تسجيل الدخول

المحاضرة 4 - أحكام الآنية من حيث الحِلُّ والحُرمة

منصور بن عبد الرحمن الغامديد. منصور بن عبد الرحمن الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

يا راغباً في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم بتقنياته ومجالاته ومعه نطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي. أكاديمية زاد، زاد أكاديمية ينبوعها صافٍ ليروي غلة الظمآن، وتعلم الفقه الميسر عاملاً بالشرع دون تعصب لفلان. بشرى لنا زاد أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبيه الكريم وعلى آله وصحبه أجماعين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً. اللهم فقهنا في الدين، اللهم هيئ لنا من أمرنا رشداً، وآتنا من لدنك توفيقاً وسداداً وصواباً.

إخواني وأخواتي، هذا هو الدرس الرابع من سلسلة دروس الفقه في أكاديمية زاد. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل هذه الأكاديمية أكاديمية مباركة، وأن يوفقنا وإياكم فيها لتعلم وتعليم العلم النافع الذي ننتفع به في آخرتنا ودنيانا.

إخواني وأخواتي، كنا قد تحدثنا في الدروس السابقة عن المياه، نريد أن ننتقل اليوم إلى باب آخر، وهو باب الأنية. ما مناسبة الحديث عن باب الأنية بعد باب المياه؟ المناسبة إن شاء الله تعالى مناسبة ظاهرة، وهي أن هذا الماء لابد له من وعاء يحتويه، فما حكم هذا الوعاء؟ وما أحكام هذا الوعاء من حيث النجاسة والطهارة؟ هذا مما يتكلم عنه العلماء في باب الأنية؛ لأن تأثير الأنية على الماء لا شك أن لها تأثيراً؛ الماء إذا كانت الأنية قد تنجست تنجس هذا الماء، وإذا كانت طاهرة فانها تحافظ على طهور هذا الماء، لذلك تحدث العلماء عن باب الأنية بعد حديثهم عن باب المياه، لماذا؟ لأنها هي الوعاء الذي يحمل الماء.

طبعا، إن شاء الله تعالى نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهل الجنة، الجنة يجري فيها الماء في غير أخاديد ولا أوعية، وإنما نحتاج إلى الأنية والوعاء في هذه الحياة الدنيا.

طيب، إذاً، الأنية هي هذا الوعاء، ما هي أحكام الأنية؟ نقول: إن الأنية يرتبط بها عدد من الأحكام، من أول هذه الأحكام أن الأنية الأصل فيها، هل الأصل فيها الإباحة أو التحريم؟ بمعنى لو قال انسان والله إن أنية -لو قال لكم انسان: إن أنية البلاستيك، البلاستيك هذا أواني البلاستيك لم تكن موجودة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فمعنى ذلك أنها حرام- ما هو الدليل على أنه والله يجوز اتخاذ أنية بلاستيك وهي أنية محدثه؟ نقول له ماذا نقول؟ لا، أخطأت، الأصل في الأنية كما هو الأصل في الأشياء الاباحه، فيجوز للناس والله أن يتخذوا آنية من الخشب، من البلاستيك، من النحاس، من الحديد، من غيرها، يجوز للناس أن يتخذوا آنية مما شاؤوا، مما يعني يمكنهم أن يصنعوا منه الأنية، لا مانع منه.

لذلك الأحكام الشرعية الواردة في باب الأنية جاءت بصيغة التحريم والمنع، إذا كان الأصل هو الإباحة فمعنى ذلك أن الأحكام الشرعية ترد بالتحريم والمنع، لذلك جاء تحريم آنية الذهب والفضة. لكن لو كان الأصل هو التحريم، كان نقول والله جاء إباحة مثلاً آنية الخشب، إباحة آنية الزجاج وما عداها على أصل التحريم! وهذا ليس، لم تأتي الشريعة كذلك، لم تأتي الشريعة كذلك. في بعض الناس لما يطلب الدليل على إباحة شيء مثلاً لم يكن في زمن النبوة، نقول له: لا، الأصل الاباحه، ما هو الدليل على تحريمه؟ لأن الأصل هو الإباحة.

إذاً، الأنية الأصل فيها، الأصل في المادة المستخدمة فيها الإباحة، يخرج عن هذا الأصل ما حرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ما جاء في حديث تحريم آنية الذهب والفضة عن في حديث حُذَيْفَةَ بْنِ يَمانٍ رضي الله تعالى عنه، حديث متفق عليه: «لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة».

