تسجيل الدخول

المحاضرة 35 - مكروهات الصلاة

منصور بن عبد الرحمن الغامديد. منصور بن عبد الرحمن الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما. اللهم هيئ لنا من أمرنا رشدا، وآتنا من لدنك توفيقا وسدادا وصوابا.

اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا. إخواني وأخواتي، هذا هو الدرس الخامس والثلاثون من سلسلة دروس الفقه في أكاديمية زاد. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الأكاديمية، وأن ينفعنا بما نقول وما نسمع، وأن يجعل هذا من العلم الذي يكون حجة لنا لا حجة علينا.

كنَّا قد بدأنا الحديث عن مكروهات الصلاة ومنهياتها، وقلنا: إن المنهيات في الصلاة على رتب في النهي؛ فمنها ما يكون النهي فيه شديدا جدا فيكون مبطلا من مبطلات الصلاة، ومنها ما هو أخف من ذلك فيكون محرما، ومنها ما هو أخف من ذلك فيكون مكروها.

هناك درجات في النهي، كما أن ثمة درجات في الأمر والطلب. ذكرنا في الأمر والطلب في درس سابق أن الطلب قد يكون سنة وسنة مؤكدة، وقد يكون واجبا، وقد يكون شرطا وركنا إلى غير ذلك. ومن المهم لطالب العلم وطالبة العلم دائما أن يعرفوا رتب الأمر والنهي؛ لأن هذا يفيدهم في بيان صحة الصلاة وبطلانها.

وهذه قضية من المهم التنبيه إليها: وإن كان من الناحية العملية التطبيقية الذي نوصي به أنفسنا وإخواننا وأخواتنا جميعا أن الإنسان لا ينبغي له أن يستفسر عن رتب النهي لأجل قضية الانتهاء، الإنسان ينتهي سواء كان هذا الأمر مكروها أم محرما أم مبطلا، يعني لا يحتاج أن يقول: والله هل هذا الأمر محرم؟ هل هو مبطل للصلاة؟ هل هو؟ لا، خلاص ما دام نهي عنه يكف عنه، سواء كان مكروها أم محرما أم مبطلا للصلاة،لاحظتم؟

ما دام هذا الأمر مأمور به فإنه يفعله، سواء كان سنة أو واجبا أو غير ذلك. يعني هذا ينبغي للمسلم أن يستشعره دائما في فعله وتطبيقه وعمله، أنه لا يتمحل في البحث: والله هل هو واجب أو شرط؟ أم هل هذا الأمر محرم أم مكروه؟ لا، الإنسان يجب عليه أن يكون عنده حرص على اتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم، واتباع أمره، والانتهاء عما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم دون تمحل في تحقيق بحث هذه الأمور.

هذا من ناحية فعل الإنسان في نفسه وحرصه على اتباع السنة والانتهاء عما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم. لكن لماذا إذا ندرس والله المكروهات والمحرمات والمبطلات؟ وندرس في رتب الوجوب، ندرس الشروط والأركان والواجبات؟ لماذا؟ لماذا نحقق البحث فيها هل هو أمر وجوب أو ليس أمر وجوب؟

لماذا نقول؟ حتى يتبين لنا في الأحوال الخاصة التي مثلا احتاج الإنسان فيها لارتكاب هذا النهي، احتاج الإنسان فيها إلى ترك المأمور هذا، أو في حال النسيان والسهو، أو في حال مثلا تركه جهلا أو عمدا. ينبغي لنا أن نعرف مدى صحة الصلاة من بطلانها، كيف نعرف هذا؟ بالتمييز بين درجات الأمر والتمييز بين درجات النهي.

إذاً، هناك زاويتان للنظر؛ زاوية فقهية نحتاج فيها للتمييز، بحيث إن الإنسان مهوب والله مثلا انسان ترك السواك قبل الصلاة تقول والله صلاتك باطلة، لا، ما هو بصحيح. يحتاج أنك تميز هذا مأمور به ولكن أمر غير جازم، مطلوب وأحث عليه وندب إليه. طيب، لو أن الإنسان مثلا فرقع أصابعه تقول الله خلاص صلاتك باطلة؟ لا خطأ، هذا يحتاج الإنسان للتمييز عند الإفتاء، عند النظر في صحة الصلاة، في طلب الإعادة، يحتاج الإنسان إلى التمييز بين هذه الرتب، هذه الزاوية الأولى الزاوية الفقهية.

فلنصطلح على تسميتها بالزاوية الفقهية، هناك زاوية أخرى وهي الزاوية السلوكية التعبدية. ينبغي للانسان عند سلوكه وتعبده ألا يغرق في هذه النواحي إلى درجة تجعله يفرط في ارتكاب المكروهات بزعم أنها مكروهة فقط وأنها ليست محرمة، أو يفرط في ترك المندوبات والسنن المأمورات بزعم أنها فقط مندوبات وأنها ليست واجبة، نقول: هذا تفريط.

ينبغي للإنسان من الناحية السلوكية العبادية في نفسه أن يحرص أتم الحرص وابلغ الحرص على تكميل صلاته وطمأنينته وخشوعه وإقامة الصلاة أتم إقامة، وألا يفرط في شيء من المندوبات أو يفرط بفعل شيء من المكروهات. هذا فقط تنبيه ننبه إليه قبل دراستنا الدراسة الفقهية؛ لأن أحيانا الإنسان إذا أغرق في هذه الدراسة الفقهية تؤثر عليه من الناحية السلوكية والتعبدية فتجد أنه يفرط في هذا.

