الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما. اللهم هيئ لنا من أمرنا رشدا، وآتنا من لدنك توفيقا وسدادا وصوابا.
إخواني وأخواتي، هذا هو الدرس الثامن والعشرون من سلسلة دروس الفقه في أكاديمية زاد. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الأكاديمية، وأن ينفعنا بما نقول وما نسمع، وأن يجعل هذا من العلم الذي يكون حجة لنا لا حجة علينا.
كنا قد تحدثنا في الدرس السابق عن شروط الصلاة، وتحدثنا عنها وذكرنا أدلتها. نريد أن نتطرق إلى بعض المسائل؛ مثلا المتعلقة بشروط الصلاة.
لو أن إنسانًا احتاج إلى الصلاة في الطائرة. الآن من الأشياء المتغيرات الحديثة التي حصلت في هذا الزمن هي رحلات الطيران الطويلة، التي تستغرق ربما عشر ساعات أو أكثر من ذلك، يبقى الإنسان جالسا في هذه الطائرة.
سؤال الإنسان: حكم مقاعد الطائرة؟ لا يتيسر له، ربما لا يتيسر له مثلا القيام في الصلاة أو الركوع أو السجود، وهذه قضية إن شاء الله نتطرق لها في أركان الصلاة.
ما يتعلق بشروط الصلاة: أنه ربما لا يتيسر له استقبال القبلة، لا يتيسر له استقبال القبلة في الصلاة. هناك بعض الطائرات التي يكون فيها مثلا مصليات، يصلي الإنسان فيها مستقبل القبلة، وهذه لا اشكال أن شاء الله تعالى فيها؛ يجب على الإنسان أن يصلي في هذا المصلى الذي يكون في الطائرة مستقبلا القبلة، متى ما تيسر له أن يصلي صلاه تامه كامله، فيصليها صلاة تامة كاملة.
إذا لم يتيسر له أن يصلي صلاة تامة، بمعنى أنه كان مضطرا أنه والله يبقى على مقعده في فترة الرحلة هذه التي تستغرق هذا الأمد الطويل (ليس بالضرورة أنها تستغرق أمدا طويلا، قد تكون تستغرق ساعتين مثلا، ولكن وقت الفجر غالبا يكون ساعة مثلا وربع أو ساعة ونصف في بعض البلدان المعتدلة، قد يكون أطول من ذلك، قد يكون أقصر من ذلك بحسب اختلاف البلدان وارتفاعها شمالا وجنوبا، ولكن قد يكون الإنسان رحلته ساعة ونصف، ويكون وقت الفجر كاملا في الطائرة، خصوصا إذا كانت يعني رحلته مثلا سوف تقلع مثلا باتجاه المشرق، لأنه يكون في المغرب لما يدخل وقت الصلاه بعد، وفي المشرق يكون ينتهي وقت الصلاه مبكرا لأن الشمس تطلع من المشرق، فأهل المشرق دائما يأخذون الصلوات قبل، يصلون الصلوات قبل أن يصليها اهل المغرب).
الشاهد أن الإنسان باي حال من الأحوال أو بظرف من الظروف أنه قد يدرك وقت الصلاة كاملا في الطائرة.
نقول: صلاة الفريضة، نحن نتحدث عن صلاة الفريضة، هذا تنبيه مهم. لأن صلاة النافلة، صلاة النافلة يجوز أن يصليها الإنسان جالسا، ويجوز أن يصليها على الراحلة وهو غير مستقبل القبلة، وهذا قد جاء من فعل النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يصلي، كان يصلي في السفر على راحلته صلوات الله وسلامه عليه، ينزل الراحلات بالفريضة، لكن طبعا في الطائرة ما يتيسر للانسان أنه ينزل، وهذا حقيقه ننبه اليه.
امر آخر، وهو الإنسان إذا كان مسافرا بالسيارة يجب عليه أن يوقف السياره، وأن يصلي صلاة الفريضة بتمام وكمال، لا يجوز له أن يصلي وهو سائر في سيارته إلا إذا كان لا يستطيع إيقاف السيارة، بمعنى مثلا راكب في نقل جماعي مع غيره ولا يتحكم هو، ولا يمكنه أن يطلب وقوف السيارة لأجل الصلاة، فنقول في هذه الحالة حكمها حكم الطائرة؛ المكان الذي لا يستطيع النزول منه.
طيب، ما حكم صلاة الفريضة في الطائرة إذا كانت تستغرق وقتا طويلا؟ نقول: المسافر في حقه تكون يكون وقت الصلاتين وقتا واحدا.
