تسجيل الدخول

المحاضرة 12 - المسح على الجَبيرة

منصور بن عبد الرحمن الغامديد. منصور بن عبد الرحمن الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم علمنا بما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما. إخواني وأخواتي في أكاديمية زاد، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك لنا فيما نقول وفيما نسمع من هذا العلم الشرعي. وقد وصلنا الآن إلى الدرس الثاني عشر من سلسلة دروس الفقه في هذه الأكاديمية المباركة. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل هذا العلم حجة لنا، وأن لا يكون هذا العلم حجة علينا.

إخواني وأخواتي، تحدثنا في درسنا السابق عن المسح على الخفين، ونريد الآن أن نتحدث عن الغسل. ولكن قبل أن ننتقل إلى الغسل، بودي أن ننبه إلى نوع من أنواع المسح لم يتحدث عنه في درسنا السابق، ولكن لأننا نتحدث عنه الآن، هذا النوع هو المسح على الجبيرة. لماذا ميزنا المسح على الجبيرة عن المسح على الخفين؟ ولم لم تكن من نفس جنسه؟ فاعتبار الأمر أن المسح على الخفين يمكن أن نسميه بالمسح الاختياري، بمعنى أنه يمكن للإنسان أن ينزع الخف ويغسل القدم، ويمكن للإنسان أن يبقي الخف ويمسح على الخف أو على الجورب.

كذلك نفس الأمر مثلا في العمامة مثلا أو الخمار أو غيرها، يعني هذه أنواع من المسح. لكن المسح على الجبيرة يمكن أن نصطلح على تسميته بأنه نوع إجباري، بمعنى أنه ليس أمامه خيار في بقاء هذه الجبيرة، لأنها جبيرة علاجية من المهم والضرورة أنها تبقى مثلا على القدم أو أنها تبقى في اليد لأجل جبر كسر فيها مثلا. لذلك نحن نقول إن المسح على الجبيرة في واقع الأمر ليس من جنس المسح على الخفين. ماذا يعني هذا الكلام؟

يعني أن المسح على الجبيرة مثلا لا يشترط أن الإنسان يكون قد وضع الجبيرة وهو طاهر. لو جاء إنسان مثلا كان محدثا وتنوُم في المستشفى، ويضع له جبيرة، فلما أفاقوا بعد هذا التنويم مثلا، أو بعد هذه العملية التي وضع فيها جبيرة أيا كان، فلما انتهى أراد أن يتوضأ للصلاة، فقال له قائل: كيف تمسح يا أخي على الجبيرة وأنت قد وضعتها وأنت محدث لست على طهارة؟ وفي الخف جاء في حديث المغيرة بن شعبة قال: دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين، فأنت الآن وضعت الجميع وأنت على غير طهارة، يجب أن تفك الجبيرة ثم تتوضأ. نقول له: لا يا أخي، هذا خطأ، لأن المسح على الجبيرة هو مسح اضطراري، هو مسح اضطراري وليس مسحا اختياريا، فلذلك ليست هي من جنس المسح على الخفين أو الجوربين أو المسح على العمامة، لا، وإنما هي جنس آخر من أنواع المسح.

فلذلك نقول له: امسح على الجبيرة، ولو كانت هذه الجبيرة قد وضعت عليك وأنت محدث. واضح أيها الإخوة والأخوات؟ ولو كانت هذه الجبيرة قد وضعت عليك وأنت محدث. كذلك نقول: لا يشترط أنها تكون في القدم لأجل أن يصح المسح عليها، بل يصح المسح على الجبيرة ولو كانت في القدم أو كانت في اليد، كذلك يصح المسح على الجبيرة؛ لأنها كما ذكرنا هي في واقع الأمر أن المسح على الجبيرة لا نستدل له بأدلة المسح على الخفين، وإنما نستدل له بأدلة ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]، فهي مسح الاضطرار.

لو استطاع أن يغسل اليد لغسلها، ولكن الآن هي مغطاة بهذه الجبيرة، فنقول له: اتقوا الله ما استطعتم، فما دمت لا تقدر على رتبة الغسل فانزل إلى رتبة المسح، بما أنه يشق عليك إمرار الماء عليها فامسح هذه الجبيرة ببلل في يدك، وهذا كاف. وهذا من باب قول الله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]. إذا ينبغي لنا أن نفهم الفرق بين جنس المسح على العمامة والخفين والجوربين والخمار، وبين جنس آخر وهو مسح اضطراري لجأنا إليه لأنه لا يمكن غسل الموضع. فهذا المسح الاضطراري لا يشترط أن نقول والله الجبيرة هذه لابد أن تكون وضعت على طهارة، أو أن نقول إنها والله يجب أنها تكون ساترة القدم كلها. لو واحد وضع جبيرة مثلا في جزء من قدمه مثلا، نقول: نعم، امسح هذا الجزء منه، امسح هذا الجزء من القدم، واغسل باقي القدم؛ لأنك تستطيع أن تأتي ببعض المأمور.