لا، الإنسان يحتاج أن يوازن؛ فيقوم في نفسه بأتم العبادة والسلوك، وإذا جاء يعلم غيره أو يفتي غيره أو يؤدب غيره، يعني يصحح صلاته أو يبطل صلاته، إذاً يراعي الأمور الواجبة والشروط والأركان، وهذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم.

انظروا كيف كانت صلاة النبي صلى الله عليه وسلم؛ صلاة النبي صلوات الله وسلامه عليه كانت أتم الصلاة في القيام والركوع والسجود في القراءة، وكانت صلاته إذا انفرد في بيته في قيام الليل أتم وأتم وأكمل. لكن لاحظوا هذا المقام الذي يفعله النبي صلى الله عليه وسلم ومقام تعليم رسول الله صلى الله عليه وسلم للرجل المسيء صلاته، دله وعلمه على الأمر الذي أخطأ فيه والذي قصر فيه، دله على الواجب، على القدر الحد الأدنى الذي تصح به صلاته، وأن هذا القدر الذي صلاها بهذا الشكل أنها صلاة باطلة، قال: «إنك لم تصلّ، صلِّ فإنك لم تصلّ».

لماذا؟ لانه انتقص الطمأنينة فلم يستتم قائما، أو لم يستتم راكعا أو ساجدا. هناك مقام فتْيا، وصار هناك مقام تطبيق وتعليم للإنسان في نفسه.

كنا قد تحدثنا عن المكروهات والمنهيات ومقام المبطلات، واستفتحنا الحديث عن مكروهات الصلاة، وقلنا: إن الله سبحانه وتعالى كرم ابن آدم، والتشبه بالحيوان ذكر في مقام الذم، ونهي العبد المسلم عن التشبه بالحيوان في بعض هيئاته في الصلاة. وقد جاءت عدة أحاديث بالنهي عن بعض الهيئات في الصلاة؛ فمن ذلك مثلا الالتفات، جاء في الحديث النهي عن الالتفات كالتفات الثعلب، الثعلب يلتفت برأسه التفات الثعلب.

وقد ذكرنا أن الالتفات مكروه من مكروهات الصلاة، إلا إذا كان الإنسان احتاج إليه، فإنه يجوز وتزول الكراهة، واما إذا لم يحتج إليه فإنه لا شك أن هذا اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد وانتقاص ينتقصه من صلاته.

هذا نهي عن هيئة من هيئات الحيوان، اللي هو الالتفات كالتفات الثعلب، الإنسان يلتفت برأسه يمنة ويسرة. وكذلك نهي عن افتراس الذراعين في السجود أو بسطهما كبسط الكلب، «ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب». ما هي صفة بسط الذراعين كانبساط الكلب؟ قلنا إنه يلصق مرفقه ويده بالأرض، هذه صفة الافتراش المذموم المنهي عنه، افتراس الذراعين، لاحظوا أن هذا بالفعل، الإنسان إذا بسط ذراعيه بهذا الشكل صار أشبه بهيئة الكلب الذي يبسط ذراعيه.

كذلك من الهيئات المنهي عنها في الصلاة شبيهة بالكلب؛ الإقعاء كإقعاء الكلب. وقد ذكرنا هذه الهيئة سابقا في هيئات الجلوس، وذكرنا أن هذه من الهيئات المنهي عنها، وذكرنا أن الهيئة المشروعة في الجلوس هي هيئة الافتراش وهيئة التورك، وقد ذكرناها سابقا.

لكن ما هي صفة الإقعاء المنهي عنه كإقعاء الكلب؟ أن الإنسان يجلس على أليَتيه، وينصب أمامه فخذيه وساقيه بحيث إنها تكون ركبة موازية لكتفه. وهذه الجلسة إذا ضم يده تصير هذه جلسة احتباء، حبوة هذه إذا ضم يده على ساقه، لكن هو لم يضم يده، هذه جلسة إقعاء، جلسة إقعاء أن الإنسان يجلس على أليَتيه وينصب أمامه فخذيه وساقه. هذا كذلك من الجلسات المنهي عنها، لاحظوا قال: كإقعاء الكلب.

هذا ثالث تشبه بالحيوان. هناك تشبه رابع؛ نقرة كنقرة الغراب أو نقرة كنقرة الديك. نقرة الغراب ما هي؟ أو نقرة الديك هي النقرة التي يلقط بها حبة الطعام من الأرض.

ما المراد بهذا النهي؟ نهي الإنسان أنه يركع أو يسجد أو يقوم دون طمأنينة واستقرار، دون طمأنينة واستقرار. في واقع الأمر لاحظوا أن هذه النقرة بهذا الشكل الإنسان ولا يطمئن، يلمس الأرض ويرجع.

قلنا إن هذا مبطل للصلاة لأنه فاته شرط الطمأنينة. جاء في حديث أبي هريرة بتعليم النبي صلاته قال: «ثم اركع حتى تطمئن راكعاً. ثم ارفع حتى تعتدل قائماً أو حتى تطمئن قائماً. ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً». إذاً هذه الطمأنينة، هذا ركن من أركان الصلاة لأن النبي قال له: «صل فإنك لم تصل». وهذا دلنا على بطلان الصلاة التي تكون فيها هيئات الركوع والسجود كنقر الغراب.

لاحظوا أن هذا النهي؛ النهي عن النقر يعني يصلح أن ننقله إلى المبطلات، يصلح أن ننقله إلى المبطلات بخلاف مثلاً الافتراش هذا من المكروهات، لا يفترش أحدكم ذراعيه انبساط الكلب. طيب هذه الهيئة الرابعة.

