الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما. اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، اللهم يا مفهم سليمان فهمنا.
إخواني وأخواتي في هذه الأكاديمية أكاديمية زاد المباركة؛ها قد وصلنا نحن في الدرس إلى الدرس الثالث عشر من سلسلة دروس الفقه في هذه الأكاديمية. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل هذه الدروس التي اخذناها والتي سنأخذها إن شاء الله تعالى، أن يجعلها حجة لنا، وأن لا تكون هذه الدروس حجة علينا، وأن ينفعنا بما قلناه وما سمعناه فيها، وأن يجعلها في حقنا من العلم النافع الذي يجده الإنسان يوم القيامة.
إخواني وأخواتي، كنا قد تحدثنا في الدرس الأخير عن الغسل، وتكلمنا عن صفة الغسل التي وردت في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها. عائشة رضي الله تعالى عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم، أم المؤمنين، الصديقة بنت الصديق رضي الله تعالى عنها، أحب زوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه؛ بل أحب الناس إليه، كما جاء في حديث عبد الله بن عمر قال: من أحب الناس إليك؟ قال: عائشة. قال: فمن الرجال؟ قال: أبوها.
عائشة رضي الله تعالى عنها، لا شك أنها كونها في بيت النبي صلى الله عليه وسلم، لا شك أنها من أول من تتجه إليه الأنظار لأجل أخذ صفة غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم. لذلك نجد أن صفة غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم قد روتها لنا عائشة، وروتها لنا ميمونة أم المؤمنين. فلما وصفت عائشة رضي الله تعالى عنها صفة غسل رسول الله، نحن الآن سوف نتحدث عن صفة الغسل المستحب الكامل الذي كان يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم نعقبه بعد ذلك بصفة الغسل المجزئ الكافي، وهو ما يمكن أن لو أرادنا أن نصطلح له باصطلاح قلنا: الحد الأدنى هو الغسل المجزئ، والحد الأعلى هو غسل النبي، أو الغسل الكامل التام الذي كان يفعله صلوات الله وسلامه عليه.
ما هو الغسل على صفة عائشة أم المؤمنين؟ وهذا هو الغسل الذي كان يفعله الرسول المستحب، صفة أنها قالت رضي الله تعالى عنها: كان يبدأ فيغسل يديه. البدء بغسل اليدين كما أنه سنة في الغسل، هو كذلك سنة في الوضوء كما ذكرنا هناك، لأن اليدين هما آلة الوضوء وهو آلة الغسل. جاء في حديث عثمان الذي رواه لنا حمران أن النبي صلى الله عليه وسلم ابتدأ في وضوءه بغسل يديه. كذلك ابتدأ النبي صلى الله عليه وسلم بغسل يده لأنهما آلة الغسل، فابتدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بغسل يديه.
ثم بعد ذلك غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم موطن الجنابة، فأفرغ بيمينه على شماله فغسل فرجه، وهذا فيه فوائد: أولاً: الإنسان يبدأ فيغسل موطن الجنابة. الأمر الثاني: أنه لا يمس فرجه بيمينه، كما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في الصحيح: «لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول»، فلا يمس فرجه بيمينه. لذلك أفرغ الرسول بيمينه على شماله فغسل بشماله، فغسل فرجه.
ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك توضأ وضوءه للصلاة. إذاً، الغسل الكامل أن الإنسان يبدأ بالوضوء قبل تعميم بدنه بالغسل. الخطوة الأولى: غسل كفيه، ثم غسل بشماله فرجه، ثم بعد ذلك توضأ وضوءه للصلاة. كيف يعني وضوءه للصلاة؟ يعني غسل وجهه ويديه إلى المرفقين ومسح برأسه، ثم غسل رجليه. إذاً، هذا وضوءه كأنه توضأ وضوءه للصلاة.
ثم بعد ذلك أخذ ماء صلوات الله وسلامه عليه فخلل به شعره، حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته؛ بمعنى أنه كان يخلل صلى الله عليه وسلم شعره ليروي بشرته بالماء، فكان يدخل أصابعه في أصول الشعر حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته. يعني ظن أن بشرة وشعر النبي صلى الله عليه وسلم كان كثيفاً كثيراً، حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته يعني أنه قد خلل فوصل الماء إلى بشرته إلى جلدة الرأس. بعد ذلك أفاض الماء على رأسه صلوات الله وسلامه عليه، أفاض الماء على رأسه أو كما جاء في حديث عائشة: حثى على رأسه ثلاث حفنات صلوات الله وسلامه عليه.
