الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبيه الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً. اللهم هيئ لنا من أمرنا رشداً، وآتنا من لدنك توفيقاً وسداداً وصواباً.
إخواني وأخواتي، هذا هو الدرس السادس عشر من سلسلة دروس الفقه في أكاديمية زاد. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الأكاديمية، وأن يبارك في هذا العلم الذي يقال فيها والذي يسمع فيها. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل هذا العلم حجة لنا لا حجة علينا، وأن ينفعنا به يوم نلقاه.
إخواني وأخواتي، كنا قد تحدثنا في لقائنا السابق عن إزالة النجاسة، وقلنا إن النجاسة أمر حسّي يخالف الحدث الذي يعد أمراً معنوياً. وذكرنا بعض القواعد نلخصها بشكل سريع قبل أن ندخل في بيان الأشياء النجسة والأشياء الطاهرة.
فقلنا مثلاً إن النجاسة أمر حسّي وأن الحدث أمر معنوي. وقلنا إن الحدث ورفعه من الأمور التعبدية، من الأمور التعبدية والقربات التي لا يعبد الله فيها إلا بما شرعه على لسان رسوله الكريم أو في كتابه الكريم سبحانه وتعالى، بخلاف إزالة النجاسة؛ فهي من الأمور العادية التي لا يحتاج لمعرفة المزيلات للنجاسة من خلال النصوص الشرعية، وإنما تزول بكل ما يزيلها مما يخترعه الناس ويحدثونه ومما ورد النص عليه أو لم يرد النص عليه، أي شيء يزيل النجاسة فإنها تزول.
وذكرنا كون الحدث من الأمور التعبدية، معنى ذلك أنه يشترط النية فيه في الوضوء والغسل والتيمم، وأما إزالة النجاسة فلا يشترط فيها نية؛ بل لو زالت بدون علم الإنسان أو بدون تدخل منه أصلاً فإنها تعتبر مزالة ويعتبر المكان طاهراً.
وفرقنا بين النجاسة الطارئة على مكان ما فتغسل وتزال وتمسح أو غير ذلك، وبين النجاسة العينية فتحتاج إلى استحالة حتى تزول عين النجاسة. وذكرنا أن من أمثلة الاستحالة مثلاً اضمحلال البول في الماء الكثير الطاهر، أو من أمثلته مثلاً حرق الشيء، حرق مثلاً الغائط اليابس حرقه فيصير رماداً، هذا استحال إلى عين أخرى، أو معالجة مياه الصرف الصحي بالمعالجة الكيميائية وغيرها، حتى تزول النجاسة منها وتصبح ماءً حلواً لا تستطيع أن تفرقه عن الماء الحلو الآخر، فنقول هذا كذلك قد زالت النجاسة.
طيب، نريد أن نسألكم، هناك في معالجة الصرف الصحي ما يسمى نصف معالجة، أو ليست معالجة تامة وإنما مرحلة أو مرحلتين من مراحل المعالجة بحيث إن المياه تتطهر أو يزول منها النجاسة ولكن ليس بشكل كامل، يبقى رائحة النجاسة في الماء، وهذه المياه غالباً لا تستخدم للشرب، تستخدم مثلاً في المزروعات وغيرها، فهل هذا الماء يجوز الوضوء منه؟ نقول: لا؛ لانه بقي فيه رائحة النجاسة وأثر النجاسة أو ربما في بعضه يبقى لون النجاسة.
نقول: متى يطهر ماء الصرف الصحي؟ إذا وصل إلى مرحلة مثل الماء العذب لا تستطيع أن تفرقه، يعني العين المجردة لا تفرق؛ إذا نظرت إليه، إذا شممته، إذا شربته لم تميزه عن الماء الطهور الآخر، نقول: هذا الماء إذا انتقل بعد هذه المعالجة إلى مرحلة الطهارة.
وذكرنا ما جاءت الشريعة بتغليظه في باب النجاسة، وهو غسل بلوغ الكلب ثلاثاً. وذكرنا أن بعض أهل العلم جعل نجاسة الكلب من حيث إزالتها كغيره من النجاسات، ولكن هذا التسبيع لأمر صحي، وهذا بعض المعاصرين يذكره اليوم لما حللوا بلوغ الكلب والميكروبات التي فيه، قالوا إنه فيه فيروسات وميكروبات تبقى تتكاثر لا يزيلها الماء، فاحتيج إلى التراب وتسبيع غسله لأجل إزالة هذه الميكروبات والفيروسات، وأن هذا الأمر أمر صحي، وأي مكان سواء كان لأجل أنه نجاسة مغلظة أو لأجل كونه أمراً صحياً، نحن نتبع أمر النبي صلى الله عليه وسلم دون أن نجد في أنفسنا غضاظة أو حرجاً، أنه والله لماذا أمر التسبيع؟ لا، الإنسان واجب عليه أن يتعبد لله سبحانه وتعالى، سواء ظهرت له الحكمة والعلة أو لم تظهر له الحكمة والعلة، يجب على الإنسان أن يتبع أمر النبي صلى الله عليه وسلم.
