تسجيل الدخول

المحاضرة 5 - آداب قضاء الحاجة

منصور بن عبد الرحمن الغامديد. منصور بن عبد الرحمن الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، اللهم هيئ لنا من أمرنا رشدا، وآتنا من لدنك توفيقاً وسداداً وصواباً.

إخواني وأخواتي، هحن في هذا الدرس الخامس من سلسلة دروس الفقه في أكاديمية زاد. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل ما نقول وما نسمع خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفعنا به ويجعله ذُخراً لنا يوم نلقاه.

إخواني وأخواتي، وصلنا في دروسنا في كتاب الطهارة بعد أن تحدثنا عن باب المياه، ثم تحدثنا عن آنية هذا الماء، سننتقل اليوم إلى نوع آخر من التطهير والطهارة، ألا وهو قضاء الحاجة وآدابها في الاستنجاء والاستجمار.

جاء يهودي إلى سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه يحاول أن يستهزئ به، فقال: لقد علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة؟ فقال له سلمان: أجل. قال له سلمان مفتخراً، قال له سلمان مقراً، قال له سلمان بكل ثبات رضي الله تعالى عن سلمان الفارسي فقال: أجل، لقد علمنا نبينا صلى الله عليه وسلم، لقد نهانا أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، ونهانا أن نستنجي بروث أو عظم. ثم بين له سلمان رضي الله تعالى عنه بعض آداب قضاء الحاجة. عجيب شأن هذا الدين الذي شمل جميع جوانب الحياة وشتى أوجهها، حتى إنه لقد أدب المسلم الملتزم بدينه وأحكامه وآدابه بما يبدأ بالتياس. كيف؟ ما هي الآداب التي يتأدب بها عند قضاء الحاجة؟ أمر المسلم بستر عورته وأن يحفظ عورته وألا يكشفها لأحد، وامر المسلم بالنظافة وكمالها وتمامها وإزالة النجاسة والقذر بعد البول والغائط. إنه والله أيها الإخوان أمر عجيب، وهو مصداق قول الله سبحانه وتعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3].

جاء رجل إلى عمر رضي الله تعالى عنه فقال: أية نزلت عليكم معشر المسلمين لو نزلت علينا معشر يهود لاتخذنا ذلك اليوم عِيداً لعظم هذه الآية؟ فقال له عمر: أي آية؟ فقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: 3]. فقال عمر رضي الله تعالى عنه: إني لأعلم في أي يوم نزلت؛ نزلت في يوم عرفة، وهو عيد المسلمين، وفي كان ذلك عرفة يوم جمعة وهو عيد الأسبوع، فقد نزلت في يوم عرفة في يوم جمعة. هذه الآية العظيمة التي امتن الله سبحانه وتعالى فيها على أهل الاسلام باكمال دينه وتمام نعمته على اهل الاسلام، وأنه قد رضي هذا الإسلام ديناً. اللهم إنا نسالك أن تحيينا على الإسلام والسنة، وأن تميتنا على الإسلام والسنة، وأن تبعثنا على الإسلام والسنة يا أرحم الراحمين.

إخواني وأخواتي، في قضاء الحاجة، عند قضاء حاجة الإنسان سواء كان بالبول أو الغائط، شرع الله سبحانه وتعالى للمسلم بعد ذلك الاستنجاء، وهو تنظيف المحل من القذر والنجاسة التي تعلق به أو تبقى به. وهذه النجاسة وهذا التطهر أمر واجب على المسلم، المسلم ما يجوز أن يبقى نجساً أو متنجساً بهذه القاذورات دون أن يزيلها وأن ينظفها، فلذلك كان الاستنجاء واجباً. هذا من حيث الحكم التكليفي أنه يجب عليه أن يتنزه من هذا البول وأن يبتعد عن هذا القذر وأن ينظف نفسه منه.

والاستنجاء بما يحصل؟ يحصل الاستنجاء بما يزيل هذا النجس والقذر، فقد يحصل بالمناديل، وقد يحصل بالحجاره، وقد يحصل بالماء، وقد يحصل بما يزيل هذا النجس والقذر. والصحيح والله تعالى أعلم أن المحل يطهر بالماء وبغير الماء كذلك مما يزيل هذا النجس. وقد جاء في سنة النبي صلى الله عليه وسلم أنه استنجى بالحجاره وبالماء، كلها ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهي من الطهاره التي شرعها الله سبحانه وتعالى.

نسأل: الاستنجاء من أي أنواع الطهارة؟ هل هو من طهارة رفع الحدث أو من طهارة زوال الخبث أو زوال النجاسة؟ في واقع الأمر أن الاستنجاء يندرج في زوال الخبث ورفع وإزالة النجاسة، ولا يندرج في رفع الحدث. لماذا؟ لأن كما ذكرنا وكررنا أن الحدث وصف معنوي قائم بالبدن، أما النجاسة فهي عين حسية. فلذلك الاستنجاء يندرج ضمن الطهارة بمعنى إزالة النجاسة أو زوال الخبث، الخبث بمعنى النجاسة أو القذر، كلها بمعنى.

