الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، اللهم هيئ لنا من أمرنا رشدا، وآتنا من لدنك توفيقا وسدادا وصوابا.
إخواني وأخواتي، هذا هو الدرس الثالث والثلاثون من سلسلة دروس الفقه في أكاديمية زاد. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الدروس، وأن ينفع بها قائلها وسامعها، وأن يجعلها من العلم الذي يكون حجة لنا لا حجة علينا.
إخواني وأخواتي، كنا قد تكلمنا في الدروس السابقة عن شروط الصلاة، وعن أركان الصلاة، وعن واجبات الصلاة، وعن سنن الصلاة. لعلنا نتحدث إن شاء الله تعالى في هذا الدرس عن صفة الصلاة، محاولين أن نجمع صفة الصلاة الكاملة المشتملة على الأركان والواجبات والشروط والمستحبات، ليتبين الإنسان كيفية طريقتها وترتيبها في الصلاة، وكيفية هذه الهيئات وأدائها.
من الجيد ذكره قبل أن نبدأ في درس صفة الصلاة أن ننبه إلى بعض أهل العلم الذين جمعوا صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على الوجه الأكمل والأتم. من أبرز أهل العلم وأهم الكتابات في هذا الشأن هي كتابة الشيخ الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه العظيم زاد المعاد، الذي ذكر فيه هدي النبي صلى الله عليه وسلم في العبادات، وذكر فيه سيرة النبي صلى الله عليه وسلم.
إلا أن ما يهمنا هنا هو بيان ابن القيم رحمه الله تعالى تفصيلا لهدي النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة. وقد جمع في هذا الفصل القيم الرائع: فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في صلاته وصف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لصلاته، وقد جمعه من أكثر من ثلاثين أو أربعين نفسا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، تتبع ما يذكرونه في صفة صلاته صلى الله عليه وسلم، سواء في هيئاتها الفعليه أو هيئاتها الققولية أو الأذكار والأدعية.
تطرق ابن القيم رحمه الله تعالى كذلك في هذا الكتاب العظيم، في هذا الفصل النافع، إلى بيان الأحاديث ومواطن اتفاقها ومواطن اختلافها، وعند الاختلاف يبين الترجيح في الثابت عنه صلى الله عليه وسلم. الحديث في هذا الفصل هو بيان لهديه في الصلاة صلوات الله وسلامه عليه، وليس بيانا للأركان والواجبات، ليس حديثا فقهيا عن أركان الصلاة وعن واجباتها أو عن شروطها أو لا، وإنما هو بيان حديثي لهديه صلى الله عليه وسلم، حاول فيه أن يصف الصلاة التي كان يصليها الرسول الكريم كأنك تراها في كتاب زاد المعاد لابن قيم الجوزية رحمه الله.
من الكتب المعاصرة التي كذلك نبهت إلى صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم واجتهدت في جمع الأحاديث الواردة فيها، هي كتاب الشيخ الألباني رحمه الله تعالى صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم كأنك تراها. وقد كتب رحمه الله تعالى كتابا مطولا موسعا وكتابا مختصرا في بيان صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، جمع فيه الأحاديث والآثار الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
لماذا يجب على طالب العلم أن يحرص على هذا العلم؟ لماذا؟ لأنه متكرر، وهو هدي النبي صلى الله عليه وسلم في اليوم والليلة مرات ومرات؛ خمس صلوات مفروضات غير السنن النوافل والرواتب. فلذلك هذا حقيقة من أهم العلم الذي ينبغي لط طالب العلم وطالبة العلم أن يعتنوا به، لماذا؟ لأنه متكرر في حياتهم، لانه متعلق بالصلاة وهي أعظم فرائض الإسلام وأهم أركانه وواجباته.
كون الإنسان يقيم صلاته وفقا لصلاه النبي صلى الله عليه وسلم وهديه، يحافظ على أركانها وشروطها وواجباتها وسننها، ويقيمها باعتدال وتؤدة وطمانينة وخشوع يجمع قلبه فيها، لا شك أن هذا من أفضل الأعمال وأقربها إلى الله سبحانه وتعالى. لذلك حقيقة أنا أذكر نفسي وإخواني وأخواتي جميعا بأن نعتني بهذا الموضوع، وأن نعتني بالقراءة فيه، وإطالة القراءة فيه، والنظر في الروايات وفي الأحاديث، وتأمل صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، حتى يقيم الإنسان صلاته كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقيمها.
الجانب الفقهي المتعلق بتمييز الأركان والشروط والواجبات والسنن وغيرها، هذا قد ذكرناه في دروس سابقة، وذكرنا أن عمدة الواجبات والأركان حديث المسيء صلاته، وذكرنا الأوامر التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وذكرنا كيف نستخرج الأركان، وكيف نميز الشروط والواجبات والسنن، وما هي مستندات الركنية والوجوب والاستحباب؟ كل هذا في دروس سابقة لعلنا نتجاوزه الآن إلى بيان الصفة الفعلية للصلاة.
فنقول أولا: المصلي إذا أقبل إلى الصلاة متطهرا متوضئا مستقبلا القبلة، عليه أن يستشعر أنه مقبل على عباده عظيمه يتصل فيها المسلم بربه سبحانه وتعالى، بل إن هذه العباده اعظم عبادات الإسلام الفعليه، شرعها الله سبحانه وتعالى ليله الاسراء والمعراج دون واسطه، أمر الله سبحانه وتعالى بها نبيه الكريم مباشره. اذا مشروعيه الصلاه لها طريقه خاصه، على المسلم ان يستشعر عظم ما يقبل عليه، وانه مقبل على مناجاه ربه سبحانه وتعالى.