وعند أهل العلم قاعدة استنبطوها من قول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]. قالوا هذه القاعدة: الميسور لا يسقط بالمعسور. ما معنى هذه القاعدة؟ لو الإنسان في جبيرة في نصف يده، هل نقول له: سقط الآن عنك غسل اليد بما انك لا تستطيع أن تغسل يدك كاملة، فخلاص نسقط عنك الغسل؟ نقول: لا، الميسور لا يسقط بالمعسور. ما تطبيق هذه القاعدة؟ نقول: اغسل باقي اليد الذي ليس فيه جبيرة، هذا التطبيق الأول. التطبيق الثاني: أنك إذا كان يمكنك أن تمسح على الجبيرة فامسح هذا جزء من الواجب، يعني انتقل رتبة أقل ولا تتركها تماما، ولكن امسح عليها، وهذا فيه نوع من الإتيان ببعض الواجب.

لذلك خرج بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، جاء في حديث جابر رضي الله تعالى عنه قال: خرجنا في سفر، فأصاب رجلا منا حجر فشجه في رأسه، ثم احتلم. لاحظوا أن هذا الرجل فيه شجة في رأسه مكشوفة ثم احتلم. ما هو الواجب عليه؟ الواجب عليه الغسل. ولكن هل يستطيع الغسل وهذا الشج موجود في رأسه؟ في واقع الأمر لا يستطيع. لذلك سأل بعض من خرج معه أنه هل يجد له رخصة في التيمم؟ فهؤلاء طبقوا قول الله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: 6]، قالوا: أنت واجد للماء ونحن لا نريد لك رخصة في التيمم. لم يعطوه حكم استثنائي بسبب عدم قدرته على استعمال الماء حتى مع وجوده. وهذا إن شاء الله سوف نتطرق له في باب التيمم، وأن عدم القدرة على الاستعمال ينزل منزلة عدم الماء؛ لأنه لا يقدر على استعماله، لو استعمله ضره. لذلك غضب النبي صلى الله عليه وسلم على هؤلاء الذين أفتوه عن جهل وقالوا: لا نجد لك رخصة، ودعا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم.

الشاهد أن هذا الرجل قد اغتسل بالماء فمات بسبب اغتساله بسبب هذه الشجة. فلما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا، ألا سألوا إذ لم يعلموا». إذا هذا فيه دلالة إن شاء الله لعلنا نأخذها في باب التيمم بإذن الله تعالى لاحقا، وهو أن عدم القدرة على استعمال الماء ينزل منزلة عدم الماء، هذا جانب. قال: «ألا سألوا إذا لم يعلموا، فإنما شفاء العي السؤال، إنما كان يكفيه أن يعصب على جرحه خرقة ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده»، إذا هي عصب على جرحه خرقة ويمسح عليه. هذا فيه إتيان ببعض الواجب، إذا هذا الحديث أصل في المسح على الجبيرة، المسح ما يمكن أن نسميه المسح الاضطراري الذي انتقلنا إليه بسبب عدم القدرة على الغسل.

إذا لاحظوا أن مناط هذا الحكم مختلف. لو اردنا أن نسألكم ما هي الفروق بين مسح على الجبيرة والمسح على الخف؟ لقلنا: هناك عدة فروق. أول شيء: المسح على الخف هو اختياري، أما المسح على الجبيرة فهو مضطر إليه محتاج إليه، لا يمكنه غيره. طيب، المسح على الخف يشترط أن يكون لبسه على طهارة الخف أو الجورب وغيره، لكن هنا المسح على الجبيرة لا يشترط أن يكون على طهارة؛ لأنه الآن المسح على الجبيرة يقوم مقام غسل العضو في الوضوء، يقوم مقام غسل عضو في وضوء فلا يشترط مثلا. طيب، المسح على الخفين هل يمكنه أن يمسح في الطهارة الصغرى والكبرى؟ أم يقتصر على الصغرى فقط؟ المسح على الخفين يقتصر على الصغرى. طيب، في المسألة الكبيرة

يرد في الصغرى وفي الكبرى كذلك، بل إن الحديث حديث جابر وارد في الطهارة الكبرى. لماذا؟ لأنه كما ذكرنا وأكدنا مراراً إنه اضطراري لعدم القدرة على الغسل، فهو يقوم مقام الغسل. إذاً، هذه الفروق مهمة.

كذلك لو قال قائل: هناك فرق آخر أو رابع يتعلق بالمدة، المسح على الخفين له مدة ولا لا؟ له مدة يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام للمسافر. معنى هذا أنه إذا انقضت المدة فإنه يغسل. طيب المسألة الكبيرة لو قال له الطبيب إن هذه الجبيرة تحتاج إلى خمسة أيام أو أسبوع أو أسبوعين، هل نقول له بعد يوم وليلة إذا كان مقيم؟ نقول له: لابد أنك تنزعها؟ لا، لأن هذا مسح اضطراري يقوم مقام الغسل فليس له مدة ينتهي إليها. هذه أبرز الفروق بين هذا الجنس من أجناس المسح، وهو المسح على الخفين والجوربين، وبين جنس المسح على الجبيرة.

