الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا.
إخواني وأخواتي في هذه الأكاديمية، ها نحن الآن في الدرس الرابع عشر من سلسلة دروس الفقه في أكاديمية زاد. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل هذا الدرس نافعاً لنا، وأن يجعله حجة لنا لا حجة علينا، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بما كنا قد قلناه وبما سنقول في هذا الدرس أو في الدروس اللاحقة، وأن يجعل هذا من العلم النافع في حقنا.
إخواني وأخواتي، كنا قد تحدثنا في درسنا السابق عن التيمم، ونريد أن نواصل حديثنا عن صفة التيمم وعن فروض التيمم وعن مبطلات التيمم إن شاء الله تعالى في درسنا لهذا اليوم. قلنا عن التيمم أنه ضربة للصعيد الطيب ثم مسح للوجه واليدين بنية التعبد لله سبحانه وتعالى؛ مسح الوجه واليدين بالتراب أو بالصعيد الطيب بنية التعبد لله، هذا تعريفه.
وذكرنا من حكم مشروعيته أنه من الاهتمام بالصلاة، أو من تخفيف الله سبحانه وتعالى على عباده إذا لم يجدوا الماء أو لم يقدروا على استعماله. وذكرنا أن آية التيمم ذكرت حالين يغلب فيهما عدم وجود الماء أو عدم القدرة على استعماله، وذكرت موجبين؛ موجب حدث أصغر وموجب حدث أكبر، فدلنا على أن التيمم يكون في الحدث الأكبر والحدث الأصغر. كما ذكرنا أن التيمم لا يتاقل، هذا قد ذكرناه عند حديثنا عن التيمم. وذكرنا أن عدم وجود الماء في قول الله سبحانه: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [المائدة: 6]، عدم وجود الماء قد يكون حقيقياً وقد يكون حكمياً.
طيب، نريد أن ننتقل الآن إلى صفة التيمم، أو بما يكون التيمم. قول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: 6]، الصعيد الطيب هو الأرض؛ يتيمم الانسان في الأرض، فيقصد في الأرض تراباً أو رملاً أو حجراً أو بلاطة أو غير ذلك مما هو من الأرض، هذا هو الصعيد الطيب.
وقد اشترط بعض أهل العلم أن يكون تراباً له غبار، أخذاً من قول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِّنْهُ﴾ [المائدة: 6]، فقالوا: إن «من» للتبعيض، فلا بد أن يعلق بيده شيء، لا بد أن يعلق بيده شيء من الأرض، فقالوا: لابد أن يكون تراباً له غبار فيعلق بيده، من قول الله سبحانه وتعالى: منه. والصحيح أن «منه» بيانية وليست تبعيضية، لذلك حتى لو قصد رملاً مثلاً أو طيناً ليس له غبار فإنه إن شاء الله تعالى، فإنه بإذن الله، أو حجراً مثلاً ليس له غبار، فإنه إن شاء الله تعالى داخل في الصعيد الطيب، فيصح بإذن الله تعالى التيمم منه.
إذاً، يكون التيمم بتراب طهور، سواء كان هذا التراب له غبار أو لم يكن له غبار، أو حجر مثلاً، فيضرب بيديه الأرض. ما صفته؟ صفته أن يضرب بيديه الأرض هكذا ضربة واحدة، ثم يمسح وجهه: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾، يمسح وجهه؛ يضرب بيديه الأرض ضربة واحدة ويمسح وجهه ويديه، ﴿وَأَيْدِيكُمْ﴾.
هل يحتاج إلى المرافق؟ لا، لا يحتاج المرافق، لماذا؟ لأن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾. طيب، في الوضوء قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: 6]. لاحظوا، اليد قد تطلق على هذا القدر فقط، إلى المفصل، وقد تطلق كذلك إلى المرفق يسمى يداً، وقد تطلق كذلك إلى الكتف يسمى يداً.
إذاً، هذه كلها تسمى يداً، ولكن نحن نقول إن ثمه فرقا بين اليد عند الإطلاق وعند التقييد. كيف؟ نقول: اليد عند الإطلاق يراد بها هذه اليد الكف إلى المفصل فقط، هذا هو اليد عند الإطلاق؛ إذا قيل اليد عند الإطلاق بدون أن تقيد فيقال: يدك إلى المرفق معناها هذا اليد، يدك إلى الكتف معناها هذا اليد، لاحظتم؟
أما إذا قلت يدك فقط فهذا يعني أن اليد إلى المفصل فقط، هذه هي اليد. لذلك لو قال قائل: لماذا في الوضوء تغسل اليد إلى المرفق بينما في التيمم تكتفي بمسح اليدين فقط إلى المفصلين؟ نقول: الفرق أنها في آية أو في موطن التيمم أطلق اليد: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾، واما في آية الوضوء أو في موطن الوضوء قيدت اليد بأنها إلى المرفق. وهذا فرق، لاحظتم الفرق؟
هذا فرق يدركه من يدرك لغة العرب، من أين اخذنا هذا الفرق؟ أخذناه من لغة العرب، وهذا يبين لنا أيها الإخوة والأخوات أهمية لغة العرب في التفسير والفهم والفقه. هذا من أين أخذناه؟ لأن العرب إذا أطلقت اليد فتريد بها اليد فقط إلى المفصل القريب، واما إذا أرادت اليد إلى المرفق فإنها تقيد. لذلك قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾ [المائدة: 38]، من أين يكون القطع؟ هل يكون من هذا المفصل القريب، أو يكون من المرفق، أو يكون من الكتف؟ نقول: لا، ما دام أنها أطلقت: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾، معناها دلالة أن القطع يكون من المفصل القريب، لكن لو كان القطع مشروعاً للسارق من المرفق أو من الكتف لقال في الآية: والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما من المرفق، أو فاقطعوا أيديهما من الكتف، لكن لما أطلق معناه أن هذه اليد فقط هي المراد.
