تسجيل الدخول

المحاضرة 34 - السترة ومنهيات الصلاة

منصور بن عبد الرحمن الغامديد. منصور بن عبد الرحمن الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما. اللهم هيئ لنا من أمرنا رشدا، وآتنا من لدنك توفيقا وسدادا وصوابا. إخواني وأخواتي، هذا هو الدرس الثالث والثعلاثون من سلسلة دروس الفقه في أكاديمية زاد. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الأكاديمية، وأن يبارك في هذه الدروس، وأن يجعل هذه الدروس التي قلناها والتي سمعناها، أن يجعلها من العلم الذي يكون حجة لنا لا علينا، وأن يجعلها من العلم النافع في حقنا يوم نلقاه.

إخواني وأخواتي، سوف نتعرض إن شاء الله تعالى في هذا الدرس للحديث عن السترة في الصلاة، ثم عن الأذكار بعد الصلاة، ثم ندخل إلى موضوع مكروهات الصلاة. فنبدأ نتحدث عن السترة في الصلاة: لقد شرع النبي صلى الله عليه وسلم للمصلي أن يجعل بين يديه سترة. والمراد بقولنا أن يجعل بين يديه سترة، أن يجعل أمامه شيئا يمنع مرور الناس من بينه وبين هذا الشيء، فيكون هذا الشيء أمامه على مسافة ثلاثة أذرع مثلا، ربما تقريباً لو أردنا أن نقدرها بالأمتار لقلنا قرابة المتر والنصف مثلا، يجعل أمامه شيئا بحيث أنه يمنع مرور الناس بينه وبين هذا الشيء، وهذا يسمي أهل العلم السترة في الصلاة. السترة في الصلاة أي أنها تكون أمامه لرد الناس عن المرور بين يديه.

وهنا عدد من التنبيهات: أولا، فقد جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه يقطع صلاة المصلي مرور الحمار والكلب الأسود ومرور المرأة بين يدي المصلي، أي أن هذا يبطل الصلاة ويستدعي من الإنسان المصلي أن يرجع فيعيد صلاته، هذا على قول طائفة من أهل العلم.

والأمر الثاني الذي نود أن ننبه إليه وهو فيما يتعلق بالمصلي، أنه يستحب له استحبابا مؤكدا أن يصلي إلى سترة حتى يرد الناس عن المرور بين يديه.

والأمر الثالث الذي يحسن التنبيه إليه في هذا المقام، وهو حكم المرور بين يدي المصلي. والمرور بين يدي المصلي لا يجوز شرعا؛ لأنه ينقص صلاته أو يبطلها، يبطلها كما ذكرنا في حال المرأة، أو ينقص صلاته في حال مرور الرجل. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه، لكان أن يقف أربعين خيرا له من أن يمر بين يديه». سكت الراوي بعد قوله أربعين، الله أعلم هل هي أربعون يوما أو أربعون شهرا أو أربعون سنة، لكن هذا الحديث فيه تشديد في هذه المسألة: «لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه، لكان أن يقف أربعين خيرا له من أن يمر بين يديه».

لذلك الواجب على المسلم -لأن بعض الناس يستعجل عند خروجه من المسجد فربما يقطع صلاة بعض الناس- الواجب على المسلم أن ينتظر حتى يعني ينهي هذا الذي أمامه صلاته إذا لم يجد، أو يحاول أن يبحث عن طريق آخر أو فرجة أخرى بحيث أنه لا يقطع على هذا المصلي صلاته. وكما ذكرنا أن مرور الرجل يعتبر اختلاسا؛ يختلس من صلاة من صلاة هذا العبد المصلي، ومرور المرأة يعد مبطلا لصلاته، إلا أن هذا الإبطال أو الاختلاس والانتقاص إنما يكون في حق المصلي الذي لم يتخذ سترة، واما إذا كان قد اتخذ سترة ورد الناس عنها ثم مروا من أمامه قهرا، فإن هذا والله تعالى أعلم لا يبطل صلاته ولا ينقصها؛ لأنه قد فعل ما أمر به.

والأمر الرابع الذي نود التنبيه إليه، وهو التنبيه إلى المكان الذي يصلى فيه وتتخذ فيه الستره. فالآن لا شك أن هناك بعض المواطن يكون الحق فيها للمصلين، فلا ينبغي للانسان المار أن يهتك هذا الحق، وأن يكسر هذا الحق الذي حصل لهم بالصلاه ووضع السترة فيمر بين أيديهم. على العكس من ذلك، هناك أماكن مثلا مثل أماكن الممرات والطرقات، فهذه الحق فيها للمارين، وكون الإنسان يصلي، سواء وضع سترة أو لم يضع سترة، هذا اعتداء على حقهم الذي جعل لهم في المرور.

