أكاديمية زاد، فقه الميسرة من الشرع دون تعصب لفلان. بالعلم كالازهار في البستان.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما. اللهم هيئ لنا من أمرنا رشدا، وآتنا من لدنك توفيقا وسدادا وصوابا.
إخواني وأخواتي في أكاديمية زاد، ها نحن نواصل معكم دروسنا في سلسلة الفقه، وقد وصلنا إلى الدرس الحادي عشر. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل هذه الدروس مباركة ونافعة لقائلها ولسامعها. هذا هو الدرس الحادي عشر من سلسلة دروس الفقه، يتحدث فيه بعد حديثنا عن الوضوء ونواقضه وشروطه وفروضه. نريد أن ننتقل الآن إلى حديث عن جزئية من جزئيات الوضوء، ألا وهي المسح على الخفين.
جاء المسح على الخفين، أي المراد بالمسح على الخفين بدلا عن غسل الرجل في الوضوء. ما المراد بالمسح على الخفين؟ الخف هو ما يلبس في الرجل من جلد رقيق ونحوه، فيغطي الرجل، ويلبس غالبا لأجل مثلا البرد مثلا أو يلبس لأنه أحفظ للقدم. هذا الخف غالبا يكون ساترا القدم ويدخل في الساق. ومثله اليوم مثل الخف، وإن لم يكن داخلا في حد الخف، مثله الجورب، فهو الساتر للقدم ولكنه من قماش. عند حديثنا عن المسح على الخف، فانه يأخذ حكمه المسح على الجورب قياسا على الخف.
وقد جاء المسح على الخف وله أصل في كلام الله سبحانه وتعالى. تذكرون أننا قد نبهنا في آية الوضوء، آية المائدة، إلى قراءة -وإن كانت هي خلاف القراءة المشهورة المتداولة قراءة حفص عن عاصم، إلا أنها قراءة سبعية ثابتة متواترة- ألا وهي قراءة الخفض في قول الله سبحانه وتعالى: وأرجلكم. ولعلنا نزيدها الآن توضيحا وبيانا.
فقد قال الله سبحانه وتعالى في آية المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ [المائدة: 6]. هذه ثلاثة فروض من فروض الوضوء؛ اغسلوا وجوهكم. وجاء العامل فيها الأمر بالغسل، والمعمول فيه وجوهكم، وهو معمول عمل فيه أمر الغسل فنصبه، لأن اغسلوا فعل متعد بنفسه: اغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق. هذا كذلك معطوف على المفعول به المنصوب، ومعنى هذا أن قول الله سبحانه وتعالى أيديكم معطوف على وجوهكم، وكلاهما عمل فيه فعل الغسل اغسلوا؛ اغسلوا وجوهكم وأيديكم. لاحظوا أن أيديكم منصوبة كذلك.
ثم قال الله سبحانه وتعالى: وامسحوا برؤوسكم. لاحظوا أن هنا تجدد العامل وهو أمر مسحي؛ امسحوا برؤوسكم. المعمول فيه رؤوسكم مجرور بالخافض حرف الباء. إذا صار الآن عندنا هذه الجملة لها عامل ومعمول جديد، فصار عندنا في هذه الثلاثة الفروض عاملان؛ العامل الأول ويعمل النصب اغسلوا وجوهكم وأيديكم، وصار عندنا العامل في الفرض الثالث من فروض الوضوء وهو مسح الرأس، صار العامل فيه فعل امسحوا، وتعدى في هذا الموطن بالباء، فانخفضت أو جرت قول الله سبحانه وتعالى برؤوسكم، رؤوسكم صارت مجرورة.
إذا لو كان في غير القرآن، في غير القرآن جاء قول الله سبحانه وتعالى: اغسلوا وجوهكم وأيديكم ورؤوسكم، لقلنا أن رؤوسكم معطوفة على وجوهكم وأيديكم، وصارت معمولة لعامل اغسلوا وصار الواجب فيها الغسل. لاحظتم؟ طبعا هذا لا شك ما هو في القرآن أقصد، لكن أقول لو بس من باب البيان والتوضيح. إذا اغسلوا وجوهكم وأيديكم وامسحوا برؤوسكم، ثم جاء بعد هذه الثلاثة الفروض الفرض الرابع رجولكم، قول الله سبحانه وتعالى: وأرجلكم، يدل على أن الأرجل معطوفة على الوجوه والأيدي لأنها نصبت، فيكون العامل الذي عمل في قوله وأرجلكم في هذا اللفظ اغسلوا، ومعنى هذا وجوب غسل الرجل.