إذا لها، سوف نذكر بعض الآداب في قضاء الحاجة بدءاً من دخول الإنسان لقضاء حاجته إلى انتهائه منها. فمن هذه الآداب التي شرعها النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه: الدعاء عند دخول الخلاء. والدعاء الوارد: أن يقول: «بسم الله اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث». وقول الداخل: «بسم الله» هو لما جاء في الحديث: ستر ما بين أعين الجن وعورات بني آدم إذا دخل أحدكم الخلاء أن يقول: «بسم الله»، هذا الحديث رواه الترمذي وصححه الألباني. وأما قول: «اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث»، فقد جاء في حديث أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء قال: «اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث»، أخرجه السبعة متفق عليه.

إذاً، هذا أدب من آداب قضاء الحاجة. ويقابل هذا الأدب أن يقول المسلم عند خروجه من قضاء الحاجة: «غفرانك»، لما جاء في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج من الخلاء قال: «غفرانك»، وهذا الحديث قد صححه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى. وكان أبو ذر رضي الله تعالى عنه -هذا الحديث موقوف عليه- إذا خرج من الخلاء قال: «الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني».

ومن حكمة أن الإنسان يقول غفرانك بعد قضاء الحاجة؛ ذكر بعض أهل العلم لها حِكَماً، فمن ذلك: أن فيه أن خروج هذا القذر والنجَس من بدن الإنسان فيه مناسبة بينه وبين طلب المغفرة. والمغفرة هي إزالة آثار الذنوب والمعاصي عن العبد، أن الله سبحانه وتعالى يغفر العبد أي يمحو عنه هذه الذنوب والخطايا. لذلك كان هناك مناسبة بين هذا النجس الحسي الذي يخرج من بدن الإنسان ويتطهر منه، وبين طلب الإنسان من الله سبحانه وتعالى المغفرة، وأن يخرج من قلبه ومن حياته ومن بدنه يخرج منه الذنوب والمعاصي وآثارها، يطلب من الله سبحانه وتعالى أن يغفر له هذه الذنوب والمعاصي. لأن كما ذكرنا نحن سابقاً في الطهارة أن الطهارة المعنوية هي الطهارة من دَرَن الشرك والذنوب والمعاصي، ومنه قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: 4]، ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: 33]. يقابلها هذه الطهارة الحسية التي يزيل الإنسان فيها النجس الحسي ويبعده عنه وينظف نفسه منه، فلذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج من خلاء قال: «غفرانك».

وقال بعض أهل العلم من حكمته: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان دائم اللَّهج بذكر الله سبحانه وتعالى، ولا يُشرع للانسان ذكر الله سبحانه وتعالى في حال قضاء الحاجة. فكان هذا مما يستدعي الاستغفار؛ لأنه لم يمكنه ذكر الله سبحانه وتعالى في هذه الحالة. ولا شك أن هذه رتبة عالية من رتب النبي صلى الله عليه وسلم، وهي اللَّهج بذكر الله سبحانه وتعالى كثيراً ودائماً، حتى أنه ليستغفر الله سبحانه وتعالى عن هذه اللحظات البسيطة التي لم يتيسر له فيها ذكر الله سبحانه وتعالى. على كلٍّ، هذا كله من الحكم التي ذكرها بعض أهل العلم في هذا الدعاء، في مناسبة الاستغفار عند خروجه من قضاء الحاجة.

مما كذلك يحسن ذكره من آداب قضاء الحاجة: أن الإنسان يُشرع له أن يققدم رجله اليسرى عند الدخول ورجله اليمنى عند الخروج. وهذا جرياً على قاعدة الشرع، وقاعدة الشرع هي تقديم اليمنى في مكارم الأمور كالوضوء مثلاً؛ فلذلك الإنسان يُشرع له في الوضوء أن يبدأ بيمينه، ولكن تقديم اليسرى في عكس هذا. لذلك يقدم الإنسان رجله اليسرى عند دخول الخلاء واليمنى عند الخروج.

الخروج منه، كذلك من آداب قضاء الحاجة أن الإنسان لا يشرع له أن يستنجي بيمينه، لا يشرع له أن يستنجي بيمينه، اليمين يأكل بها الإنسان ويشرب بها الإنسان، واليد اليسرى يتنظف بها الإنسان ويتطهر بها. لذلك جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا بال أحدكم فلا يمسكن ذكره بيمينه ولا يتمسح من الخلاء بيمينه»، والحديث متفق عليه. لذلك يشرع الإنسان أن يستنجي وأن ينظف بوله وغائطه، ينظف محل القذر أن ينظفه بيساره، ويستخدم اليمنى فقط في صب الماء مثلاً، أو مثلاً في لقط الأحجار التي أو المناديل التي يستنجي بها، ولكن لا يتمسح إلا بيساره، ولا يغسل ذكره إلا إلا بيساره.

