تسجيل الدخول

المحاضرة 20 - مقدمة في كتاب الصلاة

منصور بن عبد الرحمن الغامديد. منصور بن عبد الرحمن الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما. اللهم هيئ لنا من أمرنا رشدا، وآتنا من لدنك توفيقا وسدادا وصوابا.

أما بعد؛ إخواني وأخواتي، ها نحن في الدرس العشرين من سلسلة الدروس العلمية في أكاديمية زاد المباركة. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يعلمنا فيها ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يجعل هذا العلم الذي ندرسه ونتعلمه ونعلمه في هذه الأكاديمية أن يجعله حجة لنا لا حجة علينا.

إخواني وأخواتي، في الدروس السابقة كنا قد انهينا الحديث عن كتاب الطهارة، وتحدثنا في هذا الكتاب عن جملة من الأبواب والفصول والمسائل، بعضها متعلق بالوضوء والغسل والتيمم، وهذه الثلاث هي أنواع الطهارة المأمور بها شرعا المشترطة للصلاة. وتحدثنا كذلك عن أنواع أخرى تابعة لها، مثل باب المسح على الخفين وهو تابع للوضوء، وتحدثنا كذلك عن إزالة النجاسة وهي طهارة واجبة قبل الصلاة. وتحدثنا كذلك عن أحكام الحيض وعن أحكام النفاس.

وقبل هذا كله تحدثنا عن باب المياه وباب الآنية، وكانت هذه بمجملها كلها متعلقة بالطهارة. وذكرنا أن تقديم الطهارة في كتب الفقه سببه ما جاء في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: 6]. ثم ذكرنا كذلك حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يقبل الله صلاة بغير طهور». وهذا دليل على أن الطهارة مقدمة مشترطة لصحة الصلاة، فلأجل هذا قدم الفقهاء الحديث عن الطهارة قبل حديثهم عن الصلاة.

نريد الآن أن ندخل إلى الركن الثاني من أركان الإسلام، وهي العبادة العظمى، وهي أهم العبادات التي يتحدث عنها الفقهاء في كتبهم، ألا وهي عبادة الصلاة. وحديثنا السابق في دروسنا السابقة عن الطهارة ما هو إلا مقدمة للصلاة لأنها مشترطة للصلاة، فإذا يمكن أن نقول إن حديثنا عن الطهارة إنما كان مقدمة.

فلذلك الحديث عن الصلاة لا شك أنه سوف يكون حديثا عن عدد من الموضوعات والابواب ذات الارتباط بالصلاة. فمثلا سوف نتحدث عن تعريفها وحكمها وحكمتها وحكمة مشروعيتها هذا في المقدمات، ثم نتحدث بعد ذلك عن شروط وجوبها، ثم نتحدث عن شروط الصلاة، ثم نتحدث عن أركان الصلاة، بعد ذلك يكون الحديث عن واجبات الصلاة، بعد ذلك عن سننها ومكروهاتها، الصفة المثلى للصلاة وهذا من ضمن السنن. نتحدث بعد ذلك إن شاء الله تعالى عن مبطلات الصلاة.

نتحدث بعد ذلك عن أنواع الصلوات؛ صلوات الفرض، صلوات التطوع المؤكد، صلوات التطوع النافلة. نتحدث بعد ذلك عن أنواع أخرى من الصلوات ذوات الأسباب كصلاة العيدين والكسوف والاستسقاء. نتحدث بعد ذلك عن أحكام صلاة الجمعة. هذه كلها أنواع للصلاة سوف نتحدث إن شاء الله تعالى عنها في هذا الكتاب الجامع الشامل الذي يجمع أحكام الصلاة.

من المناسب دائما قبل الدخول في موضوع من الموضوعات أن نمهد لهذا الموضوع بذكر تعريفه. فأولا، لماذا ذكر التعريف؟ لأن دائما يقولون الفقهاء يقولون: الحكم على الشيء فرع عن تصوره. ما هو تعريف الصلاة وما هي حقيقة الصلاة؟ الصلاة لفظة مستخدمة بلغة العرب حتى من قبل الإسلام، وكانت تعني عدة معان.

فمثلا من معانيها الصلاة المعروفة التي نصليها، الصلاة ذات الركوع والسجود من معانيها المعروفة عند العرب. كذلك من معاني الصلاة المعروفة الدعاء. وقد جاء هذان المعنيان في كتاب الله سبحانه وتعالى؛ فالاول مثل قول الله سبحانه وتعالى: ﴿أقيموا الصلاة﴾، والثاني مثل قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم﴾ أي إن دعاءك سكن لهم.

هذا معنى الصلاة في لغة العرب، وقد تأتي على معان لكن يجمعها هذا المعنى، وهو معنى الصلاة. وهي كذلك في لغة القرآن جاءت بهذه المعاني؛ مثل قوله: ﴿وصل عليهم﴾ وجاءت ﴿وأقيموا الصلاة﴾.