مثال هذه المساله مثلا إذا اردنا أن نمثل لها في المسجد الحرام؛ المسجد الحرام هناك أماكن وساحات مخصصة للصلاه، فهذه الحق فيها للمصلين، ولا يجوز لإنسان أن يمر بين يدي هذا المصلي الذي قد وضع سترا أمامه، والحق له أصلا المكان له. قال الله تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: 26]. طيب، لو أن إنسانا صلى في المكان الذي هو مخصص للطائفين، لو أن إنسانا صلى في المكان المخصص للطائفين ووضع سترة، فهذا الآن هو المعتدي على حق الطائفين.

لو أن إنسان صلى في المكان المهيا للطريق، هذا ممر امام الباب مثلا، ممر لدخول الناس إلى المطاف أو خروجهم من المطاف، دخول الناس إلى المسجد أو خروجهم من المسجد، لو أن إنسانا صلى فهذا عدوان منه على حق المارين. لذلك ينبغي التنبيه إلى أن هذا الحق ينبغي مراعاته، ولا يجوز كذلك في المقابل العدوان على حقوق المصلين، لو أن إنسان صلى في الاماكن المفروشة مثلا بالسجاد المهيأ للصلاة، فهنا لا يجوز للإنسان أن يمر. وبعض الناس يتساهل في هذه المسألة ويزعم أن المسجد الحرام مثلا أو أن المسجد النبوي يجوز فيه قطع صلاة المصلين، وهذا خطأ، وهذا استثناء غير وارد شرعا.

ولكن الذي يجوز المرور وقطع الصلاة فيه، إذا كان هذا المصلي معتديا على حق الطائفين أو على حق المارين، فهنا لا نقول إنه لأجل أن هذا في المسجد الحرام، لا، نقول هذا في أي.. أصلا في المسجد الحرام أو في أي مسجد، إذا صلى الإنسان معتديا على حق غيره، فانه ليس لهذه السترة التي وضعها حرمة، إنما تقطع صلاته؛ لأنه هو الذي قد اعتدى على حق غيره من الطائفين. وهذه قضية ننبه لها؛ لماذا؟ لان بعض الناس أحيانا يخطئ في حال الزحام الشديد، يخطئ فيعمد الصلاة خلف مقام إبراهيم مباشرة. أحيانا يكون المطاف في المسجد الحرام خفيفا، ولا يصل إلى مقام إبراهيم، وهنا لا إشكال؛ لأن الآن حق الطائفين لم يصل إلى هذا الحد، فهنا لا إشكال، فلو أراد أن يصلي خلف المقام مباشرة أو يبتعد عنه فيكون يعني خلفه بمسافة، فلا باس.

ولكن في حال الازدحام يتوسع حق الطائفين في الصحن الذين يطوفون بالكعبة، وربما يتجاوز عددهم والمساحة التي يأخذها الطائفون تتجاوز مقام إبراهيم، وربما تأخذ الصحن كاملا في بعض الأيام، مثلا يكون الازدحام فيها شديدا، مثل أيام الحج أو في بعض ليالي رمضان، يكون الزحام فيها شديدا في المطاف. فلو أن إنسانا جاء وقال: أنا أريد أن أصلي خلف مقام إبراهيم مباشرة بحيث إنه يتخذ المقام سترة له؛ قلنا إن هذا لا شك أن هذا فيه عدوان على حق الطائفين الذين يطوفون بالكعبة. فكونك أنت تقف في طريقهم وتريد أن توقف قدرا من الطواف بالبيت الحرام لأجل أن تتم صلاتك، هذا لا شك أن فيه عدوان وتعدي على حق الطائفين. فلذلك نحن نقول: اذهب فأين تصلي؟ اذهب خلف المقام، ولكن لا يشترط أن يكون خلفه مباشرة، خلفه بمسافة، ما قدر هذه المسافه؟ قدر هذه المسافة التي ينتهي فيها حق الطائفين الذين يطوفون بالبيت، سواء كان خلف المقام مثلا بـ 10 أمتار، بـ 20 متر، بـ 100 متر، لا مانع منه، ارجع إلى القدر الذي ينتهي فيه حق الطائفين وينتهي فيه حق الطائف بحيث انك لا تمنع الطائفين من الطواف بسبب صلاتك، وفي نفس الأمر تحفظ صلاتك من أن تقطع بالمار بين يديك، خصوصا أن الطواف يمر فيه الرجل والمرأة وغيرهم. فلذلك ينبغي.

على الشخص أن يحفظ صلاته وأن يراعي هذا الأمر. أحيانا من أمثلة هذا العدوان على حق المارين أن الإنسان يصلي في الطريق في الممر، فإذا صلى صلاة الفريضة، بمعنى مثلا قد يدخل متأخرا المسجد الحرام أو المسجد النبوي فيصلي في الممر، ويكون الممر أصلا مهيأ للصلاة وهذا القدر لا باس به ولا مانع منه إن شاء الله تعالى إذا كان لا يؤذي أحدا ولا يغلق هذا الممر، ووجد أن هذا الممر قد هيئ شيئا فشيئا للمصلين المتأخرين، فهذا لا باس إلى هذا القدر.