كذلك من آداب قضاء الحاجة أنه يشرع للمسلم كذلك ستر عورته، وقد جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «احفظ عورتك، احفظ عورتك»، رواه الترمذي وصححه الألباني. حفظ العورة من من آداب قضاء الحاجة، ولا يشرع المسلم أبداً أن يكشف عورته سواء كان في حق قضاء الحاجة أو في غير قضاء الحاجة، بل الواجب على المسلم أن يحفظ عورته وأن يستر نفسه. في حديث المغيرة رضي الله تعالى عنه: ناوله داوه وقال انطلق. قال المغيرة: فانطلق حتى توارى عني فقضى حاجته، والحديث متفق عليه. حديث المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه: هذه سنة أخرى كذلك غير قضية ستر العورة، التواري عن الأنظار، التواري عن الأنظار.

فالإنسان نعم قد يستر عورته، ولكن لا يزال في حدود نظر الناس المشاهد مثلاً، أو نظر إنسان يشاهده، وإن كان لا يشاهد عورته. لكن النبي صلى الله عليه وسلم مبالغة في في حيائه صلوات الله وسلامه عليه، مبالغة في الستر أنه بالإضافة إلى ستر العورة، التواري عن الناس، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعني لم يشاهده المغيرة أو لم يره المغيرة رضي الله تعالى عنه قال: حتى توارى عني فقضى حاجته، والحديث متفق عليه.

كذلك من آداب قضاء الحاجة أن الإنسان يستحب له أن يقضي حاجته قاعداً، وأن يتبول بالأخص أن يتبول الإنسان قاعداً، وهذا في الحقيقة لما ورد من النهي عن البول قائماً، وهو المعهود من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، والامر الثاني لأنه أو الأمر الثالث، لأنه أستر له، والامر الرابع كذلك لأنه أحفظ له من أن يرتد عليه شيء من رشاش بوله الذي فيه شيء من النجاسة فيصيب ثوبه أو بدنه. البول قاعداً هو اقرب لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، بل هو سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وأحفظ للإنسان وأستر له.

ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون. من رحمة الله تعالى بعباده الرخصة لهم في المسح على الخفين والجوارب في الوضوء بدلاً من غسل الرجلين، وذلك بالمسح مرة واحدة أعلى الخف الأيمن باليد اليمنى وأعلى الخف الأيسر باليسرى، مفرجاً أصابعه مبتدئاً من أصابع رجليه إلى بداية ساقيه، يمسح على الخفين معاً أو يبتدئ بالخف الأيمن ثم الأيسر، فالامر في ذلك واسع بشرط أن يكون الخف طاهراً من النجاسة، وأن يكون ساتراً للقدم مع الكعبين، وأن يلبسهما على وضوء كامل، ومدته يوم وليلة للمقيم وثلاثة أيام بلياليها للمسافر، يبدأ احتسابها من أول مسح بعد انتقاض الوضوء. فلو توضا لصلاه الفجر مثلاً ولبس الخفين ثم انتقض وضوءه الساعة التاسعة صباحاً، وتوضأ في الساعة الثانية عشرة ومسح على الخفين، فيبدأ احتساب المدة من الساعة الثانية عشرة لا من الساعة التاسعة، ويكون المسح في الحدث الأصغر، وأما الحدث الأكبر فيجب فيه الاغتسال الكامل. ومن خلع خفيه أو انتهت مدة المسح فوضوؤه صحيح ما لم ينتقض بناقض آخر، فإن أراد المسح مرة أخرى وجب عليه أن يتوضأ أولاً وضوءاً كاملاً يغسل فيه قدميه ثم يلبس الخف ويراعي الشروط السابقة.

نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع معاً وسوياً آداب قضاء الحاجة. كذلك أيها الإخوة والأخوات من آداب قضاء الحاجة، بالإضافة إلى ما ذكرناه سابقاً، أن الإنسان يحرم عليه أن يقضي حاجته في مكان يؤذي به الناس. لذلك جاء في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اتقوا اللعانين»، قال: وما اللعانان يا رسول الله؟ قال: «الذي يتخلى في طريق الناس أو ظلهم»، رواه الإمام مسلم.

لذلك لا يجوز المسلم أن يتخلى، أن يقضي حاجته في طريق الناس أو في لما فيه من إيذائهم. ونحن قد ذكرنا سابقاً عند درسنا عن الماء النجس أنه لا يجوز، أنه أماكن جلوس الناس ومتنزهاتهم وراحتهم أنه يسقى بماء الصرف الصحي الذي لم يتنقى تنقية كاملة، وإنما لازال فيه أثر النجاسة ولونها وطعمها ورائحتها، لماذا؟ استناداً على هذا الحديث، حتى لا يتاذى الناس برائحة النجاسة أو تتعلق بهم النجاسة مثلاً في ملابسهم أو ثيابهم. الإنسان يحرم أحياناً من يعني سلوك طريق معين أو أن يمشي في هذا الطريق أو أن يستظل بظل شجرة معينة بما فيها من القذر والأذى.

