الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما. اللهم هيئ لنا من أمرنا رشدا، وآتنا من لدنك توفيقا وسدادا وصوابا.
إخواني وأخواتي، هذا هو الدرس التاسع عشر من سلسلة دروس الفقه في أكاديمية زاد المباركة. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الأكاديمية، وأن يبارك لنا فيما نقول وفيما نسمع، وأن يجعل هذا العلم من الحجة التي لنا، ولا يكون هذا العلم حجة علينا.
إخواني وأخواتي، نتابع؛ ابتدأنا في كتاب الحيض، وكنا قد تحدثنا في الدرسين السابقين عن جنس من مسائل الحيض، وهي مسائل الحيض المرتبطة بتمييز حال المرأة، أو مسائل الحيض المرتبطة بحقيقة الدم الخارج منها. وذكرنا أن هذا الجنس من المسائل يميز لنا حال المرأة: هل هي حائظ أم مستحاضة؟ هل هي طاهر؟ هل هي نفساء أم ليست كذلك؟ وذكرنا فيه عددا من المسائل، أنه إذا استمر -الأصل فيما يخرج من المرأة أنه دم حيض- وأنها حائض، وأنه إذا توقف هذا الدم أنها طاهر؛ هذا الأصل وهذا غالب النساء ولا يحتاجن إلى غيره.
ثم ذكرنا أنه إذا اتصل هذا الدم، فإن المرأة يحتاج أن تميز هل هو دم حيض أم استحاضة؟ وذكرنا عدة معايير للتفريق بين دم الحيض ودم العرق، وقلنا أول معيار هو التمييز لصفات الدم، ثاني معيار هو العادة، وثالث هذه المعايير إذا لم يكن ثمه تمييز وليس لها عادة -وهذا نادر جدا- أن ترجع إلى عادة غالب النساء.
وذكرنا التمييز في الدم الخارج بعد الولادة، أن ثمه من قال من أهل العلم أن المرأة إذا كانت قد ألقت ما تخلق، غالبا يكون بعد شهرين أو ثلاثة، فانه يعد نفاسا، وما كان قبل ذلك فلا يعد نفاسا. ورجح أن الدم الخارج من المرأة بعد الولادة أنه يكون دم نفاس، فتميز المرأة هذا الدم، إذا كان هذا الدم دما أسود وثخينا، فانه يكون دم نفاس، وانه لا مانع أن يكون دم نفاس ما دامت فيه صفات دم الحيض والنفاس.
وذكرنا كذلك المبتدأة، وأن من ابتداها الدم فإنها تجلس ولا تصوم ولا تصلي حتى ينقطع عنها الدم. وأما قول بعض الفقهاء بأنها لا تجلس إلا إذا تكرر الدم معها ثلاث مرات حتى يثبت لها عادة، أن هذا قول ضعيف؛ لقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: 222]. هذه أبرز المسائل التي ذكرناها فيما يتعلق بتمييز حال المرأة.
نريد أن ننتقل اليوم إلى جنس آخر من المسائل، وهو ما أحكام كل حالة من هذه الأحوال؟ إذا قلنا إن المرأة حكمنا لها بأنها حائض، فما الأحكام الشرعية المترتبة على ذلك؟ إذا حكمنا للمرأة بأنها نفاس، فما الأحكام الشرعية المترتبة على ذلك؟ إذا حكمنا للمرأة بأنها مستحاضة، فما الأحكام الشرعية المترتبة على ذلك؟ وهكذا، هذا هو حديثنا إن شاء الله تعالى في هذا اليوم.
فنقول، باذن الله تعالى مستعينين بالله، قد ذكرنا في الدرس الأول أن الدماء التي تخرج من المرأة من حيث الطبيعة ومن حيث صفة هذه الدماء، من حيث طبيعتها، فإنها على نوعين: النوع الأول هو الدم الذي يكون بسبب غشاء الرحم الذي يخرج وتخرج معه هذه الخلايا الميتة، وهذا الدم هو دم الحيض والنفاس. هذا الدم يمكن أن نقول إنه دم طبيعة وجبلة، هذا الدم من صفته أنه أسود وله رائحة.
هل هناك فرق في الأحكام الشرعية للحائض والنفساء؟ نقول: لا، الحائض والنفساء أحكامهما الشرعية المترتبة عليهما أحكام واحدة، وما قلنا يحرم على الحائض معناه أنه يحرم على النفاس، وما قلنا إنه يباح للحائض فمعنى ذلك أنه يباح للنفساء. إذاً، هذا الدم حكمه واحد.