لكن الصلاة في الاصطلاح الفقهي الذي نتحدث عنه، مثلا ما يعقد الفقهاء كتاب الصلاة، ما المراد؟ المراد بها الأفعال المخصوصة التي تكون على وجه التعبد لله سبحانه وتعالى، يفتتحها المسلم بالتكبير ويختمها بالتسليم. هذا المراد بالصلاة في اصطلاح الفقهاء والاصطلاح الشرعي عند الإطلاق في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿أقيموا الصلاة﴾، مثلا: ﴿إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا﴾، المراد بها هذه الأفعال التي فرضها الله سبحانه وتعالى التي تفتتح بالتكبير وتختتم بالتسليم يقوم بها المسلم تعبدا لله سبحانه وتعالى.

طبعا منهجيتنا نحن في شرح الفقه عموما ألا ندقق في التعريفات كثيرا، لأن هذه قضية ربما أغرق فيها بعض الفقهاء، وكان هذا من المعايب التي عيب بها، فبعض الناس ربما يغرق في التعريف فيذكر تعريفا يحرص أن يكون جامعا مانعا لا يشذ عنه شيء، ولا يخرج من حقيقة المحدود منه شيء، ولا يدخل فيه شيء، وهذا في الحقيقة عسير دائما في صناعة التعريفات.

صناعة التعريفات المنطقية التي يسميها المناطقة بالحد الحقيقي هذا عسير دائما، لذلك مقصود التعريف هو التقريب، التقريب، التمثيل، التصوير، ذكر حقيقة الشيء، ذكر أهم صفاته المميزة له الملازمه له، حتى يتبين هذا الشيء. وليس بالضروره أنه لا يتبين الشيء إلا بالحد الحقيقي، هذا بالحقيقه خطأ، بل يتبين الشيء ربما بالحد الحقيقي أو بما يسميه المناطقة الحد الرسمي أو بالتمثيل أو بالتصوير أو غير ذلك. فالمراد هو تقريب الشيء، فالصلاة هي العباده المعروفة التي يفتتحها المسلم بالتكبير ويختتم بالتسليم. هذا هو حد الصلاة، أو هذا هو تعريف الصلاة في اصطلاح الفقهاء، وهو المراد بالصلاة عند الإطلاق الشرعي في القرآن وفي السنة.

بعد هذا التعريف نريد أن ننتقل إلى بيان رتبه الصلاة. لا شك إخواني وأخواتي أن الصلاة هي أعظم فريضة وأعظم واجب على المسلم بعد دخوله في الإسلام. نقول بعد دخوله في الإسلام؛ لأن شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله لا شك أنها أعظم من الصلاة، وهي مفتاح الدخول في الدين. فلذلك نقول: لو اردنا أن نقول إن أعظم فرض على الناس، أو أول فرض على الناس عموما مسلمين وكافرين، نقول: أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.

طيب، لكن نحن الآن نتحدث في حق المسلمين الذين شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ما هو اعظم فرض في حقهم؟ ما هو اول واجب عليهم؟ هو إقامة الصلاة. لذلك جاء في حديث معاذ رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «فإن هم أطاعوا لذلك» أي للشهادتين، «فاعلم أن الله افترض عليهم خمس صلوات». إذا أول واجب يجب على المسلمين وأعظم واجب بعد شهادتهم أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله هو إقامة الصلاة كما أمر الله سبحانه وتعالى.

لذلك جاء في الحديث المتفق عليه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بني الإسلام على خمس؛ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت». هذا الحديث متفق عليه.

إذا الصلاة ركن من أركان الإسلام، لذلك اصطلح أهل العلم على تسمية هذه الخمس يسمونها المباني الخمس أو الأركان الخمس، بمعنى أن دين الاسلام يقوم عليها. لو تأملنا هذه المباني الخمس لو وجدنا أن الشيء الوحيد منها الذي يتكرر في اليوم والليلة هو الصلاة. فمثلا الشهادة أن لا إله إلا الله ومحمد رسول الله لا شك أنها من حيث كونها دخول في الإسلام هذه تكون فرض مرة واحدة في العمر للدخول في الإسلام. لا شك أن بعد ذلك تكون من الأذكار المشروعة، لكن احنا نتكلم عن الفرض لدخول الإسلام أو مبنى الإسلام هو مرة واحدة عند دخول دين الإسلام. والزكاة هي حولية، أما حولية أو أقل من ذلك أو أكثر مثل

زكاة الزروع والثمار مثلا عند حصادها، أو صوم رمضان، أو الحج كذلك مرة واحدة في العمر، وهو سنة أن يكون في كل سنة، ولا هو عبادة حولية وفرضها مرة واحدة في العمر. ما هي العبادة من المباني الخمس التي تتكرر في اليوم والليلة، ليس فقط تتكرر في اليوم والليلة، بل تتكرر في اليوم والليلة خمس مرات، عبادة يومية كل يوم خمس مرات؟ ما هي هذه العبادة؟ هي عبادة الصلاة لا شك، لذلك أنها من أعظم العبادات أيها الإخوة والأخوات.

