تسجيل الدخول

المحاضرة 15 - أحكام النجاسات

منصور بن عبد الرحمن الغامديد. منصور بن عبد الرحمن الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما. اللهم هيئ لنا من أمرنا رشدا، وآتنا من لدنك توفيقا وسدادا وصوابا.

إخواني وأخواتي؛ ها نحن في الدرس الخامس عشر من سلسلة دروس الفقه في أكاديمية زاد المباركة، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك فيها، وأن يجعل هذا العلم الذي قلناه والذي نسمعه والذي نتعلمه ونعلمه، أن يجعله حجة لنا لا حجة علينا.

إخواني وأخواتي؛ سوف يكون هذا الدرس إن شاء الله تعالى عن إزالة النجاسة. ونفتتح حديثنا فيه ببيان حقيقة النجاسة وتصورها، والتفريق بين النجاسة وبين الحدث. وقد ذكرنا سابقا في بداية كتاب الطهارة أن الطهارة التي يتحدث عنها الفقهاء في كتابهم كتاب الطهارة هي رفع الحدث وزوال الخبث. وفرقنا بين الحدث والخبث بأن الحدث أمر معنوي، والخبث أمر حسي. والخبث يراد به النجاسة التي سنتحدث عنها إن شاء الله تعالى في هذا الدرس وكيف نزيلها ونطهر منها.

إذا، لما نتحدث عن باب إزالة النجاسة، فنحن نتحدث عن قسم من أقسام الطهارة ونوع من أنواعها يتحدث عنه الفقهاء، هذا النوع هو قسيم الحديث عن رفع الحدث. ويحسن بنا في بداية الحديث أن نفرق بين الحدث وبين الخبث أو النجاسة. الحدث وصف معنوي قائم بالبدن. ما معنى قولنا وصف معنوي قائم بالبدن؟ ما معنى قولنا وصف معنوي يوصف به الانسان أو يقوم ببدنه؟ معنى قولنا وصف معنوي أي أن الحدث ليس أمرا حسيا. فأنت تنظر إلى الشخص أمامك فتقول هذا الرجل طاهر أو هذا الرجل محدث، ولا تظهر عليه علامة أنه طاهر أو أنه محدث.

مثلا إذا استيقظ من النوم مثلا فتقول هذا الشخص محدث، فإذا توضا وبقي على وضوء هذا مثلا ثلاث ساعات أو اربع ساعات، إذا نظرت إليه بعد ساعة أو ساعتين فإنك تقول هذا الشخص طاهر. طيب، كيف فرقنا بين الطاهر وبين المحدث؟ لا نستطيع أن نفرق بينهما بأمر ظاهر حسي. لماذا؟ لأن الحدث أمر معنوي، أي أننا نصف به الإنسان فنقول هذا الشخص محدث بناء على أمور قام بها أو حصلت منه، وليس بناء على وصف حسي موجود في بدنه. هذا معنى الحدث. طيب، كيف يرتفع الحدث؟ يرتفع الحدث بالوضوء وبالغسل وبالتيمم.

طيب، القسم الثاني هو إزالة الخبث، هذا القسم الثاني من أقسام الطهارة، وهو قسيم لرفع الحدث، أي أنه نوع آخر موازن له. إزالة الخبث أو إزالة النجاسة. الخبث كما قد ذكرنا أو النجاسة كما قد ذكرنا مرارا أنها شيء عيني وليست وصفا حسيا. وقد ذكرنا هذا بدء في باب المياه، ذكرنا أن المياه الأصل فيها والعبرة فيها بالتغير، فإن تغيرت بشيء صارت هذه المياه نجسة. لاحظوا، لا نصف المياه أو نصف الأشياء أو نصف الثوب الذي عليه نجاسة، لا نصفه بأنه عليه حدث أو أنه محدث، لا، نصفه بأن عليه نجاسة؛ لأن النجاسة أمر حسي والحدث أمر معنوي.

إذا، إذا تحدثنا عن النجاسة فنحن نتحدث عن شيء حسي عيني يلحظ ويتنبه إليه بالعين، يشاهد أو بالشم أو بالذوق، المهم أن له جرما، أن له إدراكا بالحس.

يبحث الفقهاء في هذا الباب عددا من الأمور: أولا، الأشياء الطاهرة والأشياء النجسة، وهذه إن شاء الله تعالى لعلنا نتحدث عنها بإذن الله تعالى في لقاء قادم. ويتحدث الفقهاء كذلك في هذا الباب عن طرق إزالة النجاسة ورفعها. قد ذكرنا من قبل أن الحدث يرتفع بالوضوء وهذا الحدث الأصغر، ويرتفع بالغسل في الحدث الأكبر، ويرتفع بالتيمم عند عدم الماء في الحدثين الأصغر والأكبر، يرتفع بهما الحدث. فما هي الأشياء التي تزيل النجاسة وتزيل الخبث؟ هذا هو بابنا الذي سوف نتحدث عنه إن شاء الله تعالى في هذا اليوم.