من الأشياء المعاصرة التي ينبغي التنبيه عليها أنها تأخذ حكم الجبيرة اللصقات الطبية التي يشق نزعها، أو اللفافات الطبية التي يشق نزعها. وهذه في الحقيقة لما نقول نحن يشق نزعها أو لا يشق نزعها أو يمكنه نزعها، يرجع فيها إلى قول طبيب ثقة مسلم. فإذا قال الطبيب: لا، هذه لا تنزعها ويجب أنه لا ينكشف هذا الموطن للهواء أو للماء، فإنك تبقي عليه هذه اللفافة وتمسح عليها. لكن إذا قال الطبيب: والله مثلاً بعد يوم فيمكن انك تنزعها هذه اللصقة الطبية مثلاً أو هذه اللفافة يمكنك أن تنزعها أو أن تغيرها، ولا مانع أن يصل إليها الماء أو الهواء أو شيء من هذا أو ماء خفيف مثلاً، فهذا نعمل بقول هذا الطبيب بالقدر الذي يمكنه. ودائما نستحضر قول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]. إذا لم يمكنا فإننا ننزل رتبة عن الواجب وهو الغسل، ما أمكنا فإننا ننزل رتبة إلى رتبة المسح على القدر المدة التي يذكرها هذا الطبيب الثقة المسلم بحيث أنها لا تضر هذا المتوضئ.

وهذا لا شك أيها الإخوة والأخوات أنه من يسر دين الإسلام وسماحته، والله سبحانه وتعالى ما جعل علينا في الدين من حرج. ولا شك أن هذا من رفع الأعصار والأغلال أن الله سبحانه وتعالى ما ألزمنا الوضوء أو الغسل حتى في هذه الحالة التي تضرنا، لذلك قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَإِن لَّمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مَّا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: 6].

المسلم ينبغي له أن يستشعر هذا المعنى، إذا استشعر المسلم عبوديته لله سبحانه وتعالى وأن الله سبحانه وتعالى قد خفف عنه لأجل ألا يضره هذا الفعل، فلا شك أن هذا من رحمة الله سبحانه وتعالى وتيسيره على عبده أنه لم يؤاخذه بهذه الحال التي يشق عليه فيها التعبد لله بغسل هذا الموطن غسلاً بالماء. ولا شك أن من رحمة الله سبحانه وتعالى وتيسيره مثلاً مثل هذه الأحكام الشرعية التي درسناها، مثلاً المسح على الخفين، الإنسان أحياناً يحتاج أن يلبس الجورب لأجل البرد، مثلاً البرد الشديد ويشق عليه مثلاً أن يغسل قدميه بالماء، فلا شك أن هذا من تخفيف الله وتيسيره أنه أتاح له هذا المسح على الجورب حتى لا يشق عليه غسل قدميه لأجل البرد أو غيره، أو مسح الرأس في أحوال البرد.

فهذا من تخفيف الله سبحانه وتعالى وتيسيره الذي إذا استشعره المسلم فانه يعظم في عينه هذا الدين، ويتأمل محاسنه وتيسير الله سبحانه وتعالى له، ويتأمل رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده وحكمة الله سبحانه وتعالى في تشريعه. ولا شك أن هذه المعاني العظيمة إذا تأملها المسلم والمؤمن فإنها تزيده إيماناً.

فاصل قصير ونعود إليكم إن شاء الله تعالى.

هل تحمل هم نفقات تطاردك ولا تستطيع تلبيتها؟ هل فكرت في أية حلول لسد هذه النفقات؟ أم أن أول ما تفكر فيه هو الاستدانة؟ فلتسأل نفسك: هل ساقترض لأمر ضروري؟ هل وقت الاقتراض مناسب؟ هل المبلغ الذي سأقترضه سيؤثر على ميزانية الأسرة؟ كيف سيسدد الدين؟ وكم سيستغرق من الوقت؟

واعلم أن الدين وإن كان جائزاً إلا أن أمره خطير، ولذلك تعوذ منه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم». كما أنه صلى الله عليه وسلم لم يصل على من مات وعليه دين. فلا ينبغي لعاقل أن يورط نفسه في الدين لأمور ترفيهية أو تكميلية، لأن الدين يصيب بالهم والغم، وقد يوقع في الكذب وأخلاف الوعد والمشكلات الأسرية.

ويستحب للدائن أن يخفف عن المدين، وقد وعد الله المقرض أجراً عظيماً على تفريجه كربة مسلم. ولا يجوز للمدين أن يماطل في رد ذي الحقوق مع القدرة. ولتعلم أن النية الصالحة سبب في قضاء الدين، ففي الحديث: «من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذ يريد إتلافها أتلفه الله».

نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونريد أن نشرع في الحديث عن موضوعنا لهذا اليوم، ألا وهو موضوع الغسل.