من دلائل محبة الله سبحانه وتعالى وتعظيمه لهذه العبادة أو لأي عبادة -هذا مقياس يقيس به المسلم دائما العبادات وتفاضل هذه العبادات ومراتبها في الوجوب وفي التقريب إلى الله سبحانه وتعالى- كلما كان الشيء واجباً وفرضه أعظم دل على محبة الله له أعظم، دل على أن محبة الله له أعظم، لذلك جاء في الحديث القدسي: «وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه». الشاهد أن أعظم ما يقرب إلى الله هو الفرائض التي فرضها الله سبحانه وتعالى، لذلك أول شرط في ولاية الله سبحانه وتعالى لأن يكون العبد من أولياء الله المتقين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: 62-63]. أول رتبه من رتب هذه الولاية، نيل ولاية الله سبحانه وتعالى ومحبة الله وقربه، هو القيام بالفرائض التي افترضها الله سبحانه وتعالى، وأول هذه الفرائض شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ثم بعد هذا الصلاة.

لذلك أيها الإخوة والأخوات، لا شك أن من أعظم الدلائل على محبة الله سبحانه وتعالى لهذه الصلاة وتعظيمه لها وتقريبه لأهلها أن الله سبحانه وتعالى افترضها في اليوم والليلة خمس مرات. إذاً، هذا يدلنا على عظيم رتبه الصلاة، لأن عظم محبة الله سبحانه وتعالى لها جعلها مفروضة: وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه. وبما أن الصلاة هي أعظم فرائض الإسلام وواجباته، فهي دليل على أنها أعظم ما يقرب إلى الله سبحانه وتعالى، وأعظم ما ينال به المسلم محبة الله سبحانه وتعالى ولاية الله سبحانه وتعالى. إذاً يسأل المسلم: كيف أنال محبة الله وولايته؟ نقول: تقرب إلى الله بالصلاة أول شيء: أحب إلي مما افترضته عليه، ثم بعد ذلك استكثر من النوافل.

وقد جاء في الحديث: «واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة». وجاء كذلك في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «جعلت قرة عيني في الصلاة». هذه كلها تدل على فضل الصلاة وتقريب أهلها وعلى تعظيم الله سبحانه وتعالى ومحبته لها. وسوف نذكر إن شاء الله تعالى أوجه أخرى في بيان فضل الصلاة وتقريب الله سبحانه وتعالى لهذا الفرض ولاثله إن شاء الله تعالى، ولكن بعد هذا الفاصل القصير.

ربما تحب أحد الابناء أو البنات أكثر من إخوته، أما لبرا أو أدبا أو غير ذلك، ولكن هل يجوز أن تفضل من تحب في العطية وتخص بالهدايا دون الآخرين؟ لنستمع إلى هذه القصة التي جرت للصحابي الجليل النعمان بن بشير، يقول رضي الله عنه: سألت أمي أبي بعض الموهبة لي من ماله فوهبها لي، فقالت: لا أرضى حتى تشهد النبي صلى الله عليه وسلم. فأخذ بيدي -وانا غلام- فأتى بي النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: يا بشير، ألك ولد سوى هذا؟ قال: نعم. فقال: أكلهم وهبت له مثل هذا؟ قال: لا. قال: فلا تشهدني إذاً، فإني لا أشهاد على جور.

ففي هذا الحديث تحذير من تفضيل أحد الأبناء على إخوته وانه من الجور والظلم، ولم يفرق بين الذكر والأنثى، وذلك لما يؤدي إليه من الكراهية والنفور بينهم. ولا حرج في الميل القلبي لأحد الأولاد دون غيره، لأن ذلك أمر ليس في مقدور العبد، وإنما الذي يحرم أن يفضل المحبوب على غيره بالعطايا دون سبب شرعي. فإن حصل مثل هذا التفضيل وجب رد العطية أو إعطاء الآخرين مثل أخيهم.

ويجوز التفضيل بين الأولاد إذا كانت هناك أسباب وجيهة تدعو إلى ذلك؛ كان يخص أحد أولاده لمرض أصابه، أو فقر وحاجة ألمت به، أو لاشتغاله بطلب العلم ونحوه من الفضائل. وللوالد أن يمنع العطية عمن يستعين بها على معصية الله تعالى ويعطيها لمن يستحقها. قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: 2].

نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع الحديث عن فضل الصلاة وعظمها وبيان أهميتها، فنقول كما جاء في الحديث القدسي: «ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه». لذلك الصلاة هي أول ما يتقرب به المسلم إلى الله، وهي دليل على أنها من أعظم أو أعظم ما يحبه الله سبحانه وتعالى من عبادة المسلمين، لذلك افترض الله عليهم فرضا عظيماً وقوياً وموقوفاً.

وكذلك ايها الإخوة والأخوات، من الدلائل على أهمية فرض الصلاة أن الصلاة من الدين العام الذي فرضه الله سبحانه وتعالى على جميع أنبيائه ورسله. فرضه الله سبحانه وتعالى على جميع أنبيائه ورسله، فكل الانبياء والرسل والأمم السابقة المسلمين الذين أسلموا دينهم لله واتبعوا أنبيائه ورسله، كل هؤلاء الأنبياء كانوا يصلون لله سبحانه وتعالى ويتقربون إليه بعبادة الصلاة.