ولعلنا قد تحدثنا من قبل عن أشياء من النجاسات وتحدثنا عن إزالتها، وكان يححسن ربطها بهذا الباب. ما هي النجاسة التي قد تحدثنا عنها من قبل وتحدثنا عن زوالها ورفعها؟ هي ما تحدثنا عنه في باب الاستنجاء. باب الاستنجاء في واقع الأمر هو نوع من أنواع إزالة النجاسة؛ لأن الإنسان بعد بوله أو خروج الغائط منه لا شك أن البول والغائط أشياء خبيثة، فبعد خروجهما يطهر الإنسان نفسه من آثارهما، هذا التطهير في واقع الأمر هو إزالة للنجاسة، هذا التطهير هو إزالة للنجاسة. يعني لو أردنا أن نطبق هذا الباب لطبقناه أولا على باب الاستنجاء، وبما أننا قد تحدثنا سابقا عن باب الاستنجاء فإن لنا بهذا الموضوع إلماما.

وقد ذكرنا هنالك أن النجاسة تزول بكل ما يزيلها، ويرتفع حكم النجاسة إذا زالت. لماذا نقول هذا الراي وهذه القاعدة ابتداء؟ لأننا سوف نقرر إن شاء الله تعالى أن النجاسة يجوز ويصح إزالتها بكل شيء يزيلها. وهذا في الحقيقة يقودنا إلى أمر آخر، وهو ما يسميه الفقهاء الأمور العادية والأمور التعبدية.

هذه قاعدة مهمة يحتاج طالب العلم أن يضبطها وأن يتنبه إليها. ما هي هذه القاعدة؟ يحتاج طالب العلم أن يدرك الفروق بين الأمور التعبدية والامور العادية. العادية نسبة إلى العادات، أي الأمور التي يعتادها الناس راجعة إلى العادة. العاديات هذه أمور عادية. الأمور التعبدية التي هي القربات، هذه لا يجوز للانسان أن يتعبد الله سبحانه وتعالى فيها إلا بما شرعه الله سبحانه وتعالى. فالأصل في التقرب إلى الله سبحانه وتعالى أن يكون بما شرعه الله سبحانه وتعالى فقط.

لو أن إنسانا جاء فقال أنا أريد أن أتعبد لله سبحانه وتعالى مثلا بالوقوف في الشمس وعدم البقاء في الظل، كما أن الإنسان مثلا الصائم يمتنع من الأكل والشرب مثلا والجماع فانا اريد أن أضيف الامتناع عن الاستظلال وأريد أن أبقى في الشمس، نقول له في واقع الأمر أنت تتعب نفسك بهذه العبادة التي استحدثتها، هذه بدعة في الدين والله سبحانه وتعالى لا يعبد إلا بما شرعه الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم أو على لسان نبيه الكريم صلوات الله وسلامه عليه.

لو أن إنسانا قال أنا أريد مثلا كما أن الناس يحجون بيت الله الحرام ويقفون بعرفه، أنا أريد أن أشرع الوقوف في مكان معين، أو الصيام في مكان معين، أو الصيام في يوم معين، أو غير ذلك، نقول لا، هذا كله من البدعة في الدين، هذا كله من البدعة في الدين ولا يعبد الله إلا بما شرع.

طيب، هذه الأمور العبادية مثل ماذا؟ مثل الوضوء، مثل التيمم، مثل الغسل، مثل الصلاة، مثل الزكاة، مثل الصوم، مثل الحج؛ هذه كلها أمور تعبدية، هذه كلها أمور تعبدية لا يعبد الله فيها إلا بما شرعه الله سبحانه وتعالى.

طيب، ثمه أمور راجعة إلى العادات وليست إلى التعبد، عادات الأصل فيها أنها من العادات، والله سبحانه وتعالى له أحكام شرعية فيها، ولكن ما معنى قولنا إذا بما أن فيها أحكام شرعية، ما معنى قولنا أنها من العادات؟ نقول إن الأصل فيها الحل والإباحة ما لم يرد دليل يمنع ويحظر. طيب، في الأمور التعبدية الأصل فيها الحظر والمنع إلا إذا ورد دليل بالمشروعية، العكس لاحظتم الفرق؟

يعني لا يقول الإنسان أنا أعبد الله كيف أشاء ما لم يرد دليل على المنع، نقول لا، الأصل انك لا تبتدع في الدين وفي التعبد لله سبحانه وتعالى، ولا تتعبد لله إلا بما شرع. طيب، في الأمور العادية مثلا في البيع والتجارة نقول لا، معنى أن الناس يستحدثون ما شاءوا من العقود وما شاءوا من الأحوال وما شاءوا من الشروط، المعاملات مثلا، هناك معاملات حادثة لم تكن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، مثلا مثل معاملة الإجارة المنتهية بالتمليك، مثلا مثل معاملات البطاقة الائتمانية، معاملات جديدة حادثة، فهل نرد هذه المعاملات الحادثة باعتبار أنها لم تكن في زمن النبي عليه الصلاة والسلام؟

أو لم يشرعها الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم أو على لسان النبي الكريم، نقول: لا، الأصل في عادات الناس في ملبسهم، في أثاثهم، في بيوتهم، في منازلهم، في طرقهم، في وسائل تنقلاتهم، في وسائل اتصالاتهم، هذه أمور عادية، الأصل فيها الحل والإباحة.

لو قال لك قائل: ما الدليل على إباحة الجوال؟ وهذا بدعة في الدين، الجوال كيف تبتدع؟ وهذا شيء لم يكن في زمن النبوة، ماذا تقول له؟ تقول له: الأصل في الأشياء الحل والإباحة، هذا من الأمور العادية، أنت ائتني بالدليل على تحريمه طالما أنه ما في دليل على التحريم، فمعنى ذلك أنه حلال ومباح، هذه الأمور العادية.