إذاً، عرفنا الفرق بين لفظ اليد في اللغة، هذا فرق لغوي بحث، فهمنا من خلال لغة العرب أن اليد إذا أطلقت فإنها يراد بها اليد من عند المفصل، وإذا أريد باليد ما هو أعم من ذلك فانه يجب على المتكلم أن يقيد لفظه، فيقول: اليد من المرفق، أو إلى المرفق، أو اليد إلى الكتف.
طيب، إذاً هذا هو الفرق بين أيديكم -أو عذراً: أيديكم- ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾، هذا فرق بين أيديكم في التيمم وأيديكم إلى المرافق في الوضوء.
طيب، إذاً هذه هي صفة التيمم، ولعلنا نذكر لكم قصة، وهذه قصة طريفه لعمار بن ياسر رضي الله تعالى عنه؛ عمار بن ياسر خرج في سفر فأجنب ولم يجد ماء، فاراد أن يتيمم. الله سبحانه وتعالى قال في آية المائدة: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَرُوا﴾ [المائدة: 6]، والغسل صفته تعميم البدن كله بالماء، صح ولا لا؟ هذه آية المائدة: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَرُوا﴾.
فالان عمار بن ياسر لما احتلم وأجنب ولم يجد ماء فالواجب عليه الغسل، فقرا هذه الآية تتأمل هذه الآية: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً...﴾ ثم قال الله بعد: ﴿أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: 6]. فيقول عمار إنه لاجل أن التيمم -ماذا فعل عمار رضي الله تعالى عنه؟- لاجل أن التيمم بدل عن طهارة الغسل وهو لم يجد الماء فاراد أن يتيمم صعيداً طيباً، أن يتطهر بالتراب؛ فماذا فعل عمار؟ يقول: فتمرغ في الصعيد كما تتمرغ الدابة، يعني أراد أن يعمم بدنه بالتراب كما يعمم بالغسل رضي الله تعالى عنه.
فلما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ماذا قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: «إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك ضربة واحدة، ثم تمسح بهما وجهك وظهر كفيك».
إذاً لاحظ، في حديث عمار رضي الله تعالى عنه دله النبي صلى الله عليه وسلم على الكافي، وفي واقع الأمر أن هذه الدلالة هذه موجودة في القرآن في الآية في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: 6]. لاحظوا أنه هنا قول الله سبحانه وتعالى: ﴿فامسحوا﴾، هذا فيه دلالة -ماذا ذكرنا نحن في الوضوء؟- فالفرق بين الغسل والمسح؛ الغسل هو جريان الماء، الله سبحانه وتعالى ما قال في آية التيمم: فاغسلوا وجوهكم أيديكم بالتراب، يعني ياخذ الواحد التراب فيفرق به وجهه لا، وإنما يمسح فقط، يمسح. المسح في الماء ماذا قلنا؟ قلنا هو إمرار اليد؛ إمرار اليد المسح.
المائي هو إمرار اليد بيد مبلولة، هنا لذلك جاء في الحديث: «إنما كان يكفي أن يضرب بيديه ضربة واحدة، فيضرب الأرض ضربة واحدة، ثم يمسح وجهه». لاحظتم؟ ولا فرك وجهه بالتراب.
وهذا كله موجود في هذه الآية الجامعة المانعة التي في الحقيقة جمعت أنواع الطهارات الثلاث، آية المائدة جمعت أنواع الطهارات الثلاث. ما هي أنواع الطهارات الثلاثة التي ترفع الحدث؟ الوضوء؛ جاءت بصفة الوضوء على الصفة المجزئة. ثم جاءت بصفة الغسل وأحوال الغسل: ﴿وَإِن كُنتُم جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ﴾، جاءت بصفة الغسل المجزئ، وجاءت بصفة الوضوء المجزئة.
طبعاً السنة جاءت لنا بصفة الوضوء المستحب والغسل المستحب. ثم جاءت لنا آية المائدة بصفة التيمم وأحواله وأعذاره؛ العذر الذي يقوم الإنسان فيه بالتيمم، أو الأحوال التي يغلب فيها التيمم، وجاءت لنا بموجبات التيمم، أنه يكون في الحدث الأصغر والأكبر.
