعة مسجد اتفقوا معهم لم يكن ثمه تكييف مثلاً أو مراوح أو تبريد، فاتفقوا مع جماعة المسجد أن لا نريد أن نصلي عند زوال الشمس مباشرةً أن ندعو إلى الصلاة عند زوال الشمس مباشرةً مثلاً نفترض أن الزوال الساعة الثانية عشرة، يقولون نريد أن نؤخر إلى الساعة الثانية ظهراً.
طيب في هذه الحالة متى نقول للمؤذن نادي الناس إلى الصلاة؟ إذا ناداهم الساعة الثانية عشرة فنقول في واقع الامر هم اتفقوا الآن على الإبراد فكيف أن تناديهم إلى الصلاة مع الزوال أنت يعني أذهبت مقصود تشريع الإبراد؟ إذا قال لا والله أنا أناديهم الآن بس لا يجون إلا عند الإبراد نقول أنت لم تحقق مقصود الأذان، مقصود الأذان هو النداء والدعاء تقولون للناس حي على الصلاة يعني تعالوا إلى الصلاة هلموا إلى الصلاة، فكيف تقول هلموا إلى الصلاة الساعة الثانية عشرة وأنتم لم تصلوا إلا إبراد الساعة الثانية ظهراً؟
فلذلك نقول المشروع في حق الجماعة التي اتفقت مع إمامها على الإبراد، نقول المشروع أنه يؤذن متى مثلاً نقول والله اتفقوا على الصلاة الساعة الثانية مثلاً ظهراً، نقول إذا أذن لها الساعة مثلاً الواحدة والنصف الساعة الثانية إلا ربع الساعة الثانية إلا الثلث في هذا الوقت تقريبا، بحيث إنك تدعو الناس إلى الصلاة وتحقق مقصود الأذان ومقصود الإبراد.
إذا عرفنا ما هو الفرق بين قولنا إن الأذان إعلام أو نداء للحضور إلى الصلاة وبين قولنا إن الأذان هو إعلام بدخول الوقت، إذا ما هو الأدق حقيقة الفرق بينهم؟ يسير الفرق بينهم يسير، نقول إن الأذان والله تعالى أعلم أنه إعلام ونداء للحضور إلى الصلاة لأجل الحضور إلى الصلاة، فلذلك يشرع قبل الصلاة بوقت يسير يمكن فيه الحضور إلى الصلاة ويمكن فيه أداء السنة وانتظار الصلاة.
متى يظهر الخلاف؟ يظهر الخلاف بين القولين في تعريف الأذان، يظهر الخلاف مثلاً في حال الإبراد، يظهر الخلاف مثلاً في حال قضاء الصلاة، مثلاً لو أن إنساناً مثلاً مجموعة مثلاً ناموا عن صلاة الفجر استيقظوا بعد شروق الشمس هل يؤذنون؟ نقول يؤذنون لأنه هذا دعاء للصلاة، لكن ليس هذا الأذان إعلاماً بدخول وقت صلاة فات وقت الصلاة، صح ولا لا؟ إذا نقول في واقع الأمر، والأمر الثاني أن الأذان فيه معنى النداء، فيه معنى النداء والابلاغ والاعلام الإعلام لأجل شيء ما، لذلك نقول هذا أقرب أن هذا التعريف هو الأقرب للحقيقه اللغوية.
مما يجدر التنبيه إليه كذلك أن المسلم عليه أن يلتزم ألفاظ الأذان التي سوف نذكرها إن شاء الله تعالى، ولا يشرع للمؤذن أن يأتي بألفاظ من عنده، بعض الناس إذا جاء يؤذن يقول في بداية أذانه مثلاً يقول الله أعظم أو في آخر أذان يقول وصلى الله وسلم على محمد، أو بعض الناس مثلاً ربما في الإقامة يقول أقامها الله وأدامها، بعض الناس هذه يقولها الذين يرددون وبعض المؤذنين ربما قالها، لا نقول المشروع للمسلم المؤذن الذي يؤذن ويقيم الصلاة أن يلتزم هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الأذان والإقامة ولا يأتي بألفاظ غير مشروعه ألفاظ من عنده بل الإنسان كلما التزم السنة فهو الأفضل وهو الخير وهو البركة ﴿وَإِن تُطِيعوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: 54].
كون الإنسان يأتي بعبادة من عنده هذا ابتداع في الدين، يأتي بزيادة من عنده في الدين هذا نقول هذا من البدعة في الدين، لذلك المشروع للمؤذن ومن يقيم الصلاة أن يلتزم بالالفاظ الواردة في سنة النبي صلى الله عليه وسلم ولا يسع له أن يأتي بألفاظ غير ذلك، بل إن نقول إن هذه الالفاظ التي يزيدها المؤذن في أذانه أنها من البدعة في الدين، لو أن انسان قال في نداءه للصلاة قال حي على الصلاة مثلاً حي على الصلاة حي على الفلاح حي الفلاح حي على خير العمل، نقول هذا النداء حي على خير العمل هذا بدعة؛ لأنه لم يأت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن صحابته الكرام رضي الله تعالى عنهم أجمعين، ولم يقر الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم، فكيف أن تتعبد بهذا النداء حي على خير العمل؟ لا شك أن هذه الزيادة في هذا الموطن في الأذان لا شك أنها من البدع والله تعالى أعلم.
طيب نقف عند هذا القدر وإن شاء الله تعالى سوف ناخذ في دروس قادمة ناخذ شروط الأذان صفة الأذان وفضل الأذان باذن الله تعالى، نقف عند هذا القدر وننبه إخواننا وأخواتنا الذين يدرسون في هذه الأكاديمية للرجوع إلى صفحتهم الشخصية في الموقع للإجابة على سؤال الأسبوع.
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم موفقين ومباركين حيث ما كنا، وأن ينفعنا بما نقول وما نسمع، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
د. منصور بن عبد الرحمن الغامدي