طيب، إذا أرادنا أن نتحدث عن الطهارة وفقاً لهذا التصنيف، فنقول: إن رفع الحدث أمر تعبدي، وأن زوال الخبث أو زوال النجاسة أمر عادي، الخبث والنجاسة إزالتها أمر عادي، ورفع الحدث أمر تعبدي.

كيف فرقنا بينهما بهذا التفريق؟ الحدث وصف جاءت به الشريعة لأجل منع من قام به من الصلاة، فكأن الشريعة أرادت من الإنسان قبل حضوره إلى الصلاة، إذا قام إلى الصلاة كما جاء في سوره المائدة: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: 6] أن يتطهر من الحدث، فجعلت ثمة وصفاً يسمى حدثاً، وأوجبت الطهارة منه: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ»، «لا يقبل الله صلاة بغير طهور».

هذا هو رفع الحدث، هذا هو رفع الحدث، بمعنى آخر لو أرادنا أن نقرب الصورة أكثر، نقول: إن الحدث ليس من الأشياء التي يعرفها مثلاً الكفار، ليس من الأشياء التي يعرفها الكفار، ما يعرفون وصف الحدث أو الطهارة من الحدث، لماذا؟ لأن هذه الطهارة من الحدث رفع الحدث بالوضوء أو بالغسل أو بالتيمم هذه عبادات شرعية لأجل الصلاة، أو لأجل مثلاً الطواف أو غير ذلك، هذه عبادات شرعية شرعت لأجل هذا الأمر فلا يعرفها، ليست من العادات المعتادة، هذه تعبداً جاء بها الإسلام؛ الوضوء، التيمم.

وقد يقول الانسان يعني ما فائدة الإنسان؟ ما هو الأمر العادي المعتاد في أن الإنسان يضرب بكفيه التراب ضربة واحدة؟ نقول: هذا أمر تعبدي محض لأجل الصلاة حتى يرتفع حدثه قبل الصلاة، بخلاف إزالة النجاسة. ولعلنا نزيد هذا الموضوع إن شاء الله تعالى تفصيلا بعد هذا الفاصل القصير إن شاء الله تعالى.

ربما تحب أحد الأبناء أو البنات أكثر من إخوته، إما لبره أو أدبها أو غير ذلك، ولكن هل يجوز أن تفضل من تحب في العطية وتخص بالهدايا دون الآخرين؟ لنستمع إلى هذه القصة التي جرت للصحابي الجليل النعمان بن بشير رضي الله عنه، يقول: سألت أمي أبي بعض الموهبة لي من ماله فوهبها لي، فقالت: لا أرضى حتى تشهد النبي صلى الله عليه وسلم، فأخذ بيدي -وانا غلام- فأتى بي النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: يا بشير، ألك ولد سوى هذا؟ قال: نعم. فقال: أكلهم وهبت له مثل هذا؟ قال: لا. قال: فلا تشهدني إذاً، فإني لا أشهد على جور.

ففي هذا الحديث تحذير من تفضيل أحد الأبناء على إخوته، وأنه من الجور والظلم، ولم يفرق بين الذكر والأنثى، وذلك لما يؤدي إليه من الكراهية والنفور بينهم.

ولا حرج في الميل القلبي لأحد الأولاد دون غيره؛ لأن ذلك أمر ليس في مقدور العبد، وإنما الذي يحرم أن يفضل المحبوب على غيره بالعطايا دون سبب شرعي. فإن حصل مثل هذا التفضيل وجب رد العطية أو إعطاء الآخرين مثل أخيهم.

ويجوز التفضيل بين الأولاد إذا كانت هناك اسباب وجيهة تدعو إلى ذلك، كأن يخص أحد أولاده لمرض أصابه، أو فقر وحاجة ألمت به، أو لاشتغاله بطلب العلم ونحوه من الفضائل. وللوالد أن يمنع العطية عمن يستعين بها على معصية الله تعالى ويعطيها لمن يستحقها. قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: 2].

نعود إليكم بعد هذا الفاصل، وكنا قد تحدثنا قبله عن قاعدة التفريق بين الأمور التعبدية والأمور العادية الراجعة إلى عادات الناس.

الأمور التعبدية لا يعبد الله فيها إلا بما شرعه الله سبحانه وتعالى، وهي ما اصطلح أهل العلم على تسميته بالتعبد أو العبادات أو القربات، هذه لا يعبد الله فيها إلا بما شرع، وذكرنا أمثل لها؛ كالصلاة، الزكاة، الحج، الصوم، الذبح لله سبحانه وتعالى، النحر لله سبحانه وتعالى، الوضوء، التيمم، الغسل. هذه عبادات شرعية، لا يجوز للإنسان أن يغير في هيئاتها أوصافها أمكنتها، حتى الوضوء ذكرنا في شرحنا لباب الوضوء أن الإنسان لا يجوز أن يغير ترتيبه، فهي لاحظوا أنها تعبداً محضاً، ينبغي للإنسان أن يلتزم فيها الأمر الشرعي كما أمر الله سبحانه وتعالى، وكما أمر النبي الكريم صلى الله عليه وسلم.