هناك قراءة وكما ذكرنا سبعية متواترة ثابتة وهي قراءة الخفض في قوله سبحانه وتعالى: وأرجلكم. وأهل العلم لهم في قراءة الخفض عدد من التوجيهات؛ فمنهم من جعلها لقول الله اغسلوا منصوبة، ولكنها خفضت لأجل مجاورتها للمجرور وهو برؤوسكم، فلاجل المجاورة خفضت وإلا فهي منصوبة اغسلوا.
هذا التوجيه الثاني؛ أنها مخفوضة للدلالة على جواز المسح فيها، وجاءت السنة بتفسير المسح بأنه المسح عليها إذا كانت قد أدخلت في خفين طاهرين. إذا وأرجلكم دلنا على أصل المسح في القدم، ثم جاءت السنة بتفسير هذا المسح في القدم بأنه يكون إذا أدخلت في خف طاهر، كما جاء في حديث المغيرة بن شعبة لما توضأ النبي صلى الله عليه وسلم، قال المغيرة: فأهويت لأنزع خفي. فقال: «دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين» فمسح عليهما. والحديث متفق عليه.
إذا هذا التوجيه الثاني لقراءة الخفض، وهناك توجيه ثالث وهو أنه يجزئ مسح القدم ولو لم يكن عليها خف. وهذا التوجيه توجيه ضعيف، وهذا التوجيه توجيه ضعيف لأنه خلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والسنة مبينة للقرآن شارحة له. فقد جاء في الحديث الشريف: «ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه»، وقال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: 44]. إذا النبي صلى الله عليه وسلم من وظائف سنته الشريفة الوظيفة البيانية والتفسيرية لكتاب الله سبحانه وتعالى.
فإذا قال قائل: وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم يدل على أن القدم تمسح كما يمسح الرأس ولو لم يكن عليها خف. قلنا: نعم، لو لم ترد النصوص الأخرى والدلالات الأخرى وسنة النبي صلى الله عليه وسلم لكان هذا ربما ظاهر الآية، ولكن هذا الظاهر مفسر بسنة النبي صلى الله عليه وسلم التي قيدت المسح في حال لبس الخف أو لبس الجورب أو غيره؛ العمائم مثلا، العصائب، والتساخين. التساخين يعني الخفاف. في حديث ابن عسال: أمر النبي صلى الله عليه وسلم إذا كنا سفرا ألا ننزع خفافنا. فهذه كلها تقيد هذا المسح الوارد في قراءة الخفض بأنه في حال كون القدم لابسة للخف.
إذا نحن قلنا إن ثمة ثلاثة توجيهات؛ منهم من يحملها أصلا على أنها معطوفة على العامل الناصب ذلحين نحن نتكلم في توجيهات قراءة الخفض والجر، فمن أهل العلم جعلها معطوفة على العامل الناصب اغسلوا وجوهكم، فإن قيل إن ظاهرها مجرور قال: إنما جرت للمجاورة وإلا فهي معطوفة على الوجوه والأيدي، وهذا توجيه للاية، وهذا توجيه حسن لا بأس به.
ولكن احسن منه أن تحمل هذه الآية على أصل المسح في القدم، ثم يكون هذا الأصل الوارد مفسرا بسنة النبي صلى الله عليه وسلم بالمسح على الخفين. لماذا؟ لأن هذا فيه أخذ بظاهر القرآن وهو الخفض أنها معطوفة على ممسوح فتمسح، وفيه إعمال لسنة النبي صلى الله عليه وسلم تفسيرا لهذا الظاهر الذي فيه إجمال، وهذا هو أفضل التوجيهات.
وهناك توجيه ثالث ضعيف وهو تفسير الآية بأن القدم تمسح ولو لم يكن عليها خف، ونحن نقول إن هذا وإن كان قد يفهم من ظاهر الآية لكنه خلاف سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم مفسرة كلام الله سبحانه وتعالى، فلا ينبغي أن يؤخذ تفسير القرآن بمعزل عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم، بل ينبغي أن تعد هذه السنة مفسرة له. والله سبحانه وتعالى قد أمر في غير ما آية من كتابه الكريم بطاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وقد جاءت نصوص السنة بأهمية العمل بسنة النبي صلى الله عليه وسلم والاخذ بها تفسيرا لكلام الله سبحانه وتعالى.
ولا شك أيها الاخوة والأخوات أن أعلم الناس بتفسير كلام الله ومراد الله سبحانه وتعالى هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، لذلك الأخذ بالسنة فيه الهداية والعصمة، ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: 54]. إذا أيها الإخوة والأخوات الهداية هي في اتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم، في العمل بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، في الاقتداء بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، هذا هو مناط الهداية، هذا هو مناط الهداية والتوفيق.