لذلك ينبغي للمسلم أن إذا كان مثلاً في نزهة برية مثلاً، أو كان في مثلاً في خارج البنيان أو شيء من هذا يحتاج أن يقضي حاجته مثلاً في صحراء أو في بر أو غير ذلك، ينبغي له أن يتخير الموطن الذي لا يؤذي به الذي لا يؤذي به الناس. لذلك لا يجوز الإنسان مثلاً أن يقضي حاجته في حديقة أو متنزه عام مثلاً أو في ظل شجرة يعني يعني يستظل بها الناس أو غير ذلك.

كذلك لا يجوز الإنسان أن يفسد على الناس أموال المياه مثلاً، موارد المياه التي مثلاً نفترض أن ثمت نبع معين، لا يجوز الإنسان يقضي حاجته في خصوص إذا كان هذا النبع يعني مثلاً ضعيف أو قليل، وهذه النجاسة ترد عليه، فإما أنها تقذر الناس من استخدام هذا الماء ولو لم يكن نجساً، وإما أن يكون هذا الماء قليل فتنجسه هذه النجاسة، لا شك أن هذا لا شك أن هذا فيه إساءة إساءة للمسلمين ولا يجوز هذا شرعاً، لذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم باتقاء مثل هذا.

كذلك من آداب قضاء الحاجة وهذا الأدب مرتبط بتعظيم الكعبة القبلة المشرفة، وهو أنه يحرم على الإنسان حين قضاء حاجته أن يستقبل القبلة أو يستدبرها، سواء كان ببول أو غائط، لما جاء في حديث أبي أيوب رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ببول ولا غائط، ولكن شرقوا أو غربوا». وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ولكن شرقوا أو غربوا»، هذا خاطب به أهل المدينة لأن قبلة أهل المدينة إلى الجنوب، فلذلك أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يشرق أو يغرب. فإذا كان ثمه أناس قبلتهم إلى الشرق أو الغرب مثلاً، مثل قبله بعض أهل نجد مثلاً أو أهل جيدة أن قبلتهم أهل نجد قبلتهم إلى الغرب، وأهل جيدة مثلاً قبلتهم إلى الشرق، فإنهم يتجهون شمالاً وجنوباً ولا يشرقون ولا يغربون. لأن هذا الحديث معلل بعدم استقبال القبلة واستدبارها بالبول أو الغائط، وهذا فيه تعظيم للقبلة وتعظيم للكعبة المشرفة التي يستقبلها المسلم في صلاته لا يستقبل لا يستقبلها حين حين قضاء حاجته.

إلا أنه قد ورد استثناء من هذا في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنه قال: رقيت يوماً على بيت حفصة، فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعداً لحاجته مستقبل الشام مستدبر القبلة، والحديث رواه الإمام مسلم. هذا الحديث فهم منه ابن عمر رضي الله تعالى عنه أن هذا الاستقبال أو الاستدبار إنما جاز لكون رسول الله صلى الله عليه وسلم في البنيان، لذلك أناخ ابن عمر مرة بعيره مستقبل القبلة ثم جلس يبول إليه، فقال له مروان: يا أبا عبد الرحمن، أليس قد نهي عن هذا؟ قال: بلى، إنما نهي عن هذا في الفضاء، أما إذا كان بينك وبين القبلة شيء...

يسترك، فلا بأس» رواه أبو داود وحسنه النووي والألباني.

إذا فهم ابن عمر رضي الله تعالى عنه من هذا الفعل النبوي الكريم أنه مخصص لعموم النهي، فصار هذا النهي العام مخصصا ماذا؟ مخصصا بهذه الحالة الخاصة وهي حال البنيان. فيجوز للإنسان حينئذ إذا احتاج طبعا إلى ذلك، وإلا لا شك أن الإنسان إذا كان في حال البناء فإنه يشرع له أن يوجه المراحيض وغيرها أنها تكون إلى غير القبلة حتى في البنيان، لما جاء في حديث أبي أيوب قال: فقدمنا الشام فوجدنا المراحيض قد بنيت نحو القبلة، فكنا ننحرف عنها ونستغفر الله سبحانه وتعالى.

أبو أيوب عمل بهذا النهي حتى داخل البنيان، وإن كان ابن عمر رضي الله تعالى عنه -بناء على ما رآه من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم- قد خصص هذا النهي فجعل النهي خاصا فقط في حال الفضاء، وأما إذا كان بينه وبين القبلة شيء يستره من بنيان أو غيره فإنه لا بأس بذلك. وفعل ابن عمر رضي الله تعالى عنه فهمه أقرب، والله تعالى أعلم، لما ثبت من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل هذا الفعل.