الغسل لغة هو سيلان الماء على البدن. هذا الغسل لما نتكلم نحن عن الغسل لما قال: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: 6]، ما الفرق بين الغسل والمسح؟ نحن قد نبهنا على هذا عند حديثنا عن آية الوضوء، ما الفرق بين الغسل والمسح؟ ﴿وَأَغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ [المائدة: 6]. الغسل هو جريان الماء وسيلانه على العضو، هل يشترط أن يكون معه دلك؟ هذا ذكره بعض أهل العلم لكن لا يشترط أن يكون معه دلك، فلو أن إنساناً أتى بماء مثلاً فصبه على يده يقول ماذا؟ حقق الغسل المأمور به شرعاً، ولو دلك لكان هذا خيراً إن شاء الله تعالى، وكان هذا من إسباغ الوضوء كذلك، ولكن ليس الدلك واجباً أو شرطاً. شروط الغسل السيلان، لكن المسح ما الفرق بين الغسل والمسح؟

المسح نقول هو أمرار اليد المبلولة، إذاً ليس لما أقول امسحوا برؤوسكم أو نقول المسح على الخف أو المسح على الجوربين أو مسح الجبيرة، نحن لا نمر أو نجري الماء على الجبيرة أو على الخف لا، وإنما نمر على الجبيرة أو على العمامة أو على الرأس أو على الخفين أو الجوربين، هذه كلها الواجب فيها المسح. نمر عليها يداً مبلولة بالماء، تأخذ الماء تنفض من يديك تنفضه من يديك ثم تمسح. الغسل تأخذ الماء فتجريه على العضو.

إذاً نحن لما نتحدث عن الغسل، باب الغسل هو جريان الماء وسيلانه على أعضاء البدن بحيث يتعمم، يعمم على البدن جميعاً. غسل الماء، ما هو الفرق بين الغسل هذا من ناحية، والوضوء من ناحية، والمسح من ناحية ثالثة؟ ما هو الفرق؟ نقول إن الغسل والوضوء في الفروض الثلاثة: غسل وجهه واليدين والرجلين، هذه تشترك مع بعض في أنها إيش؟ في أنها فيها جريان للماء وسيلان للماء على البدن. طيب ما الفرق بين الوضوء والغسل؟ نقول الفرق أن الوضوء أربعة أعضاء، وأما الغسل فهو البدن كله.

هذا الفرق، طيب ما هو الفرق بين المسح وبين الوضوء والغسل؟ نقول المسح أصلاً هذا ليس فيه جريان للماء، ليس فيه جريان للماء، وإنما فيه أمرار باليد المبلولة على العضو، لكن الوضوء والغسل هذا فيه جريان للماء كما ذكرنا.

إذاً ما هو تعريف الغسل؟ ما هو تعريف الغسل؟ نقول هو إفراغ الماء على البدن. هو إفراغ الماء على البدن وتعميم البدن بغسل الماء، بمعنى جريان الماء على جميع البدن بنية التعبد لله سبحانه وتعالى. لاحظوا هنا نية التعبد لله سبحانه وتعالى برفع الحدث مثلاً أو غسل الجمعة مثلاً أو أياً كان.

لماذا ذكرنا النية هذه؟ نية التعبد؟ لأن هناك مثلاً من يعمم بدنه بالغسل أو بالماء ولكن ليس بهذه النية، مثلاً بنية والله مثلاً أنه يريد أن يتنظف مثلاً، يريد أن يتبرد بالماء، أو أنه مثلاً يريد أن يستعد مثلاً لعمله.

أو يريد أن يغير ملابسه، ينظف نفسه فيغتسل؛ هذه غير الغسل الشرعي الرافع للحدث. يعني أنا أتيكم بمثال بقصة؛ لو أن إنساناً مثلاً احتلم في الليل وأصبح الصباح وهو لا يعلم أنه قد احتلم أو لم يدري أنه احتلم، توضأ وصلى؛ طبعاً نحن سوف نطالبه بإعادة الصلاة هذه متى ما علم بهذا الاحتلام، لكن الآن نفترض أنه خرج إلى عمله في الساعة السابعة، من عادة هذا الرجل أنه قبل أن يخرج للعمل أنه يغتسل يتنظف ويغير ملابسه ويخرج للعمل، فتنظف كالعادة وخرج إلى عمله.

تنبه مثلاً أو نبه أنه والله وجد بثوبك بثوب النوم وجد فيه احتلام، أما بعد عودته من العمل مثلاً أو نبه باتصال من أهله أو أياً كان، فتنبه في الساعة التاسعة، العاشرة، أو تنبه في العصر مثلاً إلى أنه كان قد احتلم وأنه كان مذنباً. اريد أن أسألكم سؤالاً، لو قال: خلاص، النظافة التي تنظفت بها للعمل خلاص هذه تكفي، أنا تنظفت بالصابون والشامبو وعممت بدني كله، هذه تكفي، فلنعتبرها والان تغسل للعمل الساعة السابعة، فلما عرف في الساعة الثامنة أو التاسعة أو عصراً قال: فلنعتبر أنه والله هذاك الغسل السابق نعتبر أنه خلاص هذا غسل الجنابة يعني خلاص ما عاد يحتاج اغتسل مرة ثانية خلاص.

نقول لا؛ الغسل الرافع للحدث هو الذي يقوم بنية التعبد لله سبحانه وتعالى أو بنية رفع الحدث، يعني يجب أن تستحضر أن هذا لرفع الحدث، وأن هذا الغسل الذي أتى لرفع الحدث، وأنه ليس لأجل مثلاً والله التنظف أو مثلاً إزالة روائح العرق أو أياً من ذلك، لا، ليس كذلك، وإنما هو لأجل التعبد لله سبحانه وتعالى بنية رفع الحدث، إذاً هناك فرق.