ثم بعد ذلك أفاض الماء على سائر جسده، ومما يذكر أهل العلم هنا في إفاضة الماء على سائر جسده أنه يبدأ باليمين، لما جاء في حديث غسل بنت النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اغسلنها ثلاثاً أو خمساً»، وفي بعض الألفاظ قال: «وابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها» حديث أم حبيبة رضي الله تعالى عنها. فيبدأ الإنسان ولما جاء في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يحب التيمن في تنعله وترجله وطهوره، وطهوره هذا يشمل الوضوء والغسل، وفي شأنه كله. فيبدأ الإنسان بغسل الشق الأيمن من جسده، ثم بعد ذلك يغسل الشق الأيسر من جسده، ثم بعد ذلك غسل رجليه؛ باعتبار أنه هذا الغسل بعد هذا الغسل ووجود الطين والماء في الأرض، فانه يعلق هذا الطين بالقدم، فالنبي صلى الله عليه وسلم يتنحى ناحية فيغسل قدميه صلوات الله وسلامه عليه.
هذا الغسل الكامل، قد يسأل الإنسان: ما هو الحد الأدنى في الغسل؟ ما هو الحد الأدنى في الغسل؟ نقول: الحد الأدنى في الغسل أن يعمم بدنه بالماء مرة واحدة، هذا الحد الأدنى. أما الترتيب أن يتوضأ قبل ذلك، مثلاً أن يغسل يديه، هذه من السنن المستحبات، لكن الحد الأدنى الحد الواجب أن يعمم بدنه كله بالماء، سواء ابتدأ بالشق الأيمن أو بشقه الأيسر. ومما يدل على هذا قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِن كُنتُم جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: 6]. فاطهروا هذا فيه تعميم البدن كله بالغسل. إذاً، الآية دلتنا على الحد الأدنى القدر الواجب، وسنة حديث عائشة رضي الله تعالى عنها وحديث ميمونة رضي الله تعالى عنها دلتنا على الصفة الكاملة المستحبة التي يستحب للمسلم أن يقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم في غسله فيها.
النبي صلى الله عليه وسلم كذلك جاء في حديث أنس رضي الله تعالى عنه أنه كان يغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد. الصاع يساوي أربعة أمداد، فقد كان القدر الذي يتطهر به صلى الله عليه وسلم في الغسل من القدر الماء الذي يتطهر به النبي صلى الله عليه وسلم من الصاع إلى خمسة أمداد؛ يعني يتراوح بين أربعة أمداد إلى خمسة أمداد. ما هو المد؟ المد هو قريب كأس الماء، كأس الماء الذي نشربه يعني هو قريب من هذا، هو قريب من هذا المقدار. هل يمكن أن نقول أن تقريباً أربع كاسات ماء إلى خمس كاسات تقريباً هذا هو القدر الذي كان يغتسل به صلى الله عليه وسلم؟
طيب، نريد أن ننتقل بعد ذلك إلى باب التيمم، وهو موضوعنا هذا اليوم إن شاء الله تعالى. التيمم التيمم هو بدل، هو طهارة بالتراب وهي بدل عن طهارة الماء لمن لم يجد الماء. هذا باختصار، سوف ندخل إن شاء الله تعالى في التفصيل. إذاً، التيمم هو طهارة بديلة عن طهارة الماء. أما لعدم وجود الماء، أو لعدم القدرة على استعماله، فينتقل الإنسان حينئذ إلى التيمم. التيمم لغة هو القصد، أقول: والله يممت وجهي نحو كذا، أي قصدت أو ذهبت نحو كذا، بمعنى أنني توجهت إلى كذا. لذلك قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ [البقرة: 267] أي لا تقصدوا إلى الخبيث فتنفقون منه الإنسان إذا كان عنده مال.
وما المال الخبيث؟ لا يختار الخبيث فيخرج في الصدقة، وإنما يخرج من الطيب، فالله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا. لا تيمموا الخبيث أي لا تقصدوا إليه فتخرجوا منه.
التيمم شرعا هو مسح الوجه والكفين بالصعيد الطيب، وفي الصعيد: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: 6]. هل هذا كافي؟ هذا نريد أن نسألكم هذا السؤال اختبار: هل هذا كافي في تعريف التيمم؟ أن نقول: هو مسح الوجه والكفين بالتراب؟ أو أن يضرب التراب أو الصعيد الطيب ضربة واحدة ثم يمسح وجهه ويديه؟ هذا كافي بالتعريف أو ليس بكافي؟ نقول: ليس بكافي. لماذا؟ نقول: على وجه التعبد لله سبحانه وتعالى؛ لأن التيمم عبادة كالوضوء والغسل، الوضوء والغسل والتيمم هذه ثلاثة أنواع من الطهارات، هذه أنواع عبادة تعبدية لله سبحانه وتعالى.
وسوف يأتينا أن من أنواع الطهارة مثلاً مثل إزالة النجاسة هذه ليست عبادة، ليست تعبدا له، حتى لو زالت بدون قصد منك فإنها تزول، لكن هذه أمور وجودية فعلية عملية عبادية، ما هي؟ الوضوء والغسل والتيمم. إذن هذه الثلاثة أنواع، الوضوء والغسل والتيمم، هي أنواع الطهارات التي تشترط لها النية؛ لأنها عبادة، لأنها عبادة أمر الله سبحانه وتعالى بها في كتابه واشترطها للصلاة. إذن هذه الأمور العبادية يشترط لها النية.