ما الفرق بين الحيض والنفاس؟ قلنا في الحقيقة في واقع الامر، أنه في الطبيعة وفي الحكم الشرعي لا يوجد فروق، وإنما الفروق فقط في وقت الخروج. هل الخارج هذا -إذا كان الخارج معتادا شهريا ولم يخرج بعد حمل- فهذا حيض، وإذا كان خرج بعد حمل فانه دم نفاس. هذا بس اللهم في الاصطلاح فقط، وإلا بل حتى هذا الاصطلاح قد يقول إنسان إنه سمي الحيض نفاسا، وهذا صحيح؛ جاء في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أنها لما حاضت بسرف في حجة الوداع قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَنَفِسْتِ؟». فمعنى ذلك أنه سمى دم الحيض سماه نفاسا. وفي الواقع هذا لا يوجد فرق بينهما إلا في الاسم، وأما في الطبيعة فهما واحد، طبيعتهما واحدة، منشؤهما واحد، والحكم كذلك، حكمهما في الشرع واحد، حتى الحكم الشرعي يتناسب مع طبيعتهما وأن طبيعتهما واحدة، اللهم إن الناس سموا هذا حيضا وسموا هذا نفاسا، وإلا ذكرنا حتى في الحديث النبوي، النبي صلى الله عليه وسلم قال لهذه المرأة التي قال لعائשה لما حاضت بسرف، قال لها: «أنفست؟»، لم يكن هذا بعد ولادة، وإنما كان هذا الحيض المعتاد سماه الرسول نفاسا، اللهم هذا في الاصطلاح العرفي عند الناس. الاصطلاح الفقهي يقولون: هذا دم حيض وهذا دم نفاس.
سوف أؤكد حقيقه على مسألة كنا قد ذكرناها في مسائل التمييز، لما أعيد هنا؛ بعض الناس يقول: إن ما يسيل من رحم المرأة وإن كان أسود ثخينا بعد الولادة إذا ألقت ما لم يتخلق، يقول: وإن كان هو أسود لكن ليس نفاسا. نقول: في واقع الأمر هو نفاس، وإن لم تسموه نفاسا فهو حيض. نقول: رجعت إليها دورتها، وبغض النظر هل هو حيض أم نفاس، ما دام دما أسود ثخينا يعرف وألقته المرأة بعد ولادة، فهي تجلس ولا تصوم ولا تصلي. والذي يظهر لي والله تعالى أعلم، أنه دم مانع من الصلاة، سواء قيل إن حيضتها رجعت إليها، أو قيل إنه نفاس أنها نفساء، ما دام هذا الدم الأذى بهذا الوصف خرج فهو دم حيض أو نفاس. والاقرب عندنا الذي يظهر والله تعالى أعلم أنه دم نفاس، إذا اردنا أن نفرق بين دم الحيض والنفاس في الوقت فنقول: ما دام أنه بعد الولادة فهو دم نفاس؛ لأنه غالبا كما ذكرنا أنه يكون أطول من مدة الحيض وأقل من مدة الأربعين، فهو نفاس ولكنه نفاس قصير؛ لأنه جاء في بدايات الحمل.
هذا النوع الأول قلنا في الأحكام الشرعية، في الأحكام الشرعية حكمهما واحد؛ لأن سوف نستعرض هذه الأحكام الشرعية الآن. ما يتعلق بدم العرق، قلنا إن هناك بعض الفقهاء يقول: إن دم العرق إذا اتصل بالحيض، بأن كان مثلا في أول حيض وفي نهايته كان متصلا به، فانه يسمى دم استحاضة، وإن لم يتصل بالحيض فانه يسمى دم فساد. نقول: هذا خلاف في الاسم فقط، في الاصطلاح سمي، يعني سواء سميناه دم استحاضة أو سميناه دم فساد، هو في النهاية دم عرق وليس بدم حيض، ومن خرج منها هذا الدم تسمى مستحاضة، وذكرنا معايير تمييز هذا الدم وتفريقه عن دم الحيض.
الان إذا حكمنا للمرأة بأنها مستحاضة، سواء كان دم استحاضة أو دم فساد، هذا فقط خلاف في الاسم، ولكن حكمهما واحد: أولا، طبيعة الدم واحدة؛ ثانيا، الأحكام الشرعية المرتبطه بهذا الدم واحدة. واضح، إذا لا نفرق بين نقول والله دم الاستحاضة يختلف عن دم الفساد، هذه تصلي وهذه لا تصلي، لا، لا نفرق، نقول إن المستحاضة أو من نزل بها دم فساد أن حكمها واحد، والغالب على أهل العلم أن يسمونها مستحاضة، ولكن بعض أهل العلم عنده التفريق بين دم الفساد ودم الاستحاضة، وإن كان الغالب في لفظهم واصطلاحهم أن يسمونها.
مستحاضة، إذا من حيث الأحكام الشرعية للمرأة، نقول إن ثمة أحكاماً شرعية للحائض والنفساء من جهة، وأحكاماً شرعية للمستحاضة من جهة، سواء كان دم استحاضة أو فساد. وهناك صنف ثالث وهي أحكام الطاهر، التي ليس بها استحاضة وليس بها دم حيض ولا نفاس. ما هي أحكام الطاهر؟ أن تصوم وتصلي الأحكام المعتادة للمسلمة.
إذاً، نحن نحتاج الآن فقط إلى إزالة أحكام الحائض والنفساء وأحكام المستحاضة، وأما الطاهر فهي حكمها حكم النساء. طيب، إذاً، ما هي أحكام الحائض والنفساء؟ نقول إن الحائض والنفساء يترتب عليهما عدد من الأحكام، فمتى حكمنا للمرأة بأنها حائض أو نفساء؟ أولاً، فإنها تجلس ولا تصلي ولا تصوم، تجلس ولا تصلي ولا تصوم حال حيضها ونفاسها.
وقد جاء هذا في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قصة فاطمة بنت أبي حبيش: «فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة». وجاء في حديث آخر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي سعيد: «أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟». وهذا من الأمور المتفق عليها بين أهل الإسلام، المجمع عليها بين أهل الإسلام، أن الحائض لا تصوم ولا تصلي حال حيضها ونفاسها. بل نقول إنه يحرم عليها الصلاة في حال الحيض وفي حال النفاس.