لكن إذا انقضت الصلاة، الآن هل يجوز له أن يقف في مكانه ويصلي السنة الراتبة أو النافلة؟ نقول: لا، أنت الآن هذا الآن هيئ للمصلين الذين يدخلون متأخرين، هذا الممر هيئ للمصلين الذين يدخلون متأخرين شيئا فشيئا، فإذا انقضت الصلاة خلاص انقضى حقك الذي هيئ لك، والان صار الآن الحق فيه لمن؟ للمارين الذين يريدون أن يخرجوا من المسجد الحرام، يريدون أن يخرجوا، فبقاؤك في هذا المكان جالسا أما أنك تسبح أو تذكر أو تسنن السنة الراتبة فيه عدوان على حق المارين الذين يريدون الخروج والدخول إلى المطاف أو إلى المسجد الحرام أو إلى المسجد النبوي أو غيرها من المساجد.

فالان ينبغي عليك أن تقوم من مكانك هذا وتصلي في مكان مهيا للصلاة تصلي فيه السنة الراتبة أو غير ذلك. لماذا نقول هذا التنبيه؟ لأنه لو روعيت هذه الحقوق ما احتجنا إلى القول باستثناء المسجد الحرام واستثناء المسجد النبوي من عموم المساجد وعموم الصلوات في اتخاذ السترة، هذا قول قاله بعض أهل العلم ولكن هذا قول مرجوح والله تعالى. نقول إن المسجد الحرام والمسجد النبوي كغيرهما من المساجد في مسألة السترة ومسألة قطع الصلاة، ولكن ينبغي مراعاة هذه الحقوق للناس، للطائفين، للمصلين، للمارين، وغيرها.

إذا رعيت هذه الحقوق إن شاء الله تعالى فإن يكون قطع الصلاة بالمرور بين يدي المصلي إذا صلى في مكان يحق له فيه الصلاة، واما إذا ضايق على غيره من الطائفين أو المارين فإن هذا والله تعالى أعلم لا يكون له حرمة ويجوز المرور بين يديه لأنه هو المعتدي على حقهم والله تعالى أعلم.

هل أنت حريص على راس مالك؟ هل تحافظ عليه من الضياع؟ فراس مالك الحقيقي هو الوقت. قال الحسن البصري: ابن آدم إنما أنت أيام، كلما ذهب يوم ذهب بعضك. ومن أهمية الوقت أقسم الله به في كتابه فقال: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ * وَالنَّهَارِ إِذَا تجَلَّىٰ﴾ [الليل: 1-2]، وسوف نسأل عن الوقت يوم القيامة. قال صلى الله عليه وسلم: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسال عن عمره فيم أفقده». وإذا أراد الله بالعبد خيرا أعانه بالوقت، وإذا أراد به شرا جعل وقته عليه.

وفي سيرة السلف أروع الأمثلة على غلال الوقت؛ فقد كان داود الطائي يستف الفتيت ويقول: بين سف الفتيت وأكل الخبز قراءة خمسين آية. وقال ابن القيم: اعرف من اصابه مرض وكان الكتاب عند راسه، فاذا وجد افاقه قرا فيه، فاذا غلب وضعه. ومن آداب الطالب ألا يسوف في تحصيل فائدة؛ لأن للتاخير آفات، لأنه في الزمن الثاني يحصل غيرها. ومن المحافظة على الوقت البعد عن البطالين الذين يقضون أعمارهم في المسامرات. فلا تكن ممن لا يشكرون نعمة الوقت؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ».

ونتابع الحديث معكم عن السترة في الصلاة؛ فنقول: جاء الأمر من النبي صلى الله عليه وسلم باتخاذ السترة في الصلاة، ولا شك أن هذا فيه حفظ لصلاة العبد من النقص والاختلاس أو الإبطال إذا اتخذ العبد هذه السترة ودافع عنها ودفع عنها المارين. من الضوابط في هذه السترة أن المشروع هو الدنو منها، بحيث إن الإنسان لا يأخذ من المساحة أكثر مما يحتاج، فتكون هذه السترة قريبا من موضع سجوده، بحيث لا يأخذ الإنسان شيئا أكثر مما يحتاج إليه، فيمنع الناس من المرور أو يمنع أحدا من المرور من مسافة لا يحتاج إليها.

لذلك جاء في الحديث: «إذا صلى أحدكم فليصلي إلى سترة وليدن منها». ما هي هذه السترة؟ هذه السترة التي يتخذها الإنسان قد تكون شيئا يضعه هو، وقد تكون شيئا ثابتا أصلا من قبل، مثلا الإنسان يصلي إلى جدار قائم من قبل، أو يصلي إلى شيء قائم من قبل، أو أنه يضع أمامه مثلا كرسي أو حجر أو شيء من هذا، يضعه أمامه بحيث يكون حدا لصلاته ومنع مرور الناس بين يديه.