لذلك في الحقيقة آية المائدة آية جامعة لأنواع الطهارات الثلاث، جامعة لصفته على الوجه المجزئ في قول الله سبحانه وتعالى في صفة التيمم: ﴿فَامْسَحُوا۟﴾، هذا قلنا دلالة المسح أنه لا يفرك وجهه بالتراب لا، وإنما يضرب ضربة بالتراب ثم يمسح، ﴿فَامْسَحُوا۟ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم﴾.
ذكر الله سبحانه وتعالى لنا الأعضاء التي هي فروض التيمم التي يحتاج الإنسان أن يمسحها. هذا يقودنا الآن إلى الحديث عن فروض التيمم، ولكن لعل التفصيلة في فروض التيمم إن شاء الله تعالى نتطرق له بعد هذا الفاصل.
حرص الإسلام على زرع المحبة والود بين المسلمين وعلى اقتلاع أسباب التباغض والشحناء من بينهم، ومن المعاملات التي تورث التباغض بين المسلمين بيع المسلم على بيع أخيه أو شرائه على شراء أخيه، لذلك نهى عنها الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: «لا يبع بعضكم على بيع أخيه».
والشراء مثل البيع، فيحرم شراء المسلم على شراء أخيه. ومثال البيع على البيع: اشترى زيد من عمر سيارة بعشرة آلاف، فذهب رجل إلى زيد وقال له: أنا أعطيك مثلها بتسعة، أو أعطيك أحسن منها بعشره، أو أبيعك مثلها بعشره، فهذا بيع على بيع المسلم لا يحل. ومثال الشراء على الشراء: باع زيد لعمر سلعة بتسعة، فجاء آخر وقال للبائع: بعتها على فلان بتسعة؟ قال: نعم. قال: أنا أعطيك فيها عشرة أو بعها لي أنا بتسعة ودعك منه.
والراجح أن البيع على البيع حرام، سواء كان ذلك في زمن الخيار أو بعد تمام البيع، لأنه مما يورث الشحناء والبغضاء بين المسلمين.
نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونقول: تحدثنا عن صفة التيمم وكيف أن آية سورة المائدة قد بينت لنا صفة هذا التيمم من خلال قول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا۟ صَعِيدًا طَيِّبًا فَمَسَحُوا۟﴾ عذرا، ﴿تَيَمَّمُوا۟ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ لم نتحدث عن كلمة طيِّباً، طيِّباً هذه فيها دلالة على أن الإنسان ينبغي له أن يختار تراباً طاهراً أو مكاناً طاهراً، لا يجوز للإنسان أن يتيمم مثلاً في موضع فيه نجاسة مثلاً بول في هذه القطعة من الأرض فيتي، لا، وإنما يختار تيمم صعيداً طيباً، لأن الطيب هو الطاهر.
والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً»، فيتخير المكان الطاهر فتيمموا، لأن الصعيد هو الأرض له غبار أو حجر أو رمل، طيباً، هذا طاهراً. ﴿فَامْسَحُوا۟﴾ إذا هذا فيه دلالة على ماذا؟ على أنه لا يحمل التراب بيده ولا يحتاج أن يتمرغ فيه، كما فعل عمار بن ياسر رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وإنما كما أرشده النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما كان يكفيه أن يضرب بيد الأرض ضربة واحدة».
﴿فَامْسَحُوا۟﴾، امسحوا هذا في دلالة على الضربة، اضرب بحيث يعلق بيدك، اضرب بحيث أنه يعني يعلق بيدك شيء طيب. ﴿فَامْسَحُوا۟﴾ هذه ثلاثة قلنا، ﴿بِوُجُوهِكُمْ﴾ هذا دلنا على أحد فروض التيمم وهو مسح الوجه. ﴿وَأَيْدِيكُمْ﴾ هذا دلنا على الفرض الآخر من فروض التيمم وهو مسح اليدين.
وذكرنا من قبل كل العبادات يشترط لها النية، إذاً هذا فرض آخر من فروض التيمم أو ركن من أركانه أو شرط من شروطه أنه يجب له النية، بمعنى أنه يتيمم بنية، وهذه بالمناسبه اخذها بعض اهل العلم من قول الله سبحانه وتعالى: ﴿فتيمموا﴾ أي اقصدوا، إذاً حتى هذه الآية دلتنا على النية كما دلنا عليها حديث: «إنما الأعمال بالنيات».
كذلك من فروض التيمم الترتيب، الترتيب وإن كان هو جاء السياق بالواو والواو عند بعض أهل اللغة لا تدل على الترتيب، ولكن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم دائماً أبداً بما بدأ الله به يدل على الترتيب، يدل على إنسان يراعي ترتيب القرآن كما جاء فيه. إذاً النية والترتيب، لاحظوا هذه كلها فروض التيمم كلها اخذناها من هذه الآية الوجيزة.