فاذا كان مثلا فلنفترض فرضا أن الإنسان سيسافر الساعه الثانية ظهرا، وقت الظهر يدخل الساعه الثانية عشرة، وقت العصر مثلا يدخل الساعه الثالثة، وغروب الشمس يكون الساعه السادسة مثلا، فهذا الإنسان سوف يسافر من الساعة الثانية إلى الساعة السابعة مثلا، من الثانية إلى... لاحظوا أن وقت العصر كاملا سوف يكون في الطائرة، ولكن لاحظوا كذلك أنه يدرك من وقت الظهر ساعتين وهو على الأرض، وهو على الأرض، فنقول لهذ: صلي الظهر والعصر واجمعهما جمع تقديم قبل أن تصعد الطائرة، فالآن يمكنك أن تصلي صلاة العصر صلاة وتقيمها صلاة تامة كاملة، ولا تحتاج إلا أنك تصليها على كرسي وأنت غير مستقبل القبلة، لماذا؟ لأنك سوف تدرك الآن وقت... لأنك أدركت وقت الظهر، أدركت ساعتين من وقت الظهر قبل أن تصعد الطائرة، لاحظتم؟
طيب، لو أن إنسانا في المثال السابق يصعد الطائرة الساعة الحادية عشرة قبل الظهر بساعة، وينزل من الطائرة الساعة الرابعة. لاحظوا الآن أن وقت الظهر كامل وهو في الطائرة من الساعة الثانية عشرة إلى الساعة الثالثة، ولا ينزل إلا الساعة الرابعة، فهل يصلي الظهر في الطائرة؟ نقول: لا، لا تصلي الظهر في الطائرة، لأنه بامكانك أن تقيم الصلاة إقامة تامة. كيف؟ إذا نزلت الساعة الرابعة صلي الظهر والعصر، صلي الظهر والعصر، وأنت إنما تؤخر الصلاة إلى وقت يمكنك فيه الجمع. ونحن قد ذكرنا من قبل أن الوقتين في حق المعذور والمسافر (أحد هؤلاء المعذورين) يكون الوقتان في حقه وقتا واحدا، لذلك في واقع الأمر نحن نقول إن الوقت في حق المسافر يكون، لا نقول إنه في حق المسافر من الساعة الثانية عشرة إلى الساعة الثالثة وقت الظهر، ومن الساعة الثالثة إلى الساعة السادسة هذا وقت العصر، لا، نقول في حق المسافر الوقت، وقت الظهر والعصر يكون في حقك من الساعة الثانية عشرة إلى الساعة السادسة، من بداية وقت الظهر إلى نهاية وقت العصر.
طبعا هذا كله في المثال هذا الذي ذكرناه، ليس المراد طبعا التوقيتات هذه لا، التوقيتات تختلف من بلد إلى بلد، ولكن في المثال الذي ذكرناه يكون في حق المسافر هذا نقول: من الساعة الثانية عشرة إلى الساعة السادسة يكون في حقك هذا وقتا للظهر والعصر.
هذه إذن قضية يحتاج أن نراعيها، إذا الإنسان يحتاج إلى الجمع، متى يجمع الظهر في وقت العصر؟ إذا كان والله يصعد الطائرة قبل وقت الظهر وينزل منها بعد وقت الظهر.
طيب، لو كان إنسان يصعد الطائرة الساعة الحادية عشرة وينزل من الطائرة الساعة السابعة في المثال الذي ذكرناه، لاحظوا الآن أن وقت الظهر يبدأ في الساعة الثانية عشرة، وقت العصر ينتهي في الساعة السادسة، لكن هذا يصعد الطائرة قبل الظهر وينزل منها بعد، وينزل منها بعد نهاية وقت العصر بعد غروب الشمس. فالآن ماذا يقال له؟ هل نقول له: صلي الظهر والعصر قبل وقتها، أو صلي الظهر والعصر بعد وقتها مع المغرب والعشاء؟ أو نقول له: صلي في الطائرة؟
لاحظوا الآن عندنا نحن هنا فيه شرطين متعارضين؛ شرط استقبال القبلة، لا يمكن أن يستقبل القبلة في الطائرة، وعندنا شرط الوقت: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾ [النساء: 103].
أيهما أهم وأولى أن يعتبر ويعمل به؟ لا شك أنه شرط الوقت، لا شك أنه شرط الوقت: أن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا. لذلك الله سبحانه وتعالى في مشروعية صلاة الخوف ذكر هذه الآية: أن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا، وخفف في ماذا؟ وخفف في هيئة الصلاة؛ سواء كانت هذه الصلاة والعدو مواجه لأهل الاسلام، أو كانت الصلاة في حال إلتحام الصفوف، خفف في شروط الصلاة وأركانها وهيئتها لماذا؟ لأجل مراعاة الوقت. دلنا هذا على ماذا؟ دلنا على أن مراعاة الوقت أهم من استقبال القبلة، أهم من استقبال القبلة.
أرجو أن هذا الأمر واضح، فلذلك نحن نقول إن قول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾ [النساء: 103]، والناظر في مشروعية صلاة الخوف
وأحكامها. يدرك أن شرط الوقت وأداء الصلاة في وقتها أهم من استقبال القبلة؛ فلو قال الآن: لا، أنا سوف أؤخر الصلاة حتى ننزل -ولو كان بعد الغروب- من أجل أن أصلي الصلاة تامة وأكون مستقبل القبلة، نقول: لا، في واقع الامر أنت الآن خالفت؛ لأن الصلاة كانت كتاباً موقوتاً، يجب أنك تصلي الصلاة في وقتها ولو أنك تخففت من شرط استقبال القبلة.
هذا بيان لحكم الصلاة في الطهر، لكن نحن نقول: هذه قضية مهمة؛ إذا أمكنك أن تأتي بالواجب جميعاً، كيف؟ بأن تصلي الظهر في وقت العصر أو العصر في وقت الظهر -الآن أنت تصلي الصلاة في وقتها- فنقول: اجمع هاتين الصلاتين وأنت يمكنك استقبال القبلة إذا كنت على البر، وإن كان وقت الصلاة الأخرى لا يدرك كاملاً إلا في الطائرة؛ لذلك نحن نفرق بين أمرين: بين أن يدركه وقت أحد الصلاتين وهو في الطائرة، فنقول: لا يا أخي، أما أنك تصلي الصلاة هذه قبل وقتها أو بعد وقتها، مع ما تجمع معه صلاة الظهر مع العصر أو العصر مع الظهر وأنت على الأرض، هذا أولى من أن تصعد الطائرة وأنت لم تصلي هاتين الصلاتين، فتصلي أيهما أو تصلي إحدى هاتين الصلاتين في الطائرة وأنت كان يمكنك أن تصليها في وقتها أو في وقت الصلاة التي تجمع معها بإمكانك أن تصلي على الأرض وأنت مستقبل القبلة.