ما الذي دل على هذا؟ دل عليه آيات كثيرة في القرآن الكريم وفي سنة النبي صلى الله عليه وسلم. فمن الأدلة على ذلك مثلاً ما جاء عن إسماعيل عليه السلام، قال الله عنه: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم: 55]. إذاً كان يأمر أهله بالصلاة والزكاة، هذا دليل على أن هاتين العبادتين عبادتان قديمتان.

وكذلك من الأدلة على هذا مثلاً قول الله سبحانه وتعالى في حق زكريا: ﴿وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾ [آل عمران: 39]، وهذا دليل على أن الصلاة كانت لها مواطن وهي مساجد يصلى فيها لله سبحانه وتعالى. وكذلك من الأدلة قول الله سبحانه وتعالى لمريم عليها السلام: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: 43]. هذه الآية فيها دلالة على أن الصلاة التي أمر بها الناس قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم، كان يصليها أهل الإسلام قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم؛ أهل الإسلام من اتباع الأنبياء والمرسلين كانوا يصلون صلاة ذات ركوع وسجود وفي جماعة.

يا مريم اقنتي لربك واسجدي، وهذا القنوت هو طول القيام، طول القيام مع صمت وخشوع. اقنتي، هذا دليل على أن فيها قيام وركوع وأنها ذات صمت وخشوع. واركعي، فيها ذات ركوع وسجود. واسجدي واركعي مع الراكعين، دليل على أن الجماعة مشروعة لها، وهذا في الحقيقه قريب جداً أو مطابق لصلاة أهل الإسلام، لكن نحن نقول هذه الأصول مما اتفقت عليه الشرائع.

وهذا يدلنا على أن الصلاة التي فرضت على بني إسرائيل -لمريم عليها السلام كانت لبني إسرائيل- هذا يدلنا على أن الصلاة التي فرضت على بني إسرائيل هي صلاة ذات ركوع وسجود، وليست كصلاة اليهود اليوم الذين يئون برؤوسهم إيماء عند حائط المبكى، تجدون بعض هذه الصور، نقول هذه الصلاة محرفة ليست صلاة موسى عليه السلام، وإنما الصلاة التي كان يصليها موسى عليه السلام وأنبياء الله ورسله هي صلاة ذات ركوع وسجود، وكانوا يركعون فيها مع الراكعين ويقنتون فيها لله سبحانه وتعالى، مثل ما جاء زكريا يصلي في المحراب أي في المساجد بيوت الله سبحانه وتعالى.

وأما اليهود اليوم في صلاتهم فانهم يئون فقط إيماء عند حائط المبكى، وهذا مخالف -كما ذكرنا- الصلاة التي شرعها الله على موسى عليه السلام وعيسى عليه السلام ولمحمد عليهم جميعا أفضل الصلاة وأتم التسليم. كذلك مما يدل على الصلاة ما جاء في فرض الصلاة في ليلة الإسراء والمعراج، ماذا قال موسى عليه السلام؟ قال: يا محمد، قد جئت قومي باقل من هذا فلم يقدروا عليه. إذاً موسى عليه السلام جاء قومه بالصلاة ولا لا؟ جاء قومه بالصلاة، إذاً جاء هذا دليل على أنه جاء قومه.

أيها الإخوة والأخوات، الصلاة نجد أنها شريعة عامة فرضها الله سبحانه وتعالى على أنبيائه ورسله تقرباً إليه سبحانه وتعالى. لذلك يمكن أن نقول إنها من الدين العام، وقد جاء في الحديث: «الأنبياء أخوة لعلات». معنى لعلات: أي أنهم أخوة لأب، يشتركون في دين عام شرعه الله سبحانه وتعالى، ولكن يختلفون في الأمهات، أي أن عندهم من الشرائع ما اختص به كل نبي عن النبي الآخر. فثم في شرائع الأنبياء ودين الأنبياء ما هو دين عام اشتركوا فيه جميعاً، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 25]. هذا مثلاً من الدين العام الذي أنزله الله سبحانه وتعالى على جميع أنبيائه ورسله، وهو التوحيد، التوحيد مثلاً هذا من الدين العام.

من الدين العام الصلاة والزكاة والصوم والحج، هذه من الدين العام الذي فرضه الله سبحانه وتعالى على الانبياء والمرسلين. الزكاة مثلاً مثل ما ذكرنا أثر في آية إسماعيل عليه السلام: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾ [مريم: 55]. الصوم مثلاً مثل ما جاء في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: 183]. الحج مثلاً مثل ما جاء في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَذِّن فِى النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج: 27]، ومثل ما جاء في السنة أن موسى عليه السلام حج البيت وغيره من الآيات والأحاديث التي تدل على أن هذه المباني الخمس من الدين العام.

كذلك من الدين العام الذي شرعه الله لجميع أنبيائه ورسله في باب النواهي، النهي عن الفحشاء: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 28]. تحريم مثلاً فاحشة اللواط والعياذ بالله، تحريم الزنا والعياذ بالله: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: 32]، مثلاً من الدين العام الذي حرمه الله سبحانه وتعالى على جميع أنبيائه ورسله. كذلك تحريم أكل الربا، قال الله سبحانه وتعالى عن بني إسرائيل: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ [النساء: 161] وبغير حق من أجل ذلك: ﴿كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُم من قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَاه النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32].