ولكن نحن نذكر هذا الأمر فقط لبيان علاقة هذه النجاسة بالنجاسات الأخرى، نجاسة الكلب والنجاسات الأخرى. فقد يقال إن نجاسة الكلب مثل النجاسات الأخرى تزول بكل مزيل، وأن الإنسان إذا أزال نجاسة الكلب بشكل ظاهر فإن هذا المكان يعتبر قد طهر، وإن كان يجب عليه التسبيع لأجل أمر صحته؛ أنه لا يأكل مرة أخرى في هذا الإناء الذي فيه هذه الميكروبات وهذه الفيروسات، فيتضرر بدنه وصحته بسبب هذه الميكروبات والفيروسات أو بسبب أنه لم يتبع أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتسبيع غسله، وأن تكون الأولى بالتراب. فيجب على الإنسان أن يتبع أمر النبي، سواء كانت راجعة هذه الحكمة إلى أمر النجاسة، أو راجعة إلى أمر صحي أو فيروس أو ميكروب، الله أعلم بمراد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم.
وذكرنا أن القاعدة في إزالة النجاسات أنها تزول بكل ما يزيلها. وذكرنا أن ثمة من النجاسات ما خففت فيه الشريعة، وهذا راجع إلى كون النجاسة في نفسها خفيفة، أو راجع إلى مشقة تكرارها فخففت فيه الشريعة. وأياً ما كان، فهذه النجاسة جاءت الشريعة بتخفيفها؛ فمن ذلك مثلاً المذي، نجاسة يكفي فيها النضح، ومن ذلك بول الصبي أو الجارية اللذين لم يأكلا الطعام.
لاحظوا أنا قيدناه بأنهما لم يأكلا الطعام، وقيدناه بأنه بول وليس بغائط، الغائط يعتبر نجاسة مغلظة. وهذا حقيقة أمر معتاد ومعروف، دائماً بني آدم يجعلون دائماً أفرات الغائط أبلغ وأشد في النجاسة من نجاسة البول، يدرون أن هذا الغائط أشد نجاسة، وهذا كما ذكرنا أمر معتاد ومعروف يعرفه الناس بعقولهم وفطرهم، فجاءت الشريعة بتخفيف بول الصبي أو الجارية اللذين لم يأكلا الطعام.
ونحن ذكرنا أن ما يدخله الإنسان في جوفه مؤثر على ما يخرج، فلذلك لا شك أن كونهم لم يأكلا الطعام وأنهم فقط يعتمدون على حليب وإرضاع أمهاتهم، أن هذا يعتبر مؤثراً في هذه النجاسة تخفيفاً، مؤثر في نجاسة البول تخفيفاً، والله تعالى أعلم.
وذكرنا بأن بعض أهل العلم فرق بين بول الصبي وبول الجارية بناءً على حديث أبي السمح رضي الله تعالى عنه، وهذا الحديث فيه كلام، وإن صح هذا الحديث فلا شك أنه حديث صريح يجب الأخذ به، لكن والله تعالى أعلم أن الصحيح هو عدم التفريق بين بول الجارية وبين بول الصبي اللذين لم يأكلا الطعام، وأن قصة أم قيس بنت محصن حادثة عين دلتنا على المعنى المؤثر، وجاء فيه بعض الأوصاف غير المؤثرة، فمن الأوصاف المؤثرة أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام، لم يأكل الطعام هذا وصف مؤثر، فبال على ثوب النبي صلى الله عليه وسلم هذا وصف مؤثر، اللي هو البول على الثوب.
طيب، كون هذا الذي بال الصبي وليس بجارية، هل هو وصف مؤثر أم لا؟ الظاهر والله تعالى أعلم أنه وصف غير مؤثر، ولماذا ذكرنا أنه غير مؤثر؟ لأن قاعدة الشريعة في أبواب النجاسات والطهارات لا تفرق بين الذكر والأنثى، والله تعالى أعلم.
طيب، نريد أن نسأل بعض المسائل، فنقول: إذا وقعت النجاسة على ثوب أو مكان ولم تعلم أو شككت في مكانها؛ فمثلاً وقعت النجاسة على أحد أكمامك لكن أنت لم تدرك ولم تعلم هل هو الكم الأيمن أو الأيسر؟ فوجدت بقعتين مثلاً هناك بول وقع على أحد الأكمام وهناك عصير انسكب على الكم الآخر، عصير طاهر، فالآن لما تنظر تجد أنه والله في بقعة هنا وهنا.
فما هو الواجب عليك في حال الشك؟ ما هو الواجب عليك في حال الشك؟ نقول إذا غلب على ظنك أنه والله مثلا في الكم الأيمن، فيجب أنك تغسل الكم الأيمن. إذا غلب على ظنك أنه في الكم الأيسر، فيجب أن تغسل الكم الأيسر. طيب، إذا شككت بنسبة متساوية، بحيث أنه والله عليك، ونسيت، فنقول: يجب عليك أن تغسلهما جميعاً.
طبعا في حادثة الكم هذا الأمر يعني يسير، لكن أحيانا الإنسان قد مثلا يشك في موضع النجاسة، مثلا في أحد الثوبين، والله هل هذا متنجس ولا هذا العصير الذي انسكب؟ كله يرى في بقعة مثلا ملونة ولا يدري هل أيها الذي فيه البول مثلا، وأيها الذي فيه العصير مثلا، والآن يريد أن يصلي.