كون مسلم يقبل على الصلاة بهذا الشكل وهو مستشعر عظمه الله سبحانه وتعالى الذي اقبل عليه، وهو مستشعر أهمية هذه العبادة، أهمية الاتصال بالله سبحانه وتعالى، يستشعر نعمة الله سبحانه وتعالى عليه بأن شرع له هذه العبادة. بعض الناس يعتبر هذه العبادة ثقلا عليه، وهذا كما قال الله سبحانه وتعالى يجعلها كبيرة عليه، وهذا الحقيقة حال غير الخاشعين، أما الخاشعون في الصلاة فإنهم يعدون هذه الصلاة نعمة ورحمة ومنة من الله سبحانه وتعالى أن فرضها على عباده، يشكرون الله سبحانه وتعالى على مشروعيتها، وأن الله سبحانه وتعالى فرضها عليهم حتى يقبلوا وينادوه فيها سبحانه وتعالى، يعتبرها المسلم بابا فتح له إلى الله سبحانه وتعالى، مناجاة: أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد.
إذا استشعر المسلم هذا وأقبل على صلاته وجمع همه وقلبه على هذه الصلاة، يجمع قلبه وهمه على هذه الصلاة ولا يشتت قلبه وفكره في كل واد. هذا تشتيت القلب والفكر هذا من وساوس الشيطان التي يصرف بها المسلم عن صلاته، الشيطان يختلس من صلاة العبد حتى لا يبقى العبد من صلاته إلا نصفها، ربما وربما ثلثها، وربما ربعها، وربما خمسها، سدسها، سبعها، ثمنها، تسعها، ربما عشرها، ربما خرج من صلاته ولم يكتب له منها شيء.
كل إنسان يقبل على صلاته ويحرص أن تكتب هذه الصلاة كاملة له عند الله سبحانه وتعالى، وأن يخرج مقيما لها مطمئنا خاشعا مقبلا على الله سبحانه وتعالى، لا شك أن هذا يحقق له الأثر البالغ العظيم. الإنسان المسلم إذا صلى هذه الصلاة بهذه الصفه وبهذا الشكل، فانه يحصل له أثر الصلاة؛ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، كما قال الله سبحانه وتعالى، لكن لمن يحصل هذا؟ للخاشعين في صلاتهم ﴿إِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: 45-46]، ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: 1-2]. لا شك أن الخشوع في الصلاة إقبال القلب في هذه الصلاة مهم جدا في إقامة الصلاة.
إقامة الصلاة لها جانبان: جانب قلبي يتعلق بالطمانينة والخشوع والإقبال على الله سبحانه وتعالى، والجانب الثاني: جانب بدني يتعلق بهيئات القيام والركوع والسجود ومقدار القراءة والجهر بها أو الإسرار أو هيئات الجلوس أو هيئات القيام، هذا جانب بدني، المسلم عليه أن يتنبه لهذين الجانبي، يتنبه لهذين الجانبين.
فلا يليق بالإنسان أن يهتم بالجانب القلبي فقط ويهمل جانب سنة النبي صلى الله عليه وسلم واتباعه في صلاته صلوات الله وسلامه عليه، ولا يليق بالمسلم كذلك أن يقيم الصلاة ظاهريا يكون فيها في ظاهره في هيئاتها الفعليه والقولية يكون فيها متابع للسنة حرفيا، ولكن قلبه لاه ومشغول عن الصلاة تماما.
الصلاة تكون بتكميل الجانب الروحي الإيماني القلبي؛ الخشوع في الصلاة الذي عبر الله سبحانه وتعالى بقوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾، ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: 45]. هذا جانب الخشوع القلبي والطمانينة، جانب الخشوع، خشوع القلب، الإقبال على الله سبحانه وتعالى، ويحرص على تكميل هذا الخشوع.
وتتميمه باتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم في صلاته؛ موافقاً لهديه صلوات الله وسلامه عليه، وهو القائل: «صلوا كما رأيتموني أصلي».
إذاً، طالب العلم المسلم عموماً يحتاج أن يكمل هذين الجانبين؛ جانب الخشوع: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: 2]، وجانب متابعة النبي صلى الله عليه وسلم: «صلوا كما رأيتموني أصلي». لا شك أن المسلم الذي يجمع بين هذين الأمرين تكون صلاته في أعلى الرتب وأتمها وأكملها. ويحتاج المسلم في واقع الأمر في جانب المتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم أن يدرب نفسه على متابعة هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وفي جانب الخشوع لا شك أنه يحتاج القلب من الخشوع والمعالجة والطمأنينة وجمع الهمة وجمع الهم في الصلاة إلى تدرب وتمرين وإلى مجاهدة نفس وإلى ابتعاد عن الصوارف التي تصرف الإنسان عن الصلاة. لذلك، من أهم ما نذكره في هذا الجانب في تحقيق الخشوع -ونذكر إن شاء الله تعالى كذلك بعض الجوانب في هيئة الصلاة العملية والفعلية والقولية- من أهم الجوانب في قضية تحقيق الخشوع أن الإنسان يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، ويعلم أن الشيطان إنما يختلس من صلاته، وأن الإنسان يشعر بعظمة نعمة الصلاة، وأن الإنسان يشعر أنه واقف بين يدي الله سبحانه وتعالى، ويشعر بعظمة من يناجيه سبحانه وتعالى.