قال الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: 24]. فسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا شك مع كتاب الله سبحانه وتعالى أن فيهما حياة القلوب والارواح والابدان، وأنهما يعدان الهدى، ﴿وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: 54]. وقال عن القرآن: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2]. لذلك أيها الاخوة والاخوات اتباع الكتاب والسنة اتباع الدليل الراجح لا شك أنه هو الهدى والنور الذي ينير للانسان صراطه المستقيم.
ما هو الصراط المستقيم؟ الصراط المستقيم هو العمل الصالح وفق العلم الشرعي الصحيح، فيجمع الانسان في عبادته بين العلم الصحيح الذي ينير له طريق العبادة، وبين العمل الصالح الخالص لوجه الله سبحانه وتعالى، ولا تأخذه الشبهات ولا الشهوات كما أخذت المغضوب عليهم والضالين.
قصير ونعود اليكم إن شاء الله تعالى. لقد شرع الله الدين للناس رجالا ونساءً ووعد الجميع الجنة والحياة الطيبة إذا قام بواجبه، فقال: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 97]. وقد جاء الاسلام فأكرم المرأة وحملها مع الرجل مسؤولية النهوض بالمجتمع وححسن الرعاية له، فقال عليه الصلاة والسلام: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته». وقد شغلت المرأة في العهد النبوي وما بعده مكانا رفيعا لمشاركاتها العلمية والاجتماعية والتربوية، وتصدر اسمها في قائمة المساهمين في بناء المجتمع وصياغة هوية الأمة والمحافظة على ثوابت الدين.
ولا زال التاريخ يذكر أم المؤمنين خديجة وأم المؤمنين عائشة ونسيبة بنت كعب وأم حرام بنت ملحان وحفصة بنت سيرين وفاطمة ابنت عبدالملك وزبيدة بنت جعفر وغيرهن رضي الله عنهن ورحمهن. ومن هنا كان للمرأة المسلمة دورها المهم والخطير في صياغة المجتمع، مما أكسبها قيمة واعتبارا واحتراما لا مثيل له في المجتمعات الاخرى، كما اعتراف بذلك المنصفون من الغربيين وبأنهم إنما تعلموا احترام المرأة من مسلمي الأندلس. يقول المفكر الفرنسي مارسيل بويزارد: إن الشعراء من المسلمين هم الذين علموا مسيحي أوروبا عبر إسبانيا احترام المرأة.
فللمرأة على ثغر الحياة الزوجية أثر خطير، وفي التربية على الدين والخلق دور كبير، وفي التعليم والدعوة والطب والرعاية مكانة ومسؤوليات، وقيام المرأة المسلمة بهذا وغيره له أثره الايجابي في إصلاح المجتمع كله أسرًا وأفرادًا، وصدق عليه الصلاة والسلام حين قال: «إنما النساء شقائق الرجال».
نعود اليكم بعد هذا الفاصل. نعود إلى الحديث عن المسح على الخفين. إخواني وأخواتي، كما ذكرنا أن المسح على الخفين قد يقال إن أصله في كتاب الله سبحانه وتعالى وهو قراءة الخفض في قول الله سبحانه وتعالى: وأرجلكم، باعتبارها معطوفة على الرؤوس، والرؤوس ممسوحة وقد خفضت بحرف الباء المقترنة بفعلي أمسحوا.
إلا أنه حتى لو قيل بأن دلالة هذه الآية على المسح دلالة ضعيفة، إلا أنه قد جاء المسح في عدد من الأحاديث الصحيحة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لذلك عد أهل العلم المسح على الخفين من المتواتر تواترا معنويا. ما هو المتواتر تواترا معنويا؟ المتواتر على أنواع، المتواتر هو النصوص المتكاثرة التي جاءت في عدد من النصوص لا يمكن أو يستحيل تواطؤ نقلتها على الكذب.
المتواتر أحيانا قد يكون متواترا بلفظه، بمعنى أن هؤلاء النقلة ينقلون هذا اللفظ المعين، كما نقل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار». هذا الحديث يعده أهل العلم من المتواتر تواترا لفظيا، أي أن هذا اللفظ تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم نقله عشرات الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
إلا أن ثمة نوعا آخر من المتواتر، وهو وإن لم ينقل هؤلاء النقلة هذا الحدث، وإن لم ينقلوه بلفظه، إلا أنهم قد اتفقوا على جزء أو معنى نقله جميعهم، وهذا هو المتواتر تواترا معنويا. فمثلا جاءنا حديث المغيرة بن شعبة وفيه أنه اهوى لينزع خفيه فقال: «دعهما، فاني ادخلتهما طاهرتين، فمسح عليهما». فدل هذا الحديث على أصل المسح. وجاءنا حديث علي بن ابي طالب رضي الله تعالى عنه أن المسافر مثلا يمسح ثلاثة أيام وأن المقيم يمسح يوما وليلة.