لاحظتم؟ ﴿فتيمموا﴾ التيمم هو القصد هذا يدل على النية ودل عليها حديث إنما، ﴿صعيداً﴾ هذا يدل على المكان الذي يتيمم فيه الأرض، ﴿طيباً﴾ يدل على أنه يشترط الطهارة، ﴿فامسحوا﴾ يدل على أنه يضرب ضربة ولا يغسل غسلاً أو يفرك فركاً لا يضرب ضربة، ﴿بوجوهكم﴾ هذا فرض الوجه، ﴿وأيديكم﴾ هذا فرض.
هل اليدين من هنا إلى المرفق ولا اليدين هذه فقط؟ قلنا اليدين عند الإطلاق هي إلى المفصل القريب فقط إلى المفصل القريب فقط. ﴿فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ﴾ قلنا الواو وإن كانت هي في الأصل لا تدل على الترتيب، ولكن مع قول الله سبحانه وتعالى ابدأ بما بدأ، عذراً، مع قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ابدأوا بما بدأ الله به» فإنها تدل على الترتيب.
طيب، إذاً هذه يمكن أن نقول فرائض التيمم التي دل عليها القرآن الكريم، وجاء في حديث عمار: «إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا، أو أن تضرب بيديك الأرض»، إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا، ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه ووجهه وظاهر كفيه ووجهه.
طيب في قولنا الترتيب، لاحظوا أن في حديث عمار خرج فقال: مسح ظاهر كفيه ووجهه، هل المراد ظاهر كف ثم وجهه؟ نقول لا، هنا الواو لم تدل على الترتيب، الترتيب المعتبر هو الترتيب الذي في القرآن: ابدأ بما بدأ الله به. وجاء في رواية في هذا الحديث: «ابدأوا بما بدأ الله به»، هذا الحديث وإن لم يكن في التيمم، هذا الحديث أين وارد؟ أين هو وارد؟ هو وارد في السعي بين الصفا والمروة.
الصفا والمروة دل القرآن على السعي بينهما بقول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ﴾، لكن قرنهما بالواو. فلو أن انساناً بدأ بالمروة ثم ذهب إلى الصفا هل يحسب هذا الشوط؟ أو أننا نبتدئ حساب الأشواط من الصفا إلى المروة؟ في الواقع نبتدئ حساب الأشواط من الصفا إلى المروة، لأن الشوط الأول هذا الذي بدأه من المروة إلى الصفا خلاف سنة النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «ابدأوا»، وفي رواية: «ابدأ بما بدأ الله به»، وهو الصفا. فلذلك يجب على الإنسان في السعي أن يبدأ بالصفا ثم ينطلق إلى المروة اخذاً من هذا الحديث.
هذا الحديث فيه مراعاة للترتيب الوارد في القرآن، وهذه اخذ أهل العلم دائماً في الوضوء مثلاً في التيمم في مواطن من الترتيبات القرآنية، اعتبروا فيها ترتيب القرآن إلا إذا ورد معارض راجح، إلا إذا ورد معارض راجح فإن الإنسان حينئذ يأخذ بالمعارض الصريح الراجح، ولكن حتى لو اقترنت بالواو مع قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ابدأ بما بدأ الله به»، هذه فيها دلالة على الترتيب.
طيب، إذاً نحن الآن اخذنا صفة التيمم واخذنا فروض التيمم. من الجيد أن ينبه هنا إلى أنه بعد أن يتيمم الإنسان ما الذي يحصل له؟ ما الذي ينتج عن هذا التيمم؟ ينتج عنه رفع حدثه، أو بمعنى آخر ينتج عنه تطهره، ينتج عنه أن هذا ينتج عن التيمم تطهر هذا الإنسان. لماذا ننبه هذا التنبيه؟ لأن ثمة من أهل العلم من قال: إن التيمم في واقع الأمر لا يرفع الحدث، لا يرفع حدث الإنسان وإنما هو فقط يبيح له أن يصلي.
هل هناك فرق بين القولين؟ نعم، هناك فرق، فعلى القول الأول يقول وهذا هو القول الصحيح وهو القول الراجح الموافق لظاهر القرآن والسنة وسوف نبين إن شاء الله تعالى الدلالة على هذا القول، فبعض أهل العلم يقول وهذا كما ذكرنا القول الصحيح أن هذا التيمم يرفع الحدث، ما معنى يرفع الحدث؟ معناه أنه كالوضوء رفع الحدث، وإن كان هذا الرفع للحدث مؤقتاً بوجود الماء، لما جاء في حديث أبي ذر: «الصعيد الطيب طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فيتقي الله ويمسه بشرته».