وهذه القضية نحن ذكرناها في الوضوء؛ إذا تذكرون في الوضوء قلنا لو أن إنساناً مثلاً بعد لعب كرة القدم وكانت يده، كان وجهه مثلاً فيه غبار ومتسخ فغسل وجهه، وثم غسل يده، بعد أن غسل وجهه ويده سمع الأذان فقال: إذاً خلني أكمل وضوء، فلأكمل وضوءاً، فمسح برأسي وغسل رجليه. نقول لا، يجب أنك ترجع فتستأنف. لماذا؟ لأن غسلك لوجهك ويديك لم يكن بنية الوضوء، والنية هي الفارقة.

نحن ذكرنا النية هي التي تميز العبادة عن العادة، وتميز العبادات الواجبة بعضها عن بعض، وتميز العبادة الواجبة عن العبادة المستحبة. والأعمال بالنيات؛ كما جاء في حديث عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه مرفوعاً في الصحيحين: «الأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى». فهذا الشخص الذي نوى التنظف فقط ليس له من غسله هذا إلا التنظف، ولم ينو رفع الحدث فلا يرتفع حدثه.

إذاً الغسل شرعاً هو التعبد لله سبحانه وتعالى بتعميم البدن بتعميم البدن بجريان الماء أو بسيلان الماء على أعضاء البدن جميعاً. إذاً عرفنا، نقول الاصطلاح الشرعي للغسل قائم على معنيين؛ الأول هو التعميم بالغسل هذا واحد، اثنين التعبد لله سبحانه وتعالى، هذان الأمران يمكن أن نعتبرهما الركنين الأساسيين في الغسل الشرعي الذي يرفع الجنابة. ما الذي يوجب الغسل على المسلم؟ هناك أمور توجب الغسل على المسلم سوف نذكرها إن شاء الله تعالى الآن.

أول موجبات الغسل: الجنابة. ما المراد بالجنابة؟ المراد بالجنابة أمران؛ الأول خروج المني دفقاً بلذة، سواء كان هذا الخروج بجماع أو باحتلام أو بغير ذلك. إذا خرج المني دفقاً بلذة فهذا موجب للغسل، هذا يعد الإنسان جنباً. الأمر الثاني: الجماع ولو لم يحصل إنزال، دَلَّ على الأمر الأول، وكلاهما داخل في الجنابة، وكلاهما داخل في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِن كُنتُم جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: 6]. ومما يدل تأكيداً على أن الإزال أنه موجب للغسل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه طائفة من الصحابة: «الماء من الماء»، أي أن طهارة الماء الغسل من الماء، أي من خروج المني دفقاً بلذة، الماء من الماء.

وجاء في حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها أن أم سُلَيم جاءت إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن الله لا يستحي من الحق، فهل على المرأة الغسل إذا هي احتلمت؟ فقال: «نعم إذا هي رأت الماء»، والحديث متفق عليه. هنا أنبه أخواتي المسلمات إلى الاقتداء بأم سُلَيم رضي الله تعالى عنها التي سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا السؤال، وإن كان هذا السؤال محرجاً بعض الشيء ولكنها أرادت أن تتعلم دينها رضي الله تعالى عنها، فقالت: يا رسول الله، إن الله لا يستحي من الحق، فهل على المرأة الغسل إذا هي احتلمت؟ بمعنى أن المرأة إذا أنزلت الماء، والمرأة تحتلم كما يحتلم الرجل، وتنزل الماء كما ينزل الرجل، فهل على المرأة غسل إذا هي احتلمت؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعم إذا هي رأت الماء»، والحديث متفق عليه.

فأنا أنبه هنا إخواني وأخواتي جميعاً أننا نحرص على السؤال لتعلم ديننا، فإن هذه القضية تعلم الدين لا يجوز للانسان أن يستحي ولا يتعلم دينه فيبقى يصلي مثلاً جنباً أو يصلي وهو لا يعرف طريقة الصلاة، ولذلك حتى الإنسان إذا استحى لا مانع أن يتعلم دينه بطريق السؤال المباشر مثل ما فعلت أم سُلَيم، أو السؤال غير المباشر مثل ما فعل علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه.

علي بن أبي طالب يقول: كنت رجلاً مَذّاءً، فاستحييت أن أسأل رسول الله لمكان ابنته مني وهي فاطمة رضي الله تعالى عنها كانت تحت علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، فاستحى علي أن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم، قال: فأمرت المقداد بن الأسود فسأله، فقال فيه: «الوضوء». إذاً لاحظوا أن علي بن أبي طالب لما استحى أرسل المقداد ليتعلم دينه، يجب على المسلم أن يتعلم دينه وأن لا يمنعه الحياء من تعلم دينه، بل عليه أن يسأل، أما سؤال مباشر وأما سؤال غير مباشر، المهم أن يتعلم دينه.