وجاءنا مثلا حديث صفوان بن عسال، قال: إن المسح إنما يكون في الطهارة من الحدث الأصغر لا بالحدث الأكبر، كان الرسول صلى الله عليه وسلم يأمرنا إذا كنا سفرا ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، ولكن من غائط وضوء ونوم إلى آخره من الأحاديث. جاءت أحاديث كثيرة، هذا مثلا في الطهارة التي يكون فيها المسح، وهذا الحديث جاءنا في مدة المسح، وهذا الحديث جاءنا في صفة المسح، وهذا الحديث جاءنا فيه شروط المسح.
هذه أحاديث متكاثرة اتفقت على أصل واحد، ما هو هذا الأصل؟ هو مشروعية المسح على الخفين، فهذا يسميه أهل العلم متواتر تواترا معنويا. يعني وإن لم يتفقوا على لفظ معين نقله جميعهم، إلا أن هذا نقل لفظ، وهذا نقل حكم، وهذا نقل شيئا آخر، وهذا نقل آخر، وهذا نقل قصة. كل هذه الأحاديث المنقولة اتفقت على معنى، لذلك يقولون تواتر معنوي، اتفقت على معنى ألا وهو مشروعية المسح على الخفين.
إذا هذا معنى متواتر عند أهل العلم، جاء فيه عدد كبير من الأحاديث، فلذلك مشروعية المسح على الخفين في واقع الأمر لا ينكرها إلا من أنكر هذه الأحاديث المتكاثرة وأنكر دلالة القرآن، ولا شك أن هذا فيه نوع من الضلال أن الإنسان يرد شيئا من سنة النبي صلى الله عليه وسلم.
لذلك أيها الإخوة والأخوات هذه دائما وصية لنا في حياتنا العلمية والعملية، أننا دائما نستمسك بكتاب الله سبحانه وتعالى وبسنة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم. أيها الإخوة، نريد أن ننتقل الآن إلى الشروط التي ذكرها أهل العلم للمسح على الخفين. من أين اخذنا هذه الشروط؟ أخذناها من دلالات النصوص، فجمعنا هذه الدلالات فاجتمع لدينا الشروط التي يصح بها المسح على الخفين.
أول هذه الشروط أن يكون لابسا للخفين على طهارة، فإذا أدخل قدميه في الخفين طاهرين فانه حينئذ يجوز له أن يمسح عليهما. من أين أخذنا هذا الشرط؟ أخذناه في واقع الأمر من حديث المغيرة ابن شعبة، فإنه لما أهوى لينزع خفي النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين». إذا أيها الإخوة، إذا أدخل الإنسان قدميه في الخف وهو متوضأ ليس محدثا فإنه يجوز له أن يمسح على الخف.
ولكن إذا أدخل قدميه في الخف أو لبس الجورب مثلا وهو ليس بطاهر، نقول له في هذه الحالة: انزع الخف واغسل القدم ثم ارجع فالبس الخف ثم امسح. إذا الشرط الأول من الشروط أن يكون قد لبس الخفين أو الجوربين على طهارة.
الشرط الثاني من الشروط أن يكون الخف نفسه طاهرا، فلا يصح أنه يمسح على شيء نجس. في هذه الحالة نقول له: انزع هذا الخف، ويجب أصلا أنك لا تباشر هذه النجاسة، انزع هذا الخف واغسل قدميك من أثر النجاسة بسبب هذا الخف، ولا يصح لك أنك تمسح بل سوف تنجس يدك إذا أتيت أن تمسح على الخف.
لذلك لابد أن يكون الخفان طاهرين، وقد جاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم صلى بأصحابه وعليه نعلان فخلعهما في أثناء صلاته، فلما انقضت صلاته أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بأن جبريل قد أوحى إليه أن فيهما قذرا فخلعهما النبي صلى الله عليه وسلم حتى في أثناء الصلاة.
فلذلك يجب على من أراد المسح على الخفين أن يكون قد لبسهما على طهارة، وأن يكون هذان الخفان طاهرين. هذا كله من شروط المسح على الخفين، وقد يقال حقيقة أن حديث المغيرة بن شعبة فيه دلالة وإن كانت دلالته على
الطهارة للقدم يعني أوضح وأصرح. قد يقال إن فيه دلالة كذلك على أن الخفين يكونا يعني لابد أن يكونا طاهرين. طيب ننتقل الآن إلى الشرط الثالث ألا وهو أن يكون المسح في الحدث الأصغر لا في الحدث الأكبر.