كذلك من شرائع الدين العام القصاص: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: 45]. إذاً هذه اصطلح أهل العلم على تسميتها بالدين العام الذي اشترك فيه انبياء الله ورسله. ومن الدين العام الذي اشترك فيه انبياء الله ورسله كذلك الإخبار باليوم الآخر، الإخبار بصفات الله وأسمائه الحسنى، ما من نبي إلا وقد حذر أمته من الدجال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمُنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: 81]. أخذ الله سبحانه وتعالى ميثاقاً عن النبيين، وكان هذا من الدين العام المشروع في حقهم أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ويتبعوه ويصدقوه عند بعثته.

فالشاهد أيها الإخوة والأخوات أن الصلاة هي أساس، هي أساس ومبنى عظيم من الأسس التي قام عليها دين الإسلام الذي ابتعث الله سبحانه وتعالى وارسل به جميع رسله. هذا الدين الذي ارسل الله به جميع رسله هو دين الاسلام، ودين الاسلام الذي ختمه الله بالنبي الخاتم ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم. إذاً أيها الإخوة، هذا يدلنا على ماذا؟ يدلنا على عظيم شان الصلاة، على عظيم شان الصلاة واهميتها ورفعة قدر اهلها عند الله سبحانه وتعالى.

وقد جاء في هذا حقيقة من نظر في كتاب الله سبحانه وتعالى الامر دائماً باقام الصلاة، الامر دائماً باقام الصلاة في القرآن الكريم تكرر كثيراً: أقيموا الصلاة، أقيموا الصلاة في القرآن كثير. قول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: 11]، جعل الله سبحانه وتعالى هذه الامور الثلاث أنها شرط للأخوة في الدين.

كذلك من الأشياء التي تدل في القرآن الكريم على هذا مثلاً، وهذا من الاستدلال اللطيف، قول الله سبحانه وتعالى: ﴿لَّكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾ [النساء: 162]. تكلم أهل النحو: ما هو سبب نصب قول الله سبحانه وتعالى: والمقيم الصلاة؟ هذا لو تاملنا أنها معطوفه، أنها معطوفه على مرفوعات: الراسخون والمؤمنون، ثم قال الله سبحانه وتعالى: والمقيمين؟ ما هو سبب نصبها؟ لا شك أنه تمييز لها من بين هذه المعطوفات، لا شك أنه يقتضي تشريفا وتكريماً لهذه الصلاة. هذا مثلاً من الاوجه التي ذكرها الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم لبيان فضل الصلاة وتمييزها عن غيرها من العبادات.

كذلك من الأشياء التي تدلنا على عظيم فضل الصلاة وكيف ميزها الله سبحانه وتعالى عن غيرها من العبادات، أن الله سبحانه وتعالى فرضها في حادثة الاسراء والمعراج. الصلاة صله بين العبد وبين ربه، صله مباشرة بين العبد وبين الرب، يدعو المسلم فيها ربه سبحانه وتعالى مباشرة، يصلي لله سبحانه وتعالى ويدعوه مباشرة. ناسب هذه الصله المباشرة بين العبد وبين ربه أن تفرض بطريقة مباشرة بدون واسطة، لذلك اختار الله سبحانه وتعالى لفرض الصلاة أن يفرضها على نبيه الكريم محمد صلى الله عليه وسلم في حادثة الاسراء والمعراج مباشرة منه سبحانه وتعالى إلى محمد صلى الله عليه وسلم دون واسطة، وان كان بقيه الشرائع فرضها الله سبحانه وتعالى على نبيه الكريم محمد صلى الله عليه وسلم من خلال واسطة جبريل امين الله سبحانه وتعالى على وحيه.

ولكن الصلاة افترضها الله سبحانه وتعالى بطريقة مباشرة، وهذا في الحقيقة يعطي المسلم شعور بأن هذه الصلاة اتصال مباشر بالله سبحانه وتعالى. وهذا لا شك انه سوف نذكر أن من اعظم حكم الصلاة، حكم مشروعيتها، ان الله سبحانه وتعالى جعلها صله به سبحانه وتعالى، يتصل فيها العبد به سبحانه وتعالى صله مباشرة، يدعوه ويعبده ويسأله. ولعل هذا، لعل هذا نذكره إن شاء الله تعالى في حكم مشروعية الصلاة.

طيب، كذلك مما يدل على عظم الصلاة وعظم شانها ان الله سبحانه وتعالى فرضها في السماء في هذه الحادثة العظيمة، وبقية الفرائض فرضت وبقية الفرائض فرضت في الأرض. مما يدل على عظم محبه الله سبحانه وتعالى للصلاة وتعظيم شانها، ان الله سبحانه وتعالى فرضها على عباده خمسين صلاة. هذا التكثير في هذا الفرض يدلنا على محبه الله سبحانه وتعالى لهذا الفرض، أن الله سبحانه وتعالى فرضها خمسين صلاة كثيرة ومفروضة.