هناك هيئة خامسة كذلك، وهي توطن البعير؛ الإنسان يتوطن في المسجد مكاناً واحداً لا يغيره أبداً في صلواته التي يصليها. هذا كذلك جاء النهي عنه، وهذا يدل على مشروعية أن الإنسان يشرع له دائماً القرب من الإمام. وإذا جاء، إنه لا يحجز مكاناً مثلاً في المسجد، يعرف أن هذا المكان هو مكان فلان ويصبح لا أحد يجلس فيه إلا هذا الشخص.

أو أن الإنسان سواء جاء متأخراً أو جاء مبكراً فإنه يجلس في هذا المكان المحجوز له، بل الإنسان يجلس حيث انتهى به الصف، حيث انتهى به المجلس.

ورفع الأيدي في التسليم، وجاء في الحديث تشبيهها بأذناب خيل. كيف صفة رفع الأيدي؟ ربما قد فعله الصحابة مرة فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، أي أنهم لما سلموا في الصلاة يميناً رفعوا أيديهم في هذا التسليم، رفعوا أيديهم في هذا التسليم. فنهى النبي، سلم وأمرهم بوضع أيديهم على أفخاذهم أو ركبهم. توضع اليد اليمنى على الفخذ اليمنى أو الركبة اليمنى، وتوضع اليد اليسرى على الفخذ اليسرى والركبة اليسرى، ويسلم الإنسان فقط برأسه، يلتفت برأسه دون أن يرفع يديه دون أن يرفع يديه.

إذاً كم صار عندنا الآن هيئة منهي عنها؟ هيئة قلنا صار عندنا هيئة التفات كالتفات الثعلب، وإقعاء كإقعاء الكلب، وافتراش كافتراش الكلب أو افتراش السبع، ونقرة كنقرة الغراب أو الديك، وتوطن كتوطن البعير، ورفع الأيدي كأذناب الخيل عند التسليم. هذه ست هيئات.

هناك هيئة سابعة وإن كان الحديث فيه مقال، وهو النهي عن بروك كبروك البعير. البعير إذا جاء يبرك, فإنه تخيل بعيراً وهو قائم، إذا جاء يبرك فإنه ينزل على مقدمه، ينزل على مقدمه أولاً ثم بعد ذلك تنزل مؤخرته. فهذا النهي عن البروك كبروك البعير، والله تعالى أعلم. صفته أن الإنسان إذا جاء ينزل في السجود ينزل بيديه، ينزل بيده ثم بعد ذلك يضع ركبتيه في الأرض.

هذا النهي عن بروك كبروك البعير، يعني هيئة النزول في السجود تكون المنهي عنها، الهيئة المنهي عنها أنها تكون كبروك البعير، بمعنى أنه ينزل على يده أولاً ثم بعد ذلك يضع ركبته. هذه الهيئة إن ثبت الحديث فهو حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، لأن فيه مقالاً وبعض أهل العلم يقول إنه مقلوب، لأنه جاء في بعض ألفاظه: «وليضع يديه قبل ركبتيه»، وفي بعض ألفاظه: «وليضع ركبتيه قبل يديه».

ولكن بغض النظر عن هذا الخلاف الذي يضع يديه قبل ركبتيه أو يضع ركبتيه قبل اليدين، نقول إن ثبت الحديث في النهي عن بروك البعير، فالظاهر والله تعالى أعلم أن صفة بروك البعير تكون بنزول مقدمته أولاً، وهذا ظاهر الإنسان إذا نزل على يديه أولاً فإنه يكون مشابهاً للبعير والله تعالى أعلم.

إذا ثبت هذا الحديث وصح، والله تعالى أعلم بثبوته وصحته، فهذه سبع هيئات. الهيئة السابعة كما ذكرنا أن فيها كلاماً، هذه ست هيئات صحيحة، والهيئة السابعة متكلم فيها وردت في النهي عن التشبه بالحيوان.

بعض هذه الهيئات شبهت بأكثر من حيوان، مثلاً نقرة الغراب أو الديك، أو الافتراش افتراش الكلب أو السبع، فلو أردنا أن نعد هيئات الحيوانات هذه لقلنا إنها ربما تكون أكثر من سبع، وربما أنها تكون سبع. لماذا؟ لأن الكلب مثلاً نهي عن افتراشه افتراش الكلب وإقعائه كإقعاء الكلب، يعني فيه الكلب نهي عن التشبه فيه بهيئتين من الهيئات، والبعير نهي عن التشبه فيه بهيئتين؛ التوطن كالتوطن البعير والبروك كبروك البعير إن صح والله تعالى أعلم.

طيب، الإعلان الواصل إن شاء الله تعالى الحديث عن منهيات الصلاة ومكروهاتها، ولكن بعد هذا الفاصل القصير.

وضوح الهدف في ذهن المربي واستحضاره له في المواقف اليومية له أهمية قصوى بالعملية التربوية، فهو أدعى إلى استغلال الأحداث والتعليق عليها بما يرسخ القناعة بالهدف ويعزز مفاهيمه. كلمات قصيرة تحمل بين طياتها تنبيهاً وتحذيراً خطيراً، وتوجه حواسنا ومداركنا إلى دورنا الحقيقي الذي سنحاسب عليه: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته». فمن أهم أدوارنا الجديرة به اهتمامنا في هذه الحياة التركيز على مسؤوليتنا تجاه رعيتنا. فالآباء والأمهات لهم الأثر الأعظم بعد الله في مستقبل الأبناء والأجيال، لذلك خصهم النبي صلى الله عليه وسلم بالذكر فقال: «والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها».