وحديث أبي ذر هذا موافق لظاهر القرآن الذي جاء فيه قول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: 6] وهذا فيه تأقيت للتيمم أو تأقيت للطهارة الحاصلة بالتيمم بماذا؟ بوجود الماء. فلو قال لنا قائل وهذه سنتحدث عنها إن شاء الله تعالى: ما هي مبطلات التيمم؟ أو ما هي نواقض التيمم؟ نحن قد ذكرنا من قبل نواقض الوضوء أو موجبات الغسل، فلو قال لك قائل: ما هي نواقض التيمم؟ ما هي مبطلاته؟ لقلنا: ما ذكر سابقاً من مبطلات موجبة للوضوء أو مبطلات موجبة للغسل مبطلات للطهارة موجبة للغسل فإنها واقعة في التيمم نفسها، ولكن نزيد عليها أمراً آخر فنقول: وجود الماء؛ لأن التيمم إنما جاز لأجل عدم الماء أو لأجل عدم القدرة على استعماله، فإذا وجد الماء أو رجعت القدرة على استعماله نقول: انتقضت طهارتك.
إذاً، لو قال لنا قائل: ما هي مبطلات التيمم؟ أو ما هي نواقض التيمم التي توجب على الإنسان أن يتيمم مرة أخرى؟ نقول: كل ناقض للطهارة الصغرى وهي الحدث الأصغر موجبات الوضوء أو التي سميناها نواقض الوضوء أو التي سميناها مبطلات الوضوء كلها مترادفة بمعنى، كذلك كل ما أوجب الغسل التي سميناها نحن موجبات الغسل أو يمكن أن نسميها نواقض الطهارة الكبرى أو موجبات الحدث الأكبر، أي شيء من هذه الموجبات سواء كانت للوضوء أو للغسل فإنها مبطلة للتيمم موجبة للتيمم، ينضاف إليها وجود الماء؛ فمتى ما وجد الماء حقيقة أو حكماً بمعنى أنه قدر على استعماله زال المانع الحقيقي أو الحكمي وقدر على استعمال الماء أو وجد الماء فإن هذا يبطل تيممه.
إذاً نحن نرجع فنقول: هناك من أهل العلم وهذا قول ضعيف قال إن التيمم لا يطهر الإنسان، لا يرفع الحدث، لا يجعله طاهراً، وإنما هو باق محدث، هو محدث ولكن هذا التيمم فقط يبيح له أن يصلي الصلاة وهو محدث، يبيح له أن يصلي الصلاة وهو محدث. طيب، ما الفرق بين هذين القولين؟ في واقع الأمر أن من قال بأن التيمم لا يرفع الحدث وأنه فقط يبيح للإنسان أن يصلي وهو محدث قالوا: إنه فقط يستباح به الصلاة، وإذا انتهى وقت الصلاة يحتاج أن يتيمم للصلاة الأخرى، إذاً قالوا: إنه يتيمم لكل صلاة، فكان الحدث قائماً فأعملوا في هذا الشخص المحدث، أعملوا فيه من استمر حدثه وأحتاج أن يتوضأ لكل صلاة. لاحظتم، يعني أعملوا فيه مثلاً حديث المستحاضة، أعملوا فيه مسألة من به سلس بول، هؤلاء محدثون الحدث مستمر معهم فيقولون إن هؤلاء المستحاضة مثلاً أو من به سلس بول يتوضأ لكل صلاة، لاحظتم؛ لأن حدثه دائم، ونحن سوف نتحدث إن شاء الله عن المستحاضة في باب الحيض إن شاء الله تعالى بتفصيل، ولكن قالوا: هؤلاء الذين حدثهم دائم ومستمر فانه يتوضأ لكل صلاة.
هذا الرجل يقولون الذي لم يجد الماء وليس عنده وضوء ولا غسل فهذا محدث حدث دائم، طيب تيمم الم يرتفع حدثه؟ يقول لا، ما ارتفع حدثه، حدثه لا زال دائماً فيحتاج أن يتيمم لكل صلاة، لاحظتم هذا القول؟ هذا قول لبعض أهل العلم. ما هو منشأ هذا القول؟ منشأ هذا القول عندهم أن هذا المتيمم لا يرفع حدثه، لاحظتم؟ فمثلاً من به سلس بول مستمر أو المستحاضة على بعض أقوال أهل العلم الذين جعلوا هذا ناقضاً للوضوء يقولون بها حدث دائم، فالآن لما تتوضأ هل يرتفع حدثها؟ ما يرتفع الحدث لماذا؟ لأن الحدث أصلاً مستمر، فضوء هذا في الحقيقه أباح له الصلاة المستحاضة أو من به سلس بول، فلما يأتي وقت الصلاة الأخرى يقولون: توضئي وضوءاً جديداً؛ لأن الحدث مستمر.
إذاً في واقع الأمر هذه المسألة قضية إعادة التيمم كل صلاة هذا قول ضعيف مبناه على مسألتين، المسألة الأولى: أن التيمم لا يرفع الحدث -اتفقنا أن التيمم لا يرفع الحدث-، طيب المسألة الثانية: يقولون إن من به حدث دائم يحتاج أن يتطهر لكل صلاة، فلما لم يكن عنده ماء ليتوضأ به لكل صلاة فانه يتيمم لكل صلاة، هذا قول لبعض أهل العلم.