إذاً، نحن نفرق في هاتين الحالتين كما ذكرنا سابقاً.
من المسائل المعاصرة مثلاً؛ المسألة المتعلقة باجتناب النجاسات. اجتناب النجاسات ذكرنا أنه شرط. بعض الناس قد يبتلى -نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعافينا وإياكم جميعاً- قد يبتلى مثلاً بقسطرة البول، وهو أنبوب متصل بمثانة الإنسان يخرج البول مثلاً إلى قرطاس أو علبة معينة، بحكم أن الإنسان يتعسر عليه الإخراج، أو يكون لغرض طبي أو أي مكان؛ فالآن ما حكم أن يصلي الإنسان وهو حامل لهذه النجasaة؟ أو مثلاً انسان عنده علبة تحليل البول مثلاً موجودة في جيبه، ما حكم أن يصلي الإنسان بهذه النجاسة؟
نقول: إذا كان يمكنه اجتناب النجاسة فيجب عليه أن يجتنبها؛ مثلاً إذا كانت هذه العلبة موجودة في جيبه يجب عليه أن يبعدها عن جيبه، القسطرة إذا كان بسهولة يمكن أن نفكها ونتركبها فنقول: فكها، لكن إذا كان يصعب فكها وتركيبها ولا يمكن أو يشق عليه، فنقول: صلِ على حالك، صلِ على حالك، والإنسان يجتنب النجاسة بالقدر الذي يستطيعه ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]. إذاً، هذه من أبرز الأحكام المتعلقة بشروط الصلاة.
نريد أن ننتقل بعد ذلك إلى أاركان الصلاة. ما هو الفرق الأساسي بين الشروط والأركان؟ قد ذكرناه في درسنا لشروط الصلاة؛ قلنا إن الأركان هي واجبات من واجبات الصلاة، إلا أنها واجبات متأكدة، هذا فرق أساسي بين الأركان والواجبات؛ واجبات تنال شيئاً من التأكيد بحيث أنها لو تركت بطلت الصلاة، بخلاف الواجبات في الصلاة فإنها لو تركت سهواً فإنها تجبر بسجود السهو؛ إذاً الأركان في وجوبها أكد من واجبات الصلاة الأخرى.
طيب، ما الفرق بين الأركان والشروط؟ نقول: الأركان هي واجبات تعد من ماهية الصلاة ومن أقوالها وأعمالها، بخلاف الشروط فإنها واجبات خارجة عن الصلاة، وجبت لأجل الصلاة؛ الطهارة عبادة غير عبادة الصلاة، ولكن الطهارة وجبت لأجل الصلاة، إذاً نقول: الطهارة شرط، ما نسميها ركن.
طبعاً هذه كلها فروق اصطلاحية في العبارة، يعني لو قال إنسان إن الطهارة واجب من واجبات الصلاة وإذا تركها الإنسان عمداً أو سهواً فانه يجب عليه أن يعيد الصلاة، لا باس في التعبير، لكن هذه تعبيرات اصطلاحية لأجل التفريق بين ما يترك سهواً وما يترك عمداً، ما هو جزء من ماهية الصلاة وما هو خارج عن ماهية الصلاة، فقط هي تفريق اصطلاحي، لم يرد في الشرع تسمية الطهارة بالشرط، لفظ الشرط هذا غير وارد بنصه، أو تسميتها ركناً لا، وإنما نحن ذكرنا أن هذه الشروط والاركان هي واجبات تتميز عن الواجبات العادية من أنها واجبات مؤكدة، الشروط خارج ماهية الصلاة، الأركان داخل ماهية الصلاة، هذه قضية نتنبه لها.
إذاً، نحن في الأركان نحتاج أن نميز بين نواحي؛ الناحية الأولى: الفرق بين الأركان وواجبات الصلاة التي تجبر بسجود السهو، الأركان لا تجبر بالسجود، وإنما يجب عليه أن يأتي بها، وإذا لم يأتي بها حتى انتهت صلاته فإنه يعيد الصلاة ويأتي بها، لاحظتم؟ بينما الواجبات التي لم تتاكد في الصلاة هي واجبات لكنها لم تتاكد، هذه تجبر بسجود السهو.
الناحية الأخرى: نفرق بين الأركان والشروط، فنقول: الأركان جزء من الصلاة كالواجبات ولكنها واجبات مؤكدة، الشروط ليست جزء من الصلاة وإنما هي خارج ماهية الصلاة وإن كانت هي واجبات مؤكدة، إذاً لاحظوا أن الأركان تاخذ صفة من الشروط وتاخذ صفة من الواجبات؛ تاخذ صفة من الواجبات وهي أنها من ماهية الصلاة جزء منها، وتاخذ صفة من الشروط أنها مؤكدة تأكيداً تبطل الصلاة بعدمه. هذه أبرز الاشياء التي تتعلق بحقيقه الركن وتعريفه.
لعل ناخذ فاصل قصير ونعود اليكم ان شاء الله تعالى بعد الفاصل.