إن الأبناء زهرة الحياة وقرة أعين الآباء والأمهات، وبصلاحهم ودعائهم ترفع الدرجات في الآخرة، ولكن يجب أن ندرك أن ذلك مرهون بححسن تربيتهم وصلاح نشأتهم. فهنا كان لزاما علينا البحث عن أبرع الطرق وأفضل الأساليب في التربية والتوجيه ليكون أبناؤنا في قابل أيامهم مصدر بر وسعادة لنا، وسواعد خير وبناء للمجتمع والإنسانية.

نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع الحديث عن منهيات الصلاة. من منهيات الصلاة كذلك كف الشعر والثوب في الصلاة، وقد جاء في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أمرت أن أسجد على سبعة أعظم ولا أكف شعراً ولا ثوباً».

مما يسهل فهم هذا الحديث أن العرب سابقاً رجال الرجال سابقاً كانوا من أعرافهم قديماً أنهم كانوا يطيلون شعورهم، لذلك كانوا ربما احتاجوا إلى تظفير شعورهم وربما كانت مسدلة. كان من عادات العرب وأعرافهم سابقاً تطويل شعورهم، جاء في هذا الحديث النهي عن كف هذا الشعر، بمعنى أنه يمنع شعره من السجود معه، وذلك بأن يعقصه مثلاً، يعكفه على رأسه، أو إذا كان له ظفائر مثلاً أنه يربط هذه الظفائر بحيث أنها لا تنزل على الأرض.

وإن كان الآن حقيقة من هذه العادة أو العرف عند العرب اليوم تغير، فصار أغلب العرب أو العرف الغالب عند العرب في أعني رجالهم هو تقصير شعورهم وعدم تطويلهم. وحقيقة تطويل الشعر له مؤونة وله كلفة، يحتاج الإنسان أن يحتاج إلى كلفة ومؤونة، لذلك الصحيح والله تعالى أعلم أنه ليس تطويل الشعر يعد من السنن المشروعة النبوية، لا، وإنما فعله النبي صلى الله عليه وسلم بحكم ما كان معروفا ومشتهراً عند العرب في ذلك الحين، فهي يمكن أن يقال أنها جبلة وعادة وليست سنة مشروعة أو سنة نبوية مشروعة يشرع الاقتداء والائتساء بها، والله تعالى أعلم.

الشاهد من هذا أنه قال: «أمرت ألا أكف شعراً»، أي أنه مأمور بأن يسجد شعره معه وألا يكف شعره عن السجود معه، وكذلك الثوب.

كذلك الثوب، بعض الناس يكف ثوبه، إذا جاء مثلاً في حال السجود أو الركوع يضم ثوبه بحيث يجمع ثوبه بين ركبتيه مثلاً ثم يسجد؛ لا، الإنسان ينبغي له أن يرسل ثوبه. كذلك بعض الناس يكف كمه، مثلاً يكف كمه في صلاته قبل سجوده، أو أحياناً يحتاج إلى كف كمه مثلاً للوضوء قبل الصلاة سنتوظأ قبل الصلاة فكف الكم، فنقول: لا، ارجع إذا جيت في الصلاة، رد أكمامك بحيث انها تسجد معك، وألا تكفت الثوب.

ما هي صفة أن الإنسان يكفت شعره؟ بمعنى أن الإنسان يعقص شعره، ومما هو جدير بالذكر أن هذا نهي خاص للرجل، وأما المرأة فإنه لا تحتاج إلى أنها تحل ظفائرها أو أنها تفك ظفائرها وشعرها حتى تسجد، فالإنسان يمنع أعضاءه سواء كان شعره أو غير ذلك أو ثيابه من السجود معه، بل يرسلها حتى تسجد معه. والامر الثاني فيه حكمة أخرى كذلك، أن فيه ربما انشغال في الصلاة، أن الإنسان يلم ثوبه ثم بعد ذلك إذا رجع يرسل ثوبه.

هذا يحصل أحياناً، يحصل هذا النهي في الثوب الواسع، إذا صلى الإنسان بثوب واسع، أو إذا صلى الإنسان في إزار ورداء في مثل حال المحرمين في الحج والعمرة، فتجد أنه ينشغل بإزاره ورِدائه بضمها وكفتها في الصلاة. هذا في الحقيقة من الأمور المنهي عنها والمكروهة في الصلاة؛ أن الإنسان يكفت شعره وثوبه في الصلاة، بل يرسلها ويسدلها ويتركها كما هي تسجد معه في حال سجوده.

كذلك من المنهيات في الصلاة ما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلي الرجل مختصرا»، أي واضعاً يده على خصره. انظروا هذه الهيئة لو أن الإنسان واقف ووضع يده على خصره، هذه الوقفة في الصلاة من الأوضاع أو الهيئات المنهي عنها. في الحقيقة إذا تأملنا هذا النهي نجد أن له حكمة ظاهرة، وهي أنه ليس من تمام الخشوع والخضوع والذل. هذه الوقفة ليست وقفة خشوع وخضوع وذل لله سبحانه، انظر الفرق بين هذه الوقفة أن الإنسان يضم يده اليمنى على اليسرى، هذه لا شك أن فيها نوع خشوع وتذلل إذا خفض رأسه فيها نوع خشوع وتذلل، لكن هذه الوقفة فيها أنواع استكبار ومنافية للخشوع والذل لله سبحانه وتعالى. ولذلك هذا أحد الحكم التي جاءت في بيان النهي عن هذه الوقفة.