فنقول: إن كان يغلب على ظنك أن هذا الثوب هو الذي فيه النجاسة، فتجنبه وصلِ في الثوب الآخر، وهذا كافي. هذا كافي إذا شككت فيجب أنك تتحرى وأن تنظر فيما يغلب على ظنك وأن تتحرى غلبة الظن. إن لم تستطع، فإنك تصلي في الثوب الذي كما ذكرنا يعني يغلب على ظنك. إن كان الشك والاحتمال متساوي، فإنك تصلي في أحدهما، والله تعالى أعلم.
طيب، إذا كانت النجاسة في الكمين جميعاً أو في الثوبين جميعاً، يجب أن تجتنبهما، ويجب أن تغسلهما وتزيل النجاسة منهما.
هذه أبرز الأحكام المتعلقة بالنجاسات وإزالتها. نريد أن ننتقل بعد ذلك إلى حديث آخر، وهو أنواع النجاسات. أنواع النجاسات وأنواع الأشياء الطاهرة، هل نذكر الأشياء النجسة، أو نذكر الأشياء الطاهرة؟ هل يحتاج أن نقول مثلا أن الخشب مثلا طاهر، أو أن الكرسي طاهر، أو أن البلاستيك طاهر، أو أن الثوب والقماش طاهر، أو يحتاج أن يعدد النجاسات، فنقول إن البول نجس، الغائط نجس، ومثلا دم الحيض والنفاس أنه دم نجس، الدم المسفوح أنه دم نجس؟
ما رأيكم؟ ما الذي يحتاج أن نعدده؟ هل نعدد الأشياء النجسة أم نعدد الأشياء الطاهرة؟ هذا يرجع إلى قاعدة قد ذكرناها من قبل، وهو أن طالب العلم يحتاج دائما أن يعرف الأصل. افهموا هذه القاعدة جيدا، وهي الأصل. ما هو الأصل في الأشياء؟ هل الأصل في الأشياء أنها طاهرة، أو الأصل في الأشياء أنها نجسة؟ بناء على تقريرنا للأصل، فإننا نعدد ما يخالف الأصل. ولعلنا نزيد هذا الأمر إن شاء الله تعالى توضيحا، ولكن بعد هذا الفاصل.
العقيقة هي الذبيحة التي تذبح عن المولود تقربا إلى الله تعالى وشكرا على إنعامه بنعمة الولد، وجمهور أهل العلم على أنها سنة مؤكدة. وهي كما قال صلى الله عليه وسلم: «عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة». ويشترط في سنها ما يشترط في الأضحية بالضأن والمعز؛ فالضأن ما أتم ستة أشهر فأكثر، والمعز ما أتم سنة فأكثر.
ولا يباع لحمها ولا جلدها ولا شيء منها، ويتقى فيها من العيون بما يتقى في الأضحية: العوراء البين عورها، والعرجاء البين عرجها، والمريضة البين مرضها، والهزيلة. ووقت ذبح العقيقة يبدأ من تمام انفصال المولود، فلا تصح عقيقة قبله. ويستحب العقيقة في اليوم السابع، فإن تعذر فيسن ذبحها في الرابع عشر، فإن تعذر انتقلت إلى اليوم الحادي والعشرين.
ويوم الولادة يحسب من السبعة، ولا تحسب الليلة إن ولد ليلا، بل يحسب اليوم الذي يليها. قال صلى الله عليه وسلم: «كل غلام رهينة بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه ويسمى فيه ويحلق رأسه». والعقيقة يؤكل منها ويهدى ويتصدق، ولم يرد في ذلك تحديد، فكيف ما فعل فجائز. ويجوز أن يخرج اللحم نيا أو مطبوخا، والطبخ أفضل، فهو زيادة في الإحسان وشكر النعمة.
نعم، أعود إليكم بعد هذا الفاصل، ونقول إن من المهم لطالب العلم دائما أن يعرف الأصول؛ لأن هذه الأصول تجمع الكثير من المسائل، تجمع الكثير من المسائل. فمثلا لما أقول: إن الأصل في المعاملات والعقود والشروط هو الحل والإباحة. لاحظوا، هذه القاعدة تتحدث عن كم شرط؟ عن آلاف الشروط أنها مباحة إلا الشرط المحرم، الشرط الذي فيه ربا، الشرط الذي يؤدي إلى الغرر، الشرط الذي يؤدي إلى الجهالة، الشرط الذي يؤدي إلى النزاع.
هذه لاحظوا أنه الآن نعدد بعض الشروط المحرمة. إذا، تعداد المحرمات يدلنا على ماذا؟ يدلنا على أن الأصل هو الحل والإباحة. طيب، الأصل في التعبدات أنها تمنع إلا ما جاء الشرع بتشريعه بوجه معين، فانه يعمل ويتعبد لله وفق هذا الشرع. لاحظوا أن قررنا الأصل، فلا يجوز للانسان أن يتعبد بعبادة مثلا الوقوف في الشمس مثلا قائما، لو إنسان قال: أنا أريد أن أتعبد عبادة الصمت وعدم الحركة والسكون فيبقى في مكانه صامتا ولا يتكلم، وهذه عبادة بدعية، هذه من عندك العبادات، لماذا؟ لأن الأصل في التعبدات التوقيف، وألا يعبد الله إلا بما شرع.