المشروع بعد انقضاء الصلاة هو ذكر الله سبحانه وتعالى. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: 103]. المشروع دائما للمسلم عند انقضاء عباده من العبادات أن يذكر الله سبحانه وتعالى وأن يستغفر الله سبحانه وتعالى، ومثال ذلك الصلاة، ومثال آخر الحج، أليس فيه قول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَّانَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا ۗ فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ * وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * أُولَٰئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا ۚ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [البقرة: 200-202].

إذا المشروع دائما عند انقضاء العبادات أن يكثر الإنسان من ذكر الله سبحانه وتعالى، أن يستغفر الله سبحانه وتعالى، وهذا جاء في الحج وجاء في الصلاة وجاء في غيرهما من العبادات. في الصلاة يشرع للانسان بعد انقضاء صلاته –وهو هدي النبي صلى الله عليه وسلم– أن يستغفر الله ثلاثا. وهذا الاستغفار فيه جبر لما حصل في صلاته من نقص أو سهو أو اختلاس اختلسه الشيطان، أو انصراف قلب أو لغو، لا يخلو حقيقة منه إنسان حاشى النبي صلى الله عليه وسلم الكريم، فانه كانت قد جعلت قره عينه في الصلاة صلوات الله وسلامه عليه.

الشاهد أيها الاخوة والاخوات أن استمرار الإنسان في حالة الذكر والتعبد والاستغفار لله سبحانه وتعالى لا ينبغي أن تنقضي بمجرد تسليمه من الصلاة، وألا يخرج كما يخرج سراعا الناس الذين ينصرفون مباشرة بعد تسليم الإمام من الصلاة تجد أنهم ينصرفون مباشرة، أو أن المرأة التي تصلي في بيتها بعد تسليمها من الصلاة تقوم مباشرة إلى عملها. لابد أن يكون هناك شيء من الذكر والاستغفار، وننبه إلى قضية الاستغفار لجبر ما يحصل في الصلاة شيء من الذكر لله سبحانه وتعالى الذي يتابع به الإنسان بعد هذه العبادة.

وأصلا الصلاة عباده مملوءة ذكرا كما قد نبهنا؛ تستفتح بالتكبير، وتختتم بالتسليم، تكبيرات فيها في كل خفض ورفع، القيام الأول فيه قراءة للقرآن، ثم الركوع فيه ركوع تعظيما للرب وتسبيح وتنزيه، ثم القيام الثاني بعد الركوع قيام حمد وثناء لله سبحانه وتعالى، ثم بعد ذلك مقام السجود وهو مقام ذل وخضوع ودعاء وطلب لله سبحانه وتعالى، هذه كلها مقامات عبودية يتقلب فيها العبد.

قبل الصلاة يشرع للانسان أن يتهيا بالذكر، يتهيا بقراءة القرآن، يتهيا للصلاة بانتظار الصلاة، لذلك جاء في الحديث النهي عن تشبيك الأصابع والانسان في انتظار الصلاة لأنه في صلاة. لاحظوا الآن أن التهيأة هذه القبلية للصلاة اعتبرها النبي صلى الله عليه وسلم أنه في صلاة. طيب، بعد الصلاة كذلك يشرع للانسان أن يكون ذاكرا لله سبحانه وتعالى سواء كان قائما أو على جنب أو قاعدا كما جاء في الآية الكريمة، أن يستمر في حاله الذكر ولا تنقطع حاله الذكر هذه بتسليمه من الصلاة؛ فهذا هدي النبي صلى الله عليه وسلم.

أنه كان يستغفر ثلاثاً بعد تسليمه وانصرافه من الصلاة.

الاستغفار أيها الإخوة والأخوات يحتاج إليه المسلم دائماً بعد انقضاء عباداته، وهذا في حقيقته فيه رسالة للمسلم ألا يغتر بعبادته. بعض الناس إذا صلى هذه العبادة رأى نفسه أنه قد قام بعبادة عظيمة، وأنه قام بالحق الواجب عليه، وأنه قد قام بشكر النعمة وحمدها وثنائه على أتم الوجوه وأكملها. لا، حقيقة الإنسان ينبغي دائماً أن ينظر إلى أوجه القصور التي تحصل منه، وألا يغتر بعمله ولا يعجب بعبادته؛ لأن العجب بالعباده والغرور بهذه العبادات التي يقوم بها الإنسان في واقع الأمر ناشئ عن جهل وتقصير.

الإنسان إذا تآمل في عبادة النبي صلى الله عليه وسلم عرف تقصير نفسه، يعني إنسان تآمل في عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، عبادة الأنبياء، الملائكة، الصديقين، الشهداء، الصالحين، عرف تقصير نفسه. إذا تآمل في نعمة الله سبحانه وتعالى عليه عرف أنه لم يقم بشكر شيء من هذه النعم حق شكر، وأنه مهما فعل فانما هو يتقرب إلى الله سبحانه وتعالى، ويحاول أن يقوم بشكر شيء من هذه النعم لا أن يقوم بكل حقوقها الواجبة عليه.