إذا أراد الإنسان الوضوء بعد حدث من الأحداث، مثلاً بعد نوم أو غائط أو بول، فانه يمكنه أن يمسح الخفين، ولكن إذا أجنب، هل يقال له إنه والله تغتسل بمعنى أنك تغسل جسدك كاملاً وتمسح على الخف؟ نقول: لأ، انزع الخف حينئذ. وهذا الشرط الثالث، وهو كون المسح في الطهارة الصغرى لا في الطهارة الكبرى، دلنا عليه حديث صفوان بن عسال رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا إذا كنا سفراً أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة. يعني بمعنى أنه إذا وقعت الجنابة فإنه ينزع الخف ويغتسل؛ لأن الجنابة يجب فيها تأميم البدن بالغسل، كما سيأتينا إن شاء الله تعالى في باب لاحق، ألا وهو باب الغسل. إذاً، المسح على الخفين يكون في الطهارة الصغرى لا في الطهارة الكبرى، إذا أجنب الإنسان يجب عليه أن ينزع الخفين.
يريد أن ينتقل الآن إلى الشرط الرابع، وهو أن يكون المسح في الوقت المحدد شرعاً. وقد جاء في حديث علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه الذي رواه الإمام مسلم قال: جعل النبي صلى الله عليه وسلم للمقيم يوماً وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام ولياليهن.
إذاً، هذي الآن مدة المسح، فإذا كان سيمسح في هذه المدة المؤقتة المشروعة، وهي للمقيم يوم وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام وليالي، فانه يصح مسحه. إذا انقضت هذه المدة، نقول له حينئذ: اخلع هذا الخف أو الجورب واغسل قدميك.
طيب، لما نتحدث نحن عن المدة وأنها يوم وليلة، نريد أن نتحدث الآن عن بدايتها وعن نهايتها. بداية المدة، متى تبدأ هذه المدة فرضا؟ فنريد أن نسألكم سؤالاً: لو أن انساناً مثلاً توضأ فغسل قدميه، فهو طاهر الآن، ثم لما أراد أن يخرج إلى العمل مثلاً في الساعة السابعة أو الثامنة، لما أراد أن يخرج لبس الجورب، لبسه في الساعة الثامنة. ثم إن هذا الشخص أحدث في الساعة الثانية ظهراً، ثم توضأ لصلاة العصر في الساعة الرابعة عصراً. إذاً، نحن الآن عندنا ثلاثة أفعال: الفعل الأول أنه توضأ ثم لبس الخف في الساعة الثامنة صباحاً، ثم إنه أحدث في الساعة الثانية ظهراً، ثم إنه توضأ ومسح على الجورب في الساعة الرابعة عصراً. هنا سؤال نود أن نسألكم فنقول: إذا قلنا إن مدة المسح يوم وليلة، فمتى تبدأ مدة المسح؟ متى يبدأ احتساب اليوم والليلة أربع وعشرين ساعة؟ متى يبدأ؟ هل نبدأه من الساعة الثامنة حين لبس الخف، أو نبدأه من الساعة الثانية ظهراً حين أحدث، أو نبدأه من الساعة الرابعة عصراً وهو أول مسح مسحه على الجورب؟ واضح السؤال؟
إذاً، هذه مسألة نحن نقول: جاء في حديث علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أن مدة المسح يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام ولياليهن للمسافر. ولكن السؤال: متى تبدأ هذه المدة؟ فذكرنا قصة رجل عندنا ثلاث أفعال: الثامنة، الثانية ظهراً، الرابعة عصراً.
طيب، لو قلنا بأنه فرضا نريد أن نبين الآن نوضح: لو قلنا لهذا الشخص إن مدة المسح في حقك بحكم أنك لبست الخف في الساعة الثامنة، لو قلنا له إنها تبدأ من الساعة الثامنة مثلاً، إذا جاءت الساعة العاشرة وهو لم يحدث الآن، إلى الآن لم يحدث، هل سيقول الإنسان: أنا أريد أن أمدد مدة المسح على الخفين، كيف أمددها؟ قال: سوف أنزع الخف في الساعة العاشرة وأرجع ألبسه. فإذا نزعته الآن ورجعت لبسته، فأنا لبسته كذلك على طهارة، فالآن سوف أبدأ مدة جديدة الساعة العاشرة. نقول: طيب خلاص، إذن تبدأ الساعة العاشرة. طيب قال: لا والله، أنا أبغى أبدأ الساعة الثانية عشر بنزعه الساعة اثنعش وأرجع ألبسه. لذلك الحقيقة القول بأنه تبدأ من حين لبس الخف ليس وارداً؛ لماذا؟ لما يكون في تمديد ورد للمدة بالنزع وإعادة اللبس مرة أخرى دون أي فعل منه، لا حدث ولا مسح ولا شيء. فلذلك، في واقع الأمر، هذا اللبس في هذه الحالة أشبه بمدة العفو أو السماحة التي أصلاً لم يرد فيها موجب للحدث ولا رافع للحدث. إذاً، هذا القول حقيقة غير وارد ألا وهو لما يبدأ من الساعة الثامنة حين لبسه.