جهل وظلم، فرقة وقطيعه، شرك وضلال، هكذا كان الحال في ذلك الوقت، باشرأقة فجر جديد ونور يمحو به تلك الظلمات، محمد رسول الله، وصفه ربه بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]، فجمع له من خصال الكمال ومحاسن الصفات ما لم ينله أحد من البشر، فقد ثبت أنه كان أوفر الناس عقلاً، أجوده نفساً، أرحب صدراً، أشدّهم حياءً، كان أشجع الناس وأزهدهم في الدنيا وأكثرهم تواضعاً، يعين أهله، ويخيط ثوبه، ويخدم نفسه، يزور المسلمين وغير المسلمين، ويعود مرضاهم، ويدعوهم إلى الخير، كان صادق اللهجه، راسخ المبدأ، أعدل الناس، أرفق بالضعفاء، أنصف المرأة والطفل، وشملت رحمته حتى الحيوان، أثنى عليه حتى المنصفون من غير المسلمين؛ فيقول الألماني يوهان جوتا: إننا أهل أوروبا بجميع مفاهيمنا لم نصل بعد إلى ما وصل إليه محمد، ويقول الإنجليزي جورج ناشو: إن العالم أحوج ما يكون إلى رجل في تفكير محمد، بل قال تولستوي الأديب العالمي: إن شريعة محمد تسود العالم لانسجامها مع العقل والحكمة، وللنصر لنعرف قدره ومكانته ولنقتصر.. الا أنه الواسطة في حمل رسالة رب العباد إلى عباده وتعريفهم به لكان فضلاً لا يستقل العالم بشكره ولا البشرية بمكافأته، فقد عاش حياته يبلغ الخير لأمته ولم يكتفي بهذا، بل سأل ربه أن يشفع فيهم يوم القيامة، وصدق الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107].
نعود اليكم بعد هذا الفاصل ونتابع معكم الحديث عن اركان الصلاة، ذكرنا حقيقه اركان الصلاة وتعريفها وقلنا انها جزء من الصلاة وأنها تختلف عن بقيه واجبات الصلاة بانها مؤكدة تأكيداً بالغاً.
حتى الأركان -كما ذكرنا في الشروط- تأكيدها متفاوت، فحتى في الأركان؛ فمثلا نضرب لذلك مثلاً في قراءة الفاتحة؛ يسقط هذا الركن في هذه الركعة عن المسبوق الذي ادرك الامام راكعاً، ادرك الامام راكعاً نقول: إذا ادرك هذه الركعة -لاحظوا أن الإنسان قد يصلي مثلاً صلاة الظهر وهو لم يقرا الفاتحة إلا ثلاث مرات- سقط هذا الركن بماذا؟ لكونه مسبوقاً ادرك الامام حال الركوع، طبعاً لو لم يدرك حال الركوع قام وأتى بهذه الركعة فيما بعد، أتى بهذه الركعة وأتى بالفاتحة (يعني لو لم يدرك الإمام إلا بعد ركوع وهو في حال القيام أو في حال السجود فانه سوف يصلي صلاة الظهر بقراءه الفاتحة أربع مرات، وهذا لا اشكال فيه)، لكن قد ياتي الإشكال أنه في حال من أدرك الإمام راكعاً يفوته قراءة الفاتحة، يفوته قراءة الفاتحة في هذه الركعة فقط، فلذلك قد يصلي الإنسان الظهر مثلاً بقراءة الفاتحة ثلاث مرات، فهذه رتبة. إذاً نحن نقول: إذاً حتى هذه الأركان تتفاوت في أكديتها ووجوبها، كما ذكرنا نحن في الشروط.
أول هذه الأركان تكبيرة الإحرام، بها يدخل الإنسان في صلاته؛ تحريمها التكبير كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، وتحليلها التسليم. وقال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة حديث المسيء صلاته -ولعلنا ننبه تنبيه إن شاء الله تعالى عن حديث المسيء صلاته-: «إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة وكبر». فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالتكبير، ومن المهم ذكره هنا أنه لا يجزئ إلا أن يقول المسلم الله أكبر، فلا يقول التكبير بالمعنى، لو قال مثلاً الله أعظم أو الله أجل، نقول لا، يجب أن تلتزم بالوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم في التكبير فتقول الله أكبر.
يحسن التنبيه هنا بالقول إن رفع اليدين في التكبير سنة، تكبيرة الإحرام أن يقول الله أكبر هذا ركن من أركان الصلاة به يدخل المسلم إلى صلاته، لكن رفع اليدين في هذا التكبير سنة. تكبير الركوع مثلاً تكبير الركوع الذي هي تكبير الانتقال، هذا التكبير ليس بركن وإنما هو واجب من واجبات الصلاة، هذا الواجب نميز بينه وبين السنة وهي رفع اليدين، الجهر بالتكبير في حق الإمام سنة، رفع اليدين في حق الإمام والمأموم والمنفرد سنة في تكبير الركوع، لكن تكبير الانتقال واجب، تكبيرة الإحرام ركن.
ما الداعي لذكر هذه المسائل؟ حتى نفرق بين قولنا التكبير، وبين قولنا الجهر بالتكبير، وبين قولنا رفع اليدين في التكبير، هذه كلها مسائل مختلفة. نحن نقول إن التكبيرات في الصلاة إما أن تكون ركناً وهي تكبيرة الإحرام، هذه ركن. التكبيرات الانتقالية هذه واجب من واجبات الصلاة كما سياتينا إن شاء الله تعالى في درس لاحق. رفع اليدين في المواطن الأربعة التي سوف تاتينا إن شاء الله تعالى هذا سنة من السنن، لا يخلط الإنسان يظن أن رفع اليدين مثلاً ركن أو رفع اليدين واجب في الصلاة في تكبير الصلاة، لا، رفع اليدين هذا سنة فقط. يجب على طالب العلم أن يحرص على السنن، لا يفوت هذه السنن باعتبار أنها سنن؛ بعض الناس إذا قيل له سنة معناها أنه يهملها، لا، ينبغي على الإنسان أن يحرص على السنن. ولكن نحن نقول الشيء الذي يجبره الإنسان بسجود السهو، الشيء الذي يأتي به الإنسان إذا تركه أو تبطل الصلاة بتركه مثل تكبيرة الإحرام.