فلذلك الاستغفار فيه أول أمر، فيه جبر للقصور الحاصل في الصلاة، يستغفر الله سبحانه وتعالى منه. الأمر الثاني، فيه إبعاده لنفسه عن العجب والغرور؛ لأنه يستغفر الله سبحانه وتعالى ويطلب منه أن يغفر له وأن يرحمه بعد هذه العبادة. ﴿فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ...﴾ [البقرة: 198]، وفي آية أخرى: ﴿ثُمَّ أَفِضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: 199]. لاحظوا، ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله. كذلك في الإفاضة يكون فيها استغفار. في الاستغفار، لاحظوا في الحج استغفار، كذلك في الصلاة يكون فيها استغفار. دائماً دائماً الإنسان يكون بعد العبادات مستغفراً لله سبحانه وتعالى.

فالنبي صلى الله عليه وسلم كان من هديه أن يستغفر ثلاثاً إذا انصرف من صلاته، ثم يقول: «اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام». ثم ينصرف صلوات الله وسلامه عليه بوجهه إلى المصلين المأمومين، أي يلتفت بوجهه إليهم. إذا التفت بوجهه إليهم لا شك أنه يشرع للمسلم في هذه الحال كذلك عدد من الأذكار، سواء كان إماماً أو كان مأموماً. فمن هذه الأذكار، لعلنا نذكر هذه الأذكار -وإن كانت لم ترد على ترتيب معين- ولكن نذكر هذه الأذكار الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم: فمن هذه الأذكار التسبيح ثلاثاً وثلاثين، والتحميد ثلاثاً وثلاثين، والتكبير ثلاثاً وثلاثين، ثم يقول الإنسان في تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. كذلك من الأذكار الواردة أن يقرا المعوذتين ويقرأ قل هو الله أحد ثلاث مرات بعد الصلاة. كذلك أن يقرا آية الكرسي في دبر الصلاة: ﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: 255] إلى أن يختم هذه الآية. كذلك من الأذكار التي تقال في دبر الصلاة أن يقول المسلم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد.

وقد جاء في صفة التسبيح والتحميد والتكبير في أدبار الصلاة أن الإنسان يسبح ثلاثاً وثلاثين، ويحمد ثلاثاً وثلاثين، ويكبر أربعاً وثلاثين، فتكون تمام المائة هي التكبيرات الأربع والثلاثون. وهذا خلاف الصفة التي قبلها، التي يكون فيها في تمام المائة أن يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. هذه كلها كذلك أيها الإخوة والأخوات من الأذكار التي يقولها المسلم بعد الصلاة.

كذلك مما يشرع للمسلم أن يقوله ما جاء في حديث معاذ رضي الله تعالى عنه لما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تدعن دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك». هذه إذا قالها الإنسان بعد التسليم من الصلاة فلا بأس. إذا قال الإنسان في أثناء الصلاة فهو أفضل، لأن هذا هو الموطن الأصح والله تعالى أعلم في تأويل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تدعن دبر كل صلاة أن تقول»، فالموطن الأصح والأظهر والله تعالى أعلم أن يقولها المسلم في آخر صلاته قبل تسليمه من الصلاة.

هذه كلها من الأذكار التي يقولها المسلم بعد انصرافه من الصلاة، وكما ذكرنا أن هذا فيه تتميماً لعباده الذكر وعدم انقطاع عنها بالسلام من الصلاة، وكذلك فيه جبر لما يحصل في الصلاة. وما أكثر حقيقة أيها الإخوة والأخوات ما يحصل منا من السهو والغفلة وانشغال القلب والانصراف وعدم الخشوع وعدم الطمأنينة في الصلاة! ما أكثر ما تحصل من المسلم ما يحتاج أن يجبرها دائماً الاستغفار وبذكر الله سبحانه وتعالى.

نريد أن ننتقل بعد ذلك إلى موضوع آخر من الموضوعات المتعلقة بكتاب الصلاة، ألا وهو موضوع مكروهات الصلاة. وكنا قد تحدثنا من قبل عن الأشياء المشروعه في الصلاة على تفاوت المشروعية؛ تحدثنا عن سنن الصلاة، سواء كان منها السنن التي يشرع فعلها مرة واحدة أو عدم تكرارها، والسنن المؤكدة التي يشرع تكرارها والمداومة عليها. وكذلك تحدثنا عن الواجبات في الصلاة، تحدثنا عن أركان الصلاة، تحدثنا عن شروط الصلاة، كل هذه أمور مشروعة في الصلاة. ذكرنا معنى كلمة مشروع، بمعنى أنه مطلوب ومأمور، سواء كان هذا الطلب جازماً واجب ولازم، أو كان هذا الطلب طلباً غير لازم، مثل السنن في الصلاة سواء كانت سنن مؤكدة أو غير مؤكدة.