الآن، يعني ليس تركها للصلاة أو الصوم هو من باب الرخصة لها، وإنما هو عزيمة عليها ألا تصوم وألا تصلي. ما الفرق بين قولنا رخصة أو عزيمة؟ نحن نضرب لذلك مثلاً المسافر في الصوم، نقول: يباح له أن يترك الصوم، وهذه الإباحة في حقه رخصة، فلو صام لصح منه. المسافر إذا صام صح منه، المريض يباح له ترك الصوم ولو صام لصح منه، لماذا؟ لأن تركه للصوم رخصة.
طيب، الحائض والنفساء إذا صامتا هل يصح منهما؟ نقول: لا، لا يصح منهما، الحائض والنفساء لا يصح منها، يحرم عليها الصوم والصلاة. إذا عرفنا الفرق بين ترك الحائض للصوم وبين ترك المسافر أو المريض للصوم، الفرق بينهما أن نقول إن ترك الحائض للصوم عزيمة عليها، يعني يحرم عليها أصلاً أنها تصوم وأن تصلي، يحرم عليها الصوم. أما المريض والمسافر فنقول إنه يباح له ترك الصوم ولكن لو صام صح منه. إذاً، هذا فرق مهم بين ترك الحائض للصوم وبين ترك المسافر للصوم.
إذاً، الحكم الأول من أحكام الحائض والنفساء أن نقول إنه أنها لا تصوم ولا تصلي، وانه يحرم عليها أن تصوم وأن تصلي في حال نفاسها. لماذا قلنا في حال نفاسها أو في حال حيضها؟ لاننا سوف نذكر ما تقضيه وما لا تقضيه بعد طهرها إن شاء الله تعالى، ولكن بعد هذا الفاصل.
مجموعة زاد تقدم لكم نخبة مميزة من إصداراتها: كتاب «كيف عاملهم صلى الله عليه وسلم» للشيخ محمد صالح المنجد، أعظم نصيحة لإصلاح البيوت، أدرك أهلك قبل أن يحترقوا، المجمعات التجارية آداب وأحكام، زاد الحج، زاد الصائم، طوبى للشام، كيف تقرا كتاباً، معاني الأذكار، اترك أثراً قبل الرحيل، وكتاب بدعة إعادة فهم النص. لمزيد من المعلومات يرجى زيارة المواقع التالية.
نعود إليكم بعد هذا الفاصل. وكنا قد ذكرنا الأحكام الشرعية المرتبطة أو المتعلقة بالحيض والنفاس، وذكرنا أن أول حكم من هذه الأحكام هو أنها لا تصوم ولا تصلي، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي سعيد: «أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟». فتجلس المرأة في حال حيضها ولا تصوم ولا تصلي في حال حيضها ونفاسها.
طيب، بعد طهرها من الحيض أو النفاس، فانه يجب على المرأة قضاء الصوم ولا تقضي الصلاة. وقد سألت امرأة عائشة رضي الله تعالى عنها فقالت: يا أم المؤمنين، لما تؤمر المرأة بقضاء أو لما نقضي الصوم ولا نقضي الصلاة؟ فقالت لها عائشة: حرورية أنتِ؟ أي أنتِ من الخوارج؟ فقالت: لا ولكني أسأل. فقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: «كنا نؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة».
إذاً، المرأة تؤمر بقضاء الصوم ولا تؤمر بقضاء ولا تؤمر بقضاء الصلاة، وهذا راجع والله تعالى أعلم، قد يكون من حكمة هذا، وإن كان حقيقة الأولى أن نجيب باجابة عائشة رضي الله تعالى عنها فنقول: ان المرأة كانت تؤمر في عهد النبي صلى الله عليه وسلم بقضاء الصوم ولا تؤمر بقضاء الصلاة، هذه الإجابة الشافية الوافية.
ولكن إذا أراد الإنسان البحث عن حكمة لهذا الحكم المتفق عليه، فنقول: هذا راجع والله تعالى أعلم ربما إلى تكرر الصلاة تكرراً كثيراً. فالمرأة مثلاً إذا حاضت ستة أيام أو سبعة، فإنها لو أمرت بالقضاء لقضت ثلاثين أو خمس وثلاثين صلاة. ولكن وهذا يتكرر شهرياً، وهذا مما يشق عادةً، لذلك خفف الله سبحانه وتعالى على الحائض فلم يأمرها بقضاء فلم يأمرها بقضاء الصلاة حال طهرها.
وأما الصوم فانه يكون مرة في السنة، تقضي ستة أيام أو سبعة الفترة التي حاضت فتقضي بعد طهرها، بل حتى لو قضت الشهر كاملاً فعندها أحد عشر شهراً طويلة تقضي فيها هذا الصوم، لان أحياناً بعض النساء ربما وضعت في أول يوم من شهر رمضان فتنفس شهر رمضان كامل، فهذه تقضي بعد طهرها إن شاء الله تعالى، تقضي شهراً كاملاً، وهذا الأمر يسير بخلاف ما لو أمرت كل شهر بأن تقضي ثلاثين أو خمس وثلاثين صلاة، فخفف الله سبحانه وتعالى على النساء، خفف الله سبحانه وتعالى عليهن أمر الصلاة ولم يأمرن بقضاء الصلاة وإنما أمرن بقضاء الصوم.