ذكرنا أنه سوف ننبه تنبيه حول حديث المسيء صلاته، المسيء صلاته صلى صلاة فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأمره النبي صلى الله عليه وسلم باعاده الصلاة، لاحظوا الآن أن أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإعادة الصلاة دليل على أن صلاته لم تصح. فجاء مرة أخرى فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يعيد صلاته، فجاء مرة ثالثة فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يعيد صلاته، فقال: والذي بعثك بالحق لا أحسن غير هذا فعلمني. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة، فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تعتدل قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم اجلس حتى تطمئن جالساً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها».
لاحظوا في هذا الحديث أخذ منه أهل العلم أركان الصلاة، هذا الحديث فيه دلالة على الأركان، لماذا كان لهذا الحديث أهمية في معرفة أركان الصلاة؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم دل هذا الذي أساء صلاته، دله على القدر الذي تجب أو تصح به الصلاة. لذلك لاحظوا أن هنا ذكر تكبيرة الإحرام، ما ذكر تكبيرات الانتقال، تكبيرات الانتقال سياتينا إن شاء الله تعالى أنها من واجبات الصلاة ولكن لم تذكر في حديث المسيء صلاته، لذلك تكبيرات الانتقال الصحيح والله تعالى أعلم أنها ليست ركناً من أركان الصلاة، وإن كانت هي واجب من واجبات الصلاة كما سياتينا إن شاء الله تعالى، لكن ذكر النبي صلى الله عليه وسلم تكبيرة الإحرام فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن.
كذلك من أركان الصلاة القيام في الصلاة، القيام بمعنى أن يأتي بالقيام وهو أول ركن من أركان الصلاة بعد تكبيرة الإحرام. الحالة الأولى لحال المصلي، المصلي إما أن يكون قائماً، إما أن يكون راكعاً، إما أن يكون ساجداً، إما أن يكون جالساً، هذه أربعة أحوال للمصلي، الحالة الأولى منها القيام. ومما يدل على ركنيته قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: 238].
الأوامر التي جاءت في القرآن الكريم لا شك أن فيها من القوة ما يرقى بها في بعض الأحيان إلى الركنية. ما هي الدلائل التي تدل على الركنية؟ أمر الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم، أو أحياناً بعض الأحوال في بعض الأحاديث وبعض الآيات التي تدل على الركنية؛ مثلاً حال المسيء صلاته النبي صلى الله عليه وسلم دله على القدر الذي تصح به الصلاة لأنه أبططل صلاته قال: ارجع فصل فإنك لم تصل، أَبْطَلَ صلاته ثم دله بعد ذلك على القدر الذي تصح به الصلاة.
لاحظوا أن هذا أمر يرقى عن كونه أمراً مجرداً يدل على الوجوب إلى كونه أمراً يدل على الوجوب والركنية، لأن الركنية كما ذكرنا تأكيد في الوجوب يعني هو قدر زائد على الوجوب، عندنا نحن وجوب وعندنا قدر زائد على الوجوب ألا وهو الركنية أو الشرطية، هذه قدر زائد على الوجوب يدل على بطلان الشيء إذا لم يفعل.
مما يستدل به اهل العلم على الركنية دائماً أو على الشرطية، على بطلان الشيء صيغة لا يقبل الله كذا؛ لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ، هذا يدل على أن الوضوء واجب ويدل على ما هو فوق الوجوب وهو عدم قبول العمل إذا لم يأت به، إذاً هذا يدلنا على الشرطية.
مما يدل على تأكيدات الوجوب أما شرطاً وأما ركناً: تسمية العباده بجزئها، فهذا دليل على أن هذا الجزء مهم في الصلاة؛ مثلاً قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: 78]، هذا استنبط منه أهل العلم أن تسمية الصلاة بالقراءة دليل على أن القراءة ركن في الصلاة، ودل على هذا الأمر قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة لمن لم يقرا بفاتحة الكتاب» كما سياتينا إن شاء الله تعالى في الحديث عن ركنية الفاتحة، لكن استنبطها من القرآن من قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾.
تسمية الصلاة إيماناً يدل على أن الصلاة ركن في الإيمان يبطل الإيمان بتركها، لذلك من الأدلة التي ذكرها أهل العلم وهذا الدليل ربما لم نذكره في حينه في قضية حكم الصلاة وكفر تاركها أن من الأدلة على ذلك قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: 143] فالله سبحانه وتعالى سمى الصلاة إيماناً، فدل على أن الصلاة ركن في الإيمان يبطل الإيمان بعدمه.
إذاً أحياناً قد يسمى الجزء باسم الكل، وقد يسمى الكل باسم الجزء، هذا دليل على ركنية هذا الجزء في هذا الكل. تسمية الصلاة بالإيمان أو تسمية الصلاة بالقراءة أو القرآن ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ قراءة الفجر، هذا دليل على أن هذا الجزء ركن في الكل ألا وهو الصلاة. أحياناً قد يسمى الكل بجزئه، هذا دليل على أن هذا الجزء ركن في هذا الكل، كذلك ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ هذه كلها طرق للاستدلال على ماذا؟ على تأكيد الوجوب.