لو قال قائل: إزالة النجاسة هل تفترض لها النية؟ نقول: لا، لا تشترط لها النية، وسوف نبين إن شاء الله تعالى ذلك عند حديثنا عن إزالة النجاسة. وما هو الفرق بين إزالة النجاسة أو زوال الخبث وبين رفع الحدث؟ إن شاء الله تعالى نبينه في موطنه، ولكن نحن ننبه هنا إلى أن التيمم عبادة، فلذلك لا بد أن تقترن بالنية.
ناظرين مثلاً لذلك: فلو أن إنساناً مثلاً كان يلعب بالتراب مثلاً أو أغبر مثلاً جاء كان يلعب بالتراب، فأثناء لعبه وقع هذا التراب أو مسحه على وجهه أو يده، ثم بعد ذلك لما حانت الصلاة بحثوا عن الماء فلم يجدوا ماءً فقالوا: إذن نتيمم. فقال: خلاص أنا أكتفي، أنا كنت لعبت في التراب هذا أول، فاكتفي بتيمم. نقول: لا، أولاً هذاك لم يكن بنية التعبد لله برفع الحدث، التيمم بنية التعبد لله بالتيمم، وإنما كان نوع من أنواع اللعب في التراب، يجب أن يكون التيمم مقترنا بنية رفع الحدث، نية التعبد لله سبحانه وتعالى.
إذن هذا هو معنى التيمم. إذن نحن نقول كما قلنا في الغسل، كما قلنا في الوضوء: إن تعريف التيمم هو مسح الوجه واليدين بالتراب أو بالصعيد الطيب مع نية التعبد لله سبحانه وتعالى.
طيب، أنا أريد أن أسال سؤالاً آخر: هل يشترط أن يتلفظ بهذه النية؟ فيقول: اللهم إني أريد أن أتيمم لصلاة الظهر، أو أريد أن أتيمم لصلاة العصر. وش رأيكم؟ نحن نبهنا سابقاً في الوضوء وفي الغسل إلى أن النية محلها القلب، لا يتلفظ بها المسلم، الله سبحانه وتعالى يعلم النية، وأنت تقصد بها العبادة، أما أن تتلفظ بها فنقول: إن التلفظ بها بدعة. لماذا؟ لأنه شيء لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا صحابته الكرام رضي الله تعالى عنهم أجمعين، ما كان أحد منهم يتلفظ بنية الوضوء ولا نية الصلاة ولا نية الغسل، وإنما كانوا يقصدون إليها.
مما ينبغي أن نذكره هنا أن التيمم من خصائص هذه الأمة، فقد جاء في حديث جابر رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا» -وهذا موطن الشاهد: جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا- «وأحلت لي الغنائم، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة».
إذن هذه الخصائص الخمس تفرد بها النبي صلى الله عليه وسلم وأمته، ورثته في هذا التفرد في أنها اكتسبت هذا التيمم وهذا النصر بالرعب، وكذلك ورثته في توجيه الدعوة العامة إلى الناس عموماً، ولكن اختص النبي صلى الله عليه وسلم بالشفاعة كذلك، يعني تعم النبي صلى الله عليه وسلم والصالحين من أمته كذلك رضي الله تعالى عن الصحابة وعن من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
إذن نحن نقول إن هذه الخصائص تميزت بها هذه الأمة المحمدية، ولا شك أن منها أن التيمم خصيصة لهذه الأمة اختصت بها: أن الأرض كلها مسجد وطهور، فأيما رجل أدركته الصلاة فليصل، يجوز له أن يصلي، البقعة تعتبر طاهرة وأن يتطهر وأن يستعد للصلاة بالتيمم.
فاصل قصير ونعود إليكم إن شاء الله تعالى.
هل أنت حريص على رأس مالك؟ هل تحافظ عليه من الضياع؟ فرأس مالك الحقيقي هو الوقت. قال الحسن البصري: يا ابن آدم، إنما أنت أيام، كلما ذهب يوم ذهب بعضك. ومن أهمية الوقت أقسم الله به في كتابه فقال: وسوف نسأل عن الوقت يوم القيامة. قال صلى الله عليه وسلم: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيم أفناه». الحديث.
وإذا أراد الله بالعبد خيرا أعانه بالوقت، وإذا أراد به شرا جعل وقته عليه. وفي سيرة السلف أروع الأمثلة على استغلال الوقت؛ فقد كان داود الطائي يصطَفّ الفتيت ويقول: بين صَفّ الفتيت أكل الخبز قراءة خمسين آية. وقال ابن القيم: أعرف من أصابه مرض وكان الكتاب عند رأسه فإذا وجد إفاقة قرأ فيه، فاذا غلب وضعه.