إذاً، الآن نريد أن ننتقل لموضوع آخر، ألا وهو المنهيات في الصلاة. والحقيقة الصلاة جمعت بين عبادات ذات أجناس كثيرة. فمن الاجناس التي جمعتها الصلاة، الأجناس الفعلية العملية مثلاً مثل القيام والقعود والركوع والسجود والذكر، التسبيح، الوضوء قبل الصلاة، استقبال القبلة، هذه كلها أجناس من العبادات، أجناس مأمور بها عملية فعلية. هناك أجناس من التعبد وهي امتناع، كذلك الامتناع عن الشيء تعبد لله سبحانه وتعالى، هذا نوع من أنواع التعبد لله سبحانه وتعالى؛ لأن العمل قد يكون فعلاً وقد يكون امتناعاً.

العمل قد يكون فعلاً وقد يكون امتناعاً، نضرب لذلك مثلاً: الصوم. الصوم هو عبادة امتناع، التعبد لله سبحانه وتعالى بالامتناع. طيب، قد يقول قائل: ما الفرق إذاً بين الامتناع والترك المجرد أو العدم المجرد؟ نقول: الفرق بينها الننية. فهناك إنسان قد مثلاً ينام ولا يأكل وينسا الأكل، ويكون ينشغل بعمله وينشغل بكذا ولا ينوي الصوم، هذا ليس صائماً. لكن الامتناع هو الكف، والكف نوع عمل وليس تركاً أو عدماً مجرداً. الكف فيه نوع عمل وليس عدماً مجرداً، هذا هو الفرق الأساس؛ الكف يوجد هناك داعي للفعل ويكف الإنسان عنه.

فالصلاة جمعت أنواعاً من الامتناع مثل الصوم. الصوم فيه امتناع من الأكل وامتناع من الشرب وامتناع من الجماع لله سبحانه وتعالى، تعبد لله سبحانه وتعالى. الصلاة فيها أنواع من الامتناع كذلك مثل الصوم وأكثر، فيها امتناع من الأكل وامتناع من الشرب وامتناع من الجماع وامتناع من الكلام. لذلك جاء في الآية الكريمة: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: 238]. وقد كان الصلاة في أول مشروعيتها الإنسان لا يمتنع فيها من الكلام، وإنما يجوز له أن يقوم قائماً ويكلم من بجواره، إلى أن نزلت هذه الآية: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: 238]. فأمر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أمروا بالسكوت وامتنعوا من الكلام. والمنع من الكلام، القنوت هو نوع السكون والسكوت.

لذلك لاحظوا أن هذا الامتناع في الصلاة ليس مشروعاً في الصوم، ولا مشروع مثلاً في الحج. الطواف، أباح الله سبحانه وتعالى فيه أن الإنسان يتكلم، لاحظتم! أبيح فيه الكلام بل أبيح فيه الأكل، أبيح فيه الشرب. لاحظوا الآن هذا، لكن جنس الامتناع في الصلاة أبلغ من جنس الامتناع الموجود في الحج أو الموجود في الصوم أو الموجود في.

لاحظوا الآن، وهذا يدل على ماذا؟ يدل على شرف الصلاة وأهميتها حيث جمعت هذه الأجناس الكثيرة من العبادات.

طيب، لعلنا نذكر الآن إن شاء الله تعالى أنواع المنهيات وترتيب هذه المنهيات والامتناع إن شاء الله تعالى ولكن بعد هذا الفاصل القصير.

نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع الحديث عن الصلاة وعن المنهيات في الصلاة. كنا قد تكلمنا من قبل عن رتب المشروعية؛ الأشياء المامور بها والمطلوبة في الصلاة، ذكرنا أنها تتفاوت بين السنية والوجوب والركنية والشرطية. كذلك في المنهيات تتفاوت رتبها؛ فبعضها رتبته رتبة دنيا أي أنه مكروه، وبعضها مكروه كراهة شديدة، وبعضها محرم، وبعضها مبطل للصلاة. إذا، عندنا رتب كذلك للمنهيات كما أن عندنا رتب في المامورات والمشروعات.

إذا، هذه المنهيات منها ما هو مكروه في الصلاة؛ مثلا لو أن إنسان فرقع أصابعه في الصلاة قلنا هذا مكروه، لكن هل هذا محرم يأثم به الإنسان؟ هل هذا مبطل للصلاة؟ نقول: لا.

طيب، ثمة مثلا من المكروهات في الصلاة والعلماء نتطرق إليها مثلا الالتفات في الصلاة، هذا مكروه إذا كان هذا الالتفات لغير حاجة؛ لأنه انصراف واختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد. طيب، ولكن أعلى منه في درجة النهي، النبي صلى الله عليه وسلم وصف هذا الالتفات في الصلاة بأنه اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد، أي أنه انتقاص ينتقص من صلاة العبد، يأخذ منه قدر صلاته.