كذلك من الحكم أن هذا والله تعالى أعلم أنه قد كان فعل اليهود في صلاتهم، أنهم يصلون ويضعون أيديهم على خواصرهم.

كذلك من المنهيات في الصلاة تغطية الفم والانف في الصلاة. بعض الناس أحياناً يتلثم في الصلاة لغير حاجة، طيب، إذا كان ثمة حاجة فالظاهر والله تعالى أعلم أنه تزول هذه الكراهة، مثل ماذا الحاجة؟ مثلاً مثل انسان يصلي في البر فجاء غبار شديد فاحتاج الإنسان إلى أن يتلثم لأجل هذا الغبار، ألا يدخل إلى جوفه أو يتعبه في صدره أو غير ذلك، فيتلثم الإنسان.

لاحظوا دائماً المكروهات تزول كراهتها عند الحاجة، إذا احتاج الإنسان، الحاجة المراد بها ما هو أخف من الضرورة، الضرورة ترفع المحرمات. الضرورة بمعنى أن الإنسان يحصل له ضرر في جسده أو في نفسه أو في شيء من أعضائه أو تلف عضو من الأعضاء، هذه ضرورة تبيح المحرمات، لذلك يباح أكل الميتة عند الضرورة.

أما عند الحاجة فلا تباح، هل يجوز للإنسان يأكل الميتة إذا كان جائعاً أو شعر بالجوع؟ نقول: لا، ما يزول تحريم الميتة بسبب شعورك بالجوع إلا إذا كان ثمة ضرر عليك. كيف ضرر عليك؟ بمعنى أنه لا يوجد لك طعام آخر، ولو لم تأكل من هذه الميتة فإنك تهلك أو تفسد حياتك، فنقول: نعم، هذه المحرمات تباح لأجل الضرورات.

أما المكروهات تزول كراهتها وتباح لأجل الحاجات، موهوب يعني ما نقول إنه لا تزول الكراهة إلا إذا كان ثمة ضرورة، لا، إذا كان ثمة ضرورة أو شيء أدنى من الضرورة وهي الحاجة، فإنها تزول، مثل لو أن الإنسان صلى في البر في منطقة غبار ولم يغطي أنفه وفمه، لا نقول الإنسان سوف يهلك وتتلف نفسه، هذه ليست ضرورة، لاحظتم؟ ليست ضرورة ولكن حاجة، إذاً الرتبة أخف من الضرورة وهي الحاجة.

لكن لو كان الإنسان مريضاً في صدره بمرض ما، وإذا دخل الغبار إلى جوفه فإنه قد يؤدي إلى مرض شديد عنده أو يؤدي إلى تلف رئتيه أو صدره لأي سبب من الأسباب، نقول: هذه ضرورة. لكن إذا كان الإنسان لا يتأذى بالغبار، يتأذى بالغبار فوضع لثاماً، نقول: هذه حاجة، هذا أخف من الضرورة، وهذه الحاجة تبيح المكروه، ما هو تبيح المحرم، الحاجة تبيح المكروه والضرورة تبيح المحرم.

فلذلك نقول: إن من الأشياء المكروهة تغطية الفم والأنف في الصلاة اللثام إذا كان لغير حاجة، أما إذا كان لحاجة مثل غبار أو شيء من هذا فإنه والله تعالى تزول هذه الكراهة. وذكرنا نحن في الالتفات في السابق أن الالتفات مكروه، طيب، إذا كان ثمة حاجة للالتفات، مثل حاجة غزو أو معركة أو حاجة انتباه لصبي أو شيء من هذا، فتزول الكراهة لأجل الحاجة.

هل الضرورة تزيل الكراهة؟ أكيد، طبعا تزيل الكراهة لأن الضرورة تزيل التحريم، والكراهة من باب أولى طبعا. طيب، هل الحاجة تزيل التحريم؟ نقول: لا، الحاجة تزيل الكراهة ولكنها لا تزيل التحريم. نحتاج في ارتفاع التحريم إلى ضرورة أو إلى حاجة عامة على تفصيل لعله يذكر إن شاء الله تعالى لاحقاً في شيء من قواعد الفقه وأصوله.

كذلك من الصفات والهيئات المنهي عنها في الصلاة تشبيك الأصابع؛ مثل هيئة أصابعي الآن، الإنسان يشبك أصابعه في الصلاة، وهذا والله تعالى مراجع لكونه نوعاً من العبث واللهو في الصلاة، الذي لا يناسب وضعية الخشوع والخضوع والتذلل لله سبحانه وتعالى النهي عن تشبيك الأصابع في الصلاة.

هل هو ممنوع خارج الصلاة؟ نقول: إن كان في حكم الصلاة فهو منهي عنه. ما هي الحالة التي يكون في حكم الصلاة؟ إذا كان في انتظار الصلاة، إذا كان في انتظار الصلاة فانه في صلاة، لذلك لا يشبك بين أصابعه كما جاء في الحديث النهي عن تشبيك الأصابع للجالس منتظر الصلاة؛ لماذا؟ لأنه في صلاة. وأما إذا كان بعد الصلاة أو في خارج الصلاة أو في غير وقت الصلاة ولا ينتظر الصلاة، فنقول: هذا من المباحات ولا إشكال إن شاء الله تعالى فيه.