ومن آداب الطالب ألا يسوف في تحصيل فائدة؛ لأن للتأخير آفات، ولأنه في الزمن الثاني يحصل غيرها. ومن المحافظة على الوقت البعد عن البطالين الذين يقضون أعمارهم في المسامرات، فلا تكن ممن لا يشكرون نعمة الوقت؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ».
مجموعة زاد تقدم لكم نخبة مميزة من إصداراتها: كتاب كيف عاملهم صلى الله عليه وسلم للشيخ محمد صالح، أربعون نصيحة لإصلاح البيوت، أدرك أهلك قبل أن يحترقوا، المجمعات التجارية، زاد الحج، زاد الصائم الشام، كيف تقرأ كتابا، معاني الأذكار. لمزيد من المعلومات يرجى زيارة المواقع التالية.
نعود إليكم بعد هذا الفاصل عند حديثنا عن التيمم، ذكرنا أنه من خصائص هذه الأمة التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في حديث جابر المتفق عليه: «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا».
ما معنى هذه اللفظة؟ فهو أي التيمم إذا لم يجد الماء، فانه يتطهر بالأرض بالصعيد الطيب بالتراب بالحجر أو ما يوجد على الأرض، هذا طهورا. مسجدا: أي أنه يصلي في أي مكان، والارض طاهرة يجوز له أن يصلي فيها في أي مكان ما عدا المواطن التي نهي عنها، ما عدا بعض المواطن التي نهي عنها مثل المقابر، فانه نهي عن الصلاة عند المقابر أو إليها، أو مثلا معاطن الإبل، فانه قد نهي عن الصلاة فيها. لعلنا هذا إن شاء الله نتطرق له عند الحديث إن شاء الله تعالى في الصلاة في كتاب الصلاة عن المواطن التي يصلي فيها الانسان والتي لا يصلي فيها الانسان.
لكن: «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأينما» أو «فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصلّ». هذا في الحقيقة يدلنا أيها الإخوة على حكمة تشريعية نريد أن ننبه إليها، ما هي الحكمة التشريعية من التيمم؟ وهي أن المسلم ينبغي أن يكون على اتصال دائم بالله سبحانه وتعالى. انظر هذه الأهمية: الاتصال بالله سبحانه وتعالى في هذه الصلاة حتى لو لم يوجد الماء فانه يتيمم ويصلي، بل حتى في حال الحرب، من تأمل في تشريع صلاة الخوف لم تؤجل الصلاة إلى ما بعد الحرب، وإنما يصليها المسلم حتى في حال الخوف، بل حتى في حال التحام الصف، فانه يصلي على الهيئة التي يمكنه أن يصلي بها.
ما معنى هذا الأمر؟ هذا ماذا على ماذا يدلنا أيها الإخوة والأخوات؟ يدلنا على أهمية الصلاة، فأهمية الصلاة وعدم التهاون في الصلاة، بل يدلنا على شيء أبعد من ذلك، وهو أهمية الالتزام بالوقت في الصلاة، أهمية الالتزام بالوقت في الصلاة، لذلك الإامم مالك رحمه الله تعالى في كتاب الموطأ
بدأ فقهه في الموطأ بوقوت الصلاة، لماذا؟ لأنه يرى أن الوقوت أو المواقيت أو الوقت يراها أنها أهم شروط الصلاة، فلذلك ابتدأ بها. وربما رأى بعض من يخالف من أهل العلم أن الطهارة أهم من الوقت، وهذه مسألة خلافية لعلنا نتطرق لها إن شاء الله تعالى في موطنها.
لكن الشاهد أيها الأخوة أن الحكمة التشريعية ينبغي أن نتنبه لها، وهي أهمية الصلاة. فما بال بعض الناس ربما تهاون في الصلاة وهو يجد الماء، وهو ليس في حال الخوف ولا في حال التحام الصفوف، وإنما يفرط في الصلاة أو يتهاون فيها أو يكسل فيها أو يؤديها في آخر الوقت أو بعد انتهاء الوقت؟ لا شك أن التفريط في الصلاة يعد تفريطاً عظيماً.
نعود فنقول إن التيمم قد شرع لئلا يتأخر المسلم في أدائه لصلاته عن الوقت الذي فرض الله سبحانه وتعالى الصلاة فيه؛ لا ينتظر الماء، وإنما يتيمم إذا لم يجد الماء، أو لم يقدر على استعماله.
نحن نريد أن نتطرق هنا الآن بعد أن بينا تعريف التيمم وأنه من خصائص هذه الأمة، ثم بينا حكمته التشريعية، نريد أن نبين متى يشرع التيمم. فلنرتبط إلى آية المائدة: قال الله سبحانه وتعالى في آية المائدة -نحن نريد أن نستعرضها الآن-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: 6].
وانظروا الآن بعد قول الله سبحانه وتعالى الوضوء: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ اللي هي الطهارة الكبرى أو الحدث الأكبر من الجنابة، قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: 6]. نعيد الآية: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: 6]. هذا بعد ذلك سوف نتكلم عنه إن شاء الله تعالى في صفة التيمم.