نحن نبهنا أن الاركان والشروط واجبات مؤكدة، ومن تأكيدها أن الصلاة تبطل بعدمها، ليست كأي واجب يأثم الإنسان به ولكن تصح الصلاة، لا، وإنما واجب مؤكد لدرجه أنه إذا لم يأت به فإنه آثم ولا تصح الصلاة. إذاً هذه رتبه في الوجوب أبلغ من رتبه الأمر المجرد، وإنما نحتاج إلى شيء يؤكد هذا الوجوب. ما هي هذه المؤكدات؟ ذكرنا بعضها؛ لا يقبل الله مثلاً.
صلاة كذا الأمر به في القرآن أو في السنة، مع احتفاف الأمر هذا بقرائن تدل على أكديته؛ مثل حديث المسيء صلاته. تسمية الشيء بجزئِهِ هذا أو تسمية الكل بالجزء، أو تسمية الجزء بالكل، يدلنا على أن هذا الجزء ركن، وأنه مؤكد تأكيداً بالغاً. هذه أحد أو بعض وسائل معرفة تأكيد الوجوب التي ترقى به إلى مستوى الركنية أو الشرطية.
فاصل قصير ونعود إليكم نواصل إن شاء الله تعالى حديثنا عن أركان الصلاة. لقد شرع الله الدين للناس رجالاً ونساءً ووعد الجميع الجنة والحياة الطيبة إذا قام بواجبه، فقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 97].
وقد جاء الإسلام فأكرم المرأة وحملها مع الرجل مسؤولية النهوض بالمجتمع وحسن الرعاية له، فقال عليه الصلاة والسلام: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته». وقد شغلت المرأة في العهد النبوي وما بعده مكاناً رفيعاً بمشاركاتها العلمية والاجتماعية والتربوية، وتصدر اسمها في قائمة المساهمين في بناء المجتمع وصياغة هوية الأمة والمحافظة على ثوابت الدين.
ولا زالت التاريخ يذكر أم المؤمنين خديجة وأم المؤمنين عائشة ونسيبة بنت كعب وأم حرام بنت ملحان وحفصة بنت سيرين وفاطمة بنت عبد الملك وزبيدة بنت جعفر وغيرهن رضي الله عنهن ورحمهن. ومن هنا كان للمرأة المسلمة دورها المهم والخطير في صياغة المجتمع، مما أكسبها قيمة واعتباراً واحتراماً لا مثيل له في المجتمعات الأخرى، كما اعتراف بذلك المنصفون من الغربيين وبانهم إنما تعلموا احترام المرأة من مسلمي الأندلس.
يقول المفكر الفرنسي مارسيل بزارد: إن الشعراء من المسلمين هم الذين علموا مسيحي أوروبا عبر إسبانيا احترام المرأة. فللمرأة على ثغر الحياة الزوجية أثر خطير، وفي التربية على الدين والخلق دور كبير، وفي التعليم والدعوة والطب والرعاية مكانة ومسؤوليات. وقيام المرأة المسلمة بهذا وغيره له أثره الإيجابي في اصلاح المجتمع كله أسراً وأفراداً، وصدق عليه الصلاة والسلام حين قال: «إنما النساء شقائق الرجال».
نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع الحديث معكم عن أركان الصلاة. وقد ذكرنا تكبيرة الإحرام، وذكرنا دليل وجوبها وركنيتها، وقلنا إن قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث المسيء صلاته ثم كبر، هذا دليل على ركنيتها ووجوبها.
ذكرنا بعد ذلك القيام، وقلنا إنه كذلك من أركان الصلاة، وهي أحد الأحوال الأربع التي يكون عليها المصلي. وقد قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: 238]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «صلّ قائماً، فإن لم تستطع فقاْعِداً، فإن لم تستطع فعلى جَنْبٍ».
إلا أنه يحسن هنا تنبيهان: التنبيه الأول أن القيام ركن في صلاة الفريضة وليس في صلاة النافله، فيجوز للإنسان أن يصلي النافلة جالساً ولو لم يكن عنده عذر، يعني الإنسان قائم يستطيع أن يصلي قائماً لكن صلى جالساً في النافلة، هذا جائز. لاحظوا، إذاً هذا تنبيه.
بينما مثلاً الركوع ركن في الفريضة والنافلة، يجب أن يأتي به. إذاً هناك فرق بين ركنية القيام وركنية الركوع مثلاً، أو السجود، أو قراءة الفاتحة، لأنه سوف ياتينا أنه في بعض الأرکان مثلاً قد تسقط في بعض الأحوال، إذاً القيام يسقط في حال النافلة.
طيب، هناك تنبيه آخر، وهو أنه من احتاج لم يستطع أن يصلي قائماً لكونه مريضاَ مثلاً، بعض الناس يتساهل في صلاة الفريضة، يتساهل في عدم أداء الأركان لكونه لا يستطيع القيام، يتساهل في الركوع، يتساهل في السجود. يقول: ينبغي على هذا المسلم إذا كان يقدر على الاتيان بالركوع ويقدر على الاتيان بالسجود أن يأتي به، وأن لا يتساهل في الاتيان به. هو الآن معذور في القيام فقط فيصلي قاعداً، ولكن إذا كان يقدر على الركوع والسجود فليأت به. إذا كان لا يقدر مثلاً على القيام والركوع نقول: ائتِ بالسجود، إذا لم تستطع القيام والركوع والسجود وتقدر على الجلوس فأتِ بالجلوس، وهكذا. فهذه أركان، الإنسان يقتصر على القدر الذي لا يستطيعه، واما القدر الذي يستطيعه فإنه ينبغي عليه أو يجب عليه أن يأتي به.