وما ادعاه قوم من خصوصية النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الأمر في واقع الأمر حقيقه يعني قد لا تقوى دعوة الخصوصية؛ لأن هذه القضية ليست من القضايا التي تستدعي الخصوصية، فإن هذه القضية حكمتها وقوامها على تعظيم البيت الحرام وتعظيم القبلة وتعظيم الصلاة. ولا شك كان الرسول صلى الله عليه وسلم أتقى هذه الأمة لله وأخشى لله وأكثرهم تعظيما لله سبحانه وتعالى، لذلك دعوة أن نقول والله إن هذا الفعل خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم حقيقه دعوة فيها إشكال، لماذا؟ لانه لا يوجد ما يستدعي خصوصية النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الفعل دون أمته، بل تعظيم القبلة وتعظيم الكعبة هو مما يشترك فيه النبي صلى الله عليه وسلم مع هذه الأمة، بل هو مما يكون النبي صلى الله عليه وسلم فيه من أقرب الناس إلى الله وأكثرهم تعظيما وأخشى لله سبحانه وتعالى، كما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «إني أتقاكم لله وأخشاكم له».

إذاً، هذه بعض آداب قضاء الحاجة التي ذكرناها الآن. كذلك من آداب قضاء الحاجة أن الإنسان حين قضاء الحاجة كما ذكرنا أنه يشرع له التبول وقضاء الحاجة جالساً لئلا يصيبه شيء مثلا من رشاش بوله، كذلك يكره له مثلا أن يتبول في استقبال مهب الريح حتى لا يرجع إليه شيء من رذاذه ورشاش بوله النجس فينجس.

كذلك يشرع له أن يبول مثلا أما في مسرب أو أرض مثلا مثل المراحيض الموجودة اليوم، إذا كان في البر فيكون في أرض رخوة ولا يكون مثلا لا يستقبل بوله حجرا أو شيء من هذا فيطير عليه رشاش بوله. العبرة في هذا كله أن الإنسان عليه أن المسلم عليه أن يتنزه أن يصيبه شيء من هذا الرذاذ والرشاش النجس فينجس عليه ثوبه، ويبقى الإنسان متنجساً وقد لا يشعر الإنسان بهذا، لذلك كما ذكرنا أنه يشرع للإنسان التحرز والتنزه من البول.

كذلك من الآداب حين قضاء الحاجة أنه يكره للمسلم أن يتكلم أثناء قضاء الحاجة إذا لم تكن ثمة ضرورة، سواء كان هذا الكلام بذكر الله سبحانه وتعالى أو كذلك كان بكلام المخلوقين، لا يشرع للإنسان أنه يتكلم أثناء قضاء الحاجة، وقد جاء في الحديث: «أن الله يمقت على ذلك يتحدثان يخرج الرجلان يتحدثان كاشفين عورتهما يتحدثان، إن الله سبحانه وتعالى يمقت على ذلك» رواه أبو داود وصححه الألباني.

لذلك الإنسان عند قضائه للحاجة يشرع له أصلا أن يتوارى عن الأنظار فلا يخرج مع شخص آخر، ولكن أحيانا قد تكون المراحيض هذه مثلا مثل حمامات اليوم التي مثلا في الفنادق الحدائق المنازل أو غيرها، قد يكون هناك مثلا حمامين أو ثلاثة متجاورة، لا يشرع للإنسان أنه يتحدث مع غيره عند قضاء الحاجة، بل هذا حقيقه مخالف للآداب التي يتعارف عليها الناس.

اليوم كذلك من آداب قضاء الحاجة التي ينبغي للمسلم مراعاتها أنه يكره له أن يبول في شق أو في جحر في الصحراء أو في الرمل أو في غير ذلك، لما جاء في حديث عبد الله بن سرجس رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يُبال في الجحور رواه أبو داود.

وهذا كذلك فيه حفظ للإنسان، لأن سبحان الله ما يدري الإنسان قد يكون في هذا الجحر مثلا حية أو عقرب أو شيء من هذا فيبول الانسان في هذا الجحر فيخرج عليه منه شيء يؤذيه، وقد إن هذا يكون الشقوق أو هذه الجحور قد تكون مأوى للجن فيؤذي هؤلاء الجن فيؤذى أو غير ذلك من أنواع الأذى، لذلك لا يشرع للإنسان أن يبول في مثل هذه الجحور والشقوق، بل على الإنسان المسلم أن -طبعا لا ينطبق هذا مثلا على المسرب الذي هو مثلا في المرحاض الذي يتسرب منه لماذا؟ لأن هذا ليس بشق أو جحر يخشى منه مثلا خروج شيء مثلا حية أو عقرب، لا- وإنما هذا أصلا هو مصمم لتسريب البول والغوائط من خلال هذه المواصير إلى البيارات أو إلى الصرف الصحي أو غير ذلك من أنواع التسريب.

كذلك من آداب قضاء الحاجة أنه يكره للانسان أن يدخل معه بشيء فيه ذكر الله سبحانه وتعالى، يكره للانسان أن يدخل ليقضي حاجته بشيء معه فيه ذكر الله سبحانه وتعالى، لذلك يتحرز المسلم من أن يحمل معه مصحفا أثناء قضاء حاجته، بل يجب عليه أن يضع هذا المصحف خارجا ثم يدخل إلى قضاء الحاجة بدون هذا المصحف؛ لأنه يحرم عليه أن يحمل المصحف ويكره له أن يدخل بشيء فيه ذكر الله سبحانه وتعالى.