إذاً، هناك نقول ان الحائض والنفساء تترك الصلاة والصوم حال حيضها ونفاسها، وهذا الترك ينبغي أن ننبه فيه إلى أمرين. الأول: هناك فرق بين ترك الحائض والنفساء للصوم وبين ترك المسافر والمريض للصوم، ونبهنا إلى هذا الفرق. التنبيه الثاني: أن نقول هناك فرق بين ترك الحائض والنفساء للصوم وتركه للصلاة، فالصوم يقضى والصلاة لا تقضى.
طيب، ننتقل بعد ذلك إلى الحكم الثالث وهو الطواف. فقد جاء في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها لما حاضت بسرف وقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَنفستي؟». ثم قال لها: «افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري، غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري». فدلنا هذا الحديث على أن الحائض والنفساء يجوز لها أن تقف بعرفه، ويجوز لها أن تبيت بمزدلفه، ويجوز لها أن تبيت بمنا، ويجوز لها رمي الجمار في أيام التشريق، هذه الأحكام كلها جائزة للمرأة، ويجوز لها كذلك السعي.
طيب، النبي صلى الله عليه وسلم قال: «افعلي ما يفعل الحاج»، والحاجة تفعل هذه الأمور كلها، «غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري». إذاً، الذي تمنع منه المرأة هو الطواف بالبيت، الذي تمنع منه المرأة الحائض والنفساء هو الطواف بالبيت فقط، وهذا الأصل. لذلك نحن نقول إنه يحرم على الحائض والنفساء الطواف بالبيت لنهي النبي صلى الله عليه وسلم، لقوله: «افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري».
وقد اختلف أهل العلم -اتفق أهل العلم عذراً- اتفق أهل العلم على تحريم طواف الحائض والنفساء، لكن اختلفوا، اختلف أهل العلم: هل هذا التحريم راجع إلى كون الطهارة من الحيض والنفاس هل الطهارة من الحيض والنفاس شرط في الطواف، أم أن هذا النهي والتحريم راجع لكون الحائض والنفساء ممنوعتان من دخول المسجد؟ واضح؟ فلا يجوز لهما أن يدخلا المسجد الحرام.
إذاً، نحن نقول: اتفق العلماء على تحريم طواف الحائض والنفساء لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة: «لا تطوفي بالبيت حتى تطهري». واختلفوا في سبب هذا التحريم: فبعض أهل العلم قال إن سبب التحريم أن الحائض والنفساء ممنوعتان من دخول المسجد، ممنوعتان من دخول المسجد، وإلا فلو كان لو تصورنا طوافاً مثلاً، لو تصور مع أن الطواف بالبيت الحرام لا يكون إلا في المسجد الحرام، لكن لو تصورنا طوافاً في خارج المسجد الحرام فإنه ليس ليست ممنوعتان من الطواف لأجل الطواف، بمعنى أنه الطهارة من الحيض والنفاس ليست شرطاً في الطواف، وإنما لكونها تدخل المسجد هو محرم عليها دخول المسجد لأجل أن الطواف في المسجد. فيقولون إن الحائض والنفساء -هؤلاء الذين قالوا بهذا القول يقولون إن الحائض والنفساء إذا ارتكبت النهي بدخول المسجد وهي حائض أو
نفساء وطافت بالبيت؛ فإن طوافها صحيح، وإن كانت هي بدخول المسجد، بدخول المسجد حائضا ونفساء؟ واضح.
القول الثاني يقولون: لا؛ إن الطهارة من الحيض والنفاس شرط في الطواف، فلو دخلت الحائض إلى المسجد الحرام وطافت لكانت قد ارتكبت نهيين؛ النهي الأول: أنها دخلت المسجد الحرام وهي حائضا ونفساء، والنهي الثاني: أنها طافت وهي حائضا ونفساء، وهذا محرم عليها ولا يصح طوافها.
إذا عرفنا خلاف أهل العلم في منشأ تحريم طواف الحائض، هل رجوعه إلى أن الطهارة من الحيض والنفاس شرط، أم رجوعه إلى أنها ممنوعة من دخول المسجد؟ في واقع الأمر المرأة المسلمة يحرم عليها ولا يجوز لها أنها تطوف بالبيت الحرام وهي حائض.
متى نحتاج هذه المسألة؟ في واقع الأمر متى نحتاج إلى هذا الخلاف؟ أحيانا ربما تأتي امرأة من أقاصي الأرض من مكان بعيد، وتكون مثلا عندها حملة حج، وتأتية مثلا مع هذه الحملة، ولا يمكنها أن تفارق هذه الحملة، أو تكون هذه الحملة مثلا تأتي إلى مكة في، نفترض مثلا في أول ذي الحجة، وموعد سفر الحملة مثلا في الرابع عشر من ذي الحجة، وسوف ترجع المرأة هذه إلى أقاصي الأرض، أما إلى أقاصيها شرقا أو أقاصيها غربا.