لكن نحن نريد أن نتكلم عن مشروعية التيمم الآن. ذكر الله سبحانه وتعالى، قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾، هذان عذران ذكرهما الله سبحانه وتعالى يكثر عندهما الحاجة إلى التيمم. إذاً، ابتدأ الله سبحانه وتعالى بذكر عذرين من أعذار التيمم، ألا وهي المرض؛ والمريض أحياناً لا يقدر على استعمال الماء، مثل ما ذكرنا في قصة حديث جابر رضي الله تعالى عنه أن الرجل الذي شج في رأسه فلم يمكنه أن يستعمل الماء في رأسه، هذا مريض.
أو على سفر: سابقاً الناس كانوا يسافرون، كانوا يسافرون بالإبل أو بالخيول أو ربما سافروا مشياً؛ ألا يستطيعون أن يحملوا معهم الكثير من الماء؟ لا يستطيع أن يحمل، يعني كم يحملون معهم من الماء؟ كان مقداراً قليلاً في أسفارهم يستطيعون أن يحملوا معه، فهذا المقدار القليل بالكاد أن يكفيهم لشربهم، أو شرب النعم التي معهم.
فالآن لا يستطيعون حمل ماء كبير؛ لأن ليس عندهم السيارات التي هي موجودة اليوم، ولم تكن المحطات موجودة في الطرق مثلاً والماء متوفر ومعلب وموجود في الطرق بشكل متواجد ومتكاثر كما نشاهده اليوم، لا، كانت الأحوال صعبة؛ يسافرون على أقدامهم، أو ربما سافروا مثل ما جاء في حجة النبي صلى الله عليه وسلم، قال جابر رضي الله تعالى عنه في وصف الذين خرجوا: نظرت عن يميني وعن شمالي مد بصري من راكب وماش، خرج الناس راكبين ومشاة من المدينة إلى مكة ابتغاء الحج، كانت أحوال السفر صعبة.
فالشاهد أن المسافر أحياناً قد لا يتيسر معه الماء، أو قد يكون الماء الذي معه قليلاً بالكاد أن يكفيه لشربه، لذالك ذكر الله سبحانه وتعالى هذين العذرين الذين يكثر فيهما عدم وجود الماء أو عدم القدرة على استعمال الماء. أحياناً لا يوجد الماء في حال المسافر والمريض، وأحياناً يوجد، ولكن المسافر يريد أن يدخر الماء المتبقي لشربه حتى لا يهلك، والمريض أحياناً يوجد الماء ولكن لا يقدر على استعماله لدفع الضرر عن نفسه.
إذاً، هذان عذران يكثر فيهما إما عدم وجود الماء، وإما وجوده مع الحاجة الماسة إليه. لاحظتم أيها الأخوة؟ فذكر الله سبحانه وتعالى هذين العذرين الذين يكثر فيهما هذا الحال.
طبعاً هذين العذرين ليس المراد أن الإنسان على أي سفر يتيمم لا، وإنما السفر الذي لا يوجد فيه الماء أو السفر الذي يحتاج فيه إلى الماء. من أين اخذنا هذا القيد للمسافر والمريض؟ من آخر هذه الآية: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [المائدة: 6].
إذاً، هذا فرق بين مثلاً قصر المسافر في السفر -سوف يأتينا إن شاء الله تعالى في الصلاة في كتاب الصلاة- أن المسافر يقصر في كل ما يسمى سفراً، سواء كان فيه مشقة أو لم يكن فيه مشقة. ولكن هل يتيمم في كل ما يسمى سفراً؟ أو يتيمم في كل ما يسمى مرضاً؟ نقول: لا، هذه خرجت مخرج الغالب.
طيب، ما هو الدليل على أنها خرجت مخرج الغالب، وأن المراد أن الغالب في السفر أنه لا يكون فيه ماء؟ نقول: الدليل أنه خرج مخرج الغالب أن الله سبحانه وتعالى قال عقبها: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾. بمعنى: المسافر الذي يجد ماء ويمكنه استعماله دون إشكال ودون مشقة، هل يتيمم؟ نقول: لا، لا يتيمم. إذاً عرفنا أن هذين العذرين ذكرهما الله سبحانه وتعالى لأنهما الغالب؛ غالب مواطن عدم وجود الماء أو عدم القدرة على استعماله.
ثم ذكر الله سبحانه وتعالى بعدها: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾. هذان موجبان للحدث؛ إذاً هذه الأربع التي ذكرت في هذه الآية، الأولان منهما عذران مبيحان للانتقال من طهارة الماء إلى طهارة التراب، ثم الأمرين الآخرين الذين ذكرا في الآية هما موجبان من موجبات الطهارة.