الإنسان يحرص على التبكير إلى الصلاة حتى يخرج من قلبه الصوارف والشواغل التي كانت تشغله عن الصلاة. القلب إذا كان مشغولاً بالتجارة وبالعمل وبالتعليم وبالتدريس وباللعب وغير ذلك، ثم جاء إلى الصلاة وكبر مباشرة، لا شك أنه من الطبيعة الجسدية النفسية للانسان أن يبقى هناك فترة يبقى منشغلًا فيها بما كان منشغلًا به قبل؛ لذلك شرع للمسلم أنه يبكر إلى الصلاة، يبكر للصلاة، يبكر للمسجد بحيث إنه يستعد يتهيأ للصلاة، بحيث إنه إذا كبر للصلاة بالفعل كان تكبيره هذا تكبيراً لفظياً معنوياً روحياً إيمانياً قلبياً، يقول الله أكبر بلسانه وبقلبه، فيكون في قلبه أن الله أكبر من كل شيء آخر، وهذا لفظ كما ذكرنا أنه ركن من أركان الصلاة وهو تكبيرة الإحرام، ويحتاج الإنسان أن يتدبر هذا المعنى وأن يحققه في قلبه وفي نفسه.
نعود إليكم إن شاء الله تعالى بعد الفاصل نتابع الحديث عن الجوانب العملية القولية في متابعة هدي النبي صلى الله عليه وسلم في صلاته. أسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن يطبق قوله: «صلوا كما رأيتموني أصلي».
العقيقة هي الذبيحة التي تذبح عن المولود تقرباً إلى الله تعالى وشكراً على إنعامه بنعمة الولد، وجمهور أهل العلم على أنها سنة مؤكدة، وهي كما قال صلى الله عليه وسلم: «عن الغلام شاتان وعن الجارية شاه». ويشترط في سنها ما يشترط في الأضحية؛ بالضأن أشهر فأكثر، والمعز ما أتم سنة فأكثر، ولا يباع لحمها ولا جلدها ولا شيء منها، يتقى فيها من العيوب ما يتقى في الأضحية: العوراء البين عورها، والعرجاء البين عرجها، والمريضة البين مرضها، والهزيلة.
ووقت ذبح العقيقة يبدأ من تمام انفصال المولود، فلا تصح عقيقة قبله، وتستحب العقيقة في اليوم السابع، فإن تعذر فيسن ذبحها في الرابع عشر، فإن تعذر انتقلت إلى اليوم الحادي والعشرين، ويوم الولادة يحسب من السبعة ولا تحسب الليلة إن ولد ليلة، بل يحسب اليوم الذي يليها. قال صلى الله عليه وسلم: «كل غلام رهينه بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه ويسمى فيه ويحلق رأسه».
والعقيقة يؤكل منها ويهدى ويتصدق، ولم يرد في ذلك تحديد، فكيف ما فعل فجائز، ويجوز أن يخرج اللحم نيئاً أو مطبوخاً، والطبخ أفضل فهو زيادة في الإحسان وشكر النعمة. نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع الحديث عن صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم.
ذكرنا أهمية الخشوع في الصلاة، النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «جعلت قرة عيني في الصلاة»، قرة العين يعني منتهى الراحة والطمانينة في الصلاة. وهذا كيف حصل للنبي صلى الله عليه وسلم؟ إلا بخشوع، إلا بطمانينة، بتفكر، بجمع للقلب وجمعية للهم على الله سبحانه وتعالى، دون انصراف إلى الشواغل وإلى ملذات الحياة الدنيا أو غيرها.
أما صفة الصلاة الفعلية، فإن الإنسان يستفتح صلاته بالتكبير، تكبيرة الإحرام (الله أكبر)، ومع هذا التكبير يرفع يديه حذو منكبيه، حذو منكبيه أو حيال أذنيه. فهذا الرفع لليدين قد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الأحاديث أنه كان يرفع يديه حذو منكبيه وفي بعضها حيال فروع أذنه، فيقارب أن هذه قد تكون صفة واحدة وقد تكون صفتين: الإنسان يرفع بهذا الشكل أو أنه يرفع بهذا الشكل. لأن إذا نظرنا وجعلناها صفه واحدة فهذا باعتبار أن بداية اليد تكون حذو المنكبين ونهايتها تكون حذو الأذنين، لذلك والله أعلم أن هذه صفة واحدة. فيكبر (الله أكبر)، ثم يضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره في الصلاة، هذا الوضع لليمنى على اليسرى كما ذكرنا أنه من سنن الصلاة.
ثم بعد ذلك يدعو بأدعية الاستفتاح باحد أدعية الاستفتاح الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد».
يشرع المسلم أن يخفض رأسه في صلاته، ويحرم عليه أن ينظر إلى السماء في صلاته، وهذا والله أعلم أنه من سوء أدب الإنسان المصلي في صلاته أن ينظر إلى الأعلى؛ لذلك جاء فيه الزجر البالغ عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لينتهين أقوام يرفعُونَ أبصارهم إلى السماء أو لتخطفن أبصارهم ثم لا تعود إليهم»، فجاء زجر بالغ عن رفع الإنسان بصره إلى السماء. مقتضى الخشوع والخضوع والذلة هو أن ينظر الإنسان إلى الأسفل، وإن كان نعم بغض النظر عن ثبوت أو عدم ثبوت النظر إلى موضع السجود بعينه، ولكن مقتضى الخشوع والخضوع والذلة أن الإنسان ينظر إلى الأسفل وأن يخفض رأسه وأن لا يرفع رأسه إلى السماء.