هذه المرأة المشاركة في هذه الحملة ربما ياتيها الحيض قبل يوم عرفة مثلا، ويستمر معها مثلا إلى اليوم الخامس عشر، إلى يوم سفرها، أو يستمر معها إلى بعد سفرها، فالآن هذه المرأة تقع في إشكال عظيم، ما هو هذا الاشكال؟
الإشكال أنها سوف تذهب إلى عرفة، هنا لا يوجد إشكال؛ سوف تذهب إلى مزدلفة، لا يوجد إشكال؛ مبيت من رمي الجمار، لا يوجد إشكال؛ السعي، لا يوجد فيه إشكال. الإشكال هو في طواف الإفاضة.
الان لا يمكنها أن تتخلف عن حملتها، اما لظروف مثلا تأشيرتها أو إقامتها، وأنه لا يوجد لها حل آخر، ولا تستطيع الرجوع إلى بلدها إلا مع حملتها لأي سبب من الأسباب؛ لا يمكنها أنها ترجع، طيب، وإذا رجعت قد لا يمكنها أنها تأتي مرة أخرى، لذلك مثلا لو حاضت امرأة من جدة لقلنا مثلا أو من الرياض، لقلنا: ارجعي إلى بلدك ولا ترتكبي النهي، فإذا طهرت فارجعي إلى مكة فطوفي طواف الإفاضة ثم ارجعي مرة ثانية إلى بلدك.
لكن يعني يزداد الإشكال في أحوال النساء اللاتي يأتين بتأشيرات من خارج المملكة، وهذه التأشيرات تنتهي، وقد لا يتيسر لهن الرجوع إلى المملكة مرة أخرى، فهنا نحن نقول: أما إذا قلنا بأن الطهارة من الحيض والنفاس شرط في صحة الطواف، وانه لا يصح لها طواف أبدا ما دامت حائضا ونفساء، وإذا كان لا يمكنها إلا الرجوع لبلدها وهي حائض، ولا يمكنها أن تقدم طواف الإفاضة قبل الانصراف من عرفة ومزدلفة، لا يمكنها أن تقدم في اليوم التاسع أو يوم الثامن، لا يمكن أن تقدم، هذا لا يقبل منها طواف إفاضة حتى تفيض من عرفة.
ما الذي يحكم به القائلون بهذا القول؟ يقولون انها الآن إما محصر، وإما أنها تبقى محرمة، فهي ترجع ولم تتم حجها، ولكن أصحاب القول الثاني يقولون: لأجل هذا الظرف، لأجل هذه الضرورة، فانه يباح للمراه أن تدخل إلى المسجد الحرام وإن كانت حائضا ونفساء، إذا استثفرت بحيث لم يخرج منها دم ولم تنجس المسجد، فتستقفر وتتلجم، ثم تدخل المسجد وتطوف، ويصح طوافها للإفاضة حينئذ، وارتكابها للنهي معفو عنه لأجل الضرورة، معفو عنه لأجل الضرورة؛ اللي هو ارتكابها للنهي في دخول المسجد.
والذي يظهر والله تعالى أعلم أن طواف الحائض إنما حرم لأجل منعها من دخول المسجد الحرام، وأنها لو طافت وهي حائض لصح طوافها في هذه الحالة إذا كان ثمه ضرورة استدعت دخولها إلى المسجد الحرام لإتمام حجها، وخصوصا إذا كان هذا الحج فريضة، وإن لم يكن فريضة كذلك نفس الحكم، لأنها الآن لا يمكننا أن نقول بانها تبقى محرمة طوال عمرها وهي لا يمكن أن ترجع إلى البيت، ولا يمكننا كذلك أن نقول بأنها محصر وترجع البيت دون إتمام حجها، كلا هذين القولين حقيقة فيه إشكال.
والذي يظهر والله تعالى أعلم أن نقول: إن هذه المرأة أن النهي عن طواف الحائض إنما كان لأجل دخولها إلى المسجد الحرام، فإذا دخلت إلى المسجد الحرام وارتكبت هذا النهي فإن هذا لا يؤثر على صحة طوافها إذا كان ارتكابها لهذا النهي عن ضرورة مثل الحال التي وصفناها.
فالخلاصة أن نقول: إن طواف الحائض بالبيت الحرام محرم، وتحريمه لأجل دخولها إلى المسجد وهي حائض، وليس التحريم راجعا لكون الطهارة من الحيض والنفاس شرطا في صحة الطواف والله تعالى أعلم، وهذا يعني قد اختاره بعض أهل العلم، وهو مذهب معروف ومشهور، وهو يعني أقرب إلى النصوص الشرعية وأقرب من هذه الاقوال التي تجعل المرأة محصرة في مثل هذه الحالة أو تجعلها محرمة طوال عمرها.
طيب، نريد أن ننتقل بعد ذلك إلى حكم قريب منه، وهو أن دخول المسجد للحائض والنفساء لا يجوز لهما شرعا ويحرم عليهما اللبث فيه، والنبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يرجِّل أي يمشط شعره صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد أدنى امرأته أدنى رأسه إلى عائشة وهي في حجرتها فكانت ترجله صلى الله عليه وسلم وهي حائض، ويحرم عليها كذلك المرور في المسجد المرور في المسجد إذا خافت تلويثه، واما إذا كانت مستذفرة فلا مانع من المرور السريع، ولكن يحرم عليها الدخول والمكث واللبث فيه، بل إن أبلغ من هذا: ليس المسجد فقط، وإنما حتى مصلى العيد.