لاحظوا مثلاً لما نتكلم عن في الحج عن الوقوف بعرفه، لو أن انساناً وقف نهار عرفة كاملاً ولكن خارج الحد، هذا حد عرفة، خارجه بمتر واحد، قلنا: هذه عبادة غير مقبولة. قد يقول قائل: ما الفرق؟ نقول: هذه تعبداً، لا يعبد الإنسان ربه إلا بما شرعه الله سبحانه وتعالى.

لو أن إنساناً مثلاً لم يذهب إلى مزدلفة، لم يبت بمزدلفة، وإنما ذهب إلى مكان آخر، نقول: لا، لم تتحقق هذه العباده. وهكذا، هذه التعبدات ينبغي للمسلم أن يراعيها كما هي، وأن لا يعبد الله إلا وفق ما أمره الله سبحانه وتعالى.

طيب، العادات كما ذكرنا، هل لو قال لك قائل: هل يدخل في البدعة أن الناس يبتدعون معاملات فيما بينهم جديدة؟ نقول: لا، الأصل في المعاملات الحل والإباحة، فالبيوعات الجديدة، الإيجارات الجديدة، وسائل التنقل والمواصلات والاتصالات والأثاث والبناء، هذه كلها من عادات الناس التي يحق لهم ويجوز لهم أن يستحدثوا فيها ما شاؤوا ما لم يخالفوا نهي الشريعه.

لذلك ذكرنا أن الأغلب في أبواب العبادات نجد الأمر والتشريع، والأغلب في أبواب العادات نجد النهي. ما معنى أنه أغلب موارد الشريعة في أبواب العادات أنها تكون نهياً؟ لأن الأصل الحل والإباحة إلا ما نهت عنه الشريعة. لاحظتم الفرق؟

فالله سبحانه وتعالى نهى عن الربا، نهى عن الغرر، هذا معناه أن الإنسان يقوم بما شاء من المعاملات؛ البيع، الإجارة، الإجارة المنتهية بالتمليك مثلاً، معاملات جديدة مستحدثة، يقوم بما شاء منها ما لم يكن فيها ربا أو غرر أو جهالة، الأشياء التي حرمتها الشريعة هذه لطالب العلم يتنبه لها.

طيب، في باب الطهارة إذا أردنا أن نطبق هذا على باب الطهارة، نقول: إن رفع الحدث من الأمور التعبدية؛ الوضوء، الغسل، التيمم، هذه كلها أمور تعبدية. لو إنسان غير في ترتيب الوضوء ما قبل منه؛ لأن الله سبحانه وتعالى جاء به بصفة معينة في سورة المائدة.

طيب الآن، لو أن إنساناً أزال النجاسة بشيء لم يكن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، قلنا: إزالة النجاسة هذا من الأمور العادية، فلا يقتصر فيه فقط على الموارد الشرعية. نزيد الأمر إيضاحاً حتى تتضح هذه القسمة؛ رفع الحدث والحدث والوضوء والغسل والتيمم هذه قلنا إن هذه أمور تعبدية جاءت بها الشريعة ولا يعرفها غير المسلم، يعني المسلم لا يحتاج أصلاً أنه يتوضأ أو يغتسل أو غير المسلم لا يحتاج أنه يتوضأ أو يغتسل؛ لماذا؟ لأنه لا يصلي ولا يعرف أصلاً وصف الحدث أنه محدث أو لا.

لكن لاحظوا إزالة النجاسة، إزالة مثلاً إزالة النجاسة، إزالة مثلاً أثر البول والغائط مثلاً، لاحظوا أن هذا أمر مشترك بين المسلم والكافر، أمر مشترك بين المسلم والكافر، لماذا؟ لماذا هذا الأمر المشترك بين المسلم والكافر؟ لأن النجاسة وصف يشترك فيه الناس، يشترك الناس في التحرز منه وفي استقذاره، فهو وصف مشترك، لذلك نجد أن مما أطبق عليه أهل الارض مثلاً أنهم يحتاجون إلى الاستنجاء أو التطهر بعد البول والغائط، إزالة أثرهما.

لاحظتم؟ إذاً هذا معنى من الأمور العادية المعتاده. لكن هل يتوضؤون أهل الأرض؟ هل يتوضؤون بعد؟ لا، الوضوء عبادة شرعية يقوم بها المسلم، أمر تعبدي محض، بخلاف إزالة النجاسة مثلاً إنسان إذا وقع عليه مثلاً في ثوبه بول أو غائط، لا شك أن.

ما يستقذر أهل الأرض جميعا أنه يكون على ثوبه هذا الأمر ولا ينظفه، طبعا المسلم يستقذر ويجب عليه تنظيفه ويجب عليه إزالته، هذا أمر آخر.

طيب مما يحتاج أن ينبه إليه أنه قد يفهم بعض الناس من هذا التقسيم أن معنى ذلك أن العادات هذه لا نظر للشريعة فيها، خطأ، وأن الشريعة تفصل هذه العبادات هي محل نظر الشريعة، لا، الشريعة لها نظر في العبادات ولها نظر وتشريع في العادات، ولكن عادة الشريعة وتشريعاتها وقواعدها وأوامر ونواهيها لها طبيعة في جانب القرب والعبادات ولها طبيعة أخرى في جانب العادات، إذا نحن نراعي طبيعة الشريعة في هذا الجانب وفي هذا الجانب.