طيب، أبلغ منه في النهي النظر ببصره إلى السماء. لاحظوا أن هذا فيه نوع انصراف ببصري عن الصلاة، وكذلك كما قال أهل العلم أن فيه شيئاً من سوء الأدب مع الله سبحانه وتعالى في مناجاته لله أن يرفع بصره إلى السماء، لذلك جاء النهي عنه أشد، جاء النهي عنه بشكل أشد لقوله: «لتنتهين أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء أو لا ترجع إليهم». هذا لاحظ أن فيه نهي شديد وغليظ، لذلك هذا التهديد والوعيد نقل هذا الالتفات بالبصر من كونه التفاتا مكروها إلى كونه محرماً لما جاء فيه من الوعيد لما جاء فيه من الوعيد والتهديد، أو لا ترجع إليهم، يعني هذا تهديد لهم بأن يعميهم الله سبحانه وتعالى.

لاحظ أن هذا التهديد الشديد دلنا على التحريم، دلنا على التحريم لماذا؟ لأن قرن به هذا الوعيد، هذا الوعيد.

طيب، هناك رتبه أعلى من هذا، وهو أن يقترن بهذا التحريم أو التهديد أو المنع ما يدل، ما يدل على إبطال الصلاة بسبب هذا الفعل، ما يدل على إبطال الصلاة بسبب، بسبب هذا. لاحظوا الآن، إذاً عندنا رتب في المنهيات، فنحن سوف نبدأ إن شاء الله تعالى بالحديث عن المنهيات في الصلاة.

سوف نتحدث عن بعض حكمها ثم نتحدث عن رتبها إن شاء الله تعالى، ولعلنا ناخذها إن شاء الله تعالى، لن نأخذ الآن المنهيات جميعاً، سوف نأخذها إن شاء الله على عدد من الدروس. نبدأ إن شاء الله تعالى بأشياء مكروهة، ثم ننتقل بعد ذلك إلى أشياء محرمة وأشياء مبطلة، مبطلة للصلاة كما ذكرنا في رتب النهي.

فمن الأشياء المكروهة في الصلاة الالتفات في الصلاة. والمراد بالالتفات الالتفات لغير حاجة، والمراد كذلك بالالتفات التفات الوجه والرأس، يعني الإنسان يلتفت يمنة ويسرة، وأما إذا انحرف ببدنه عن القبلة، انحرف ببدنه عن القبلة فهذا الآن ترك شرط استقبال القبلة، ولكن إذا كان مستقبلاً للقبلة ولكن يتلفت يطالع يمين وينظر يسار، هذا نقول هذا مكروه، وقد جعله النبي صلى الله عليه وسلم اختلاساً يختلسه الشيطان من صلاة العبد.

ما معنى اختلاس؟ يعني انتقاص، ينهب الشيطان ينهب الشيطان من صلاة العبد قدراً من صلاته، قدراً من الأجر الذي يحصل له. وهذا في الحقيقة فيه تنبيه، إذا كان هذا الاختلاس يحصل فقط وهذا النقص يحصل بالتفات الإنسان ببصره، فكيف بافتلات القلب عن الله سبحانه وتعالى؟ كيف بانصراف الإنسان عن الله سبحانه وتعالى؟ فتجد أن الإنسان يصلي وقلبه لاهٍ في كل وادٍ منصرف عن الله سبحانه، لا شك أن الاختلاس الذي يختلسه الشيطان من صلاة العبد إذا انصرف قلبه عن هذه الصلاة، إذا التفت قلبه لغير الله سبحانه وتعالى، لا شك أنه سيكون أبلغ وأعظم، لماذا؟ لأن العبادات دائماً القلبية في درجتها أعظم وأبلغ من العبادات من العبادات التي هي العبادات الظاهرة أو عبادات الجوارح والأعمال الظاهرة.

لاحظوا لماذا كان هذا الالتفات بالبصر اختلاساً يختلسه الشيطان من صلاة العبد؟ إذا استشعر المسلم أنه يقف بين يدي الله سبحانه وتعالى وانه يناجي الله سبحانه وتعالى، فلا شك أن هذا الاختلاس الذي الالتفات الذي يعني ينصرف به عن ربه سبحانه وتعالى، لا شك أن فيه نوع من، لا شك أن فيه نوع من الاختلاس والانتقاص في تمام هذه العبادة وكمالها.

طيب، ننبه إلى أن هذا الالتفات إذا كان لغير حاجة بمعنى أنه لهو أو عبث، وأما إذا كان لحاجة فالظاهر والله تعالى اباحته أنه جائز. معنى مثلاً الإنسان مثلاً يخشى من شيء معين مثلاً، فيركب، الله سبحانه وتعالى شرع صلاه الخوف التي يصف فيها المسلمون بطريقة معينة، وامرهم الله سبحانه وتعالى بأن ياخذوا حذرهم، أن ياخذوا حذرهم بمعنى أن يراقبوا، يراقبوا عدوهم، يراقبوا عدوهم، هذا أحد انواع اخذ الحذر.