لكن نحن في واقع الأمر نختلف مع هذا القول في ماذا؟ في التيمم، نقول إن التيمم يقوم مقام الوضوء والغسل ويعد طهوراً للمسلم، يعد طهوراً للمسلم. ما الذي دلنا على هذا؟ دلنا على هذا في الحقيقة عدد من النصوص والأدلة، من أولها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء في حديث جابر: «جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً»، قول النبي وسلم: وطهوراً معناها أن الأرض مطهرة رافعة للحدث رافعة للحدث مطهرة كتطهور الماء في حال عدمه أي أنها بدل عن الماء. إذاً، هذا من النص الشرعي.
كذلك ما جاء في حديث أبي ذر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الصعيد الطيب طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين»، فقوله طهور المسلم يدلنا على ماذا؟ يدلنا على أن التيمم يعتبر مطهراً، يعتبر مطهراً.
إذاً، كذلك مما يدل على أن التيمم مطهر آية المائدة. من أين ناخذ في آية المائدة أن التيمم مطهر؟ الله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: 6]. من أين استنبط أن التيمم مطهر؟ قد يقول قائل: هذه الآية ليس فيها أن التيمم طهر وإنما فيها أن الأمر بالمسح للوجه واليدين ولكن مع بقائه محدثاً، من أين اخذنا من هذه الآية دلالة التطهير وانه يقوم مقام الماء في التطهير؟ من يستنبط هذا من الآية؟ لعلنا أترككم في هذا الفاصل، حاولوا أن تستنبطوا التطهير من آية المائدة، ونعود إليكم إن شاء الله تعالى بعد هذا الفاصل القصير.
﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [آل عمران: 137]. التاريخ مخزن العبر ومعلم الأمم، فيه أخبار السابقين الأول وأسباب التمكين وزوال الدول. من اعتبر بدروسه نجا، ومن تعامى عن حوادثه هوى. وقد عني القرآن بذكر الكثير من القصص والتنويع في أحداثها لتوجيه الأنظار إلى الاعتبار بأحوال الأمم في كفرهم وإيمانهم وشقاوتهم وسعادتهم، فلا شيء يهدي الإنسان كالمثل والوقائع. قال تعالى: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: 176].
ومن هنا ينجلي للعاقل أهمية العلم بالتاريخ وعلو شأنه، فاذا نظر الإنسان إلى أحوال الأمم السالفة وأسباب قوتهم وضعفهم وعزهم وذلهم حمله ذلك على حسن الأسوة والاقتداء بأسباب السعاده والتمكين واجتناب ما كان من أسباب الشقاوة والهلاك والتدمير. وإن التحولات في أحوال الأمم من رخاء إلى شدة ومن شدة إلى رخاء إنما هو من جراء أعمال العباد، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11].
فمن فوائد وثمرات دراسة التاريخ: الاحاطه بالتطبيق العملي للإسلام وذلك من خلال السيرة النبوية، العلم بأن الأمة مكلفة بهدف عظيم وهو عمارة الأرض بمنهج الله تعالى، العلم بأعداء الأمة والعلم بطبيعة الصراع بين الحق والباطل، فهم الحاضر لأن الحاضر جزء من الماضي فمن لم يعتبر بماضيه لن ينتفع بحاضره، إدراك سنن الله تعالى في هذا الكون وأنها لا تحابي أحداً، قال تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر: 43].
نعود إليكم بعد هذا الفاصل وكنا قد سألنا سؤالاً قبل الفاصل فقلنا: إن القول الصحيح والراجح أن التيمم مطهر للإنسان رافع لحدث، أن التيمم مطهر للإنسان رافع لحدث وأنه يقوم مقام الوضوء والغسل عند عدم الماء، خلافا لمن قال من اهل العلم أن
التيمم لا يرفع الحدث، وإنما حدثه دائم وإنما فقط يبيح به الصلاة. طيب، ما هي الأدلة على أن التيمم يرفع الحدث وأن هذا هو القول الصحيح والراجح؟
ذكرنا حديث جابر: «جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً»، وذكرنا حديث أبي ذر: «الصعيد الطيب طهور المسلم، طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين». من أين أخذناه؟ من آية المائدة. قد يقول قائل إن آية المائدة لا تدل على أنه يطهر، فإن الله قال: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ﴾ [المائدة: 6]، ولم يقل إنه يطهر.
نقول: رويدك! ألم تكمل الآية؟ قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: 6]. فالله سبحانه وتعالى شرع التيمم رفعاً للحرج، وأخبر أنه يريد أن يطهرنا، ولا شك أن من دلالة هذه الآية أن التيمم يطهر الإنسان ويرفع حدثه: ﴿وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِم نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: 6].