هذا الحديث دل على تحريم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة، ودل قياساً على تحريم استعمالهما في غير الأكل والشرب، ودل على تحريم اتخاذهما قياساً؛ لأنه إذا حرم الانتفاع بهما في الأكل والشرب وقيس على الأكل والشرب غيرهما من أنواع الانتفاع فكذلك اتخاذهما. وبعض أهل العلم أباح الاتخاذ أو الاستعمال في غير الأكل والشرب بحجة أنه لم يرد في النص النهي عنها، وهذا قول له مأخذ وله وجه، وكلا القولين الأمر فيهما إن شاء الله تعالى والشان فيهما قريب. لكن الحديث لا شك أنه نص على تحريم الأكل والشرب من آنية الذهب والفضة، قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ولا تأكلوا في صحافها، لا تشربوا في آنية ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة».

تحدث أهل العلم عن حكمة هذا التحريم، من أهل العلم من قال إنه حبس للذهب والفضة عن وظيفتهما النقدية، وهذا التعليل قال به الغزالي في إحياء علوم الدين، وهذا تحقيقه فيه نظر؛ لماذا؟ لأن اتخاذهما حُليّاً كذلك هو حبس لهما عن وظيفتهما النقدية، ومع ذلك اتخاذ الحلي جائز. ثم إننا نقول أصلاً: لو كان، لو كانت الحكمة هي حبسهما عن وظيفتهما النقدية فنقول: إن هذه الحكمة أصلاً غير موجودة ومنتفية في زماننا الذي أصبح الذهب والفضة لا يتداول ولا يتخذ نقداً، وإنما اعتاض الناس عنه بالورق النقدي. لذلك في الحقيقة هذه الحكمة فيها نظر.

وببعض الناس قال: إن الحكمة هي كسر قلوب الفقراء والمحتاجين الذين لا يجدون مثلاً طعاماً ولا شراباً، فكيف ستكون قلوبهم إذا والله هذا الفقير أو المسكين لا يجد طعاماً وهذا جاره أو الذي يشهده يأكل الطعام في أواني الذهب والفضة؟ فلا شك أن في هذا كسراً لقلوب الفقراء والمساكين. وبعض الناس جعل الحكمة أنها منع الترف، وأن هذا فيه ترفيه منهي عنه، وقد جاء في بعض الأحاديث أخرجه أبو داود وغيره النهي عن الإرفاه.

والذي يظهر والله تعالى أعلم أن الحكمة ما نص عليه النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: «فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة». فهذه الحكمة بين النبي صلى الله عليه وسلم أنها من الإرفاه الذي يدخره أو يجب على المسلم ادخاره له في آخرته، لذلك هناك بعض أنواع الإرفاه والتمتع بالملذات، عذراً، ليس الطيبات وإنما هي محرمات، هناك بعض أنواع التتمتع بالملذات التي حرمت يستمتع بها المسلم في الآخرة في جنات النعيم، ومنها مثلاً استماع المعازف، ومنها مثلاً شرب الخمر؛ فإن المسلم يشربه في جنات النعيم خمراً، ولكن خمراً ليس كخمر الدنيا، يستلذ المسلم ويطيب له ولا يذهب عقله ولا ينزف ولا يسكر، فيحصل بهذا الخمر المنافع التي يستلذ بها الناس ولا تقع في خمر الآخرة المفاسد التي تقع في خمر الدنيا، فيجمع الله سبحانه وتعالى للمسلم في الآخرة المنافع كلها في الجنة، لذلك الجنة كلها خير، كلها خير.

والشاهد أن الحكمة هنا نص عليها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة»، وهذا يتسق مع ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم من بناء الجنة وأنها لبنة من ذهب وأنها لبنة من فضة، وأن المسلم يستمتع بالذهب والفضة في جنات النعيم.

طيب، هل يدل هذا على تحريم الترف بأي شيء غير الذهب والفضة؟ نقول: لا؛ لأن هذه الحكمة المنصوصة هنا نصت على الذهب والفضة، والحديث نص على الذهب والفضة، فلو قال إنسان والله هل يجوز أن يتخذ آنية مثلاً من آنية ثمينة مثلاً تعادل في غلائها مثلاً الذهب والفضة؟ نقول: لا باس إن شاء الله تعالى، ولكن الذهب والفضة المسلم مأمور بإدخارهما في الآخرة إن شاء الله تعالى تكون له، والكفار يستنفذون طيباتهم وملذاتهم في هذه الحياة الدنيا وليس لهم في الآخرة من خلاق، لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فإنها لهم في الدنيا»، وهذا فيه ربط للمسلم باخرته، وأن التزامه بهذا الحكم إن شاء الله تعالى فيه باذن الله تعالى تصبير له، وفيه ادخار له إن شاء الله تعالى له في الآخرة، وقد جاء في بعض الأحاديث أن المسلم