طيب، هذه تفيدنا في كم مسألة؟ تفيدنا في رد آلاف البدع، عشرات الآلاف من البدع التي تحصل والتي قد تحصل والتي بعضها لا نعلمه، كلها تردها هذه القاعدة: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». لذلك طالب العلم عليه أن يعتني بالأصول.
طيب، في بابنا هذا وفي حديثنا هذا، ما هو الأصل في الأشياء؟ هل الأصل في الأشياء أنها طاهرة فنعدد النجاسات، أو الأصل في الأشياء أنها نجسة إلا الأشياء التي أعدت الشريعة أنها طاهرة؟ ما رأيكم؟ إذا يختلف النظر هنا وهنالك.
نقول: إن الأصل في الأشياء أنها طاهرة، وأنه يباح الانتفاع منها بكل وجه إلا ما جاءت الشريعة ببيان نجاسته أو عدم الانتفاع منه، أو بيان منع الانتفاع منه لأجل، سواء كان لأجل النجاسة أو لأجل أمر خارج عن النجاسة. لكن نحن نقول: الأصل في الأشياء أنها طاهرة، الأصل في الأشياء أنه يباح الانتفاع منها بأي وجه من وجوه الانتفاع حتى يرد أن هذا الوجه من الانتفاع محرم، فيتوقف عند هذا القدر المحرم.
إذا لاحظتم أيها الإخوة والأخوات العناية بالأصل. طيب، هذا الأصل يفيدنا في كم مسألة؟ يفيدنا في أكثر من عشر آلاف مسألة ولا مليون مسألة؟ أن نقول: الله، هذا كأس طاهر، هذا الجوال طاهر، هذا الورق طاهر، هذا الزجاج طاهر، هذا الخشب طاهر، والخ والخ، من الوسائل كلها هذه الأشياء، كل هذه الأشياء طاهرة.
طيب، ما هي الأشياء النجسة؟ إذا نحتاج أن نعدد الأشياء التي مثلا مثل البول، الغائط، الميتة، الكلب، الخنزير، مثلا بول وروث ما لا يؤكل لحمه، هذه أشياء نجسة. طيب، إلا أننا سوف نذكر الآن بعض الأشياء الطاهرة، قد يقول إنسان: لماذا تذكر بعض الأشياء الطاهرة وأنت قد ذكرت أن الأصل كلها في الأشياء أنها طاهرة؟
نقول: هذه الأشياء نعددها لأنها قد تشتبه أو قد حصل فيها خلاف، فننبه عليها، ننبه على طهارتها لأجل رفع هذا الاشتباه وإزالة هذا الخلاف، فتبقى على الأصل. من الفوائد التي تفيدنا إذا قررنا الأصول: من هو المطالب بالدليل؟ أنا مثلا لما أقرر مثلا أن مني الآدمي طاهر، فيأتي إنسان يقول: لا، مني الآدمي نجس. من هو المطالب بالدليل؟ المطالب بالدليل الذي يقول إنه نجس؛ لماذا؟ لأنه قد ذكرنا الأصل، الطهارة. هات الدليل أنت على أنه نجس، لاحظت؟ فإذا رددت على دليلي، فمعنى ذلك أني أرجع إلى الأصل. دائما تقرير الأصل يفيدنا في معرفة المطالب بالدليل؛ المطالب بالدليل، لأنه إذا تكافئت الأدلة أو تم الرد عليها أو رفع الاستدلال لوجود الاحتمال، فإننا نرجع دائما إلى الأصل، لاحظتم أيها الإخوة؟
فمن هذه الأشياء الطاهرة مثلا جثة الميت المسلم، الإنسان، الإنسان المسلم وحتى الكافر فإن جثته لا تنجس بموته، والمؤمن لا ينجس كما جاء في الحديث المتفق عليه، وهذا من تكريم الله سبحانه وتعالى لابن آدم. من الأشياء التي قد تشتبه، لأن هذا الأمر حتى لا يشتبه عندنا بالميتة النجسة.
طيب، من الأشياء الطاهرة كذلك ما ليس له دم سائل بشرط أن يكون متولدا من طاهر، مثلا مثل البعوض أو الذباب أو غيره، فهذا ليس له يصنفه الفقهاء، هذه الحشرات يصنفها الفقهاء بأنها ليس لها دم سائل، وبالتالي فإنها تكون طاهرة. وقد جاء في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: «إذا وقع الذباب في إناء أحدكم».
إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه ثم لينزعه فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء. هذا دلنا على أن هذا الذباب ليس بنجس؛ لأنه مأمور بغمسه في الشراب؛ لأن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء.
كذلك من الأشياء الطاهرة التي يحتاج النص عليها: بول وروث ما يؤكل لحمه، مثل بهيمة الأنعام؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد أباح الصلاة في مرابض الغنم. لاحظوا الآن الصلاة في مرابض الغنم لا شك أنه يوجد فيها شيء من روثها، ولكن هذا الروث يعد طاهراً، لماذا؟ لأن هذه الغنم أو بهيمة الأنعام يؤكل لحمها، وكذلك بول ما يؤكل لحمه.