طبعا إذا كان هناك أحيانا بعض الورق النقدي يكون عليها بعض العبارات مثلا مثل الله أكبر أو شيء من هذا في الورق النقدي، فهذا إذا وضعه الانسان في جيبه يعني لا بأس لأجل الحاجة إليه، وإن كان الأصل أن نقول يكره الإنسان أن يدخل إلى الخلاء بشيء فيه ذكر الله سبحانه وتعالى. فاصل ثم نعود إليكم إن شاء الله تعالى.

جهل وظلم، فرقة وقطيعه، شرك وضلال، هكذا كان الحال، إذ أتى الله بإشراقة فجر جديد ونور يمحو به تلك الظلمات، محمد رسول الله وصفه ربه بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4] فجمع له من خصال الكمال ومحاسن الصفات ما لم ينله أحد من البشر، فقد ثبت أنه كان أوفر الناس عقلا، أجوده نفسا، أرحب صدرا، أشدهم حياء، كان أشجع الناس وأزهدهم في الدنيا وأكثرهم تواضعا، يعين أهله ويخيط ثوبه ويخدم نفسه، يزور المسلمين وغير المسلمين ويعود مرضاهم يدعوهم إلى الخير، كان صادق اللهجه راسخ المبدأ، أعدل الناس أرقهم بالضعفاء، أنصف المرأة والطفل وشملت رحمته حتى الحيوان، أثنى عليه حتى المنصفون من غير المسلمين، فيقول الألماني يوهان جوتا: إننا أهل أوروبا بجميع مفاهيمنا لم نصل بعد إلى ما وصل إليه محمد.

ويقول الإنجليزي جورج ناتشو: إن العالم أحوج ما يكون إلى رجل في تفكير محمد، بل قال تولستوي الأديب العالمي: إن شريعة محمد تسسود العالم لانسجامها مع العقل والحكمة، فللنصر لنعرف قدره ومكانته ولننظر ولنقتصر، فلو لم يكن للنبي صلى الله عليه وسلم من الفضل إلا أنه الواسطة في حمل رسالة رب العباد إلى عباده وتعريفهم به لكان فضلا لا يستقل العالم بشكره ولا البشرية بمكافأته، يبلغ الخير لأمته ولم يكتف بهذا بل سأل ربه أن يشفع فيهم يوم القيامة، وصدق الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107].

نعود إليكم بعد هذا الفاصل وفي سياق حديثنا عن آداب قضاء الحاجة هذه الآداب الكثيرة العظيمة التي أدب بها

الاسلام اتباعه المسلمين على المسلم ان يراعيها اثناء قضاء الحاجه. ذكرنا انه يكره للمسلم ان يدخل بشيء فيه ذكر الله سبحانه وتعالى الا اذا كان ثمه حاجه مثلا مثل الورق النقدي الذي ربما بعضه مرقوم فيه شيء من ذكر الله او من اسماء الله مثلا او اغراض الانسان، فهنا يضعها الانسان في جيبه، يسترها في جيبه ويدخل بها. واما المصحف فانه يحرم الانسان ان يحمله اثناء قضاء حاجته، لا يجوز الانسان ان يحمل كلام الله سبحانه وتعالى.

يجب على المسلم ان يضعه خارجا عن الحمام قبل ان يدخل اليه، ثم بعد قضاء حاجته كذلك لا يمسك المصحف مباشره، بل بعد ان يتطهر ويتوضا يمسك المصحف؛ لان مس القران او المصحف يحتاج الى طهارة الوضوء، ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: 79]. بعض الناس يسال وقد حصل هذا سمعته في بعض برامج الافتاء، بعض الناس يسال عن البرامج الحاسوبيه التي فيها القران الكريم، مثلا ما حكم انسان يدخل الى الحمام ومعه الجوال، الموبايل، وفيه برنامج القران الكريم، او يحمل معه يو اس بي صغير فيه القران الكريم اما مكتوبا واما مرتلا مسموعا؟

واقع الامر حقيقه ان هذا لا يعد، هذا الجوال لا يعد مصحفا، وكذا هذا اليو اس بي لا يعد مصحفا، فلذلك لا ياخذ هذا الجوال وهذا اليو اس بي أو غيره لا ياخذ احكام المصحف، فيجوز للانسان ان يدخل به، بل هو اشبه بالذاكره الالكترونيه التي تشبه الذاكره البشريه؛ لذلك الانسان كما انه يدخل الخلاء ويحفظ شيئا من القران في صدره وفي جوفه، فهذا كذلك يدخل الى الخلاء وهذا الموبايل فيه داخله شيء من صوت القران أو من حروف القران، هذا كذلك.