ثم خفف الله سبحانه وتعالى عن عباده بسؤال محمد صلى الله عليه وسلم التخفيف، وكان سؤال محمد صلى الله عليه وسلم التخفيف، سؤال النبي الكريم لأمته التخفيف بناء على مشورة موسى عليه السلام. فما زال النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه، وصلوات الله وسلامه على موسى نبي الله الكريم، ما زال النبي محمد صلى الله عليه وسلم يراجع ربه ويسأله التخفيف، حتى جعلها الله سبحانه وتعالى خمس صلوات مفروضات. وقال الله سبحانه وتعالى في فرضها: هي خمس وهي خمسون. وهذا راجع والله تعالى أعلم إلى أن الحسنة بعشر أمثالها، وقال بعض أهل العلم ان الصلاة تزيد على هذا بأنها خمسون دون مضاعفة الحسنة بعشر أمثالها، بل ان المسلم اذا صلى الخمس صلوات فكانه صلى خمسين صلاة، ثم بعد ذلك تكون الحسنة بعشر أمثالها فتكون إلى خمسمائة كأنها خمسمائة صلاة. وكلا الامرين، وكلا الامرين محتمل، ولكن نحن نقول إن بداية فرض الصلاة خمسين صلاة يدل على محبه الله سبحانه وتعالى وتعظيمه لهذه العبادة إلى هذه الدرجة، ان الله سبحانه وتعالى اراد من عباده أن يصلوا له خمسين صلاة في اليوم والليلة.

لا شك ايها الاخوة والاخوات، لا شك أن هذا لا شك أن هذا، يعني إذا استشعرنا هذه المكانة والمنزلة لا شك إنه يعني يتحسر المسلم ويسوءه ما يفوته من صلوات وما يفرط فيه من الصلاة وما يقصر فيه في شان هذه الصلاة التي عظمها الله سبحانه وتعالى وعظم شانها. للأسف اليوم احوال الناس في الصلاة احوال حقيقة مؤسفة، سواء كان في تأخيره للصلاة، أو في تكاسل فيها، أو في عدم خشوعهم فيها، أو انشغالهم عنها، أو تفريطهم في أدائها، أو عدم الحرص على سننها.

ورواتبها ونوافلها، نسأل الله سبحانه وتعالى يجعلنا وإياكم من أهل الصلاة. طيب، هذه بعض الآيات التي ذكر الله سبحانه وتعالى فيها فضل الصلاة وعظم منزلتها، وسوف نواصل إن شاء الله تعالى معكم بعد الفاصل بذكر بعض الأحاديث التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضل الصلاة. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم من أهل الصلاة.

إذا أحببت أن تتعرف على دينك أكثر، أن تزداد علما وتنهل خيرا، أن تسمع وترى ما يقربك من ربك ويحببك في نبيك وتزكو به نفسك، في قناة زاد تجد ذلك وأكثر. تصفح وتجول في واحة إيمانية من مقاطع مميزة من إنتاج مجموعة زاد تتنوع بين المادة العلمية والرقائق الإيمانية والفواصل الدعوية المحترفة إعلاميا والمؤصلة منهجيا، تخاطب الرجال والنساء الكبار والصغار، تدعو البعيد وتؤنس القريب. مقاطع موشن جرافيك مميزة، دورات علمية متخصصة، فواصل درامية شيقة، لقاءات دعوية ممتعه، برامج تلفزيونية وندوات شرعية. شاهد، شارك، انشر.

نعود إليكم بعد هذا الفاصل. وكنا قد تحدثنا عن الصلاة، الصلاة وما أدراك ما هي الصلاة.

الصلاة عظيمة الشان عند الله سبحانه وتعالى أيها الأخوه؛ ذكرنا بعض الآيات التي دلت على فضل الصلاة وبعض الأحداث، كونها فرضت في السماء بدون واسطة في حادثة عظيمة هي حادثة الإسراء والمعراج. تأملوا، قفوا لحظات مع هذا الحدث، كيف أن الله سبحانه وتعالى أكرم عبده ورسوله محمدا صلى الله عليه وسلم بأن رفعه إلى السماء، إلى السماء السابعة، ثم جاوز به هذه السماوات، ثم كلمه الله سبحانه وتعالى كفاحا وشرع له الصلاة وأمره بالصلاة، ثم رده الله سبحانه وتعالى وأنزله إلى الأرض. هذا إخواني وأخواتي حقيقة من تامل هذه الحادثة، وكيف أن الله سبحانه وتعالى رفع نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم هذه السماوات ورفع فوق السماء السابعة وكلمه كفاحا لأجل أن يشرع له، لأجل أن يشرع له هذه الصلاة ويامره بهذه الصلاة، ثم أنزله الله سبحانه وتعالى إلى الأرض؛ هذا يدلنا على أن الصلاة شأنها غير شؤون العبادات الأخرى وامرها غير امور العبادات الأخرى.

لذلك جاء في حديث مثلا شقيق بن عبد الله من التابعين قال: كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لا يرون شيئا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة. إذا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم اخذوا عن النبي صلى الله عليه وسلم هذا التعظيم، وفهموا هذا التعظيم وفهموا تميز الصلاة عن غيرها من الأعمال وغيرها من العبادات، وأنها ذات شان، شان ليس كشان غيره، بل هو شان عظيم جلل خطير مهم جدا.