طيب، هل يستطيع أن يفعل هذا الفعل بعد الساعة الثانية ظهراً؟ قد أحدث الآن الساعة الثانية ظهراً، فنقول: نعم، إذاً الآن أحدثت الساعة الثانية ظهراً، فمعنى ذلك أنك إذا نزعت الخف في الساعة الثالثة ورجعت لبسته أنه لا يصح لك المسح؛ لأنك لبسته على حدث، صار الآن فارق. إذاً، في الحقيقة، في واقع الأمر، القولان اللذان يمكن اعتبارهما قولين، القول بهما، هو أن يقال: إن مدة المسح إما أن تبدأ الساعة الثانية ظهراً وهي أول حدث، وإما الساعة الرابعة عصراً وهي أول طهارة بعد الحدث، لاحظتم؟ لأن هذه المدة هي المؤثرة، صار لبسه ثابتاً. أما قبل الساعة الثانية ظهراً فهو متى ما شاء أن ينزع ويلبس ويستأنف مدة جديدة، لو قيل بأن المدة هي من اللبس لكان هذا له ذلك. هذا القول حقيقة غير وارد، وإنما الوارد هو أحد القولين، أن يقال إنه يبدأ من أول حدث بعد اللبس؛ لأنه في هذه الحالة يثبت الخف ولا يصح له نزعه، ولو نزعه لقلنا: توضأ واغسل قدميك ثم البس الخف؛ لأنك نزعته وأنت محدث، فلا يعود إليك الخف إلا وأنت طاهر فلابد أنك تتوضأ. فصار النزع الآن، صار الخف بمعنى أنه ثبت على القدم في الساعة الثانية ظهراً، أما قبل الثانية ظهراً فهو غير ثابت على القدم، متى ما شاء أن ينزعه ويرده فليفعل. إذاً، القول الأول أن يقال إن مدة أربع وعشرين ساعة تبدأ من الثانية ظهراً وهي فترة الحدث، أو أن يقال القول الثاني إن مدة المسح تكون أربع وعشرين ساعة تبدأ من الساعة الرابعة عصراً وهي أول مسح بعد الحدث.
طيب، أي هذين القولين هو القول الصواب؟ نحن ذكرنا أن عندنا عقلياً ثلاثة أعمال: العمل الأول وهو اللبس الأول استبعدناه لأن الخف أصلاً غير ثابت يمكن أن ينزع ويلبس متى ما شاء. لكن القولين الباقيين هما العمل الأول الحدث، وهذا هو القول الأول أنه تبدأ أربع وعشرين ساعة من الحدث، والقول الثاني أن الأربع وعشرين ساعة تبدأ من أول طهارة بعد الحدث. نرجو الترجيح بين هذين القولين إلى ما بعد الفاصل إن شاء الله تعالى.
هل أنت حريص على تصحيح عباداتك؟ هل ترجو أن يتقبلها الله؟ اطلب العلم، إذ لا تصح العبادة إلا ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْر حِسَابٍ﴾ [غافر: 40]. وشرط قبول طلب العلم الإخلاص فيه، بألا تريد به إلا وجه الله تعالى. وبالإاخلاص ترزق صحة الفهم وقوة الاستنباط. قال صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين». وبالإخلاص يذعن المتعلم للحق ويقبل النقد. قال الذهبي: علامة المخلص أنه إذا عاتب لا يبرئ نفسه، بل يعترف ويقول: رحم الله من أهدى إلي عيوبي. ويجب أن يتوفر الإخلاص في التعلم والتعليم والتأليف. قال أبو داود الطيالسي: ينبغي للعالم إذا حرر كتابه أن يكون قصده بذلك نصرة الدين، لا مدحه بين الأقران لحسن التأليف. فأخلص النية واحذر من فسادها، كطلب العلم لأجل المال والثروة، أو الجاه والشهرة، أو المراء والجدل، فإن ذلك يفسد العمل ﴿وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾ [الفرقان: 23].