قد جاء في حديث العرنيين الذين قدموا المدينة فاستووا المدينة أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يذهبوا إلى إبل الصدقة وأن يشربوا من ألبان الإبل وأبوالها فإن فيه شفاء لهم. وبالفعل هذا يعرفه الناس، إن أبوال الإبل تنفع في بعض الأمراض يعرفها الأعراب أهل الإبل يتداوون بأبوالها من بعض الأمراض التي تصيبهم. فالشاهد أن أمر النبي صلى الله عليه وسلم لهم بالشرب منها دل على أنها ليست بنجسة وأنها طاهرة. لماذا ننص عليها؟ طبعا لا شك أن الأصل في الأشياء الطهارة، ولكن الأبوال والأرواث نجسة، فنحتاج أن نستثني بول وروث ما يؤكل لحمه من هذه الأشياء النجسة.
كذلك من الأشياء الطاهرة التي نحتاج أن ننص عليها: مني الآدمي. وقد جاء في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كنت أغسل المني من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيخرج إلى الصلاة وأنا أمثر أثر الغسل فيه. وفي بعض ألفاظ هذا الحديث في صحيح مسلم: لقد كنت أفركه يابساً من ثوبه صلى الله عليه وسلم. فالفرك يابساً يدل على أن بقي مدة، وأن هذه المدة قد صلى فيها النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك الفرك لا يزيل عينه تماماً، وإنما يبقى فيه شيء بعد الفرك، وهذا دل على أن هذا المني لم يعامل معاملة الأشياء النجسة التي قالوا: جرمها وأثرها، وإنما عومل معاملة الأشياء الطاهرة.
وهذا لو قال قائل: ما وجه الاستدلال بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها؟ وهذا ليس فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل هذا الأمر أو أمر به. نقول: هذا يسمى السنة التقريرية؛ فإن الشيء إذا فعل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم انكاره ولا جاء الوحي القرآني بإنكاره، فإن هذا هو السنة التقريرية، وهي سنة مقبولة عند أهل العلم. السنة التقريرية كون هذا الفعل يفعل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينكره النبي صلى الله عليه وسلم ولا أنكره القرآن، فهذا دليل أن هذا تقرير لهذا الفعل. لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يقر هذا الأمر إذا كان أمراً منكراً أو غير صحيح، والله سبحانه وتعالى لا يقر هذا الأمر في فترة نزول الوحي إذا كان هذا الأمر منكراً أو غير صحيح.
لذلك نجد في القرآن الكريم مثلاً العتاب في بعض المواطن أو تصحيح بعض الأخطاء، كذلك نجد من النبي صلى الله عليه وسلم مثلاً العتاب والتصحيح، فمن أمثلته مثلاً في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قتلوه قتلهم الله ألا سألوا إذ لم يعلموا فإنما شفاء العين السؤال»، لما أفتى بعض الناس شخصاً جريحاً أصابته شجة في رأسه فأفتوه بالغسل فمات من هذا الغسل، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يقر هذا الأمر وأنكره، فهذا دلنا على أن هذا الأمر منكر وأنه في هذه الحالة مشروع التيمم. من أين اخذنا هذا الأمر؟ من تقرير النبي صلى الله عليه وسلم.
إذاب هذا يسمى أيها الإخوة والأخوات يسمى السنة التقريرية، وهذه السنة التقريرية هي غير السنة الفعلية والسنة القولية. لا شك أن السنة القولية هي أقوى مراتب الدلالة، أمر النبي صلى الله عليه وسلم أو نهيه أو تشريعه هذا يأتي في أعلى الرتب، السنة القولية، وأقل منه في الدلالة ولا شك أنه سنة تشريعية يؤخذ به، لكن أقل منه في الدلالة بمعنى أنه يعتوره يحتاج إلى تحرير، يحتاج إلى بيان الأوصاف المؤثرة والأوصاف غير المؤثرة السنة الفعلية، وأقل منه السنة التقريرية يحتاج إلى بيان الأوصاف المؤثرة والأوصاف غير المؤثرة بشكل أدق.
لذلك أبلغ شيء في رأي الإنسان وبيانه قوله، ثم فعله، ثم تقريره. لاحظتم هذه؟ هذه رتب في التشريع النبوي الكريم يحتاج طالب العلم أن يدرك إن شاء الله تعالى الفرق بينها، وهذا مبحث حقيقة يدرس في أصول الفقه، وهو يؤخذ في سنة النبي صلى الله عليه وسلم وبيان رتبها التشريعية، وأن أقواها القول، ثم الفعل، ثم التقرير.
نعود إلى حديثنا عن الأشياء الطاهرة، كذلك مثل المني، وكذلك مثل رطوبة فرج المرأة؛ وهذه الرطوبة تخرج أو تكون في فرج المرأة وتعلق بالرجل مثلاً عند ملاعبته لأهله، ولم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بغسلها من الرجل، فهذا دليل على طهارة رطوبة فرج المرأة. إذاً، هذه أشياء أحببنا أن ننبه إليها، الأشياء الطاهرة وربما حصل فيها خلاف أو ربما اشتبهت بغيرها من الأشياء لذلك احتجنا إلى التنبيه إليها.