طيب بناء على هذا كله نقول إن النجاسة بما أنها من الأمور العادية وذكرناها أنها حسية، فهذا يجعلنا نقول أنها تزول بكل ما يزيلها، ولا نحتاج إلى أن نأتي بدليل ليدل على أنها تزول بالماء، لو قال قائل الله سبحانه وتعالى قال في الكتاب الكريم: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: 48]، فهذا يدل على أن النجاسة هذه تطهر بالماء.

طيب لو أتيت أنت مثلا بالمطهرات المعاصرة مثلا الكيميائية مثلا أو الصوابين المعاصرة أو شيء من المعقمات المعاصرة أو أتيت مثلا، فهل الآن أي مزيل من هذه المزيلات للنجاسة تحتاج أن تأتي عليه بدليل؟ لا، لا نحتاج أن نأتي عليه بدليل، لأن لو قلنا بذلك لصار معنى كلامنا أن إزالة النجاسة صار من الأمور التعبدية التي يقتصر فيها على النص فقط، وهذا إشكال، إذا نحن نقول إن النجاسة حسية وهي من الأمور العادية، وإزالتها من الأمور العادية التي ترجع إلى عادة الناس.

بعض الفقهاء يعبر عن هذا بقوله أنها من باب التروك، بعض الناس يعبر عنها يقول أنها من الأمور العادية ولا مشاحة في الاصطلاح، المهم أنها تزول بكل ما يزيلها، ولا نحتاج أن نأتي بدليل شرعي على كل نوع من أنواع إزالة النجاسة، فلو أن إنسان قال مثلا ما حكم تطهير النجاسة الموجودة في الثوب بالبخار؟ نقول إن هذا إن شاء الله تعالى أمر جائز، لو قال الإنسان أنا صبيت عليه معقم معين حتى زال أثره، نقول إن شاء الله تعالى حتى زال جرمه وأثره، نقول هذا إن شاء الله تعالى جائز ولا إشكال فيه.

طيب، ما حكم مثلا تطهير النجاسة بالمنديل مثلا؟ وقع قطرات من البول على سطح أملس مثلا فمسحه بمنديل حتى زال عين هذه النجاسة وأثرها، نقول إن شاء الله تعالى أن هذا جائز، منديل معطر أو معقم نقول هذا جائز، وهكذا لا ننظر نحتاج أن نأتي بدليل فنقول إنه جائز بالماء لقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: 48]، والمنديل ما في آية في المنديل ولا في آية في المعقم الكيماوي ولا ما في ولا في نصوص، إذا نحن قلنا تزول بكل ما يزيلها ويزول حكمها وأثرها وعينها.

هذا يقودنا إلى سؤال آخر، انظروا إلى القاعدة الشرعية التي ذكرناها في التفريق بين الأمور العبادية والأمور العادية، ينبني على هذا التفريق أمر آخر له علاقة بالنيه، ما هو هذا الأمر؟ نقول إن الأمور التعبدية بحكم أنها جاءت وهي من باب الأمور العبادية وهي من باب الأوامر يشترط فيها النية، أما الأمور العادية فلا يشترط فيها النية لأنها من عادات الناس وليس هي تعبدا وقربات محضه.

نوضح هذا بمثال: لو أن انسانا مثلا كان يلعب الكرة، ومن لعب الكرة مثلا اتسخت يده وأعضائه وجهه مثلا وقدمه بالغبار والتراب، فلما انتهى من لعب الكرة غسل يده ثم غسل وجهه وغسل يديه، ثم بعد أن غسل يديه سمع الأذان، فقال إذن فلنكمل هذا، فلنكمل الوضوء فمسح برأسه وغسل رجليه، نقول هذا وضوء غير صحيح، لماذا؟ لأنك لم تنوي التعبد لله بالوضوء، لم تنوي الوضوء من أوله إلى آخره، ما نويت أنت، ما حدثت عندك نية الوضوء إلا بعد ما سمعت الأذان في منتصف غسلك لأعضائك فغسلك لوجهك ويديك ما كان على هيئة الوضوء وصفة الوضوء الشرعي.

فنشرط النية، نشترط النية، لو أن انسانا طلبه فقير مالا فأعطاه مالا، فلما رجع إلى بيته بعد يوم أو يومين أو ثلاثة أيام جاء يحسب زكاته فوجد أن زكاته مثلا الواجب عليه مثلا مئة دولار، فهل يجوز أن يقول حسنا إذن سوف أجعل ما دفعته لذلك الفقير وقدره مئة دولار سوف أحسبه أنه زكاة؟ نقول لا، المئة دولار تلك خرجت ليست على نية الزكاة، الزكاة تعبدية يجب أنها تخرج بنية، يجب أنها تخرج بنية الزكاة.

لاحظتم، وهكذا الصلاه يجب أنها تكون بنية الصلاة، لو الإنسان مثلا قام ولا انحنى بدون نية الصلاة نقول هذه ليست صلاة حتى ينوي الصلاة، وهكذا إذا الأمور التعبدية لابد فيها من نية المكلف حتى تحصل قربة.