يدعو بأدعية الاستفتاح الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ينتقي بعض أدعية الاستفتاح؛ بعضها جاء في صلاة الفريضة كما جاء: «اللهم باعد بيني وبين خطاياي»، وكما جاء عن عمر: «سبحانك اللهم وبحمدك»، أو يدعو ببعض الأدعية الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الليل مثلاً: «اللهم رب جبرائيل وميكائيل واسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة...» إلى آخر الدعاء، أو قول النبي صلى الله عليه وسلم: «وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض» الآيات من سورة الأنعام ثم يكمل بعدها الدعاء الوارد، هذا كله من أدعية الاستفتاح الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم التي يشرع للانسان أن يستفتح بها صلاته.
ثم بعد ذلك يقرا فاتحة الكتاب، ولكن قبلها كما ذكرنا يستعيذ بالله سبحانه وتعالى ويبسمل سرا، وذكرنا أن هذا من سنن الصلاة. ثم بعد ذلك يقرأ الحمد لله رب العالمين، يستشعر حمد الله سبحانه وتعالى والثناء عليه وتمجيده كما جاء في حديث أبي هريرة: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين»، ثم يستشعر طلب الهداية من الله سبحانه وتعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: 6].
معنى سؤال الهداية، بعض الناس يقول: لماذا نسأل الهداية في كل صلاة ونحن مهديون في واقع الأمر؟ هؤلاء لم يفهموا مفهوم الهداية، ليست الهداية فقط معناها أنك مسلم وأنك دخلت في دين الاسلام فقط، لا، الهداية يحتاجها المسلم في كل لحظة، في كل وقت من عمره، في كل آن أن الله سبحانه وتعالى يهديه هداية دلالة وهداية توفيق، يوفق سبحانه وتعالى لسلوك الصراط المستقيم، أن يهديه إليه. لذلك ما أعظم الانحراف عن الصراط المستقيم، سواء كان عن جهل أو عن علم بسبب الهوى، هذا كله مناف للهداية، فيسأل الإنسان الهداية بمعنى هداية العلم وهداية التوفيق، وهاتان الهدايتان لا شك أنهما من أعظم الهدايات التي يمن الله سبحانه وتعالى بها على من يشاء من عباده، يستشعر هذا الأمر.
ثم بعد ذلك يؤمن إذا ختم سورة الفاتحة، يؤمن طالباً من الله سبحانه وتعالى استجابة، ويؤمن المأمومون في الصلاة الجهرية على قراءة الإمام، ولا شك أن هذا التأمين بعد قراءة الإمام أنه يعد من طلب الاستجابة لهذا الدعاء، ويجعلهم كأنهم دعوا بهذا الدعاء الذي دعاه.
سمعوه من الإمام، تأمين المأموم إذا قال آمين على تلاوة الإمام ودعاء الإمام اهدينا الصراط المستقيم كأنه دعا كأنه دعا بهذا الدعاء وقرأ به، كما قال الله سبحانه وتعالى عن موسى وهارون: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْكُمَا﴾ [يونس: 89]. وكان موسى عليه السلام يدعو وهارون عليه السلام يؤمن، ثم بعد ذلك يقرأ سورة من القرآن أو ما تيسر من القرآن.
وقد ذكرنا في هذه القراءة النبي صلى الله عليه وسلم كان يطيل في قراءة الصبح، وقراءة الظهر أطول من قراءة العصر، والغالب في قراءة المغرب أنها كانت من قصار المفصل، والعشاء أنها كانت من أواسط المفصل، وأن هذا هو الهدي الغالب، وليس معنى هذا أن يلتزم التزاما لا يخالف، لا، وإنما الإنسان بعض المرات قد يقصر في صلاة الصبح وقد يطيل في صلاة المغرب، ولكن نحن نذكر أن هذا هو الهدي الغالب للنبي صلى الله عليه وسلم.
يجهر بالقراءة في الصلوات الليلية: الفجر والمغرب والعشاء، ويسر بالقراءة في الصلوات النهارية: صلاة الظهر والعصر.
ثم بعد ذلك، بعد أن يتم قراءته لهذه السورة، يرفع يديه، وهذا الموطن الثاني من مواطن رفع اليدين في تكبير الركوع، ويكبر للركوع. إذا رفع يديه وكبر للركوع فانه يركع، كما جاء في حديث أبي حميد: «ثم هصر ظهره»، أي أنه جعل ظهره مستوياً كما جاء في حديث عائشة: لم يشخص رأسه ولم يصوبه ولكن بين ذلك. لم يشخص رأسه ولم يصوبه ولكن بين ذلك؛ خطأ الإنسان يرفع رأسه بهذا الشكل، يعني هذا ربع ركوع أو نصف ركوع، لا، الإنسان يركع ركوعا تاما كاملا مستويا. ومن الخطأ كذلك أن يصوب رأسه إلى الأرض بشكل منحني، بعض الناس يحني ظهره أكثر من اللازم، لا، كذلك من المشروع أن الإنسان يقيم ظهره ولا يقوس، بعض الناس كذا يقوس ظهره، بعض الناس يقوس ظهره فيجعله لا، بل إنه يقيم الظهر فيكون فيكون هذا الظهر مستويا، يكون مستويا ولا يقوس الظهر ولا يقوس الظهر، هذا في هيئة ظهره.