كذلك من الأحاديث التي وردت في شان الصلاة؛ مثلا ما جاء عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان والحج إلى الحج مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر».

وكذلك ما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: «أرايتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه شيء؟ قالوا: لا يبقى من درنه شيء. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا». شبه النبي صلى الله عليه وسلم هذه الصلوات الخمس شبهها النبي صلى الله عليه وسلم بالنهر الجاري الذي يغتسل فيه المسلم كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟ هذا يدل على أن الصلاة تكفر الخطايا وتحط الخطايا.

وقد جاء كذلك في الحديث أن العبد المسلم إذا توضا في بيته فأحسن وضوءه ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة، كان له بكل خطوة يخطوها إلى المسجد حسنة، ويحط عنه بها خطيئة، ويرفع عنه بها درجة. كل هذا يدلنا على فضل الخروج إلى الصلاة.

هناك فضائل عظيمة في دين الإسلام فقط مرتبطة بالعبادات المرتبطة بالصلاة؛ ما هي فضائل الأذان؟ المؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة. ما هي فضائل الصف الاول؟ لو يعلم الناس ما في النداء والصف الاول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا. لاستهموا أي يقترعوا لأجل فصل خصومة فيما بينهم السباق على الصف الأول أو في النداء.

الخروج إلى الصلاة، المشي إلى الصلاة فيه فضائل عظيمة. انتظار الصلاة إلى الصلاة، النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بأنه قال: «ذلكم الرباط، ذلكم الرباط». يعني فقط انتظار المسلم للصلاة إلى الصلاة، كون المسلم يعلق قلبه بالمسجد هذا سبب في استظلله بظل العرش يوم القيامة، يوم لا ظل إلا ظل الله سبحانه وتعالى. فقد جاء في الحديث: «سبعة يظلهم الله في ظله»، وذكر منهم: «ورجل قلبه معلق بالمساجد». معنى قلبه معلق بالمساجد، أي أنه محب للصلاة، محب للمسجد، لا يكاد يخرج منه إلا خروجا بدنيا، وأما القلب فهو وإن كان قد خرج بدنه من المسجد إلا أن قلبه باق في المسجد، معلق بالمسجد مثل قناديل المسجد المعلقة. قلبه محب للصلاة محب للمسجد، هذه كلها فضائل ارتبطت بالخشوع في الصلاة، فضائل ارتبطت بالقيام إلى الصلاة، بالجلوس في المسجد، بالآذان، بالصف الأول، كل هذه الفضائل اصلها واساسها ولبها هو الصلاة. من أين أتت هذه الفضائل العظيمة كلها؟ أتت من تعظيم الله ومحبته للصلاة، لذلك لا غرو أن ترتبط الصلاة بجميع هذه الفضائل لمحبه الله سبحانه وتعالى وتعظيما للصلاة.

نشات كل هذه الفضائل خارجه عن الصلاة، وهناك فضائل عظيمة داخل الصلاة؛ ما هي فضيله قراءة الفاتحة؟ السجود: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد». في الرفع بعد الركوع، لما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه راى الملائكه يتلقفون تلك الكلمه: «اللهم ربنا لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما من شيء بعد، أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد». كل هذه فضائل شرعها الله سبحانه وتعالى وحث عليها النبي صلى الله عليه وسلم كلها مرتبطة بالصلاة والخشوع في الصلاة.

في المقابل؛ ارتبط بهذا الترغيب كله وبهذه الفضائل كلها، ارتبط كذلك الترهيب، الترهيب من ترك الصلاة وبيان الإثم العظيم لمن ترك الصلاة، والمخاطر العظيمة المرتبطه بالإهمال في الصلاة. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: 59]. توعد الله سبحانه وتعالى مضيع الصلاة ومتبع الشهوات بانهم سوف يلقون غيا والعياذ بالله من هذا الوعيد، اللهم إنا نعوذ بك منك، اللهم إنا نعوذ برضاك من سخطك. وعيد شديد في حق من اضاع الصلاة. وجاء في الآية الأخرى كذلك، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِم سَاهُونَ﴾ [الماعون: 5]، الذين هم يراؤون ويمنعون الماعون. الذين هم عن صلاتهم أي مؤخرون للصلاة عن وقتها، وليس المراد بهذه الآية السهو في الصلاة -نسأل الله سبحانه وتعالى يرحمنا برحمته- ليس المراد بهذه الآية السهو في الصلاة، وإنما هو السهو عن الصلاة، أي تأخيرها عن وقتها.

جاء في القرآن الكريم الوعيد الشديد في ترك الصلاة، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر كما جاء في حديث جابر رضي الله تعالى عنه أنه قال: «بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة». والعياذ بالله، بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة. هذه لا شك، العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر. هذه لا شك أنها أحاديث ترهيب بالغ وعظيم وشديد في ترك الصلاة، إذا كان قد جاء الوعيد في ترك فقط بعض الأشياء المرتبطة بالصلاة، مثلا ترك صلاة الجماعة للرجال، النبي صلى الله عليه وسلم قال: «هممت أن أحرق عليهم بيوتهم».