مصلى العيد وهو المكان الذي في الصحراء أو في المكان المكشوف الذي يصلي فيه الناس صلاة العيد، صلاة العيد من السنة أن تصلى في المصليات وأن لا تصلى في المساجد، النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج إلى العيد يخرج للعيد في المصلى، فقد جاء في حديث أم عطية رضي الله تعالى عنها قالت: «ويعتزل الحيض المصلى» ولكن وإن كن يخرجن لصلاة العيد لكن يعتزلن المصلى فيبتعد عن المصلى.
وما الحكمة في خروجهن حينئذ إذا كنا يعتزلن المصلى؟ انهن يشهدن الخير ودعوة المسلمين، وإن كن لا يصلين صلاة العيد لكن يشهدن الخير ودعوة المسلمين، فهن يخرجن إلى المصلى الحيض والنفساء يخرجن إلى المصلى ويعتزلن المصلى، يعتزلن المصلى ولا يصلين، ولكن الحكمة في خروجهن أنهن يشهدن الخير ودعوة المسلمين.
إذا هذا يدلنا على أن دخول الحائض ومكثها في المسجد بل في المصلى، المصلى لا يعد يعني بناء مسجد وإنما هو صحراء، فنقول أن مكثها ولبثها في المسجد بل في المصلى ممنوعة منه شرعا وتعتزل المصلى وتعتزل المسجد.
نتابع معكم الأحكام الشرعية المتعلقة بالحائض والنفساء، ولكن بعد هذا الفاصل القصير.
نعود اليكم بعد هذا الفاصل ونتابع معا الأحكام الشرعية المتعلقة بالحائض والنفساء، قلنا إنها لا تصوم ولا تصلي، وذكرنا أنها تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة، وأنه يحرم عليها الصلاة والصوم حال حيضها ونفاسها.
طيب، وذكرنا كذلك أنه يحرم على الحائض أن تطوف بالبيت الحرام، وأن هذا النهي راجع إلى منعها من اللبث في المسجد والمكث فيه، فلو اضطرت المرأة إلى هذا الطواف في بعض الأحوال فلا مانع والله تعالى أعلم أن تطوف ويصح طوافها وهي حائض.
الأمر الخامس أو الحكم الخامس: تحريم لبثها في المسجد والمكث فيه، بل ذكرنا أنه يحرم مكثها في المصلى؛ مصلى العيد، وإنما تشهد الخير ودعوة المسلمين دون أن تصلي ودون أن تمكث في المصلى بل تعتزل المصلى.
ومن الأحكام كذلك أنه لا يجوز للحائض والنفساء مس القرآن، فقد جاء
في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يمس القرآن إلا طاهر» رواه مالك، وهذا الحديث صححه الألباني رحمه الله تعالى.
وهل يجوز للحائض والنفساء أن تقرأ القرآن دون أن تمسه؟ مثلا بأن يكون مفتوحا على طاولة أمامها فتقرأ فيه دون أن تمس القرآن أو صفحاته، أو تقرأ غيبا حفظا، أو مثلا أو ربما قلبته بشيء معها أو أمرت أحدا بتقليبه لها أو قلبته بحائل، فهل يجوز لها أن تقرأ القرآن؟ الصحيح والله تعالى أعلم أنه يجوز للحائض والنفساء قراءة القرآن، بخلاف الجنب فإنه لا يجوز لمراة الجنب أو الرجل الجنب لا يجوز لهم قراءة القرآن، والحائض والنفساء يختلفان عن الجنابة، فنقول أولا: إن الحائض والنفساء لم يدل دليل على منعهما من قراءة القرآن بخلاف الجنابة.
الأمر الثاني: أن الحائض والنفساء دمهما دم طبيعة وجبلة ولا يمكنهما رفعه، بخلاف الجنابة فإن المرأة والرجل إذا أجنب نقول له اغتسل فترتفع عنك الجنابة، فبامكانك أن ترفع هذه الجنابة وتعود إلى ذكر الله وإلى قراءة القرآن، وأما الحائض والنفساء فليس أمامهن شيء يرفعن به الحيض والنفاس.
الأمر الثالث: أنه أحيانا تدعو الحاجة لقراءته للقران، فإذا انضم هذا إلى كونهن لا يستطعن أن يرفعن هذه الدورة والعادة، قوى هذا باذن الله تعالى، قوى القول بانها تقرا القرآن، مثل الطالبة أو المعلمة التي تدرس القرآن، الطالبة التي تخشى نسيان القرآن، حافظة القرآن التي تخشى نسيانه لو تركت القرآن سبعة أيام أو أربعين يوما، فنقول إن لها أن تقرا القرآن والله تعالى أعلم.
إذا أيها الإخوة والأخوات نقول إنه يحرم على الحائض والنفساء مس القرآن، هل يجوز القراءة؟ نقول نعم، الصحيح والله تعالى أعلم أنه يجوز لهن قراءة القرآن، وأنهن يختلفن عن الجنب في قراءة القرآن، فإن قراءة القرآن للجنب لا يجوز، ويمكنهم أن يرفعوا الجنابة بالغسل.