وأما بالنسبة لليدين، كما ذكرنا، فانه يمكن يديه ركبته، يعني يقبض على يقبض على ركبته، ثم يقول في ركوعه: «سبحان ربي العظيم». وكلما أطال الركوع وأطال التسبيح والتعظيم فإن هذا لا شك أنه أفضل في الصلاة وأتم للصلاة، الإنسان إذا أطال للركوع واستشعر هذا التسبيح وتعظيم الله سبحانه وتعالى، فانه يحضر قلبه ويخشع في صلاته ويطمئن فيها.
وقد ذكر بعض أهل العلم أن هذا الركوع من مواطن الدعاء، وظهر والله تعالى أعلم ربما أنه استنبط هذا القول أن الركوع من مواطن الدعاء من قول النبي صلى الله عليه وسلم الذي روته عائشة أنه كان يقول في ركوعه وسجوده: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي». فإن كان هذا بمعنى أن هذا الدعاء بالاستغفار في الركوع لا شك أن هذا من سنن النبي صلى الله عليه وسلم ثبتت في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتأول القرآن بعد نزول: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: 1].
ولكن الموطن الأفضل للدعاء، أفضل مواطن الدعاء السجود، لذلك جاء في الحديث: «أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأاما السجود فأكثروا فيه من الدعاء فقمن أن يستجاب لكم». الحديث الآخر: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد». لذلك يمكن أن يقال أن الركوع هو موطن تعظيم لله سبحانه وتعالى، تسبيح لله سبحانه وتعالى أكثر من كونه موطنا للدعاء، ولكن من جعله موطن دعاء ربما لأجل هذا الحديث: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي». إن اقتصر عليه إنسان فلا باس، لكن يكثر من التعظيم ويؤجل دعاءه إلى موطن السجود، أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فإن هذا هو المقام الذي خصص فيه أو خص يعني استحب فيه المسلم أن يكثر فيها من الدعاء.
فالركوع يعظم فيه الإنسان ربه سبحانه وتعالى: «سبحان ربي العظيم» كما أمر الله سبحانه وتعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: 74]. وقد جاء في الحديث: «اجعلوها في ركوعكم»، يعظم فيه: «سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة»، هذا لا شك أنه من التسبيحات العظيمة لله سبحانه وتعالى.
ثم كما ذكرنا في حديث أنس لما أشار إلى الفتى عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنهم اجمعين ورحمهم اجمعين، لما أشار إليه أن صلاته شبيهة بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الراوي: فحذرنا صلاة عمر بن عبد العزيز فوجدناها قدر عشر تسبيحات، أي في طول الركوع يطيل الركوع بهذا القدر.
ثم بعد ذلك يرفع من الركوع، يرفع من الركوع رافعا يديه، رافعا يديه، هذا موطن ثالث من مواطن رفع اليدين في الصلاة، قائلا: سمع الله لمن حمده. يشرع للإمام: «لك الحمد»، أو: «ربنا لك الحمد»، أو: «ربنا ولك الحمد»، أو: «اللهم ربنا ولك الحمد»، «ربنا لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد, حق ما قال العبد وكلنا لك عبد». هذا من الأدعية الواردة كذلك بعد الرفع من الركوع.
ويطيل هذا الرفع من الركوع وتستقر عظامه، بعض الناس أول ما يرفع من الركوع مباشرة يسجد، فإن لم تستقر عظامه ويقيم صلبه فلا شك أن هذا خالف ركنا، وهو ركن الطمانينة الذي يبطل الصلاة. لكن إن أقام عظامه ولم يستقر طويلا فهذا خالف سنة من سنن الصلاة. المشروع للمسلم أن يقوم من الركوع ويطيل هذا القيام، يطيل هذا القيام كما جاء في حديث حذيفة: كان قيامه قريبا من ركوعه، أقل من الركوع قطعا، لكنه قريب من الركوع، بمعنى أنه وقت طويل هذا القيام، وليس كما يفعل بعض الناس أنه من حين يرفع مباشرة يسجد، لا، هذا حقيقة من الأخطاء من الأخطاء المنتشرة في صلاة بعض الناس.
الإنسان في ركوعه يطمئن راكعا، بمعنى أنه يستقر في الركوع، وفي رفعه من الركوع بعد اعتداله وقيامه يطمئن قائما، كما جاء في أمر النبي صلى الله عليه وسلم الشخص الذي أاسأ صلاته: «ثم ارفع حتى تطمئن قائما» أو «حتى تعتدل قائما».
طيب، نواصل إن شاء الله تعالى معكم بعد هذا الفاصل القصير صفة الصلاة الفعليه والقولية، أسأل الله سبحانه وتعالى يجعلنا وإياكم ممن يتبع سنة النبي صلى الله عليه وسلم فيها.
﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: 6]. من رحمة الله تعالى بعباده الرخصة لهم في المسح على الخفين والجوارب في الوضوء بدلا من غسل الرجلين، وذلك بالمسح مرة واحدة أعلى الخف الأيمن باليد اليمنى وأعلى الخف الأيسر باليسرى مفرجا أصابعه مبتدئا من أصابع رجليه إلى بداية ساقيه يمسح على الخفين معا أو يبتدئ بالخف الأيمن ثم الأيسر فالامر في ذلك واسع، بشرط أن يكون الخف طاهرا من النجاسة وأن يكون ساترا للقدم مع الكعبين وأن يلبسهما على وضوء كامل، ومدته يوم وليلة للمقيم وثلاثة أيام بلياليها للمسافر، يبدأ احتسابها من أول مسح بعد انتقاض الوضوء. فلو توضا لصلاة الفجر مثلا ولبس الخفين ثم انتقض وضوءه الساعة التاسعة صباحا وتوضا في الساعة الثانية عشر ومسح على الخفين فيبدا احتساب المدة من الساعة الثانية عشر لا من الساعة التاسعة. ويكون المسح في الحدث الأصغر، وأما الحدث الأكبر فيجب فيه الاغتسال الكامل. ومن خلع خفيه أو انتهت مدة المسح فوضوءه صحيح ما لم ينتقض بناقض آخر، فان أراد المسح مرة أخرى وجب عليه أن يتوضأ أولا وضوءا كاملا يغسل فيه قدميه ثم يلبس الخف ويراعي الشروط السابقة.
نعود إليكم بعد هذا الفاصل، وكنا قد تحدثنا فيه عن صفة الصلاة الفعلية والقولية، وتحدثنا فيه عن هيئة القيام ثم الركوع ثم الرفع من الركوع فيرفع المسلم من الركوع رافعا يديه يقول: «سمع الله لمن حمده اللهم ربنا لك الحمد». ويذكر الدعاء المأثور ويطيل هذا القيام، ولا يستعجل لا يستعجل الإنسان في السجود لا، وإنما يبقى فترة مطمئنا حتى تعتدل عظامه ويعتدل الإنسان قائما ويطمئن قائما، ويعود كل فقار إلى مكانه، يعود كل فقار إلى مكانه ولا يستعجل في السجود كما يخطئ بعض الناس. ثم إذا انتهى من الدعاء المأثور الوارد فإنه
الركوع موطن تسبيح وتعظيم للرب سبحانه وتعالى. الرفع من الركوع موطن حمد وثناء على الرب، سمع الله لمن حمده؛ هذا موطن حمد، فيقول: ربنا لك الحمد حمدا كثيرا طيبا. لاحظوا الآن مقامات العبد في هذه الصلاة؛ أول مقامات مقام القيام، تكبير تكبيرات الإحرام هذا موطن تكبير، يعني شوف كيف الأذكار هذه موزعة في الصلاة على هيئة عجيبة عظيمة، يستفتح صلاته بالتكبير وينتقل في كل ركن وفي كل خفض ورفع بالتكبير.
ثم المقام الثاني مقام القراءة؛ قراءة القرآن كلام الله سبحانه وتعالى أجل الذكر وأعظمه. ثم ينتقل إلى مقام الركوع؛ مقام تعظيم الرب جل جلاله: سبحان ربي العظيم، سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة. ثم بعد ذلك يقوم من الركوع ويصبح في مقام الحمد والثناء: ربنا لك الحمد، لربي الحمد، لربي الحمد. وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول هذا: لربي الحمد، أو ربنا لك الحمد وحمدا كثيرا طيبا؛ مقام حمد وثناء يثني فيه ويحمد المسلم فيه الله سبحانه وتعالى.
ثم بعد ذلك ينتقل إلى مقامات السجود؛ مقام الدعاء، السجود حقيقة مقام الدعاء وسؤال الرب جل جلاله. المسلم في هذه الصلاة يتقلب في هذه المقامات: التكبير، قراءة القرآن، التعظيم والتسبيح والتنزيه، الحمد والثناء، مقام الخضوع والذل والطلب والدعاء؛ مقامات عجيبة إنسان يتنقل فيها هذه الصلاة من مقام إلى مقام، من ذكر إلى ذكر، من حال إلى حال، من هيئة إلى هيئة، كلها عبودية لله سبحانه وتعالى تمام العبودية لله. لذلك اشتملت الصلاة على أعظم أنواع الذكر وأهمها، وأفضل العبادات وأشملها وأتمها، وفيها من هيئات العبادة الفعلية والقولية والتركية ما يجتمع في غيرها من العبادات البتة، وهذا قد نبهنا عليه في بداية كتاب الصلاة.
ثم بعد ذلك يهوي المسلم ساجدا لله سبحانه وتعالى. لا باس أن يسجد الإنسان سواء كان على ركبتيه أو على يديه، الأمر إن شاء الله تعالى في هذا واسع ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه سنة صحيحة صريحة يعني يجب المصير إليها أو العدول إليها، وإنما رويت فيها بعض الآثار عن الصحابه رضي الله تعالى عنهم. جاء في حديث وائل بن حجر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يهوي على ركبتيه، وفي حديث أبي هريرة أنه نهى عن بروك كبروك البعير؛ أن الإنسان يبرك على ركبتيه، وأن الإنسان يضع يديه قبل ركبتيه. لكن كلا هذين الحديثين حقيقه فيهما مقال، سواء انسان عمل بحديث وائل بن حجر هوى على ركبته أو عمل بحديث أبي هريرة فهوى على يديه، الأمر إن شاء الله تعالى فيها واسع. حديث أبي هريرة بعض أهل العلم قال إنه قلب على الراوي، وهذا ذكره ابن القيم رحمه الله تعالى في زاد المعاد، وأن الأصل النهي عن بروك البعير بمعنى النهي عن أن الإنسان يهوي على يديه.