كذلك من هذه الأشياء الطاهرة سؤر الهرة، والهرة يكثر تطوافها في البيوت وربما تشرب من هذا الإناء فيبقى بعد شربها شيء، فهل هذا السؤر طاهر؟ وقد جاء في حديث أبي قتادة رضي الله تعالى عنه أن سؤرها طاهر؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهرة: «إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم». وهذا الحديث رواه أبو داود وصححه الألباني رحمه الله تعالى.
فكل ما يكثر تطوافه على الناس مما يشق التحرز منه، فانه يكون كالهرة. كل ما يكثر تطوافه على الناس ويشق التحرز منه فإنه يكون كالهرة والله تعالى أعلم. قد يقول قائل: طب الهرة لا يؤكل لحمها فالمفترض أنها تكون نجسة؟ نقول: نعم، ولكن هذه من الأشياء التي يشق التحرز منها ويكثر تطوافها في البيوت، فلذلك جاء في الشرع التخفيف فيها والله تعالى أعلم. إذاً، هذه بعض الأشياء الطاهرة التي أحببنا أن ننبه إليها وذكرنا أن الأصل في الأشياء الطهارة، ونبهنا على هذه الأمور لما تشتبه مثلاً مع غيرها من الأشياء النجسة أو لأجل أنه حصل فيها خلاف فلذلك احتيج إلى التنبيه إليها.
نريد أن ننتقل بعد ذلك إلى شيء من النجاسات والطهارات وفيه تفصيل، ألا وهي الدماء. الدماء تنقسم إلى أنواع؛ فمنها دماء الإنسان ودماء الحيوان، وفيها تفصيل وسوف نبين إن شاء الله تعالى في هذا التفصيل الفرق بين هذه الدماء وما هو الطاهر منها وما هو النجس إن شاء الله تعالى، ولكن بعد هذا الفاصل القصير.
اعلم أن الصبي أمانة عند والديه، وقلبه جوهرة ساذجة وهي قابلة لكل نقش، فإن عود الخير أو الشر نشأ عليه، وشاركه أبواه ومؤدبه في ثوابه أو عقاب، فينبغي أن يصونه ويؤدبه، ولا يعوده التنعم وأسباب الرفاهية فيضيع عمره في طلبها إذا كبر. كلمات قصيرة تحمل بين طياتها تنبيهاً وتحريراً خطيراً، وتوجه حواسنا ومداركنا إلى دورنا الحقيقي الذي سنحاسب عليه: كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته.
فمن أهم أدوارنا الجديرة بهتمامنا في هذه الحياة التركيز على مسؤوليتنا تجاه رعيتنا؛ فالآباء والأمهات لهم الأثر الأعظم بعد الله في مستقبل الأبناء والأجيال، لذلك خصهم النبي صلى الله عليه وسلم بالذكر فقال: «والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها».
إن الأبناء زهرة الحياة وقرة أعين الآباء والأمهات، وبصلاحهم ودعائهم ترفع الدرجات في الآخرة، ولكن يجب أن ندرك أن ذلك مرهون بححسن تربيتهم وصلاح نشأتهم. فهنا كان لزاما علينا البحث عن أبراع الطرق وأفضل الأساليب في التربية والتوجيه، ليكون أبناؤنا في قابل أيامهم مصدر بر وسعادة لنا، وسواعد خير وبناء للمجتمع الإنساني.
نعود إليكم بعد هذا الفاصل. نرجع إلى الحديث عن أقسام الدماء، وكنا قد ذكرنا قبل الفاصل أن الأصل في الأشياء الطهارة إلا بعض الأشياء النجسة، ونحتاج إلى تعدادها وبيانها، ثم ذكرنا بعض الأشياء الطاهرة واحتجنا إلى ذكرها لأنها قد تشتبه في نظر الإنسان بأشياء نجسة، فاحتجنا إلى التنصيص على طهارتها، وإن كان ذكرنا أن الأصل في الأشياء الطهارة فهي موافقة للأصل، أو أنه حصل فيها خلاف فاحتجنا إلى الترجيح فيها.
نريد أن ننتقل الآن إلى أقسام الدماء وبيان: هل الدماء نجسة أم طاهرة؟ فنقول: إن الدماء تنقسم إلى قسمين؛ أول شيء دم الإنسان، والامر الثاني دم الحيوان.
فعند حديثنا عن دم الإنسان فإنه يحتاج كذلك أن نفصل فيه، ودم الإنسان ينقسم إلى قسمين: أولا، دم الحيض والنفاس؛ ودم الحيض والنفاس نجس بإجماع أهل العلم، وقد جاء في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وجوب تطهيره وتنظيفه، فقد جاء في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: «اغسلي عنك الدم وصلي» في قصة فاطمة بنت أبي حبيش رضي الله تعالى عنها، اغسلي عنك الدم وصلي. وجاء في حديث أسماء رضي الله تعالى عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تحته ثم تقرصه بالماء ثم تنضحه وتصلي فيه» عن دم الحيض يصيب الثوب، لا قال: «تحته ثم تقرصه بالماء»، تقرصه بالماء أي إنها القرص معروف أنه الفرك، هذا القرص معروف مثل قرص الإنسان، يقول: قرص الإنسان نوع من الفرق الذي يكون بأصبعين، «تحته ثم تقرصه بالماء» حتى يزول دم الحيض هذا وأثره، «تحته ثم تقرصه بالماء ثم تغسله أو تنضحه وتصلي فيه». إذا لابد أن يزول عين الدم هذا دم الحيض والنفاس من ثوب المرأة حتى تصلي في هذا الثوب.