قول الله سبحانه وتعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾. لامستم النساء في هذه الآية: جمهور مفسري السلف على أنها كناية عن الجماع، خلافا للإمام الشافعي رحمه الله تعالى الذي رأى أن المراد بها مجرد الملامسة؛ لذلك يعد الملامسة ناقضاً للوضوء، ولكن هذا مخالف لجمهور السلف رضي الله عنهم في تفسير الآية بأن المراد بلامستم النساء الجماع. والله سبحانه وتعالى يكني عن الجماع بلمس النساء أو بميس النساء مثلاً، هذه كلها من الكنايات عن الجماع.
الشاهد، ما الذي تفيدنا في هذه الآية لما ذكرت هذين الموجبين من موجبات الطهارة؟ تفيدنا أمراً فارقاً بين التيمم مثلاً وبين المسح على الخفين، نريدكم أن تفكروا فيه قليلاً.
قال الله سبحانه وتعالى في التيمم: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾، وقلنا ملامسة النساء كناية عن الجماع، طيب هذا في التيمم. وجاء في المسح على الخفين -لعلنا نسترجع ما سبق في حديث صفوان بن عسال-: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا إذا كنا سفراً أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة ولكن من غائط وبول ونوم.
ما الذي نستفيده من يفرق لنا؟ نقول: الفرق ظاهر، فقول الله سبحانه وتعالى في التيمم: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ يفيدنا ماذا؟ يفيدنا أن التيمم بدلاً عن طهارة الوضوء، أو جاء أحد منكم من الغائط وهو كذلك بدل عن طهارة الغسل: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: 6]، فالتيمم يعتبر طهارة بديلة عن الوضوء والغسل. بعبارة أخرى نقول: إن التيمم يعتبر مطهراً في الحدث الأصغر والحدث الأكبر.
بينما في المسح على الخفين، هل يمسح الإنسان على الخفين في حال الجنابة في الغسل الحدث الأكبر؟ نقول: لا، إنما يمسح الخفين فقط في الحدث الأصغر في حال الوضوء. إذا هذا فرق مهم، نقول: الوضوء والمسح على الخفين هذي مختصة بالحدث الأصغر، لكن التيمم يشمل الحدث الأصغر والحدث الأكبر، وهذا أخذناه من هذا التنويع في موجبات الغسل.
لذلك هذه الآية على وجازتها ذكرت أعذار التي تبيح التيمم، وذكرت موجبات التيمم؛ أنه يكون في الطهارة الصغرى ويكون في الطهارة الكبرى. فاصل ونعود إليكم إن شاء الله.
العقيقة هي الذبيحة التي تذبح عن المولود تقرباً إلى الله تعالى وشكراً على إنعامه بنعمة الولد، وجمهور أهل العلم على أنها سنة مؤكدة. وهي كما قال صلى الله عليه وسلم: «عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة». ويشترط في سنها ما يشترط في الأضحية بالضأن والمعز؛ فالضأن أتم ستة أشهر فأكثر، والماعز ما أتم سنة فأكثر، ولا يباع لحمها ولا جلدها ولا شيء منها، ويتقى فيها من العيوب ما يتقى في الأضحية؛ العوراء البين عورها، والعرجاء البين عرجها، والمريضة البين مرضها، والهزيلة.
ووقت ذبح العقيقة يبدأ من تمام انفصال المولود فلا تصح عقيقة قبله، وتستحب العقيقة في اليوم السابع، فإن تعذر فيسن ذبحها في الرابع عشر، فإن تعذر انتقلت إلى اليوم الحادي والعشرين، ويوم الولادة يحسب من السبعة، ولا تحسب الليلة إن ولد ليلاً بل يحسب اليوم الذي يليها. قال صلى الله عليه وسلم: «كل غلام رهينة بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه ويسمى فيه ويحلق رأسه».
والعقيقة يؤكل منها ويهدى ويتصدق، ولم يرد في ذلك تحديد فكيف ما فعل فجائز؟ ويجوز أن يخرج اللحم نيا أو مطبوخاً، والطبخ أفضل؛ فهو زيادة في الإحسان وشكر النعمة.
الإسلام سؤال وجواب موقع إلكتروني ومحرك بحثي يقدم الفتاوى والإجابات الشرعية والاستشارات التربوية والاجتماعية، المشرف العام على الموقع فضيلة الشيخ محمد صالح المنجد. تم إنشاء الموقع عام ألف وأربعمائة وسبعة عشر للهجرة الموافق لعام ألف وتسعمائة وستة وتسعين للميلاد.
اعتمد الموقع العديد من اللغات الأجنبية في تقديم خدماته والتي بلغ عددها اثنتي عشرة لغة، تجاوز عدد الزيارات السنوية على الموقع ستة وثلاثون مليون وتسمائة ألف زيارة، وتجاوز عدد الصفحات المستعرضة مائة وثلاثة وتسعون مليون وثلاثمائة وستة عشر ألف زيارة، الموقع على الشبكة الاجتماعية.