الشاهد أيها الإخوة والأخوات أن الماء من الماء، بمعنى أن خروج المني دفقاً بلذة يوجب الغسل. الأمر الثاني الذي يدخل في حد الجنابة هو الجماع؛ أحياناً الجماع لا يتم الإنزال فيه، فهل هو موجب للغسل؟ الصحيح أنه موجب للغسل، وقد جاء في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل»، متفق عليه، وفي زيادة لمسلم: «وإن لم ينزل». هذه الزيادة للإمام مسلم تدلنا على أن الجماع بحد ذاته وإن لم ينزل، فانه يعد موجباً من موجبات الغسل، وإن كان أصل الحديث المتفق عليه بدون هذه الزيادة يدل على هذا، إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل بمعنى إذا جامعها أو التقى الختانان فقد وجب الغسل، هذا موجب للجماع سواء أنزل أو لم ينزل، ولكن زيادة الإمام مسلم رحمه الله تعالى «وإن لم ينزل» فيها زيادة تصريح في هذا الموطن بأنه موجب للغسل وإن لم يحصل الإنزال.

إذاً قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِن كُنتُم جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: 6] يدخل فيه أولاً إنزال الماء، سواء كان هذا الإنزال بالجماع أو كان هذا الإنزال بالاحتلام أو كان هذا الإنزال بالعادة السرية التي يفعلها بعض الناس، وإن كانت هذه العادة محرمة لكن حصل بها الإنزال نقول كل هذا موجب للغسل. الأمر الثاني الجماع وإن لم يحصل إنزال. طب ما معنى قولنا في الإنزال: إنزال الماء إنزال المني؟ خروج المني دفقاً بلذة.

نحن نفرق في هذا الضابط بين خروج المني دفقاً بلذة وبين خروجه بدون لذة. أحياناً ما معنى خروج المني بدون لذة؟ أحياناً الإنسان عند دخوله إلى الحمام بعد تبوله ربما يخرج منه قطرات من المني، فهذا في الصحيح أنه لا يوجب الغسل. وإنما موجب الغسل خروج المني الذي يلتذ به الإنسان بلذة، أي الذي يخرج يتلذذ الإنسان بخروجه أما بسبب العادة أو الاحتلام، أو الذي يكون بسبب شهوة، أو الجماع. هذا هو المني، خروج المني الموجب للغسل؛ لأن بعض الناس ربما يخرج منه قطرات منيّة مثلاً بعد بوله، هذا لا يعد يعني لا يلتذ بها أو ليست لذة، وإنما هي نوع من أنواع الخارج، هذا في الصحيح والله تعالى أعلم لا يوجب الغسل.

من المهم كذلك أن يعرف الإنسان صفة المني، صفة المني أنه ماء ثخين وله رائحة معروفة مميزة، وهو ثخين ليس على صفة ليس خفيفاً كالبول مثلاً لا، وإنما هو ثقيل، وهو في المرأة ماء رقيق. وهو في المرأة ماء رقيق. طيب، هذا الذي إذا خرج من الإنسان فإنه يوجب الغسل. طيب، هذان موجبان من موجبات الغسل، نتابع معكم إن شاء الله تعالى الموجبات الأخرى ولكن بعد هذا الفاصل.

الإسلام سؤال وجواب، موقع إلكتروني ومحرك بحثي يقدم الفتاوى والإجابات الشرعية الاستشاراتية التربوية والاجتماعية. المشرف العام على الموقع فضيلة الشيخ محمد صالح المنجد. تم إنشاء الموقع عام ألف وأربعمائة وسبعة عشر للهجرة والموافق لعام ألف وتسعمائة وستة وتسعين للميلاد. اعتمد الموقع العديد من اللغات الأجنبية في تقديم خدماته والتي بلغ عددها اثنتي عشرة لغة. تجاوز عدد الزيارات السنوية على الموقع ستة وثلاثين مليون وتسمائة ألف زيارة، وتجاوز عدد الصفحات المستعرضة مائة ثلاثة وتسعين مليون وثلاثمائة وستة عشر ألف زيارة. الموقع على الشبكة الاجتماعية.

نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع معاً موجبات الغسل. كنا قد ذكرنا أن من موجبات الغسل الجنابة، والجنابة الواردة في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ﴾ [المائدة: 6] يراد بها إنزال الماء المني أو الجماع، هذان موجبان من موجبات الغسل. الموجب الثالث والرابع من موجبات الغسل الحيض والنفاس، المرأة إذا حاضت إذا انتهى حيضها فانه يجب عليها أن تتطهر بالغسل. فتعمم غسل بدنها بالماء، وهذا الغسل شرط لصحة صلاتها، وزوال الحدث الأكبر الحاصل لها بالحيض. وهو كذلك من الشروط للجماع الصحيح، لا يجوز للإنسان أن يجامع امرأته قبل أن تغتسل. يقول: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ۖ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: 222]. لا يجوز للمسلم أن يأتي امرأته في حال حيضها أو حتى بعد انقطاع حيضها قبل غسلها. جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم، حديث عائشة، أن فاطمة بنت أبي حبيش كانت تستحاض، فقال لها الرسول صلى الله عليه وسلم: «إنما ذلك عرق وليس بالحيضة، فاذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي». هذا فيه دلالة على وجوب الغسل.