وأما المنهي عنه فأن يشبك أصابعه في الصلاة أو إذا كان في انتظار الصلاة. وقد جاء في الحديث: «إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه ثم خرج عامدا إلى المسجد فلا يشبكن بين يديه فإنه في صلاة». لاحظوا الآن النهي عن التشبيك بين اليدين لماذا؟ تشبيك الأصابع لأنه في صلاة، لاحظ التعليل هذا لأنه في صلاة. لا شك أنه إذا كان في الصلاة قائماً في الصلاة ويشبك بين أصابعه، لا شك أن هذا كذلك يكون مبالغاً في النهي والكراهة.

ونبهنا إلى أنه انقضت الصلاة فالظاهر والله تعالى أعلم أنه تزول الكراهة مطلقاً ويكون مباحاً كما في حال غير الصلاة تماماً فإنه يكون مباحاً. فاصل قصير ونعود لمواصلة إن شاء الله تعالى الحديث عن منهيات الصلاة ومكروهاتها.

ربما تحب أحد الأبناء أو البنات أكثر من إخوتهما؛ أما لبره أو أدبه أو غير ذلك. ولكن هل يجوز أن تفضل من تحب في العطية وتخصه بالهدايا دون الآخرين؟ لنستمع إلى هذه القصة التي جرت لصحابي جليل النعمان بن بشير، يقول رضي الله عنه: سألت أمي أبي بعض الموهبة لي من ماله فوهبها لي، فقالت: لا أرضى حتى تشهد النبي صلى الله عليه وسلم. فأخذ بيدي -وانا غلام- فأتى بي النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: يا بشير، ألك ولد سوى هذا؟ قال: نعم. فقال: أكلهم وهبت لهم مثل هذا؟ قال: لا. قال: فلا تشهدني إذن، فإني لا أشهد على جور.

ففي هذا الحديث تحذير من تفضيل أحد الأبناء على إخوته، وأنه من الجور والظلم، ولم يفرق بين الذكر وأنثى، وذلك لما يؤدي إليه من الكراهية والنفور بينهم. ولا حرج في الميل القلبي لأحد الأولاد دون غيره؛ لأن ذلك أمر ليس في مقدور العبد، وإنما الذي يحرم أن يفضل المحبوب على غيره بالعطايا دون سبب شرعي.

فإن حصل مثل هذا التفضيل وجب رد العطية أو إعطاء الآخرين مثل أخيهم. ويجوز التفضيل بين الأولاد إذا كانت هناك أسباب وجيهة تدعو إلى ذلك؛ كأن يخص أحد أولاده لمرض أصابه، أو فقر وحاجة ألمت به، أو اشتغاله بطلب العلم ونحوه من الفضائل. وللوالد أن يمنع العطية عمن يستعين بها على معصية الله تعالى، ويعطيه لمن يستحقها.

قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: 2].

نعود إليكم بعد هذا الفاصل، ونواصل الحديث عن مكروهات الصلاة ومنهياتها. ومن هيئة الصلاة: رفع البصر إلى السماء، وقد ذكرنا ما جاء من الحديث وفيه تهديد ووعيد لمن رفع بصره إلى السماء، تهديد له بألا يعود إليه بصره؛ أي تهديد له بأن يخطف الله سبحانه وتعالى بصره ويجعله أعمى. وذكرنا أن هذه الهيئة منافية للخضوع والذل لله سبحانه وتعالى؛ ومقتضى الخضوع والذل: النظر إلى أسفل، والنظر إلى أعلى فيه نوع من العلو والاستكبار؛ أن الإنسان ينظر إلى أعلى، الإنسان إذا صار ماشي أو جلس مع غيره وينظر إلى أعلى، فهذا فيه نوع من الاستكبار عليهم، ومقتضى الذلة والخضوع التي تكون لله سبحانه وتعالى: أن الإنسان ينظر إلى أسفل.

فلاحظوا أن رفع البصر إلى السماء اقترن به أمر زائد على مجرد الالتفات، إذ ليس هو انصراف بصر مجرد عن موضع سجوده أو عن النظر للأسفل. لو كان الالتفات نظراً مجرداً فقط؛ لكان مكروهاً مثل الالتفات اليسير في الصلاة، ولكن هذا زاد عليه بماذا؟ بأنه انصراف عن نظر الخضوع والذل إلى ماذا؟ إلى نظر علو واستكبار، إلى نظر إلى السماء. ولذلك جاء النهي الشديد والوعيد الشديد فيه، كما جاء في حديث: «أو لا تعود إليهم»، «لئن تهن قوم يرفعون أبصارهم إلى السماء أو لا تعود إليهم»، «أو لا تعود إلينا». نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيذنا وإياكم ويجنبنا وإياكم مثل هذا النهي.

كذلك هذا النهي لاحظوا أن ترقى من درجة المكروه المجرد إلى درجة التحريم، وهذا قول بعض أهل العلم أنه محرم، وهذا الحق هو الحقيقي فيه وجاهة، لماذا؟ للوعيد الشديد الوارد في هذا المكروه أو في هذا النهي.

كذلك من مكروهات الصلاة: كثرة الحركة والعبث في الصلاة. الإنسان مثلاً يشبك أصابعه، الإنسان يفرق أصابعه، الإنسان كل شوي ينظر في الساعة، الإنسان يعدل شماغه في الصلاة أو هكذا؛ فهذه كثرة الحركة تدل على عدم الخشوع في الصلاة. لذلك سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى رأى رجلاً يكثر الحركة في الصلاة فقال: لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه. وبالفعل، وهذا من فقه سعيد رحمه الله تعالى أن الإنسان كثرة حركتها في الصلاة تدل على عدم خشوع قلبه وطمأنينة قلبه وسكونه في الصلاة. والله سبحانه وتعالى قد أمر بالقيام لله قانتين: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: 238]. والقنوت هو سكون وسكوت، لذلك يشرع للإنسان أن يسكن في الصلاة، وألا يكثر الحركة، وألا يكثر العبث في الصلاة، وقد جاء الأمر من النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في صحيح مسلم: «اسكنوا في الصلاة».