نعود إلى الأحكام المتعلقة بالحائض والنفساء، كذلك من الأحكام المتعلقة بالحائض والنفساء أنه يحرم وطؤها في الفرج، وقد قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: 222]. إذا هذه الآية تدل على أنه يحرم جماع الحائض، ويباح ما دون الجماع من المباشرة فيما دون الفرج، يباح للرجل أن يباشر امرأته إذا كانت متزرة أو وضعت شيئا يغطي فرجها، فانه يجوز له حينئذ أن يباشرها فيما دون الفرج، لكن لا يجوز للرجل جماع امرأته وهي حائض، الله سبحانه وتعالى قد أمر باعتزال النساء في المحيض، وقد جاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما روي مرفوعا والصحيح والله تعالى أنه موقوف أن من جامع امرأته وهي حائض فإن عليه كفارة وهي أن يتصدق بدينار أو نصفه.
كذلك مما يحرم حال الحيض الطلاق، فقد قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1]. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن عمر لما طلاق امرأته وهي حائض: «مره فليراجعها، ثم ليطلقها طاهرا أو حاملا». هذا الحديث يدلنا على تحريم الطلاق، ويدلنا كذلك على تحريم الوطء في الفرج.
نريد أن نتطرق لمسألة وهي قضية كيف تقضي الحائض الصلاة؟ نفترض أن امرأة حاضت مثلا، نفترض أن وقت الظهر يدخل في الساعة الثانية عشرة تماما، فامرأة حاضت في الساعة الثانية ونصف وهي لم تصل الظهر بعد، فهل إذا طهرت يجب عليها قضاء صلاة الظهر هذه لأنها أدركتها نصف ساعة وهي طاهر؟ الذي يظهر والله تعالى أعلم أنه يجب عليها قضاء هذه الصلاة.
طيب لو أن امرأة مثلا يدخل وقت العصر مثلا الساعة الثالثة، طهرت من الحيض الساعة الثانية والنصف، الساعة الثانية والنصف ظهرا، فهل تصلي الظهر؟ نعم تصلي الظهر، ولو أنها لم تري أنها طهرت مثلا مع الأذان اكتشفت أنها طاهر نقول انها تصلي الظهر ما دام أنها طهرت قبل ما دام أنها طهرت قبل وقت العصر.
هذه المسألة الأولى، هنا مسألة ثانية وهي لو أن المرأة التي ذكرنا وصفها قبل قليل أنها حاضت الساعة الثانية عشرة والنصف، وقت الظهر يدخل في الساعة الثانية عشرة، ذكرنا أنه تجب يجب عليها قضاء صلاة الظهر، طيب هل يجب عليها أن تقضي صلاة العصر المقترنة مع الظهر؟ هناك من أهل العلم وهو فتيا جماعة من الصحابة أن الحائض تصلي الظهر والعصر في هذه الحالة، لماذا؟ لأن الظهر والعصر عند الأعذار يكون وقتهما وقتا واحدا، أعيد الدليل، الظهر والعصر في حال الأعذار يكون وقتهما وقتا واحدا، فتصلي الظهر والعصر.
طيب لو أن امرأة طهرت قبل المغرب قبل غروب الشمس بنصف ساعة ذكرنا أنها تصلي العصر وهذا لا اشكال فيه، طيب هل تصلي الظهر والعصر؟ لاحظوا أن وقت الظهر دخل وانتهى وهي حائض ولم تطهر إلا قبل العصر فقط بنصف ساعة، عذرا لم تطهر إلا قبل غروب الشمس بنصف ساعة، فوجوب صلاة العصر هذا ما في إشكال، لكن هل يجب عليها الظهر والعصر؟ فتيا جماعة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم اجمعين أنها تقضي أنها تصلي الظهر والعصر، لماذا؟ لأن الظهر والعصر في حال الأعذار يكون وقتهما وقتا واحدا، أليس المسافر مثلا يجمع الصلاتين فيكون في حال العذر أو في حال المطر أو غير ذلك يكون وقت الصلاتين وقتا واحدا؟ فكذلك الحيض والنفاس عذر فيجعل وقت الصلاتين وقتا واحدا، فلذلك إذا أدركت من وقت العصر نصف ساعة مثلا أو ربع ساعة مثلا، فانه يجب عليها أن تصلي الظهر والعصر في هذا الوقت.
أرجو أن هذا واضح، وهذا فتيا جماعة من الصحابة، وهذا هو القول حقيقة الصحيح والصواب والله تعالى أعلم أن المرأة الحائض في حقها يعني في حال وجوب طبعا الصلوات وقت الحيض والنفاس هذه طبعا لا الصلوات لا تصليها ولا تقضيها هذا ما في إشكال، لكن نحن نقول تقضي هذه الصلاة، لو قال قائل يا اخي لما أمرتها بقضاء صلاة الظهر وهي ودخل وقت الظهر وانتهى وقت الظهر وهي حائض كأنك أوجبت عليها قضاء صلاة وهي حائض؟ نقول لا، لم نوجب عليها لأن نخالف كأن خرج وقت الظهر، نقول أنه في حال العذر ما يخرج وقت الظهر إلا بنهاية وقت العصر، في حال العذر لم يخرج وقت الظهر إلا بنهاية وقت العصر، لماذا؟ لأن الصلاتين في حال العذر الظهر والعصر يكون وقتهما وقتا واحدا، عرفتم منزع هذا الدليل؟ نعم.
طيب نريد أن ننتقل بعد ذلك مسألة لو حاضت امرأة في يوم صومها نقول تقضي هذا اليوم، لو طهرت امرأة أثناء الصوم نقول تقضي هذا اليوم لأنها أدركت بعض هذا اليوم طاهر.