إذاً إخواني وأخواتي، الصحيح أن التيمم يطهر الإنسان ويرفع حدثه. طيب، ما الذي ينبني على هذا؟ ينبني على هذا أن نقول: إذا انتهى وقت الصلاة، إنسان مثلاً تيمم لصلاة الظهر، فانتهى وقت الصلاة وهو كذلك مستمر لم يجد الماء، فإذا جاء وقت العصر هل يحتاج أن يتيمم مرة أخرى لصلاة العصر أو لا يحتاج إلى ذلك؟
نقول: لا يحتاج إلى ذلك؛ لأنه لازال طاهراً، إلا إذا كان قد أحدث هذا أمر آخر، لكن نحن نقول: إذا لم يحدث ولم يجنب، هل يحتاج أن يتيمم مرة أخرى؟ نقول الصحيح أنه لا يحتاج أن يتيمم؛ لأنه طاهر، وتيممه الأول لصلاة الظهر قد طهره ورفع حدثه، خلافا لمن قال إن حدثه قائم ومستمر، ويحتاج أن يتيمم لكل صلاة.
طيب، مسألة أخرى مما يترتب على هذا الخلاف: في الحقيقة طالب العلم يحتاج أن يدرك أصول المسائل وفروعها. ما معنى هذا؟ يعني أن ثمة مسائل كبار أصول عند أهل العلم ينبني عليها خلاف في عدد من المسائل، فيحتاج طالب العلم أن يصرف شيئاً من عنايته لإدراك هذه المسائل الكبار. من المسائل الكبار في التيمم هي مسألة: هل التيمم رافع للحدث أو غير رافع للحدث، وأنما هو صاحب حدث دائم مستمر وهو فقط يبيح له الصلاة؟
من المسائل الفرعية المترتبه على هذه المسألة: هل يحتاج أن يتيمم لكل صلاة أم يكفيه فقط أن يتيمم للصلاة الأولى ويبقى مرتفع الحدث ويبقى طاهراً للصلوات التي بعدها حتى يحدث أو حتى يجنب؟ هذه مثلاً مسألة فرعية.
وهناك مسألة فرعية أخرى، وهي: هل يكفي ويصح للانسان أن يتيمم قبل دخول الوقت؟ فعلى القول بأن التيمم رافع للحدث، يصح منه أن يتيمم قبل دخول الوقت، ويكون هذا التيمم رافعاً لحدثه، فإذا دخل وقت الظهر أو العصر مثلاً فانه يصلي مباشرة، لا يحتاج أن يعيد التيمم. واما على القول الآخر بأن التيمم لا يرفع الحدث ولا يطهر الإنسان، وانما حدثه باق ومستمر، فانهم يقولون: يحتاج أن يتيمم لكل صلاة بعد دخول وقتها.
لاحظوا هنا أنهم عاملوه معاملة صاحب الحدث الدائم، فصاحب الحدث الدائم يتوضأ لكل صلاة بعد دخول وقتها. لاحظتم؟ إذاً المتيمم لما قلنا إنه يتطهر بالتيمم فإنه يتيمم ويرفع حدثه، سواء كان هذا التيمم قبل دخول الوقت أو بعده، وسواء كان هذا التيمم للصلاة الماضية السابقة أو كان للحاضرة، فإنه يستمر طاهراً قد ارتفع حدثه.
الدليل الثالث أو الرابع الذي يدلنا على أن التيمم مطهر: ذكرنا حديث جابر، وحديث أبي ذر، وذكرنا آية المائدة ووجه الدلالة من آية المائدة. وهناك دليل رابع، وهو أن نقول إن التيمم بدل عن الماء، وكونه بدلاً عنه يدل على أنه يأخذ أحكامه في حال غيابه، والوضوء مطهر للإنسان، فيكون التيمم مطهراً حال غياب الماء. إذاً هذا دليل ممكن نعتبره دليلاً رابعاً.
الدليل الخامس: أن نقول إن هذه المساله مما تعم به البلوى، فتيمم كثير ومنتشر في عهد النبي صلى الله عليه وسلم والصحابه ومن بعدهم، ولم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بإعادة التيمم لكل صلاة، ولم تأمر الآية بذلك. فدلنا هذا على أن هذه المسألة التي تعم بها البلوى يجب أن يكون فيها أمر ظاهر، وحديث صحيح ظاهر يدل على عدم ارتفاع الحدث بالتيمم، ولم يوجد ذلك.
هذه إذاً كلها أدلة تدلنا على أن التيمم مطهر للإنسان. في الحقيقة يكفينا الآية القرانية: ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: 6]، ويكفينا الحديث النبوي: «وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً»، ووصف الصعيد الطيب: «طهور المسلم». هذه كافيه حقيقة لاعتبار الإنسان مطهراً لحدثه.
طيب، ذكرنا كذلك مسألة أن التيمم... ما هو الفرق بين... الآن اتفقنا نحن على أن الماء مطهر، وعلى أن التيمم مطهر كالماء وانه رافع للحدث، هل بينهما فرق؟
نقول: نعم، بينهما فرق، وهو أن التيمم يرفع الحدث ويطهر الإنسان ولكن بضابط: ألا تجدوا ماء، فمتى ما وجد الماء فانه يجب عليه أن يتقي الله ويمسه بشرته، فيجب عليه أن يتوضأ. لكن الوضوء طهارة مستمرّة.