ننتقل بعد ذلك إلى ركن ثالث من أركان الصلاة، ألا وهو قراءة الفاتحة. وقد ذكرنا قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء: 78]. وجاء في حديث المسيء صلاته: «ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن»، وهذا يدل على أن قراءة قدر من القرآن ركن.
لو قال قائل: ما الدليل على أن قراءة الفاتحة ركن في الصلاة؟ لو إنْسان قرأ سورة قصيرة من قصار السور بعد تكبيرة الإحرام ثم ركع، فإن حديث المسيء صلاته يدل على أن صلاته صحيحة، «ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن». نقول: إذاً معنا حديث المسيء صلاته، وقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ جمعنا معها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة لمن لم يقرا بفاتحة الكتاب». فإن هذا يدلنا على ركنية الفاتحة.
لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب، هذا يدلنا على ركنية الفاتحة. لاحظوا أن هذه إحدى طرق معرفة الركنية وتأكيد الوجوب، وهي نفي الشيء: لا صلاة، لا صلاة مثل ما ذكرنا، لا يقبل الله صلاة أحدكم، هذه قريبة من قوله: لا صلاة، هذه تدل على الركنية، وأن قراءة الفاتحة ليست فقط واجباً، وإنما هي واجب وركن تبطل الصلاة بعدمه.
ينبغي التنبيه هنا إلى عدد من التنبيهات: أولاً، أن يستثنى من هذا من أدرك الإام راكعاً، المسبوق، عذراً ليس مسبوقاً الآن ما فاته القيام وأدرك الإمام راكعاً، فإنه تسقط عنه الفاتحة في تلك الركعة فقط، في تلك الركعة فقط.
طيب، تنبيه آخر، ألا وهو حكم قراءة الفاتحة على المأموم. المأموم في الصلوات السرية تجب عليه قراءة الفاتحة، وهذا إن شاء الله تعالى ظاهر. لكن قد يسأل بعض الناس في الصلوات الجهرية إذا كان الإمام يجهر بقراءة الفاتحة ثم سورة، فهل يجب على المأموم أن يقرأ الفاتحة؟
وحقيقة هذه المسألة من موارد الاجتهاد، وقال بعض أهل العلم إنه يجب على المأموم أن يقرا الفاتحة حتى في حال الصلاة الجهرية، في الركعات الجهرية يجب عليه أن يقرأها. طيب كيف يقرأها؟ قال: أما أنه يقرأها في سكتات الإمام في الفاتحة، أو يقرأها بعد الفاتحة، أو يقرأها قبل الركوع في السكتة الأخيرة، أو أنه يقرأها في سكتات الإمام ولو لم تتيسر قراءتها في سكتات الإمام، مثلاً بأن كانت قراءة الإمام متصلة، فإنه يعارض الإمام بقراءتها (حتى والامام يقرا إما في الفاتحة وإما يقرا في السورة التي بعد الفاتحة) يقرأ هذا المأموم ويفوت الاستماع باعتبار أن هذا ركن من أركان الصلاة.
والصحيح والله تعالى أعلم والذي يظهر بالنظر في النصوص أن قراءة الفاتحة لا تجب على المأموم في الصلاة الجهرية، بل الواجب عليه أن يستمع وينصت لقراءة الإمام. ومما يدل على هذا الحكم قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: 204]. وهذه الآية بإجماع أهل العلم واردة في الصلاة، فيجب الاستماع والإنصات لقراءة الإمام، ولا يجوز للإنسان أنه يعارض الإمام بقراءته للفاتحة ويترك الاستماع والإنصات.
قد يقول قائل: هل هذا استثناء من وجوب قراءة الفاتحة؟ نقول: أما أنه استثناء من وجوب قراءة الفاتحة، والأفضل من هذا أن نقول: إن استماع الإنسان، إنصاته لهذه القراء، ثم تأمينه عليها بعد قوله: ولا الضالين، يقول: آمين، إن استماع الإنسان وإنصاته وتأمينه على هذه القراءة التي يقراها الإمام يعد بمثابة القراءة له.
لذلك قال الله سبحانه وتعالى: ﴿قَدْ أُجِيبَت دَّعَوْتُكُمَا﴾ [يونس: 89]. وموسى عليه السلام كان هو الذي يدعو، وهارون كان يؤمن. والله سبحانه وتعالى قال: ﴿قَدْ أُجِيبَت دَّعَوْتُكُمَا﴾ مع أن أحدَهما لم يكن هو الذي يقرأ الدعاء أو يقول الدعاء، وإنما كان فقط يؤمن عليه، وهو هارون عليه السلام كان يؤمن على دعاء موسى، فالله سبحانه وتعالى نسب الدعوة إليهما.
فنحن نقول إن الإنسان إذا استمع وانصت لهذه القراءة ثم آمن عليها، فالظاهر والله تعالى أعلم...
أنه قارئ، يعني يدخل في هذا، يدخل في حكم قراءة الفاتحة، يدخل في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»، فيعد قد قرأ فاتحة الكتاب. وقد نقول إنه مستثنى، إنه مستثنى من هذا الحكم، وهذا كذلك وجه آخر ونقول: لا مانع من هذا الاستثناء، كما أن هذا العموم قد دخله استثناء آخر، ألا وهو استثناء من أدرك الإمام راكعاً فإنه يسقط عنه هذا، يسقط في حق هذا الحديث: «لا صلاة لمن لم يقرا بفاتحة الكتاب».