نعود إليكم بعد هذا الفاصل، وكنا قد طرحنا مسألة وهي: متى يبدأ احتساب اليوم والليلة أو الثلاث أيام ولياليهم؟ متى يبدأ احتسابها؟ هل يبدأ احتسابها من حين لبس الجورب على طهارة، أو من حين الحدث بعده، أول حدث بعده، أو من أو
ولطهارة، أو مسح بعد الحدث واستبعدنا القول الأول وقلنا إنه غير وارد باعتبار أن الخف لم يثبت عن القدم بعد، فيمكنه أن ينزعه ويلبسه متى ما شاء. إذا بقي عندنا الحالة الأولى؛ أن نقول: إنه من أول حدث، وهذا قال به بعض أهل العلم، والقول الثاني: أنه من أول مسح بعد الحدث.
في الحقيقة لما نتأمل في حديث علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أنه جعل للمقيم يوما وليلة لأجل المسح وقال: يمسح يوما وليلة. هذا اللفظ أو هذه الإشارات تدل على أن مدة المسح يوم وليلة، يعني أنه يمسح يوما وليلة. هذا في الحقيقة يقوي أننا نبدأ في الحال في حال السائل الذي سألنا عنه قبل قليل نبدأ من الرابعة عصرا، ليش؟ لأنه الساعة الرابعة أول مسح، والالفاظ الشرعية الواردة في السنة النبوية تدل على أن المسح أن له أن يمسح يوما وليلة، يعني أربعا وعشرين ساعة يمسح أول المسح الأول من الساعة الرابعة، فنقول لك: إلى الرابعة عصرا من اليوم التالي.
لكن لو قلنا إن المسح يكون من أول حدث وهو الساعة الثانية ظهرا، في واقع الأمر هنا هو لم يمسح يوما وليلة، مسح يوم وليلة إلا ساعتين؛ اللي هي الفرق، لأنه بدأ المسح من الساعة الرابعة إلى الساعة الثانية ظهرا في اليوم التالي، فلذلك هذا القول في الحقيقة لا نقول إنه مخالف للنصوص، لكن نقول إنه مخالف لإشارات النصوص، أو الدلالة نوع من الدلالة، نعم، وإن لم تكن هذه الدلالة نصا ولكنها في مقام الظاهر أو دون الظاهر، أن فيها نوع إشارة إلى أنه يمسح يوما.
أحيانا قد يختلف، قد لا يكون الفرق ساعتين، يعني أنا أضرب لكم مثلا: لو أن انسانا مثلا لبس الخف على طهارة مثلا قبل صلاة الفجر توضأ ولبس الخف، أحدث هذا الرجل مثلا بعد صلاة الفجر الساعة السادسة صباحا، لم يتوضأ إلا لصلاة الظهر مثلا في الساعة الواحدة ظهرا، توضأ لصلاة الظهر، لاحظوا أنه هو أول حدث له كان الساعة السادسة وتوضأ لصلاة الظهر الساعة الواحدة.
الآن كم صار الفرق؟ سبع ساعات. فلو قلنا له إن مدة المسح في حقك قد ابتدأت من حين أول حدث وهو الساعة السادسة صباحا، لكان في واقع الأمر هذا الإنسان لم يمسح إلا من الساعة الواحدة ظهرا إلى الساعة السادسة صباحا في اليوم التالي، وهو ليس ولا يعد هذا يوما وليلة في حقه، لا يعد يوما وليلة في حقه. فلذلك كون المسح فعل المسح يكون يوما وليلة، هذا فيه إشارة إلى أن مدة المسح تبتدأ من أول مسح، والله تعالى أعلم.
والشأن في هذا إن شاء الله تعالى يسير. لكن نقول الراجح أن المسح أو مدته تبدأ من أول مسح بعد الحدث الذي يكون بعد اللبس هذه المدة. إذا لو أن إنسانا مثلا مسح قبل ذلك قبل الحدث، نقول: لا، المعتبر هو المسح الذي يكون بعد حدث، لأنه بالحدث يستقر الخف في القدم ولا يمكن أن ينزعه ويرده، فأول مسح بعد الحدث يبتدأ به احتساب أربع وعشرين ساعة.
طيب، نريد أن ننبه إلى مسائل حقيقة؛ ألا وهي صفة المسح على الخفين: مسح الخف يكون بالمسح على ظاهر الخف، يعني بمعنى الجهة العليا، الجهة العليا من الخف، ولا يمسح باطنه الأسفل الذي يلي الأرض، لا يمسح باطنه الأسفل ولا يمسح ظاهره، وقد جاء عن علي رضي الله تعالى عنه أنه قال: لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، ولكن رأيت الرسول صلى الله عليه وسلم يمسح ظاهر خفيه. إذا هنا علي بن أبي طالب، لاحظوا الاتباع عند أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: يعني لو كان الدين بالرأي لمسحت أسفل الخف لأنه هو الذي يواجه الأرض وهو الذي يتسخ، ولكنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يمسح ظاهره فاتبعه صلوات الله وسلامه عليه ورضي الله تعالى عن علي. إذا هذا فيه بيان لصفة المسألة.