إذاً نحن نقول إن التيمم لو أرادنا أن نعبر عنه لقلنا: إن التيمم رافع للحدث ومطهر للإنسان، ولكنه طهارة بديلة عن الماء، وياخذ حكم الوضوء والغسل حال عدم الماء. فإذا وجد الماء يحتاج أن يتقي الله ويمسه بشرته، كما جاء في حديث أبي ذر: «فليتق الله ويمسه بشرته». فنعتبر الماء مبطلاً للتيمم، أرجو أن هذه إن شاء الله تعالى قضية ظاهرة.
إذاً قولنا بأن وجود الماء مبطل للتيمم لا ينبغي لنا أن نفرق بين هذا القول وبين قولنا إن التيمم لا يعد رافعاً للحدث البتة وإنما يعتبر حدثه مستمراً ويعتبر فقط هذا مبيحاً للصلاة، هذا قول ضعيف. لكن نحن نقول إن القول الصحيح أنه رافع للحدث، ولكن هذا الرفع رفع مؤقت. أرجو أن هذه المسألة إن شاء الله تعالى تكون ظاهرة.
طيب، ما هي مبطلات التيمم؟ نقول: كل مبطلات الوضوء وكل مبطلات الطهارة الكبرى أو موجبات الغسل، كل هذه تقع في التيمم موجبة للانتقاض، ينضاف إليها وجود الماء أو القدرة على استعماله؛ لماذا؟ لأننا لا نبيح التيمم إلا في هذه الحال، فمتى ما انتفت هذه الحال انتفت الطهارة الحاصلة بالتيمم.
طيب، هنا مسألة، وهي: لو وجد الماء في اثناء صلاته؟ مثلاً إنسان تيمم وصلى، وهو أثناء الصلاة في الركعة الثالثة مثلاً يصلي الظهر، جاء إنسان فقال: وجدت الماء، هذا الماء خذوه الآن. هل يقطع صلاته ويتوضا بالماء ويعيد الصلاة، أو نقول له: استمر في صلاتك؟
نقول في هذه اللحظة التي وجد فيها الماء في واقع الأمر، في هذه اللحظة انتقض تيممك؛ لأنه متيمم الآن، فيجب أنك تقطع الصلاة وتتوضأ بالماء؛ لأنه مباشرة بوجود الماء انتقض تيممك؛ لأن أساساً لم يبح لك التيمم إلا لعدم وجود الماء.
طيب، لو إنسان وجد الماء -مسألة هذه أخرى، أبي أسألكم الآن- لو إنسان وجد الماء بعد الصلاة ولكنه في أثناء الوقت؟ مثلاً إنسان بحث عن الماء فلم يجد الماء، صلاة الظهر نفترض وقتها يبدأ من الثانية عشرة إلى الساعة الثالثة مثلاً، فبحث عن الماء فلم يجد الماء فتيمم وصلى في الساعة الواحدة، فجاء شخص وقال: وجدت الماء في الساعة الثانية. هل نقول: يا اخي ترى أنت لازلت في الوقت أعد الصلاة؟
نقول: لا، لأن وجود الماء ينقض الطهارة، وانتقاض الطهارة بعد صلاته لا يؤثر عليها. لاحظتم الفرق؟ أما انتقاض الطهارة في أثناء صلاته فانه مؤثر ومبطل لهذه الصلاة، فلذلك نقول: اقطع الصلاة وتوضأ بالماء الموجود وصلي. أما إذا كان وجود الماء بعد تسليمه من الصلاة، فإننا نقول: لا يحتاج إلى إعادة الصلاة؛ لماذا؟ لأنه صلى وانتقضت طهارته بعد الصلاة، وانتقاضها بعد الصلاة لا يؤثر.
يؤثر عليها، إلا أن ننبه هنا تنبيهًا بسيطًا قبل أن نختم هذه الحلقة؛ فنقول: من لم يجد الماء وكان ثَمَّةَ رجاءٌ في وجوده، لا ينبغي له أن يعاجل فيتيمم ويصلي، بل ينبغي له أن ينتظر الماء، فلا يعاجل في أول الوقت، وإنما ينتظر الماء حتى ينقطع الأمل بوجود الماء، فحينئذ يتيمم ويصلي.
أسأل الله سبحانه وتعالى، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك لنا فيما قلنا وفيما سمعنا. ونذكركم في ختام هذه الحلقة بالرجوع إلى صفحتكم الشخصية للإجابة على سؤال الأسبوع. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
يا راغبًا في كل علم نافع متطلعًا لزيادة الإيمان، وتريد سهل النوال ميسرًا يأتيك ميسورًا بأي مكان. زادْ زادُ أكاديمية ينبوعها صافٍ صافٍ ليروي غلَّة الظمآن. وتعلم الفقه الميسر عاملًا بالشرع دون تعصب لفلان. بشرى لناظه أكاديمية للعلم كالازهار في البستان.
د. منصور بن عبد الرحمن الغامدي