الشاهد أن الإنسان إذا هوى إلى السجود هل يرفع يديه في تكبيره السجود؟ لا، لا يرفع الإنسان يديه في تكبيره السجود؛ لأن هذا ليس من مواطن رفع اليدين على الصحيح الذي ذكرناه، وأنه وإن ذكره بعض أهل العلم إلا أن فيه ضعفا ولم يثبت، ولو ثبت فهو يكون مرة أو مرتين ولا يكون هديا غالبا؛ لأنه لم ينقله واصف صلاة النبي صلى الله عليه وسلم.
طيب، إذا سجد الإنسان فانه يحتاج أن يسجد كما يسجد ببدنه، أن يخضع ويذل قلبه، ويستشعر أنه ذليل بين يدي الله سبحانه وتعالى، يسجد على أعضائه السبعة: الجبهة والأنف هذا واحد، واليدين والركبتين وأطراف القدمين. وأطراف القدمين كما ذكرنا أنها لا تكون منصوبة بمعنى أن الأصابع تكون واقفة على الأرض، لا، وإنما تكون الأصابع مثنيه بحيث تكون الأصابع مثنيه مستقبله للقبلة، وتكون الأصابع مثنيه مستقبله للقبلة، ولا يقيمها الإنسان بهذا الشكل، وإن كان السجود صحيحا بهذا الشكل صحيح، إذا ما دام أنه قد سجد على القدمين فهو صحيح، لكن نحن ندل الآن على صفة الصلاة التامة الكاملة؛ الإنسان يسجد بحيث تكون أطراف أصابع قدميه إلى القبلة.
ويضع يديه، لاحظوا أن الأصابع تكون ممدودة ما تكون مفرجة ولا تكون مقبوضة، ما تكون مفرجة بهذا الشكل، لاحظوا أن التفريج هذا في الأصابع هو في هيئة الركوع؛ يقبض على ركبتيه بيديه، يمكن يديه من ركبته. أما في السجود فإنها تكون ممدودة، تكون ممدودة باتجاه القبلة، ولا يفترش ذراعه، ما يضع مرفقه على الأرض، بعضهم إذا وضع مرفقه على الأرض صار هذا افتراش كافتراش الكلب، وينبغي للإنسان أن يبعد ذراعيه عن جنبيه.
ثم إذا سجد يطيل هذا السجود: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: 1]، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اجعلوها في سجودكم» لما نزلت سبح اسم ربك الأعلى. ويكثر من الدعاء: «وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء فقمن أن يستجاب لكم» أي حري أن يستجاب لكم، وجاء في الحديث: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد». لا شك أن هذا من المواطن العظيمة لمناجاة العبد لله سبحانه وتعالى.
لذلك حقيقة من وضع جبهته على الأرض ذل لله وخضع لله وتعبد لله، لا ينبغي له أن يعصي الله وأن يستكبر على الله، لا ينبغي له أن يسأل ويعترض على حكمة الله في تشريعه أو لماذا؛ لأنه وضع جبهته على الأرض، سجد لله، خضع لله، وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين. كون الإنسان يسجد ويوجه وجهه لله سبحانه وتعالى هذا يقتضي أن يكون القلب مسلما لله سبحانه وتعالى، لا يناقش ربه وتشريعه ودينه لماذا؟ والله حرم كذا لماذا؟ أوجب كذا لماذا؟ حرم كذا؟ أو أنني أتطلع لا خلاص أنت سجدت لله، سجدت لله سبحانه وتعالى، يعني وضعت راسك وجبهتك، أشرف ما عند الإنسان وأعلى ما عند الإنسان، وضعته في الأرض عبودية لله سبحانه وتعالى وذلا لله سبحانه وتعالى، لذلك يشرع العبد أن يطيل السجود وأن يكثر من الدعاء فيه.
طيب، فإذا دعا الله سبحانه وتعالى في السجود فانه يرفع من السجود. هل يرفع يديه؟ لا يرفع يديه في الرفع من السجود، وإنما يرفع من السجود مكبرا: الله أكبر، ويجلس الجلسة بين السجدتين، وذكرنا أن هذه الجلسة جلسة الافتراش؛ يجلس على رجله اليسرى وينصب اليمنى مستقبلا باطراف أصابع اليمنى القبلة، ينصب اليمنى مستقبلا باطراف أصابعها القبلة؛ هذه جلسة الافتراش. رب اغفر لي، انسان كذلك في موطن دعاء يدعو الله سبحانه وتعالى أن يغفر له وأن يرحمه: رب اغفر لي وارحمني واهدني وارزقني وعافني واجبرني. ثم بعد ذلك يكبر ويرجع إلى السجود مرة أخرى كهيئته السابقة الأولى، كهيئته السابقة الأولى مطمئنا خاشعا خاضعا ذليلا ذاكرا لله سبحانه وتعالى داعيا وطالبا ربه سبحانه وتعالى. ثم بعد ذلك يكبر رافعا إلى الركعة الثانية قائما.
الركعة الثانية، هل يصرخ الإنسان يجلس جلسة الاستراحه؟ نحن ذكرنا أن الإنسان إذا احتاج إليها جلسها، وإن لم يحتاج إليها كان نشطا وقويا فانه لا يحتاج أن يجلسها، وأكثر واصفي صلاة النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكروا هذه الجلسة التي ذكرها مالك بن الحويرث وقد قدم على النبي صلى الله عليه وسلم في آخر حياته صلى الله عليه وسلم، فربما أن النبي صلى الله عليه وسلم جلسها مرة لاجل احتياجه إليها، ولكن عدم نقلها من جمهور أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم دليل على أنها، مع أنها هيئة ظاهرة وجلسة هيئة فعلية، كونها هيئة فعلية هذا معناها أنها ظاهرة، كونها لم تنقل يدل والله تعالى على أنها فعلت لحاجة مرة من المرات.