لذلك سيأتينا إن شاء الله تعالى أن الحركة الكثيرة في الصلاة التي لا تكون لحاجة -حركة كثيرة- أن هذه مبطلة للصلاة. ما هو ضابط الحركة الكثيرة؟ لعلنا إن شاء الله تعالى نتطرق له بإذن الله تعالى بعد قليل. لكن نحن نريد أن ننبه إلى أهمية خشوع القلب وسكون الجوارح في الصلاة.

الأمر الثاني الذي نود التنبيه إليه في هذا الصدد، وهو أن الإنسان كيف يستجلب خشوع القلب بسكون الجوارح؛ يعني هذه العلاقة تبادلية بين سكون الجوارح وخشوع القلب. ما معنى قولنا إنها علاقة تبادلية؟ بمعنى أنه إذا خشع القلب فإن الجوارح تسكن، وكذلك إذا سكنت الجوارح فإن هذا يؤدي إلى خشوع القلب. لو أن انساناً سأل وقال: كيف استحضر الخشوع في الصلاة إذا كان قلبي والله مثلاً ينصرف للصلاة أو ينتهي هنا وهناك وغافل أو لاهٍ أو يفكر بأشياء؟ أقول: استدعي هذا بخشوع وسكون الجوارح. سكن جوارحك في الصلاة، انظر إلى موطن سجودك؛ فإن هذا يستدعي خشوع القلب شيئاً فشيئاً. إذاً، سكون الجوارح مستجلب للخشوع، به مؤثر في سكون الجوارح؛ فهي علاقة دائرية، يؤثر هذا في هذا، وهذا يؤثر في هذا.

لذلك سكون الإنسان في الصلاة لا شك أنه يجلب إليه الخشوع والطمأنينة، ونظر الإنسان إلى الأسفل هذا يجلب إليه الخشوع والطمأنينة. بعض الناس يقول: إن إغماض العين في الصلاة يزيدني خشوعاً وطمأنينة. نقول: تغميض العينين في الصلاة الأصل أنه مكروه، والإنسان ينظر إلى موضع سجوده، ولكن إذا كان مثلاً في موضع سجوده أو في نظره الأسفل ثمة ملهٍ له، مثل: الزخارف، أو الاشكال، أو شيء من هذا؛ فلا مانع أن الإنسان في هذه الحال فقط يغمض عينيه لأجل ألا ينصرف قلبه وعينه وتنصرف إلى هذه الزخارف الموجودة في السجود.

وهذا تنبيه حقيقة دائماً في المصليات والمساجد، أنا لا نزخرف هذه السجادات والأراضي بشيء يشغل المصلين، الإنسان يأتي بس سجادة ليس فيها شيء من هذه الزخارف، وتكون سجادة بشكل ساذج كذا، لا تكون فيها زخارف وكذا تشغل المصلين عن صلاتهم.

ما هو ضابط الحركة في الصلاة المبطلة للصلاة؟ نقول: الحركة الكثيرة عرفاً؛ لأنه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم تحديد بأنه ثلاث حركات في الصلاة أنها مبطلة أو أربع حركات في الصلاة أنها مبطلة. ضوابط الحركة الكثيرة عرفاً: التي تشعر الناظر بأن هذا الرجل ليس في صلاة، تشعر الناظر بأنه مثلاً قائم، تجد أن هذا الشخص مثلاً ملتفت، أو ينظر يمنة ويسرة، أو أنه كل شوية يعدل شماغه، فالناظر إليه لا يطرأ في ذهن هذا أن هذا مصلي وأن هذا فقط رجل قائم وجالس، يعدل شماغه ويعبث بشماغه أو يعبث بثوبه أو غير ذلك. هذا ضابط للحركة الكثيرة؛ أنه كلما كثرت الحركة أشعرت الإنسان بأنه ليس في صلاة.

هذا أحد الضوابط التي قالها بعض أهل العلم في ضوابط الحركة الكثيرة. ولكن نحن نقول: الظاهر والله أن هذا مردها العرفي؛ إذا كانت الحركة كثيرة عرفاً، فإن هذا والله تعالى يكون مبطلاً للصلاة. إذا كانت الحركة قليل، فإن هذا مكروه، إذا كانت الحركة قليلة في الصلاة، فإن هذه حركة مكروهة. وكما ذكرنا أن هذه الحركة القليلة المكروهة.

تزول كراهتها لأجل الحاجة، وفي هذا مثلاً أن النبي صلى الله عليه وسلم حمل أمامة حفيدة النبي صلى الله عليه وسلم، أمامة هي بنت بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب، حملها النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة، فكان إذا سجد وضعها وإذا قام حملها. لاحظوا؛ لأن هذا معناه حركتين في كل ركعة، أو أربع حركات إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ركع وضعها وإذا قام رفعها، ثم إذا سجد ووضعها مرة أخرى فهذه تكون أربع حركات، وإذا كان إذا ركع وإذا سجد وضع ثم إذا قام حمل أمامة فتكون هذه حركتين في الصلاة؛ حركة وضع وحركة رفع في كل ركعة.