فلذلك العموم -وهذه قاعدة عند أهل العلم- العموم الذي يدخله استثناء يكون العموم فيها أضعف، يكون العموم فيها أضعف، بخلاف العمومات التي لم يدخلها استثناء، مثلاً مثل قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ [الأعراف: 204]، هذا عموم لم يدخله استثناء، بينما عموم «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» هذا عموم قد دخله استثناء. ما هو الاستثناء الذي قد دخله؟ طبعا نحن لا ناتي بهذا الاستثناء في موضوع النزاع؛ لأن المخالف سوف يقول: أنا لا أسلم لك بهذا الموضع، لكن نحن نأتي بموضع ثانٍ من عموم «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» نقر به مع المخالف، ألا وهو سقوط الفاتحة عمن أدرك الإمام راكعاً. فنقول: هذا استثناء عندنا وعند المخالف، فهذا الاستثناء يضعف هذا العموم، ويجعل هذا العموم عرضة للاستثناءات، عرضة لاستثناءات أخرى.
وهذه من قواعد الأصول التي لعلكم تدرسونها إن شاء الله تعالى في أصول الفقه، وهي أن العموم الذي دخله استثناء أضعف من العموم الذي لم يدخله استثناء.
طيب، ننبه كذلك، نذكر الآن ركناً رابعاً من أركان الصلاة ألا وهو ركن الركوع. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: 77]. وقال الله سبحانه وتعالى في حق مريم: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: 43]، طبعا هذا من شرائع من قبلنا التي جاءت شريعتنا بموافقته؛ أمر مريم عليها السلام بالركوع.
ومما يدل على ركنية الركوع ووجوبه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث المسيء صلاته: «ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم اركع حتى تطمئن راكعاً». إذاً هذا دلنا على ركنية الركوع، والركوع ركن في الفريضة والنافلة. إذا فات الإنسان الركوع لم يدركه، لم يدرك الإمام راكعاً يعني لم يدرك الإمام إلا مثلاً لما قام الإمام بعد ركوعه، فمعنى هذا أن فاتته الركعة، معنى هذا أن فاتته الركعة. إذاً هل يتصور أن الإنسان يصلي صلاة الظهر بثلاث ركوعات؟ نقول: لا، لأنه إذا فاته الركوع فمعنى ذلك أنه يجب أن يأتي به لاحقا فيأتي بأربع، فيأتي الإنسان صلاة الظهر لابد أن يأتي بأربع ركوعات في صلاة الظهر وبركوعه، وهكذا.
بخلاف الفاتحة فقد تسقط إذا لم يدركه، إذا لم يدرك الفاتحة وإنما أدركه راكعاً، لذلك قد يصلي الإنسان صلاة الظهر بقراءة الفاتحة ثلاث مرات. لاحظتم أيها الإخوة والأخوات الفرق بين ركنية الركوع وركن قراءة الفاتحة.
طيب، الركن الخامس من أركان الصلاة: الرفع، الرفع بعد الركوع أو القيام بعد الركوع والاعتدال قائماً. قد جاء في حديث أبي حميد الساعدي رضي الله تعالى عنه قال: حتى عاد كل فقار إلى مكانه. وجاء في حديث المسيء صلاته وقال: «ثم ارفع حتى تعتدل قائماً». بعض الناس هداهم الله يرفع من الركوع يعني لا يرفع تماماً ولا يقوم تمام القيام وإنما يرفع نصف كذا قيام ثم يسجد مباشرة. لا ينبغي للإنسان ويجب على الإنسان أنه يرفع من الركوع حتى يقوم ويعتدل ظهره قائماً مثل ما جاء في حديث المسيء صلاته: «حتى تعتدل قائماً». يجب، هذا ركن في الصلاة أنه يقوم قياماً يعتدل فيه، مثل ما ذكرنا في الركوع أنه يركع ركوعاً يطمئن فيه. هذا ربما نسينا التنبيه له في الركوع، نقول: إنه يركع ركوعاً يطمئن فيه. ما معنى ركوع يطمئن فيه؟ يعني لا يركع ينقر نقرة ثم يرجع مرة ثانية، لا، يجب أن يركع ركوعاً يطمئن فيه راكعاً، يستقر، يستقر ظهره راكعاً، في القيام حتى يستقر بدنه قائماً، حتى تعتدل قائماً، حتى يعود كل فقار إلى مكانه كما جاء في حديث أبي حميد الساعدي.
هذه خمسة أركان من أركان الصلاة اخذناها في هذا الدرس، نواصل إن شاء الله تعالى معكم أركان الصلاة ولكن في درس لاحق. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وقبل أن نختم هذا الدرس ننبهكم للرجوع إلى سؤال الأسبوع في صفحتكم الشخصية على موقع أكاديمية زاد. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يعلمنا وإياكم العلم النافع، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
يا راغباً في كل علم نافع متطلعاً لزيادة الإيمان، وتريد سهلاً النوال ميسراً ياتيك ميسوراً بأي مكان. زاد أكاديمية ينبوعها صافٍ ليروي غلة الظمآني. وتعلم الفقه الميسر عاملاً بالشرع دون تعصب لفلان. بشرى لنا زاد أكاديمية للعلم كالازهار في البستاني.
د. منصور بن عبد الرحمن الغامدي