لو أن انسانا كان يلعب في التراب هل يجوز له أن نقول هذا يعتبر تيمم؟ نقول لا، حتى ينوي التيمم، ينوي أنه الآن يقوم بعباده التيمم فيضرب بكفيه الأرض ضربة، هذا التيمم ينوي التيمم، هذا فرق بينه وبين من كان يلعب في التراب مثلا ولا ينوي التيمم، لا، نقول إن هذا متيمم، وإنما نقول هذا يلعب في التراب، لكن التيمم.

لو أن انسانا مثلا لم يأكل طعاما في الصباح أو لم يأكل حتى المغرب لأجل حمية مثلا، لأجل أنه سوف يقوم بعملية مثلا ماء وقالوا له يعني يجب أن تمتنع من الطعام قبل العملية بمقدار مثلا اثني عشر ساعة، وهو لم ينوي الصيام لله سبحانه وتعالى، هل نقول إن هذا الإنسان متعبد لله بالصيام؟ نقول لا، إلا إذا نوى أن يصوم تعبدا لله سبحانه وتعالى، إذا هذه الأمور التعبدية العبادات تحتاج إلى نية المكلف.

طيب الأمور العادية؟ تخيلوا معي أن ثمة إنسانا على ثوبه نجاسة، فانسكب منه كاس الماء وأزال النجاسة وهو لم يقصد إزالتها، انسكب منه وهو لا يدري، هل تزول النجاسة ويزول حكمها؟ نعم، تزول النجاسة ويزول حكمها لأن هذه الأمور لا يشترط فيها نية التعبد، لا يشترط أنك تنوي أنني أريد الآن إزالة النجاسة لاجل تطهير هذا الثوب، بل إننا نقول لو زالت وهو لا يعلم أصلا لم يكن في ذلك أي إشكال، بل لو زالت بدون فعل منه أصلا، يعني مثلا كان ثمة نجاسة أو بول في منطقة في الصحراء مثلا في تراب إلى أن جففتها الشمس وأزالت عينها وأثرها وصار لا فرق بين هذا المكان ولا بين غيره مثلا بعد أسبوعين من الشمس طلوعها على هذا الموقع أو هذا المكان كل يوم خلاص الشمس طهرت هذا المكان، فهل نقول إن هذا المكان لا زال نجسا لأنه لم ينوي تطهيره؟ لو أن كافرا أزال هذه النجاسة ونظفها وأنهاها نقول هذا كافي لأن إزالة النجاسة من الأمور العادية التي لا تحتاج إلى نية التعبد في إزالتها، هذا من الفروق، لذلك نحن ذكرنا في البداية التفريق بين طبيعة الشريعة في أحكامها في العبادات والقربات وبين طبيعة أحكام الشريعة في العادات والمعاملات.

طيب لعلنا نواصل إن شاء الله تعالى معكم الحديث عن هذا الباب ولكن بعد هذا الفاصل القصير.

حرص الإسلام على زرع المحبة والود بين المسلمين، وعلى اقتلاع أسباب التباغض والشحناء من بينهم، ومن المعاملات التي تورث التباغض بين المسلمين بيع المسلم على بيع أخيه أو شراؤه على شراء أخيه، لذلك نهى عنها الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: «لا يبع بعضكم على بيع أخيه».

والشراء مثل البيع، فيحرم شراء المسلم على شراء أخيه، ومثال البيع على البيع: اشترى زيد من عمر سيارة بعشرة آلاف فذهب رجل إلى زيد وقال له أنا أعطيك مثلها بتسعة أو أعطيك أحسن منها بعشرة أو أبيعك مثلها بعشرة، فهذا بيع على بيع المسلم لا يحل.

مثال الشراء على الشراء: باع زيد لعمر سلعة بتسعة فجاء آخر وقال للبائع بعتها على فلان بتسعة؟ قال نعم، قال أنا أعطيك فيها عشرة أو بعها لي أنا بتسعة ودعك

نعود اليكم بعد هذا الفاصل ونقول اخواني واخواتي كنا قد بينا من قبل الفرق بين الحدث والخبث، وان رفع الحدث من الامور التعبدية، وان الحدث وصف معنوي، وانه يزول بعبادة الوضوء والغسل والتيمم، وان الخبث امر حسي راجع الى العادات، وانه يزول بكل مزيل سواء قصده الانسان او لم يقصده؛ لانه من امور عادات الناس ومعاملاتهم، ولا يحتاج فيه الى نية التعبد لله سبحانه وتعالى، بل لو زال بنفسه لو ازاله كافر أو غير ذلك هذا كله يؤدي الغرض وهو ازالة النجاسة.

اذا اردنا الحديث عن اصناف النجاسة وانواعها لقلنا ان الاشياء المتنجسة تنقسم الى قسمين: هناك اشياء نجاستها عينية، يعني نفس العين تكون مثلا مثل البول والغائط اكرمكم الله، وهناك اشياء الاصل فيها أنها طاهرة ولكنها تنجست، مثلا مثل الثوب الذي يصيبه البول أو الغائط، هذا الثوب اصلا طاهر ولكنه تنجس بالبول والغائط. وعلى قاعدتنا نحن أن النجاسة تزول بكل ما يزيلها، كيف تزول النجاسة من الثوب؟ نقول تزول بغسله بالماء، بالصابون، بالمعقمات، بالمطهرات، بالبخار، كل هذا يزيل النجاسة. كيف تزول النجاسة من الاسطح مثلا الملساء؟ تزول بمسحها. كيف تزول النجاسة من الارض؟ التراب مثلا تصب عليها ماء، أو اذا كانت هذه الارض مثلا ملساء مثل البلاط أو السيراميك أو غيره فهذا الانسان يطهره بممسحة.