نريد أن ننتقل بعد ذلك إلى حكم المستحاضة التي يستمر بها الدم، نقول إن حكم المستحاضة حكم المرأة الطاهر، معنى هذا أنها تصوم وتصلي ويحل جماعها ويحل طلاقها، ويجوز لها مس المصحف وقراءة القرآن، ويجوز لها الطواف بالبيت الحرام ودخول المسجد والمكث فيه واللبث، كلها مثل الطاهر تماما، فمتى خلاف عند بعض أهل العلم هل يجب على المستحاضة الوضوء لكل صلاة؟ فبعض أهل العلم أوجب على المستحاضة الوضوء لكل صلاة باعتبار أن حدثها حدث دائم، ومن كان حدثه حدثا دائما كصاحب سلس البول فانه يجب عليه الوضوء لكل صلاة، إذا بعض أهل العلم قال بوجوب وضوء المستحاضة لكل صلاة بناء على هاتين المسألتين: الأول أنهم قالوا أن هذا حدث دائم، ثانيا أن الحدث الدائم يجب على صاحبه الوضوء لكل صلاة.
وبعض أهل العلم قال إن المستحاضة لا يجب عليها الوضوء لكل صلاة، وهذا في الحقيقة هو القول الظاهر والراجح والله تعالى أعلم، أما لأن الاستحاضة لا تعد حدثا، وأما لأن من كان حدثه دائم لا يجب يجب عليه أن يتوضأ لكل صلاة لأن الوضوء لا يرفع حدثه، فحدثه مستمر ولا يستفيد بوضوئه شيئا، وهذا قول لبعض أهل العلم، وهذا القول القول بأن المستحاضة لا يحتاج أن تتوضأ كل صلاة، هذا القول هو القول الصواب والله تعالى أعلم، وقد جاء في حديث فاطمة بنت أبي حبيش الذي روته عائشه رضي الله تعالى عنها.
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «وإذا أدبرت الحيضة فاغسلي الدم وصلي». ولم يأمرها النبي صلى الله عليه وسلم بالوضوء لكل صلاة. وجاء في بعض ألفاظ هذا الحديث: «وتوضئي لكل صلاة». إلا أن هذا اللفظ لفظ شاذ ضعيف، انفرد به بعض الرواة خطأً، ولم يثبت في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها في قصة فاطمة بنت أبي حبيش. إذاً، نقول إن حديث عائشة رضي الله تعالى عنها هذا، رواه عنها عروة، ورواه عن عروة هشام بن عروه. وقد رواه عن هشام جمع كثير، كلهم رووه بهذا اللفظ: «اغسلي عنك الدم وصلي». فكون شخص من الرواة ينفرد بقول: «توضئي لكل صلاة»، هذا يدل على خطئه، وأن هذا اللفظ لفظ شاذ وغير محفوظ.
كذلك جاء في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها في قصة أم حبيبة بنت جحش رضي الله تعالى عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرها -وكانت قد استُحاضت سبع سنين- أمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تغتسل وتصلي، أي تغتسل إذا انتهى الحيض إذا أدبرت الحيضة ثم تصلي، ولم يأمرها النبي صلى الله عليه وسلم بالوضوء لكل صلاة. وكذلك ما حصل من خطأ عن هشام بن عروة، حصل في هذا الحديث في بعض الرواة عن الزهري عن عروة بن الزبير رضي الله تعالى عنه عن عائشة؛ أخطأ بعض الرواة عن الزهري فأضافوا: «توضئي لكل صلاة». ولكن الحفاظ والثقات من رواة الزهري لم يرووا هذه اللفظة: «توضئي لكل صلاة». لذلك، «توضئي لكل صلاة» -سواء جاءت في حديث هشام بن عروه عن عروة عن عائشة، أو جاءت في حديث الزهري عن عروة عن عائشة- هذه الزيادة «توضئي لكل صلاة» زيادة غير محفوظة وزيادة شاذة.
ويقول أهل العلم إن ترك البيان وقت الحاجة يدل على أنه غير مطلوب، لأن ترك البيان وقت الحاجة لا يجوز. ولا شك أن أم حبيبة بنت جحش ولا شك أن فاطمة بنت أبي حبيش بحاجة إلى بيان الوضوء لكل صلاة لو كان مطلوباً منها. لذلك فالتصحيح والله تعالى أعلم الصواب أن المستحاضة لا يحتاج أن تتوضأ لكل صلاة. وبناءً عليه نقول إن المستحاضة كالطاهر، هناك خلاف فقط في هذه الجزئية، ورجح أنها كالطاهر لا يجب عليها الوضوء لكل صلاة. إذاً، ما هي أحكام المستحاضة أو من بها استحاضة أو دم فساد؟ نقول كأحكام الطاهر تماماً والله تعالى أعلم، بخلاف الحائض والنفساء فإن لهن سبعة أو ثمانية أحكام سردناها بتفصيل.
هذا الدرس بين لنا الأحكام الشرعية المرتبطة بدم الحيض والنفاس والمرتبطة بدم الاستحاضة، بعد أن بينا طرق التمييز بين هذه الدماء وأحكام تمييز النساء. نقف عند هذا القدر الذي ننتهي به من كتاب الحيض وأحكامه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
د. منصور بن عبد الرحمن الغامدي