كذلك النفاس، النفاس بعد انتهاء نفاس المرأة، وهو غالباً يأخذ أربعين يوماً وربما نفست بعض النساء في أقل من أربعين يوماً، فانه يجب عليها أن تغتسل بعد انتهاء نفاسها، وهذا يعد طهارة من الحدث الأكبر الذي حصل لها بالنفاس. مما ينبغي التنبيه له وهو أن النفاس هو الدم الذي يخرج بعد الولادة أو قبل الولادة بيوم أو يومين يخرج مصاحب للطلق، أما الدم الذي يكون قبل ذلك، يعني أثناء فترة الحمل، فهذا لا يعد نفاساً. هذا لا يعد نفاساً، قد يعد حيضاً أو استحاضة. وهذا لعلنا إن شاء الله تعالى ننبه له بإذن الله تعالى في باب الحيض إن شاء الله تعالى ننبه إلى متى تغتسل المرأة؟ تغتسل المرأة بعد جفاف الموضع وانقطاع الدم، وعلامته الخروج القصة البيضاء أو انتهاء المدة وهو العادة التي اعتادتها. هذا لننبه إن شاء الله تعالى عليه في باب الحيض بإذن الله تعالى.

الشاهد أن غسل الحيض والنفاس كلاهما موجب للغسل والطهارة، فيعد موجب للطهارة الكبرى التي تبيح الصلاة. طيب، عندنا الآن أربع موجبات للغسل: الأول خروج المني دفقاً بلذة، الثاني الجماع، الثالث الحيض، الرابع النفاس. هذه الأربع توجب على المسلم الاغتسال وتعد شرطاً لصلاته. هناك موجبات أخرى للغسل ممكن أن نعدها، الخامس مثلاً مثل إسلام الكافر، السادس مثلاً مثل غسل الميت. هذه أنواع أخرى من الأغسال، أو مثلاً مثل غسل الجمعة عند من أوجبه، هذه أنواع أخرى من الأغسال.

ولكن نحن نفرق بين جنسين من الأغسال الواجبة، الأغسال الأربعة الأولى هذه شرط لطهارة الصلاة، فلا يعد المسلم طاهراً تقبل صلاته إلا بعد هذا الغسل من هذه الموجبات الأربع. طيب إسلام الكافر؟ نقول إسلام الكافر على القول بوجوب الغسل، إلا أنه ليس شرطاً لطهارة الصلاة، وإنما هو غسل واجب ولا يراد به رفع الحدث. إذاً نحن نفرق بين نوعين من الأغسال الواجبة، وإن شئتم فقولوا أنها ثلاثة أنواع إذا أردنا أن نضيف الغسل المستحب، فنقول هناك غسل واجب وهو شرط للصلاة يرفع الحدث، وهذا فيه أربع موجبات، أصل الأول غسل الإنزال، الجماع، الحيض، النفاس. هذه أربعة أغسال ترفع الحدث الأكبر وتبيح الصلاة. عندنا أغسال أخرى واجبة عند بعض أهل العلم، مثلاً مثل إسلام الكافر، هذا بعض أهل العلم أوجبه لما جاء في قصة ثمامة بن أثال -نتطرق لها الآن إن شاء الله تعالى- قصة ثمامة بن أثال أنه لما أسلم أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يغتسل، هذا الحديث رواه عبد الرزاق، وأصل قصة إسلام ثمامة بن أثال موجودة في الصحيح، ولكن أمر النبي صلى الله عليه وسلم له أن يغتسل رواه عبد الرزاق. ولا شك أن هذا فيه نوع من التطهر بعد الكفر، فهذا فيه بعض أهل العلم أوجبه، ولا شك أن هذا قول قوي.

كذلك تغسيل الميت، تغسيل الميت فرض كفاية، يجب على المسلمين أن يغسلوا أمواتهم. وقد جاء في حديث أم عطية رضي الله تعالى عنها لما غسلن ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك بماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافوراً أو شيئاً من كافور»، والحديث متفق عليه. فهذا الأمر "اغسلنها" استنبط منه أهل العلم وجوب غسل الميت. وكذلك في حديث المحرم الذي وقصته دابته في الحج، النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اغسلوه بماء وسدر»، والحديث كذلك متفق عليه. وطبعاً هناك بعض الأصناف من الموتى لا يغسلون كالشهيد، الشهيد شهيد المعركة لا يغسل على الصحيح والله تعالى أعلم.

الشاهد أيها الإخوة أن هذه موجبات أو أغسال واجبة، ولكنها ليست شرطاً في استباحة الصلاة. طبعا غسل الميت هذا ظاهر لأنه أصلاً ميت، لا يتصور منه الصلاة أصلاً، وإنما هذا غسل له تهيئة له لدفنه. لكن الكافر يقول: هذا غسل له لأجل دخوله في دين الاسلام وتطهره من أركان الكفر والفسوق والمعاصي.

طيب، عندنا كذلك أغسال مستحبة. من الأغسال المستحبة أن يغتسل مغسل الميت، وقد جاء في حديث أبي هريرة: «من غسل ميتاً فليغتسل»، والصحيح أن هذا الأمر يراد به الاستحباب، والحديث وإن كان فيه كلام إلا أنه قد رواه أحمد وقد حسنه الترمذي رحمه الله تعالى. كذلك من الأغسال المستحبة الغسل إذا أفاق من إغماء، وهذا دل عليه حديث مرض النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمرهم أن يأخذوه إلى الصلاة أُغشي عليه صلوات الله وسلامه عليه، فلما أفاق قال: «ضعوا لي ماء في المخضب».