يقوم الإنسان إلى الركعة الثانية، هل يرفع يديه في التكبير؟ نقول لا، لا يرفع يديه في التكبير. متى يرفع يديه؟ إذا قام من التشهد إلى الركعة الثالثة فانه يرفع يده، أما إذا قام من الركعة الأولى إلى الركعة الثانية فانه لا يرفع يده.
طيب إذا قام وكبر، هل إذا كبر في القيام هل يقرا دعاء الاستفتاح؟ لا، دعاء الاستفتاح خاص فقط بالركعة الأولى فقط، خاص بالركعة الأولى، فيقرا الفاتحة ثم يقرأ ما تيسر.
تيسر من القرآن، ويفعل في الركعة الثانية كما فعل في الأولى، إلا أنه في ختام الركعة الثانية يجلس جلسة التشهد. وذكرنا أن صفة جلسة التشهد أنها تكون كجلسات الجلسة بين السجدتين، وهي جلسة الافتراش، ويقول التشهد: وهو التحيات لله والصلوات والطيبات. وقد ذكرنا في درس سابق صيغ التحيات لله سبحانه وتعالى الواردة عن ابن عباس وابن مسعود، والذي علمه عمر رضي الله تعالى عنه بمشهد ومحضر من الصحابة والتابعين، علمه الناس: التحيات لله والصلوات والطيبات. كل هذه من التحيات المشروعة في الصلاة.
إن كانت الصلاة ركعتين فإنه يذكر بعدها الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كانت الصلاة رباعية أو ثلاثية فإنه يقوم بعد التشهد، يقوم بعد التشهد قائماً إلى الركعة الثالثة، ويرفع يديه، ويصنع في الركعة الثالثة مثل ما صنع في صلاته في نفس هيئة القيام، إلا أنه لا يقرا سورة بعد الفاتحة، كما جاء في حديث أبي قتادة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الركعتين الأوليين من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورتين، ويقرا في الأخريين بفاتحة الكتاب.
هذا الحديث جاء من أبي قتادة على صفة التقسيم؛ بمعنى أنه كان فصل لنا أبو قتادة الركعتين الأوليين عن الركعتين الأخريين، وكان يسمعنا الآية أحياناً طبعا في تتمة الحديث، لكن نحن اختصرنا على موضوع الشاهد، أنه قسم، فجعل أن الركعتين الأولى بفاتحة الكتاب وسورتين، والركعتين الأخريين كانت بفاتحة الكتاب، كما جاء في حديث أبي قتادة في الصحيح المتفق عليه. إذاً الإنسان في الركعة الثالثة والرابعة يقرأ فاتحة الكتاب. لو الإنسان مثلاً أطال الإمام، أطال الإمام القيام، فإنه يقرأ سورة، لا مانع أن يقرأ سورة، لكن نحن نقول: إن هذا هو الهدي الغالب من هديه صلى الله عليه وسلم كما جاء في حديث أبي قتادة.
يصلي الركعة الثالثة والرابعة، ثم يجلس مثل جلسة التشهد بعد في ختام الثالثة إن كانت الصلاة ثلاثية، وفي ختام الرابعة إن كانت الصلاة رباعية. وجلسة التشهد تكون هنا على هيئة التورك، وذكرنا صفة التورك وأنه يجلس على وركه الأيسر، يقدم رجله اليسرى، يقدم رجله اليسرى ويخرج قدمه اليسرى، يخرجها سواء كان من تحت قدمه اليمنى أو من فوق قدمه اليمنى، مع نصب اليمنى، مع نصب اليمنى، وإن أخرج قدميه فهذه كذلك صفة من صفات التورك، أن يخرج قدميه من الجهة، من الجهة اليمنى، هذه من صفات التورك.
فيجلس ويقول التشهد، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يتعوذ بالله من عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال بعد هذه الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم قبل ختام صلاته، كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم. وإن قال: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، في نهاية الصلاة فهذا كذلك طيب، جاء في حديث معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «يا معاذ، إني أحبك، لا تدعن دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك».
ثم بعد ذلك يسلم باتجاه اليمين، ويلتفت يميناً مع التسليم: السلام عليكم ورحمة الله، يلتفت يميناً حتى يرى بياض خده، ثم يسلم عن يساره، ويلتفت يساراً حتى يرى بياض بياض خده. هذه صفة الصلاة عموماً بإيجاز واختصار. ونحيل حقيقة في صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، يعني إخواننا وأخواتنا، نحيل إلى قراءة كتاب زاد المعاد الذي كتبه ابن القيم، فصل في هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة، فصل ثمين عظيم القدر، جمع فيه الأحاديث الواردة عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفة الصلاة في كل هيئة من هيئات الصلاة وفي كل موطن من مواطن الصلاة، يذكر الهيئات الفعلية والقولية.
كذلك نحيل إلى ما كتبه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى في كتابه العظيم القيم: صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم. كل هؤلاء جمعوا الأحاديث الواردة في صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم ممن يقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم في صلاته، وأن يوفقنا وإياكم للخشوع في الصلاة، وأن يوفقنا وإياكم للتمكن وتمام المتابعة في البدن واللسان، وهذه هي في الحقيقة هي الصلاة الكاملة. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
د. منصور بن عبد الرحمن الغامدي