بالنار في من ترك الجماعة فقط، في مثلا في ترك الخشوع في الصلاة؛ يقضي الرجل صلاته ولم يكتب له إلا نصفها أو ربعها، ثلثها، ربعها، إلى آخر هذا الحديث. ذكر النبي صلى الله عليه وسلم قال: عشرها. بعض الناس يقضي صلاته ولم يكتب له منها شيء والعياذ بالله. إذاً، هذه كلها لاجل ترك بعض الأشياء في الصلاة المرتبطة بالصلاة؛ ترك المسجد، ترك الجماعة، ترك الخشوع، فكيف بترك الصلاة نفسها؟! لا شك أن هذا ترهيب عظيم، ولا شك أنه من الكبائر العظيمة، وسوف يأتينا إن شاء الله تعالى في درس قادم حكم ترك الصلاة، وأن من ترك الصلاة تركا إما كليا أو تركها تركا غالبا، أنه يكفر بناء على ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر» وبين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة.

لاحظوا أنه بتركه للصلاة هذا الترك الغالب أو هذا الترك العام أنه يخرج من دين الإسلام. هذا في الحقيقه ليس بمستغرب إذا نظرنا إلى عظم الصلاة وفرضها وطريقه فرضها واهميتها عند الله سبحانه وتعالى، وعظيم محبة الله سبحانه وتعالى لها. لا شك أن هذا لا يستغربه المسلم إذا نظر في هذه النصوص والآيات والأحاديث الكثيرة. لذلك أيها الإخوة والأخوات، من أين جاءنا مثلا هذا الحديث الذي ذكر فيه ترك الصلاة أنه كفر؟ ربما يكون اجتهادا من النبي صلى الله عليه وسلم في فهم قول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: 11]، معنى ذلك أنهم إذا تركوا هذا أنهم ليسوا بإخواننا في الدين، وربما يكون وحيا من الله سبحانه وتعالى أوحى به إلى نبيه بأن من ترك الصلاة فإنه يعد كافرا. كل هذا وارد، أصله في القرآن وجاء في سنة النبي صلى الله عليه وسلم.

أيا ما كان أصله فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم بقوله الصريح الصحيح. لذلك إذا كان ابن مسعود رضي الله تعالى عنه يقول عن صلاة الجماعة: ولقد رايتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق؛ هذا فقط في حق صلاة الجماعة، فكيف في شان الصلاة ذاتها بالنظر إلى ما يحتف بالصلاة من الفرائض والقرائن والترغيب والترهيب؟! فقط انظر في شرعية صلاة الخوف، وهذا سوف يأتينا إن شاء الله تعالى في الحديث عن صلاة الخوف. الله سبحانه وتعالى شرع صلاة الخوف، ما هي صلاة الخوف؟ هي الصلاة التي تكون في وجاه العدو، والصلاة والمسلمون في وجاه العدو؛ شرع الله سبحانه وتعالى لهم الصلاة ولم يأذن لهم بتاخيرها عن وقتها، بل أمرهم بالصلاة حتى وهم في وجاه العدو بطريقة معينة ومعلومة سوف نتطرق لها إن شاء الله في صلاة الخوف.

هذا يدلنا على أهمية فرض الوقت في الصلاة أو شرط الوقت في الصلاة، ويدلنا على أهمية الصلاة؛ أن الله سبحانه وتعالى لم يأذن بتركها ولم يأذن حتى بتأجيلها والمسلمون يواجهون عدوهم في المعركة، فشرع لهم أن يصلوا بطريقة سوف نذكرها إن شاء الله تعالى، كما جاء في حديث صالح بن خوات، سوف نذكرها إن شاء الله تعالى في باب صلاة الخوف في حينها. لكن نحن حقيقة نريد أن ننبه إلى هذه الأمور كلها لبيان فضل الصلاة وعظيم خطرها وشأنها. وهذا في الحقيقه إذا نظر إليه المسلم ونظر في أحوال الناس اليوم، ينبغي لنا أن ننظر في أحوالنا كلنا لا أستثني والله حتى لا نفسي ولا إخواني ولا أخواتي، ينبغي لنا أن ننظر في أحوالنا جميعا؛ ما هو شأننا مع الصلاة؟ ما هو حالنا مع الصلاة في اتصالنا بالله سبحانه وتعالى؟ أين حالنا من حال النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين؟ شأنهم مع الصلاة شأن آخر.

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم من أهل الصلاة. إخواني وأخواتي، نكتفي بهذا القدر في هذا الدرس، ونختم وعند هذا القدر. أسأل الله سبحانه وتعالى في ختام هذا الدرس أن يجعلنا وإياكم من أهل الصلاة ممن يقيم الصلاة. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

يا راغبا في كل علم نافع متطلعا لزياده الإيمان وتريده سهلا نوال ميسرا ياتيك ميسورا باي مكاني زاد اكاديميه ينبوعها صاف ليروي غله الظمآن وتعلم الفقه الميسر عاملا بالشرع دون تعصب لفلان بشرى لنا هذه اكاديميه للعلم كالازهار في البستان