البول أو الغائط اصلا عينه نجسة، طيب، لكن اذا استحال وتغير، بمعنى انه عندنا مثلا قدر معين من البول صب عليه من الماء وصار ماء كثيرا جدا، أو هذا البول صب مثلا في ماء آخر كثير جدا -سواء ورد البول على الماء أو الماء ورد على البول ما عندنا اشكال، المهم انه صار الناتج عندنا ماء كثيرا جدا لا يوجد فيه أي أثر للبول- نقول هذا الماء إن شاء الله تعالى ماء طاهر وطهور ولا اشكال فيه. اذا لاحظوا الآن زال عين النجاسة، زالت عينها واستحالت أو اضمحلت في هذا الماء الكثير.

لو ان انحسانا مثلا حرق هذا الروث أو هذا الغائط الناشف صار رمادا، خلاص استحالت عين النجاسة صار رمادا، هذا اذا صار رمادا هذا طاهر ما في اشكال إن شاء الله تعالى. لو أن إنسانا مثلا قام ببعض العمليات الكيميائية المعينة التي تطهر الصرف الصحي، ما حكم مياه الصرف الصحي التي مرت بمعالجة وتطهير وتعقيم لها وعولجت وصارت الآن بعد المعالجة ليس فيها أي أثر للنجاسة؟ ما أصله كان من الصرف الصحي وعولج، نقول إن هذا الماء طاهر إن شاء الله تعالى ولا اشكال فيه. لاحظتم الآن هذه كلها تدلنا على أن الاستحالة تطهر الاعيان النجسة، وهكذا غيرها من الأمور.

طيب، مما يحسن التنبيه اليه أن ننبه في ازالة النجاسة: هل تشترط الشريعة عددا معينا لازاله النجاسة؟ يعني لا تزول النجاسة الا اذا غسلت ثلاث مرات، أو لا تزول النجاسة الا اذا غسلت اربع مرات أو مرتين؟ بناء على تقريرنا نحن في الأمور العادية، نقول ان النجاسة تزول بكل ما يزيلها، بأي عدد يزيلها، فلو زالت من مرة الحمد لله رب العالمين، من مرتين الحمد لله، من ثلاث، هذا العدد ليس مؤثرا ولا معتبرا، بل إن النجاسة تزول بكل ما يزيلها.

قد يستشكل بعض الناس مع هذا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا أولاهن بالتراب». فالنبي صلى الله عليه وسلم أمر بالتسبيع في غسل ولوغ الكلب، وأن يكون أول مرة من هذه السبع بالتراب. ونقول إن شاء الله تعالى هذا الحديث غير مشكل، فإن هذا الحديث دلنا على أن نجاسة الكلب تخالف سائر النجاسات، فيجب التسبيع فيها، وهذا مخالف لقاعدة النجاسة التي تزول بكل مزيل، فنجاسة الكلب نجاسة مغلظة يجب فيها غسلها بالماء أولا ثم بالتراب.

وهذا قول، والوجه الثاني -وقد يكون هذا الوجه الثاني أحسن في بيان الموقف من هذا الحديث- نقول: إن نجاسة الكلب من حيث النجاسة تزول إذا زالت بكل مزيل لها وبكل ما يغسل ولو كان مرة واحدة، والتسبيع أمر به لمعنى آخر غير النجاسة، وهذا يذكره اليوم بعض الأطباء المعاصرين يقولون إن التسبيع لأجل أمر صحي وميكروبات أو فيروسات معينة موجودة في الكلب تحتاج إلى أن تطهر بالتراب، وذكروا في هذا بعض المواد الموجودة في التراب التي تزيل هذه الفيروسات. الفيروسات طبعا لا نتحدث نحن عن نجاسة وإنما نتحدث عن أمر صحي، فيجب التسبيع بالتراب مرة أولى ثم ست مرات بالماء. يقول بعض الناس إن هذا ليس لمعنى النجاسة وإنما لمعنى هذه الفيروسات وصحة بدن الإنسان حتى لا تدخل عليه هذه الفيروسات، فهذا معنى قد يقال إنه معنى صحيح.

وأيا ما كان، فانه يجب بناء على هذا الحديث تسبيع غسل ولوغ الكلب، سواء قيل إن هذا التسبيع لأجل ازالة النجاسة وان نجاسة الكلب مغلظة، أو قيل بان نجاسة الكلب كغيره تزال بكل ما يزيلها الا أنها لغلظ تحتاج الى سبع مرات، أو قيل بان نجاسة الكلب كغيره تزال بمرة أو مرتين ولكن نحتاج لغسله سبعا لاجل ما فيه من فيروسات مضرة بدن الإنسان، ليست من باب النجاسة وإنما من باب صحة الإنسان وتعقيم هذا الإناء الذي ولغ فيه الكلب. الشاهد أن نقول: سواء قيل بهذا أو بهذا أو بهذا، يجب أن يغسل الإناء الذي ولغ فيه الكلب سبعا أولاهن بالتراب، كما أمر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن هذه اتجاهات نريد أن نبينها لأجل بيان علاقتها بقاعده إزاله النجاسة بكل مزيل.