الإنسان إذا كان ثمه مصلحة أو حاجة في هذا الالتفات وليس مجرد عبث وليس مجرد عبث فالظاهر والله تعالى اعلم أن هذا الالتفات يكون، أن هذا الالتفات يكون جائزاً وتزول الكراهة، تزول الكراهة.

والنبي صلى الله عليه وسلم في إحدى غزواته قد ارسل عيناً للعدو وكان يلتفت إلى الشعب الذي يقدم منه هذا العين الذي أرسل اليه، أرسل طليعة وجعل يلتفت إلى هذا الشعب الذي يأتي من هذا الطليعة يترقب ماذا سياتي ويقول متى سياتي ومتى وماذا سيقول. فهذا لاحظ الآن في حال الغزو والجهاد في حال الخوف يحتاج الإنسان إلى إلى نوع من الترقب وأخذ الحذر، هذا أحياناً قد يقتضي نوعاً من الالتفات، قد يقتضي نوعاً من الالتفات، فهذا أحياناً الأم مثلاً التي تخشى على صبيها مثلاً أن يسقط أو شيء من هذا فتلتفت إليه في الصلاة وتراقبه حتى تتنبه إليه إلى أن تقضي صلاتها.

طبعاً، الأولى أنه إذا كان مثل هذه الحاجات أن المسلم يعني يحاول أن يرتب شأنه قبل الصلاة فتضع الأم صبي أو طفلها أو طفلتها، تضعها في مكان مثلاً لا يحتاج أنها تلتفت هذا الالتفات. ولكن أحياناً الإنسان قد يعني يشرع في الصلاة ولا يجوز له أنه يقطعها لأجل أنه نسي ترتيب شيء معين، لا، فيشرع في الصلاة، تشرع الأم في الصلاة ثم بعد ذلك تتذكر أن والله في طفل أو يحصل شيء أو يقدم هذا الطفل أو يعمل شيء فتتحتاج أنها تتنبه إليه، فهذا إن شاء الله تعالى والله تعالى، من هذا من الأمور الجائزة؛ لأن هذا التفات يسير لحاجة.

المكروه الثاني من مكروهات الصلاة هو افتراش الذراعين في السجود. افتراش الذراعين في السجود؛ وقد جاء في الحديث: «اعتدلوا في السجود، ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب». وقد ذكرنا من قبل صفة الافتراش؛ صفة فرش الذراعين أو بسطها في السجود، وهي أن يجعل مرفقه على الأرض في حال السجود. والنبي صلى الله عليه وسلم قد شبه هذه الهيئة؛ أن الذي يعمل هذا العمل أنه شبيه بهيئة الكلب.

ومما يجدر التنبيه إليه أن ثمة هيئات من هيئات الحيوان نهي الإنسان عن التشبه بها في الصلاة. مرتبة الحيوان البهيمة لا شك أنها أقل من مرتبة الإنسان؛ الله سبحانه وتعالى رفع الإنسان وكرمه، ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70]. لذلك دائما التشبيه بالبهيمة يكون -سواء في القرآن أو في السنة أو في عرف الناس- دائما في مقام ذم؛ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ، الله سبحانه وتعالى شبه الذين حملوا التوراة ولم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا، وغير ذلك من التشبيهات.

فلا شك أن من تمام الصلاة وكمالها أن الإنسان لا يتشبه فيها بهيئات الحيوان الناقص البهيمة؛ التي جعل الله سبحانه وتعالى الععبد المسلم والإنسان كرمه ورفعه على هذه الهيئة، فكيف الإنسان يتشبه بهيئات في الصلاة؟ فلذلك جاء الحديث مثلا في النهي عن نقرة الغراب، وعن التفات كالتفات الثعلب، وعن بروك كبروك البعير، وعن افتراش كافتراش السبع، والإشارة بالأصابع في الصلاة كأذناب خيل شمس.

هذه كلها جاءت منهيات في الصلاة. لعلنا إن شاء الله تعالى نفصل هذه المنهيات -وهيئات يمكن أن نسميها هيئات الحيوان في الصلاة- التي نهي المسلم عن مشابهتها، نفصلها إن شاء الله تعالى في درسنا القادم. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

يا راغبا في كل علم نافع متطلعا لزيادة الإيمان وتريد سهلا النوال ميسرا يأتيك ميسورا بأي مكان. زاد زاد أكاديمية ينبوعها صاف صاف ليروي غلة الظمآن. وتعلم الفقه الميسر عاملا بالشرع دون تعصب لفلان. بشرى لنا زاد أكاديمية للعلم كالازهار في البستان.