نعود إليكم بعد هذا الفاصل عند حديثنا عن التيمم وذكرنا فيه آية التيمم التي جاءت في سورة المائدة، وهي قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ﴾ [المائدة: 6]، هذان عذران من الأعذار التي تبيح الانتقال إلى التيمم أو ذكرنا أنها بيان للأحوال الغالبة التي يكثر فيها عدم وجود الماء أو المشقة في استعماله، كنتم مرضى ولا سفر.
ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [المائدة: 6]، وهذان ذكر الله سبحانه وتعالى فيهما موجبات الحدث التي يتيمم الإنسان لأجل رفع الحدث فيها. وذكرنا ملاحظة: لماذا ذكر هذان الموجبان؟ الأول: أو جاء أحد منكم من الغائط، هذا فيه دلالة على أن التيمم يكون بديلاً عن الطهارة الصغرى أيكون مطهراً للحدث الأصغر. أو جاء أحد منكم الغائط، إذاً هذا النص في القرآن، ومثل الغائط مثلاً نقول: البول، ومثله النوم، ومثله أكل لحم الجزور مثلاً لحم الإبل، هذي موجبات الحدث الأصغر.
ثم قال الله سبحانه وتعالى: أو جاء أحد منكم أولا مستم النساء، لامستم النساء في بيان للحدث الأكبر، أن التيمم مطهر حتى في حال الحدث الأكبر، وليس مثل المسح على الخفين لا يكون إلا في الطهارة الصغرى أو الحدث الأصغر، لا، وإنما التيمم يكون في الحدث الاصغر والأكبر، أو لامستم النساء؛ لامستم النساء قلنا إن المراد بهذه الآية جمهور مفسري السلف على أن المراد بها الجماع، ومثله الإنزال، ومثله الحيض أو النفاس، وهكذا. إذاً نحن الآن نقول: إن التيمم يكون بديلاً عن الماء في الحدثين الأصغر والأكبر.
ثم قال الله سبحانه وتعالى بعدها: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [المائدة: 6]، وهذا قيد مهم يمنع المسافر الذي يجد الماء من التيمم. لو قال قائل: قول الله سبحانه وتعالى: أو على سفر، معناه هو إباحة التيمم لكل مسافر، نقول: لا، فإن هذا مقيد بقوله فلم تجدوا ماء، إن كنتم كذا فلم تجدوا ماء، هذا هو إن كنتم كذا فلم تجدوا ماء. إذاً فلم تجدوا ماء، ما معنى قول الله سبحانه فلم تجدوا ماء؟
نقول: إن عدم وجود الماء قد يكون حقيقياً بمعنى أنه لا يوجد الماء، بمعنى أنه ليس بين أيديهم ماء، وهذا مثل المنقطع في صحراء مثلاً، أو مثلاً مثل المحبوس في غرفة مثلاً، إذا بدأ وقت الصلاة فينتظر إذا كان يتوقع والله أنه يفتح الباب الغرفة هذه أو يستطيع أن يخرج من الغرفة قبل نهاية الوقت ويمكن أن يتوضأ، فنقول: انتظر قبل نهاية الوقت وتوضأ. إذاً لا، الآن سوف يدرك وينتهي الوقت، نقول له: تيمم، اضرب بيدك على الأرض ضربة واحدة كما سيأتينا إن شاء الله تعالى في صفة التيمم، وامسح وجهك ويديك، فهذا الآن غير واجد للماء حقيقة بمعنى أنه لا يوجد عنده ماء.
طيب، أحياناً يكون واجداً للماء بمعنى أنه يوجد ماء ولكنه لا يقدر على استعماله أو يخاف من استعماله أن يهلك بسبب قلة الماء، فهنا نقول: إن هذا يعد غير واجد للماء حكماً وليس حقيقة، لأن الماء موجود حقيقة ولكنه من الناحية الحكمية هو في حكم من لم يجد الماء. لماذا؟ لأن الله سبحانه وتعالى شرع التيمم لأجل الصلاة، ولا يشرع للمسلم، بل لا يجوز له أن يستخدم هذا الماء إذا كان فيه هلاكه، بل يجب عليه أن ينتقل عنه إلى بدله. تذكرون معنى قد ذكرنا سابقاً في المسح حديث جابر في الرجل الذي شج رأسه، هذا الرجل الذي شج رأسه سأل فافتاه بعض الجاهلين بأنه لا يجد له رخصة في التيمم وألزموه بالغسل، فلما اغتسل مات، فالنبي صلى الله عليه وسلم دعا عليهم وقال: «ألا سألوا قتلوه قتلهم الله! ألا سألوا إذ لم يعلموا؟ فإنما شفاء العي السؤال»، وإنما شفاء العيي السؤال، إذاً يحرم على الإنسان أن يستعمل هذا الماء على وجه يهلكه.