وقد جاء في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن امرأة سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن غسلها من المحيض، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «خذي فرصة من مسك فتطهري بها»، فقالت: كيف أتطهر بها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سبحان الله! تطهري بها» استحيا النبي صلى الله عليه وسلم أن يصف لها صفة تطهير الموضع من أثر الحيض والنفاس لأن هذا التطهر في هذا الموضع واجب مثل تطهر الرجل والمرأة من نجاسة البول والغائط، تطهير هذا الموضع واجب بعد الحيض والنفاس.
فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: «خذي فرصة من مسك فتطهري بها»، فقالت: كيف أتطهر بها؟ فقال النبي: «سبحان الله! تطهري بها» استحيا صلوات الله وسلامه عليه أن يبين لها كيف طريقة التطهر بها، فقالت: كيف؟ فاجتذبتها أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وقالت لها: تتبعي بها أثر الدم، تتبعي بها أثر الدم. أي أن المرأة يجب عليها أن تأخذ شيئا إما قطنا أو غيره فتتبع به أثر الدم في جسدها فتنظف ذلك الأثر حتى يزول أثره مثل ما يفعل الإنسان سواء كان ذكرا أو أنثى في بوله وغائطه، ويجب أن يطهر هذا الموضع من هذه النجاسة. إذا هذا يدلنا على ماذا؟ على نجاسة دم الحيض والنفاس.
طيب، قد يقول قائل: ما حكم الدماء غير دم الحيض والنفاس؟ مثلا دماء الجروح؛ إنسان جرح مثلا في يده أو في قدمه هل هذا الدم دم نجس أم لا؟ الحقيقة هذه المسائل من المسائل التي اختلف فيها أهل العلم اختلافا كبيرا، قال بعض أهل العلم بنجاسة هذا الدم وقال بعض أهل العلم بطهارته، والإنسان حقيقة إذا استطاع أنه يتحرز من هذا ويطهر هذا الدم إذا كان هذا الأمر ميسورا له ويتيسر له فانه يخرج من هذا الخلاف ويقوم بهذا التطهير.
ولكن الصحيح والله تعالى أعلم أنه إذا شق على الإنسان أو تحرز منه أو لم يدري عنه أو أنه لم يتيسر له، فإن الصحيح والله تعالى أعلم أن يقال إن هذه الدماء طاهرة غير دم الحيض والنفاس، لو الإنسان فيه جرح مثلا أو أصاب ثوبه دم من جرح مثلا فهل يصلي في هذا الثوب؟ إنك تغسل خروجا من هذا الخلاف هذا طيب، خصوصا أن الخلاف قوي في هذه المسألة. إذا لم يتيسر لك فيجوز لك أن تصلي فيه باعتبار أن دم الإنسان غير دم الحيض والنفاس طاهر.
ما الذي دلنا على أن هذا الدم طاهر؟ نقول: إن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يصلون في جراحاتهم مثلا في مغازيهم كانوا لا شك يصيبهم الدماء في ثيابهم ويصلون في جراحاتهم، فهذا يدلنا على أن هذا الدم الذي يصلون فيه أنه طاهر لأنهم لم يؤمر في غزوهم مثلا، لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمرهم في الغزو بأن يتطهروا من هذه الدماء وأن يغسل كل واحد ثيابه في هذه الغزوة قبل أن يصلي، كون هذا لم يؤثر مع وجود الداعي له.
كون هذا لم يؤثر مع وجود الداعي له، ركزوا على قولنا مع وجود الداعي له، لأننا سوف نبين إن شاء الله تعالى أن العدم المجرد ليس بدليل، ولكن إذا وجد الداعي له فانه ينتقل من رتبة العدم المجرد إلى رتبة الترك، والترك نوع من انواع العمل، والعمل سنة فعلية عملية، فاذا كون النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمرهم مع وجود الداعي ومعه تكرره في غزوات النبي صلى الله عليه وسلم ومغازيه، ولم يؤثر عنهم رضي الله تعالى عنهم كانوا يغسلون جراحاتهم أو يطهرون ثيابهم من هذه الدماء، هذا يدلنا على ماذا؟ يدلنا على أنه كانوا يصلون في هذه الجراحات، وصلاتهم في هذه الجراحات الموجودة وآثار الدماء الموجودة في ثيابهم يدلنا على طهارة هذه الثياب وأن هذه الدماء لا تعد دماء نجسة والله تعالى أعلم.