ولكن مما يحسن التحرز منه انه لا يكون على شاشة الجوال صفحه قران مفتوحة، بمعنى انه لا تكون ظاهرة صفحه القران في شاشة الجوال، وانما يغلق هذا البرنامج في شاشة الموبايل قبل دخوله، وان كان كما ذكرنا ان هذه لا تعد الموبايلات ولا تعد اليو اس بي ولا غيرها -وان كان مخزن فيها شيء من القران الكريم- لا تعد مصحفا ولا تاخذ احكام المصحف.

اذا نلحظ اخواني واخواتي كيف ان الاسلام قد ادبنا بهذه الاداب عند قضاء الحاجه، ينبغي المسلم حقيقه ان يعتني بها وأن يحرص عليها. مما يلحظ حقيقه عند بعض الكفار وانتقل إلى بعض المسلمين للأسف، هو قضيه التساهل في كشف العورات عند قضاء الحاجه، أو في غرف تبديل الملابس مثلا؛ إذا كان هناك غرف تبديل ملابس جماعية، ناد رياضي أو ناد صحي أو محل السباحة أو شيء من هذا، فبعض الكفار وللاسف قلدهم بعض المسلمين، يتساهل في كشف عورته وانكشاف عورته، أو حتى عند قضاء الحاجه يتساهلون في كشف العورات، وهذا في الحقيقه مخالف لامر النبي صلى الله عليه وسلم الذي أمر بحفظ العورة.

كذلك مما يوجد عند بعض الكفار وانتقل إلى بعض المسلمين، وهي الاماكن التي يقضون فيها الحاجه (البول) بشكل جماعي واقفين، وكل انسان يكون بجوار الاخر ولا يتوارى عنه، وربما تحدث بعضهم مع الاخر، هذا في الحقيقه مخالف للادب الشرعي الذي جاء في الامر بحفظ العوره وسترها؛ لان الانسان قد يطلع عليه جاره الذي يبول بجانبه، وهذه للاسف انتشرت عند الكفار ودخلت للاسف في بعض بلدان الاسلام، نجد هذه المراحيض التي مكشوفه بعضها على بعض، ويقوم الانسان فيها واقفا ويتبول فيها، هذه الحقيقه ليس فيها الستر التام لعوره الانسان، بالاضافة إلى ذلك ليس فيها التواري، كما جاء في حديث المغيرة: «فانطلق حتى توارى عني فقضى حاجته». أما هذه يكون بعضهم بجوار بعض يشاهد بعضهم بعضا.

حقيقه الانسان من تمام حيائه ان يستحي الانسان ان يراه احد عند قضاء حاجته، هذا لا شك انه من تمام الحياء وكماله. وقد اثر عن عثمان رضي الله تعالى عنه الخليفة الثالث من ائمة المسلمين، أمير المؤمنين رضي الله تعالى عنه وارضاه، اثر عنه في حيائه شيء عجيب، حتى أنه كان لما يغتسل كان يستر عورته من نفسه، من نظره هو نفسه رحمه الله تعالى ورضي عنه. هذا لا شك ان هذا درجة عالية في الحياء، تادب بها عثمان رضي الله تعالى عنه، والنبي صلى الله عليه وسلم حيي، والله سبحانه وتعالى حيي ستير، لذلك الحياء صفة مدح للانسان، ينبغي لاخواني واخواتي ان يحرصوا دائما على هذه الصفة وان ينموا في أنفسهم صفة الحياء.

وتتمثل في قضاء الحاجه كما ذكرنا في عدد من الامور، من تمام الادب وكماله وتمام الحياء ان الانسان لا يتكلم حين قضاء الحاجه. للاسف بعض الناس يتساهل ربما في مخاطبة من يقضي حاجته داخل الحمام، ربما يسألونه سؤالا ولا يطلب منهم جوابا، لا، مفترض ان الانسان لا يشغل ولا يسأل من يقضي حاجته، ومن تمام الادب وكماله ان لا يخاطب هذا الشخص في هذه الحالة، واذا خوطب لا مانع مثلا إذا نودي من بعيد ولا يدرى أنه في قضاء الحاجه أو لا، لا مانع انه يتنحنح مثلا أو شيء من هذا، وهذا ان شاء الله تعالى كما ذكرنا انه من تمام الحياء ومن تمام الادب في قضاء الحاجه.

كذلك يلحظ في اداب قضاء الحاجه أن ثمه عددا من الاداب يتمحور حول التنزه من البول وعدم رجوعه على المسلم، لذلك شرع الانسان مثلا ان يتبول جالسا وان يتبول في أرض رخوة، وان لا يتبول على صخر أو كذا حتى لا يرتد إليه شيء من نجاسته؛ لان الاستنجاء اصلا قائم على تطهير المسلم من النجاسة، فلذلك لا يشرع للمسلم أنه حين يتخلى يقضي حاجته أن يقف موقفا أو يجلس مجلسا يكون فيه تنجس له. من الاداب التي في هذا السياق كذلك أنه لا يبول في مهب الريح مثلا، بل عليه أن يتجه بحيث يكون بوله مع مهب الريح خلافا لمهب الريح حتى لا يرجع اليه ويرتد عليه رذاذه، وهذا فيه تمام للتنظير وتمام للوقاية من هذا القذر ومن هذا النجس.