إذاً نحن نقول: هو واجد للماء حقيقة ولكنه غير واجد للماء حكماً، لماذا؟ لأنه إذا استعمل الماء هلك أو خيف هلاكه. مثلاً المريض الذي إذا استعمل الماء، إذا كان ثمة مريض منعه الطبيب من استعمال الماء لأجل أي مرض مثلاً جلدي مثلاً أو أياً كان، فمنعه من استعمال الماء، نقول: إذاً تيمم. لو أن ثمة مسافراً ومعه ماء قليل بالكاد أن يكفيه لشربه، فالآن لو استعمل الماء في الطهارة سواء كانت وضوءاً أو غسلاً سيفنى هذا الماء وربما مات هذا الشخص، فنقول: إذا كان الماء بعيداً عنه ولا يمكنه ويغلب على ظنه والله الهلكة، نقول: لا تستعمل الماء بالطريقة التي تهلكه، فإن الله سبحانه وتعالى قد شرع التيمم، قال في آخر آية التيمم: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: 6]، وقال الله سبحانه وتعالى في الآية الأخرى: ﴿ما جعل عليكم في الدين من حرج﴾، فهذا لا شك أنه من الحرج الشديد على الإنسان أن يستعمل الماء على وجه يهلكه.
إذاً نحن نقول: هناك حالان لعدم وجود الماء؛ الحالة الحقيقية وهي ألا يوجد الماء فعلاً، والامر الثاني الحالة الحكمية، فهذا الشخص وإن كان بين يديه ماء إلا أنه غير واجد له حكماً.
طيب، كذلك إذا كان استخدامه للماء سيرمضه، إنسان مثلاً في البر والبرد شديد، نفترض أن درجة الحرارة مثلاً أقل من الصفر مثلاً أو على الصفر مثلاً أو قريب منها، فإذا استخدم الماء في الغسل في غسل جسدي فانه سوف يمرض، نفترض أن ثمة هواء شديد أو برد شديد، فنقول: لا تستخدم الماء على الوجه الذي يبغضك أو على الوجه الذي يهلكه، لأن الله سبحانه وتعالى رفع الآثار والأغلال والحرج عن هذه الأمة.
أريد أن أسألكم سؤالاً: لو الإنسان لم يجد الماء أكثر من يوم وليلة للمقيم أو أكثر من ثلاثة أيام للمسافر، هل يجوز له أن يستمر في التيمم أو أنه فقط يكتفي بيوم وليلة للمقيم، ويوم وثلاثة أيام ولياليها المسافر؟
هذا السؤال فيه خدعة؛ لماذا؟ لأنه في الواقع التوقيت هذا في المسح على الخفين وليس في التيمم. التوقيت ينبغي لنا أن ندرك الفروق في أنواع الطهارات. التوقيت اليوم والليلة أو الثلاثة أيام ولياليها هذا في المسح على الخفين وليس في التيمم. التيمم يتيمم الإنسان ولو لم يجد الماء سنين.
لذلك جاء في حديث أبي ذر قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الصعيد الطيب طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليتق الله وليمسه بشرته».
إذا هذا فيه شبه؛ هل التيمم أشبه بالمسح على الخفين أو المسح على الجبيرة؟ في واقع الأمر التيمم أشبه بالمسح على الجبيرة. إذا المسح على الجبيرة والتيمم بينهما شبه؛ لماذا؟ لأنهما طهارة، يجمع بينهما أنهما طهارة اضطرارية لعدم وجود الماء أو عدم القدرة على استعماله، لاحظتم؟ فلذلك احنا قلنا في المسألة الكبيرة أنها تكون في الحدث الأصغر والأكبر، وقلنا أنها لا تتأقت بمدة، صح ولا لا؟ كذلك التيمم يكون في الحدث الأصغر والأكبر ولا يتأقت بمدة، وهذا فرق بين التيمم والمسح على الجبيرة من جهة وبين المسح على الخفين من جهة أخرى. إذا هذا يبين لنا أحوال أو الأحوال التي يشرع فيها التيمم.
نريد أن ننتقل الآن إلى صفة التيمم التي جاءت في كتاب الله سبحانه وتعالى، ولعلنا إن شاء الله تعالى نتحدث عن صفة التيمم بشكل أوسع عند حديثنا عن فروض التيمم في درسنا القادم. ولكن نحن نقول قول الله سبحانه وتعالى في آية التيمم: ﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِّنْهُ﴾ [المائدة: 6].
إذا نحن نقول باختصار أن الإنسان يقصد الصعيد الطيب فيضرب هذا الصعيد الطيب ضربة واحدة فيمسح وجهه ويديه، كما جاء في هذه الآية. وسوف نذكر إن شاء الله تعالى تفصيل صفة التيمم وفروضه إن شاء الله تعالى في درسنا القادم.
وبودنا أن ننبه إخواننا وأخواتنا في أكاديمية زاد إلى الرجوع إلى صفحتهم الشخصية للإجابة على سؤال الأسبوع. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم للخير وأن يجعلنا وإياكم مباركين حيثما كنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
د. منصور بن عبد الرحمن الغامدي