طيب، الأمر الثاني أننا نقول: من هو المطالب بالدليل على نجاسة هذه الدماء، اللي هي دماء غير الحيض والنفاس؟ نقول: المطالب بالدليل من يقول أنها نجسة. لاحظوا الان أننا نرجع لتقرير الأصل، نحن قد قررنا من قبل أن الأصل في الأشياء الطهارة، إذا نحن نقول إن من يقول بنجاستها هو المطالب بالدليل وهو المطالب أن يثبت أنها نجسة، طيب، تقريرنا لجراحات أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأنهم كانوا يصلون في جراحاتهم وفي الثياب التي فيها هذه الدماء من هذه الجراحات هو في الحقيقة تقوية لهذا الأصل ولا نحتاج الاستدلال به لأن الأصل في الأشياء الطهارة ولكن نحن نقوي هذا الأصل بهذا الفعل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
طيب، ننتقل بعد ذلك إلى الحديث عن دماء الحيوان فنقول كذلك: دماء الحيوان تنقسم إلى قسمين، الأول دم ما يؤكل لحمه، والثاني دم ما لا يؤكل لحمه. ما يؤكل لحمه كذلك أنواع، لاحظوا الآن كثرت التقسيمات عندنا تنبهوا لها، لو أن إنسان منكم إن شاء الله تعالى يأتي يلخصها لنا في تلخيص شجري يجعلها مثلا في المنتدى أو في الموقع هذا جيد.
فالان عندنا التقسيم الأول دم الإنسان ودم الحيوان، ودم الإنسان ينقسم إلى قسمين: دم الحيض والنفاس وغير دم الحيض والنفاس. طيب، عندنا دم الحيوان: دم ما يؤكل لحمه ودم ما لا يؤكل لحمه. طيب، ما يؤكل لحمه الآن فيه أنواع: الدم المسفوح هذا دم نجس بالإجماع، وقد جاء في القرآن: ﴿إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خَنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: 145].
الدم المسفوح ما هو؟ هو الدم الذي يسفك عند ذبح البهيمة، هذا الدم المسفوح هذا دم نجس، لذلك نحن ننبه الجزارين مثلا الذين يصيبهم أو يصيب ثيابهم هذا الدم المسفوح فنقول: يجب أن تغسلوا هذا الدم لأنه نجس. تطاير هذا الدم من الذبيحة وخروجه منها هذا الدم دم مسفوح وهو دم نجس.
الدم الآخر، اللي هو الدم الذي يبقى مثلاً في العروق، مثلاً في عروق أو في اللحم، أو يبقى شيء من الدماء يلحظها الإنسان مثلاً عند الطبخ، مثلاً قد يرى شيئاً من الدماء أو غيرها. هل هذا دم نجس؟ نقول لا، هذا دم طاهر، هذا دم طاهر وهو غير الدم المسفوح، جاءت الشريعة نصت: ﴿أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا﴾ [الأنعام: 145]. هذا معناه الشيء الباقي في جسد هذه مثلاً الغنم أو الإبل أو البقرة أو غيرها، الباقي في جسدها بعد الذبح فانه يكون دما طاهرا، والله تعالى أعلم.
ومما يدل على طهارته أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ذات يوم يصلي فأتي بسلا جزور فوضع على ظهره وهو يصلي صلوات الله وسلامه عليه، حتى جاءته فاطمة رضي الله تعالى فطرحت هذا السلا عن ظهره صلوات الله وسلامه عليه، وهذا من الأذى الذي كان يلاقيه النبي صلى الله عليه وسلم في مكة في دعوته إلى الله سبحانه وتعالى. ولكن هذا يدلنا على ماذا من الناحية الفقهية في الطهارة والنجاسة؟ يدلنا على أن سلا الجزور أنه طاهر وليس بنجس، كما قد ذكرنا من قبل أن بول وروث ما يؤكل لحمه وأن دمه طاهر إن شاء الله تعالى.
ننتقل بعد ذلك إلى النوع الثاني، وهو دم ما لا يؤكل لحمه، دم الحيوان الذي لا يؤكل لحمه. مثلاً مثل دم الميتة، فهذا الدم نجس والله تعالى أعلم، لقوله سبحانه وتعالى: ﴿قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً﴾ [الأنعام: 145]. وهذه الآية تدلنا على تنجيس الميتة؛ فمثلاً الميتة التي تموت حتف أنفها دون نحر، مثلاً المنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، هذه التي ماتت خنقاً هذه دمها فيها يبقى في هذه، لا شك أنها نجسة ولا شك أن هذا الدم يكون دماً نجساً، وأنه لا يحل للإنسان أن يأكل هذه الميتة، والله تعالى أعلم.
إذاً، دم الميتة دلتنا هذه الآية على أن دم الميتة نجس، إلا أننا نحتاج أن نستثني من الميتات ميتتان دلت الشريعة على إباحة أكلهما ودلت الشريعة على طهارتهما، وإباحتك لهما يدل على طهارتهما؛ فقد جاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أحلت لنا ميتتان السمك والجراد». إذاً الدم الموجود في السمك أو الجراد هذا يدل على ماذا؟ أنه مباح، وأن ميتتهما حلال، يحل للإنسان أكلها.
إذاً هذا ملخص الحديث عن الدماء وأقسامها، دماء الإنسان ودماء الحيوان، والتفصيل في دم الإنسان بين دم الحيض والنفاس وغيره من الدماء، وبين دماء الحيوان التي يؤكل لحمها والتي لا يؤكل لحمها. ومن المهم للإنسان أن يتعرف هذه الأشياء النجسة حتى يطهرها إذا وقعت على ثوبه أو على بدنه أو في المكان الذي يصلي فيه؛ لأن اجتناب النجاسة واجب وشرط من شروط الصلاة. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يععلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
د. منصور بن عبد الرحمن الغامدي