كذلك مما ننبه عليه اخواننا كذلك، قضية الحذر من البول قائما، ونحن ذكرنا أنه للأسف اليوم في بلدان الكفار انتشر عندهم هذا الأمر، وهو البول قائما خصوصا في الاماكن العامة، ولها مراحيض صممت للبول قائما، وقد جاء في الحديث النهي عن البول قائما، لذلك يشرع للانسان أن يبول قاعدا، لذلك هذه المراحيض حقيقه لا يتحقق فيها كمال الادب وكمال الاداب النبوية والشرعية والدينية في قضاء الحاجه، بخلاف الغرف المستورة التي يدخل الانسان الحمام، الذي يدخله الانسان يغلق عليه، فهذا لا شك ان فيه تواريا عن الانظار وفيه حفظا لعورته وفيه قضاء لحاجته جالسا، هذه يتحقق فيها كمال الادب الشرعي.

كذلك مما نذكر فيه من الاداب -وذكرناه- قضية الذكر عند دخول الخلاء والذكر عند الخروج منه، وهذا الحقيقه فيه درس للمسلم؛ المسلم دائما يلهج بذكر الله سبحانه وتعالى، دائما يكون قريبا من الله، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 41]، وقال الله سبحانه وتعالى في المنافقين: ﴿وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: 142]. للأسف كثير أو بعض المسلمين اليوم أصبح من هؤلاء الذين لا يذكرون الله إلا قليلا، لا يلهج بالذكر، لذلك الاذكار الشرعية سواء كان عند دخول قضاء الحاجه أو عند الخروج من قضاء الحاجه، عند لبس الثوب، عند النوم، عند الصباح، عند المساء، بعد العبادات، بعد الصلاة، بعد مواقف الحج، ذكر الله سبحانه وتعالى، عند لبس الثوب الجديد ذكر الله.

سبحانه وتعالى ينبغي أن يكون لهج المسلم وديدنه دائما، ولا يكون حاله حال المنافق الذي لا يذكر الله إلا قليلا. ذكرنا مثلا حكمه من حكم أهل العلم في الاستغفار، أنه كان في موطن لم يمكنه أن يذكر الله فيه، هذا في الحقيقة ينبهنا إلى كثرة ذكر الله سبحانه وتعالى، ينبهنا إلى كون اللسان يلهج بذكر الله، كون القلب مرتبط بالله سبحانه وتعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: 152].

كذلك على المسلم دائما أن يستشعر عند قضاء الحاجة نعمة الله سبحانه وتعالى عليه بأن يسر له خروج هذا الأذى منه. تخيل أخي المسلم أو أختي المسلمة، تخيلوا أن الإنسان يحبس فيه طعامه وشرابه ولا يستطيع أن يخرجه، ويصاب مثلا بالحبس الذي لا يمكنه أن يخرج فيه البول أو الغائط، هذا مرض مؤذي للانسان ومؤلم له. لذلك إذا استشعر المسلم نعمة الله سبحانه وتعالى بأن أدخل الطعام إلى جوفه، ثم نعمة الله سبحانه وتعالى بأن أخرجه من جوفه، لا شك أنه يحمد الله سبحانه وتعالى.

وهذا هو الذي دعا أبا ذر رضي الله تعالى عنه، كما ذكرنا في الأثر الموقوف عنه، أنه كان إذا خرج من الخلاء قال: الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني. لا شك أن هذه نعمة، إذا استشعر المسلم حمد الله سبحانه وتعالى وأثنى عليه واستغفر الله، كذلك يستشعر أنه حين تخليه من هذا الأذى يستشعر أهمية تركه للذنوب والمعاصي وضرورة استغفاره وتوبته إلى الله سبحانه وتعالى. هذه حقيقة آداب في قضاء الحاجة، ربما بعض الناس يقضي حاجته في اليوم مرات ولكن لا يستشعر هذه الآداب النبوية الشرعية.

الإنسان إذا استشعر هذه الآداب النبوية الشرعية كان مثابا عند الله سبحانه وتعالى مأجورا عليها. كم من الناس اليوم يقضي حاجته ثم يخرج لا يستشعر هذه الننعمة، ولا يستشعر الذنوب، ولا يذكر الله سبحانه وتعالى حين دخوله، ولا يذكر الله حين خروجه، ولا يقوم بهذه الآداب ولا يفعلها ولا يستشعر اتباع النبي صلى الله عليه وسلم فيها! هذا محروم من هذا الاستشعار بسبب جهله بدين الله وبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

لذلك أيها الإخوة والاخوات، لا شك أن من نعمة الله سبحانه وتعالى علينا جميعا أن نتعلم هذه العلوم الشرعية التي تقتضي منا ونحتاج منا الآن بعد أن علمناها أن نطبقها وأن نداوم عليها. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا واياكم جميعا ممن يسمع هذا العلم ويقوله فينتفع به ويكون حجة له لا حجة عليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.