الشاهد أن حمل النبي صلى الله عليه وسلم لأمامة أنه كان لحاجة، وهذه الحاجة تزول بها الكراهة، وهذا من الحركة اليسيرة في الصلاة. هناك حركة تكون حركة مندوبة، وهي الحركة التي تكون لسد فرجة في الصف، إذا الإنسان كان أمامه فرجة في الصف فإن حركته لسد هذه الفرجة إن شاء الله تعالى تكون من الحركة المندوبة في الصلاة المأمور بها.

طيب، هل هناك حركة تكون واجبة على المصلي؟ نقول: الحركة الواجبة هي التي تقف عليها صحة الصلاة، تقف عليها صحة الصلاة. فمثلاً، لو أن انساناً نبهك وقال يا أخي ارجع إلى القبلة، فرجعت إلى القبلة، هذا حركة واجبة. لو انسان نبهك فقال يا أخي ترى مثلاً الشماغ هذا الذي عليك ترى وقع عليه نجاسة، وذكرك بالنجاسة التي وقعت عليه وأنت تسمع، فانه يجب عليك الآن أن تأخذه وتنزعه لأنه وقعت عليه نجاسة، أو الإنسان أخبره بأن في نعله أذى، مثل ما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في صلاته، فخلع النبي صلى الله عليه وسلم نعليه في الصلاة؛ أخبره جبريل بأن فيهما قذراً أو أذى فخلعهما النبي صلى الله عليه وسلم في صلاتهما، هذا حركة واجبة، لماذا؟ لأن صلاة الإنسان بالشيء النجس وهو يعلم أنه نجس هذا مبطل لصلاته، كما ذكرنا نحن في شروط الصلاة أن اجتناب النجاسة من شروط الصلاة، إذا كان يعلم.

وأما إذا كان جاهلا فالظاهر والله تعالى أعلم أن هذا الحديث دلنا على صحة صلاة من جهل نجاسة في بدنه أو ثوبه، أن هذا والله أعلم صلاته صحيحة وأنه يبني على؛ لأنه لو كانت الصلاة باطلة لأعاد النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة. إذاً لاحظوا الآن هذي حركة واجبة لأنه تتوقف عليها صحة الصلاة، حركة مندوبة لسد فرجة لأن هذا أمر مندوب، طيب، حركة مباحة إذا كان ثمة حاجة لهذه الحركة مثل حمل النبي صلى الله عليه وسلم لأمامة، الحركة المكروهة وهي الحركة التي ليست لحاجة وفي نفس الأمر لا تصل إلى درجة الكثرة المبطلة.

وممكن لو سمعنا حركة يسيرة عرفاً هذه لم تصل إلى حد الكثرة المبطلة، وليس ثمة حاجة تنقلها إلى المباح، نقول هذه حركة مكروهة؛ مثل عبث الإنسان بساعته بشماغه بثوبه بأي شيء في صلاته. إذا كثرت هذه الحركة فالظاهر والله أعلم أن هذه الحركة تكون مبطلة للصلاة لأنها منافية للسكون في الصلاة والقنوت فيها. إذاً هذا تفصيل الحركة، لذلك الحركة يمكن أن نجعلها في المنهيات التي في درجة المكروه، ويمكن أن نجعلها في المنهيات التي هي في درجة إبطال الصلاة لأنها مترددة بينهما.

كذلك من المنهيات في الصلاة: الصلاة بحضرة طعام إذا كان الإنسان جائع ويشتهي الطعام، وحضر الطعام قبل الصلاة وليس متعمداً لحضوره هو إحضار وقت إقامة الصلاة، فالإنسان يأكل الطعام لأجل أن يفرغ قلبه للصلاة. كذلك ينهى الإنسان عن الصلاة وهو يدافع الأخبثين؛ بدافع البول أو الغائط. لماذا نهي الإنسان عن الصلاة في حال المدافعة مدافعة الأخبثين؟ لأنه في حال المدافع يكون مشغولاً، إذا كانت -طبعاً هذي- أحياناً الإنسان يكون في حال مدافعة شديدة فلا يخشع في صلاته، لا يخشع في صلاته.

ومن فقه الرجل أن الإنسان يحضر قلبه في الصلاة ويبتعد عما يشغل قلبه في صلاته، فلذلك يتهيأ قبل الصلاة مثلاً بدخول الحمام والاستنجاء بحيث أنه يفرغ قلبه للصلاة، ويستعد يتهيأ للصلاة، يأكل طعاماً إذا كان جائعاً قبل الصلاة بحيث أنه يتهيأ قلبه للصلاة، لا يجلس الإنسان يفكر في صلاته في الطعام أو يفكر أو يكون مشغولا بمدافعة الأخبثين. هذا من فقه الرجل أن يستعد لصلاته بحيث يتهيأ له من أسباب الخشوع في صلاته، وهذا في الحقيقة أيها الإخوة، يا أيها الأخوات، إذا نظرنا إلى ضعف قلوبنا وضعف إيماننا نجد أنه أدنى ما يصرف الإنسان عن خشوعه وأدنى ما يصرف القلب عن الصلاة من أدنى شيء.

لذلك حقيقة من تمام فقهنا جميعاً أننا نتهيأ لأننا ننظر في ضعف قلوبنا وأدنى ما يصرفه، أن الإنسان يتهيأ لصلاته بأن يصرف الشواغل التي تشغل قلب الإنسان، تشغل قلب الإنسان عن الصلاة. نقف عند هذا القدر، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علماً، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.