هنا بعض المسائل، وهو بعض أنواع المسح. جاء كذلك أيها الإخوة والأخوات المسح على العمامة، جاء في الحديث: أمرنا أن نمسح على العصائب والتساخين. العصائب يعني العمائم، العمامة التي يشق نزعها. هذه العمامة عند العرب كانت ملفوفة وتكون محنكة من أسفل الحنك، فكان يشق نزعها وردها، جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم إباحة المسح على العمائم.
طيب، قد يقول قائل: هل الشماغ هذا الذي ألبسه الآن هل يجوز لي أني أمسح عليه؟ نقول: لا، هذا الشماغ لا يشق؛ فإن الإنسان يمكنه أن ينزعه بسهولة ويرجع يلبسه بسهولة، وليس ملفوفا على الرأس أو مربوطا على الرأس وهي محنكة مثلا وهذا يشق نزعها وردها، لا، لكن هذا الشماغ الآن الذي ألبسه الآن في هذه المحاضرة يسهل علي نزعه فلا يرد عليه مسح. لذلك الشماغ لا يأخذ حكم العمامة، والذي يأخذ حكم العمامة هو ما يشق نزعها.
كذلك مما قاسه أهل العلم على العمامة، وقد جاء فيه بعض الاحاديث قضية مسح المرأة على الخمار. مسح المرأة على الخمار، وهذا قد تحتاج إليه المرأة، قد تحتاج المرأة إليه إما بسبب مشقة نزعه وإما بسبب كونها مثلا في بر أو أمام الرجال ولا يمكنها أن تستتر عنهم، فتمسح على الخمار ولا تنزع خمارها بمحضر من الرجال، لذلك جاء هذا عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها أن أم سلمة كانت تمسح خمارها إذا احتجت إليه.
إذا نلاحظ هنا أن كذلك مما قاسه أهل العلم على العمامة، باروكة الشعر التي تضَعها المرأة الصلعاء، بعض النساء ربما ابتليت أو ابتلاها الله سبحانه وتعالى بتساقط شعر رأسها بشكل كبير، فهذه ربما وضعت باروكة لأجل ستر صلعها؛ لأن هذا مرض يعتبر في حق المرأة، بخلاف مثلا في حق الرجل، الأمر أهون في حق الرجل، لكن في حق المرأة هذا لا شك في أنه من المرض الذي يذهب بجمال المرأة.
فاذا لبست هذه الباروكة وكانت هذه الباروكة يشق نزعها، بمعنى أنها توضع بصعوبة وتنزع بصعوبة، نقول: هذه كذلك تأخذ حكم العمامة. إذا هذه بعض الأحكام الشرعية المتعلقة بالمسح على الخفين والمسح على العمائم.
هذا أيها الإخوة جنس في المسح وهو جنس اختياري، ويمكن للإنسان أن ينزعه أو أن يلبسه، والثاني يمكن له أن ينزعها وأن يلبسها. هنا سؤال: ما هو الأفضل للإنسان؟ هل الأفضل له أن ينزع خفيه ويغسل القدمين؟ أو الأفضل له إذا كان قد لبس الخفين على طهارة أن يمسح عليهما؟ نقول: الأفضل له أن تبقى الرجل على حالها، فاذا كانت الرجل مكشوفة فانه يغسلها، وإذا كان عليها خف أو جورب وهو قد لبسها على طهارة، فان الأفضل في هذه الحالة المسح عليها.
طيب، بودنا كذلك أن ننبه هنا إلى أن المسح على الجوربين كما ذكرنا أنه يثبت قياسا على المسح على الخفين، وقد جاء المسح على الجوربين عن تسعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؛ وهم: علي، وعمار، وابن مسعود، وأنس، وابن عمر، والبراء، وبلال، وابن أبي أوفى، وسهل بن سعد رضي الله تعالى عنهم أجمعين. هذه فيها آثار عن تسعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
هذا باجمال أحكام المسح على الخفين، وذكرنا أنه يتبع ذلك المسح على العمامة، وأحكام المعاصرة التابعة لهذا مثل المسح على الشماغ، وذكرنا أنه لا يصح المسح على الشماغ، وإنما يمسح على العمامة فقط بالنسبة للرجل.
والمرأة الصلعاء تمسح على باروكة شعرها التي يشق نزعها مثلا، هذا كذلك من الأحكام، أو تمسح على خمارها إن احتجت إلى هذا.
نقف عند هذا القدر ونختتم درسنا بالمسح على الخفين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، متطلعاً لزيادة الإيمان يأتيك من أي مكان، وتعلم الفقه الميسر عاملاً.
د. منصور بن عبد الرحمن الغامدي