فاغتسل النبي صلى الله عليه وسلم، ثم لما أراد أن يقوم إلى الصلاة أغمي عليه صلوات الله وسلامه عليه، فلما أفاق قال: ضعوا لي ماء في المخضب. فاغتسل صلوات الله وسلامه عليه، ثم ذهب لينوء أن ينهض بثقل فأغمي عليه صلوات الله وسلامه عليه. وهو في كل ذلك لما يفيق يقول: أصلَى الناس؟ يقولون: لا، هم ينتظرونك. فيغتسل صلوات الله وسلامه عليه، ثم يذهب لينوء ويقوم، ولكن ثقل المرض عن النبي صلى الله عليه وسلم يجعله يغشى عليه ويغمى عليه صلوات الله وسلامه.

هذا الحديث حقيقة حديث مؤثر يبين لنا حرص النبي صلى الله عليه وسلم على صلاة الجماعة. هذا أنا أنصح إخواني من الرجال أقول لهم: انظروا إلى هدي النبي صلى الله عليه وسلم في حرصه على صلاة الجماعة، كيف أثقله المرض صلوات الله وسلامه عليه؟ حتى لدرجة أنه لما يقوم يغشى عليه من شدة وثقل المرض، وهو مما يفيق يقول: أصلَى الناس؟ فيقولون: لا، ينتظرونك، فيذهب لينوء صلوات الله وسلامه عليه ويحرص على صلاة الجماعة ويقوم بثقله ويغشى عليه صلوات الله وسلامه عليه من ثقل المرض. هذا الحقيقة قصة مؤثرة.

انظروا يعني أنا أوصي إخواني من الرجال، كيف أن بعضنا يتهاون في صلاة الجماعة ربما لأدنى شغل أو لأدنى شاغل، أو ربما يتهاون في أداء صلاة جماعة، أين نحن من هدي النبي صلى الله عليه وسلم؟ الذي كان يحرص على صلاة الجماعة وهو يغشى عليه من شدة المرض. الشاهد من هذا الحديث في موطن حديثنا الآن، أنه كان يغتسل بعد إفاقته من الإغماء صلوات الله وسلامه عليه.

كذلك من الأغسال المستحبة ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه، قال: «حق على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام يوما، يغسل فيه رأسه وجسده». والحديث متفق عليه، وأكدوا يوما يغتسل فيه المسلم من هذه الأيام السبعة هو يوم الجمعة لما فيه من صلاة الجمعة. لذلك من قام بغسل الجمعة الصحيح أنه يقوم بهذا الغسل المستحب كذلك. وغسل الجمعة اختلف فيها أهل العلم، بعضهم جعله واجبا، وبعضهم جعله مستحبا.

وقد جاء في حديث سمرة أن الغسل يوم الجمعة أنه: «من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمة، ومن اغتسل فالغسل أفضل». وهذا الحديث وإن كان فيه كلام لأجل مخالفته للحديث المتفق عليه: غسل الجمعة واجب على كل محتلم. فهذان الحديثان المتعارضان أوجدا عند أهل العلم خلافا في غسل الجمعة: هل هو واجب أو مستحب؟ ونحن نقول في واقع الأمر إنه مستحب أو مسنون سنة مؤكدة، سنة مؤكدة؛ فهو في مقام السنن المؤكدة القريبة من الواجبات.

السنن المؤكدة القريبة من الواجبات، وهذا حقيقة هناك بعض رتبة من السنن المؤكدة قريبة من الواجبات مثل غسل الجمعة ومثل الوتر ومثل الأضحية، لذلك وقع الخلاف فيها بين أهل العلم الخلاف القوي: هل هي واجبة؟ أو هي سنة مؤكدة؟ في واقع الأمر هذه الرتبة من الواجبات أو السنن المؤكدة هي في أدنى رتب الوجوب وأعلى رتب السنن المؤكدة، لا ينبغي للمسلم أن يهملها، لا ينبغي للمسلم أن يهملها، سواء غسل جمعة، سواء الأضحية، أو سواء الوتر، لا ينبغي للمسلم أن يهملها. وقد جاء الإمام أحمد مثلا في تارك الوتر أن تاركه رجل سوء، فيعني لا ينبغي للإنسان أن يهمل هذه الرتبة من السنن المؤكدة أو الواجبات التي هي قريبة من الوجوب.

هذه أبرز الأحكام المتعلقة بالغسل، يبقى معنا صفة الغسل لعلنا نذكرها باختصار. الأصل في صفة الغسل ما جاء في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اغتسل يغسل يديه، ثم يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يأخذ الماء فيدخل أصابعه في أصول الشعر، حتى إذا ظن أنه قد أروى رأسه أفاض على رأسه ثلاثا، ثم أفاض على سائر جسده، ثم غسل رجليه. والحديث متفق عليه، ولعلنا إن شاء الله تعالى نتطرق إلى شيء من تفصيله في قادم.

نقف عند هذا القدر، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

يا راغبا في كل علم نافع متطلع لزيادة الإيمان وتريد سهلا نوال ميسرا يأتيك ميسورا بأي مكان زاد زاد الفقه الميسرة عاملا بالشرع دون تعصب لفلان بالعلم كالازهار في البستان