طيب، من الجيد أن ننبه أن ثمة من النجاسات ما خففته الشريعة، فمثلا جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم عند حديثه عن المذي قال: «يكفيه النضح». وقال بعض اهل العلم ان هذا والله تعالى أعلم لخفة نجاسة المذي، المذي هو ما يخرج من الانسان عند بدايات الشهوة غير المني الذي يخرج عند نهاية الشهوة يخرج دفقا بلذه، لا، نحن نتكلم عن المذي الذي يخرج في بدايات الشهوة، هذا المذي والنبي صلى الله عليه وسلم اخبر بانه يكفي فيه النضح، وهذا والله تعالى يدلنا على خفة هذه النجاسة، أو ربما كان هذا الامر والتخفيف فيها لمشقة تكرارها فامر فيها بالنضح.

كذلك من النجاسات المخففة بول الصبي الذي لم يأكل الطعام، فقد جاء في حديث أم قيس بنت محصن رضي الله تعالى عنها أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلى النبي صلى الله عليه وسلم فحمله صلوات الله وسلامه عليه فبال على ثوبه، فماذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم؟ فدعا بماء فنضحه ولم يغسله. لاحظوا في هذا الحديث، يدلنا على ماذا؟ دلنا على وصف رأت أم قيس بنت محصن أنه مؤثر، وأن هذا الصبي لم يأكل الطعام بعد. وبالفعل، فإن نجاسة أو بول وغائط الصبي الذي لم يأكل الطعام لا شك أنها أخف من نجاسة وبول وغائط الصبي الذي قد أكل الطعام.

وقد قال بعض اهل العلم إن هذا التخفيف في هذه النجاسة خاص فقط ببول الصبي الذكر ولا يشمل بول الجارية الأنثى، والذي يظهر والله تعالى أعلم بما أننا ذكرنا أن النجاسة من الامور العادية أن الوصف المؤثر في حديث أم قيس بنت محصن رضي الله تعالى عنها أن هذا الصغير لم يأكل الطعام وأنه لا يؤثر كونه ذكرا أو أنثى، وإنما الوصف المؤثر أنه لم يأكل الطعام، والصبي إذا لم يأكل الطعام فقط كان يعيش على حليب أمه، فلا شك أن النجاسة تكون أخف من الصبي الذي قد أكل أو الجارية التي قد أكلت الطعام، لذلك الذي يظهر والله تعالى أعلم أن هذا التخفيف يشمل الصبي والجارية إذا لم يأكلا الطعام.

الصبي والجارية، وهذه مسألة يسأل عنها بعض الأمهات، خصوصاً الأمهات يحملن أطفالهن، يرضع أطفالهن وهم لم يأكلوا الطعام بعد. فلا شك أن هذا من تخفيف الشرع في حقهن. وقد قال بعض أهل العلم بالتفريق، فقال إن هذا التخفيف خاص بول الغلام وانه يرش، وأما بول الصبية أو الجارية فإنه يغسل. واعتمدوا في هذا التفريق على حديث أبي السمح رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يرش من بول الغلام ويغسل من بول الجارية». ولا شك أن هذا الحديث حديث صريح وواضح.

فإن كان هذا الحديث صحيحاً فلا شك أنه يعمل به، ولكن هذا الحديث فيه كلام ولا يثبت. وعندنا حديث أم قيس بنت محصن في الصحيح أنها قالت: إنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام. قولنا: لم يأكل الطعام، الظاهر أنه وصف مؤثر. قولنا: بابن لها صغير، نقول إن هذا وصف غير مؤثر؛ لماذا؟ لأنه من خلال استقرائنا لأبواب النجاسات والطهارة، لم نجد فرقاً بين الذكر والأنثى في النجاسة والطهارة فلذلك نقول إن هذا الوصف والله تعالى أعلم غير مؤثر.

بخلاف وصف أكل الطعام، فإنه مؤثر على النجاسة، وعلى أن ما يأكله الإنسان مؤثر فيما يخرجه الإنسان، لاحظتم أيها الأخوة والأخوات، ما يأكله الإنسان مؤثر فيما يخرجه الإنسان. ولو صح حديث أبي السمح فلا شك أنه حديث صريح يجب القول والأخذ به، والله تعالى أعلم.

هذا ملخص حديثنا عن باب إزالة النجاسة. وذكرنا الفرق بين النجاسة والحدث، وذكرنا أن النجاسة تزول بكل ما يزيلها، وأن النجاسة العينية تزول بالاستحالة. ثم ذكرنا نوعاً من النجاسات غلظته الشريعة وأمرت بغسله سبعاً، وهو نجاسة الكلب، وذكرنا هل هذا لمعنى النجاسة أم لمعنى صحي آخر؟ وأي ما كان، فإنه يجب تسبيع غسل الإناء. وذكرنا التخفيف الذي ورد في نوعين من أنواع النجاسة، وهي نجاسة المذي، وبول الصبي أو الجارية اللذين لم يأكلا الطعام.

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يعلمنا وإياكم ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، ويزيدنا علما. نقف عند هذا القدر، ونواصل الحديث إن شاء الله تعالى معكم في أنواع الأشياء النجسة والطاهرة في لقائنا القادم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.