إذا ارتكب بعض المناهي ولم يتب منها فإنه يحرم منها في جنات النعيم إذا دخل جنات النعيم، فقد جاء في بعض الأحاديث أن من شرب الخمر في الدنيا ولم يتب منها لم يشربها يوم القيامة، وقاس عليها بعض أهل العلم أن من سمع الغناء والمعازف في الدنيا لم يسمعها يوم القيامة، وأن من اتخذ آنية الذهب والفضة وشرب وأكل فيها لم يشرب ولم يأكل فيها يوم القيامة، والله تعالى أعلم.

هل يعم هذا الحديث -حديث أن من شرب الخمر ولم يتب منها لم يشربها يوم القيامة- هل يعم كل أنواع هذه المناهي أم لا يعمها؟ الله تعالى أعلم، ولكن نحن نحذر جميع إخواننا المسلمين من استخدام آنية الذهب والفضة، اتخاذها واستخدامها في الأكل والشرب، ونقول لهم: ادخرها في الآخرة، والإنسان إذا ترك شيئاً لله فإن الله سبحانه وتعالى يعوضه خيراً منه، وهذا التنعم وهذا الترفه يجده إن شاء الله تعالى المسلم بإذن الله تعالى في جنات النعيم.

وقد جاء في حديث أم سلمة في بيان الوعيد الشديد الذي يشرب في إناء الفضة أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الذي يشرب في إناء الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم» متفق عليه. هذا الحديث وحديث حذيفة كلاهما حديث متفق عليه، لذلك هذا الحديث دل على وعيد شديد في حق من شرب في إناء الفضة أو شرب، ولا شك أن الذهب أشد منه.

هذا الضابط الأول من ضوابط باب الآنية، وهي أن نقول إن الأصل في الآنية الإباحة إلا إذا كانت آنية ذهب وفضة؛ فإنه قد ورد النص بتحريم الأكل والشرب فيهما، وقاس بعض أهل العلم على الأكل والشرب فيهما الانتفاع بهما بسائر أنواع الانتفاع، أو اتخاذهما كزينة، أو اتخاذهما كمغسلة ولو لم يكن انتفاعاً بهما؛ يعني أن الإنسان لا يجوز له أن يشكل الذهب والفضة في أشكال الآنية، لا يجوز له اتخاذها ولا يجوز له استعمالها كما ذكرنا.

أن هذا قياس على الحديث، وهذا القياس قد يقال إن له وجه، وقد يقال بالاختصار على النص، كلا الأمرين إن شاء الله تعالى قريب والله تعالى أعلم. ولعلنا نقف في فاصل هنا، ونعود إليكم إن شاء الله تعالى بعد الفاصل.

كلمات قصيرة تحمل بين طياتها تنبيهاً وتحذيراً خطيراً، وتوجه حواسنا ومداركنا إلى دورنا الحقيقي الذي سنحاسب عليه: كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته. فمن أهم أدوارنا الجديرة باهتمامنا في هذه الحياة التركيز على مسؤوليتنا تجاه رعيتنا؛ فالآباء الأبناء والاجيال، لذلك خصهم النبي صلى الله عليه وسلم بالذكر فقال: «والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها».

إن الأبناء زهرة الحياة وقرة أعين الآباء والأمهات، وبصلاحهم ودعائهم ترفع الدرجات في الآخرة، ولكن يجب أن ندرك أن ذلك مرهون بحسن تربيتهم وصلاح نشأتهم؛ فهنا كان لزاما علينا البحث عن أبرع الطرقات وأفضل الأساليب في التربية والتوجيه، ليكون أبناؤنا في قابل أيامهم مصدر بر وسعاده لنا، وسواعد خير وبناء للمجتمع والإنسانية.

مجموعة زاد تقدم لكم نخبة مميزة من إصداراتها: كتاب كيف عاندهم صلى الله عليه وسلم للشيخ محمد صالح المنجد، 40 نصيحة لإصلاح البيوت، أدرك أهلك قبل أن يحترقوا، المجمعات التجارية آداب وأحكام، زاد الحج، زاد الصائم، طوبى للشام، كيف تقرا كتاباً، معاني الأذكار، اترك أثراً قبل الرحيل، وكتاب بدعة إعادة فهم النص. لمزيد من المعلومات يرجى زيارة المواقع التالية.

قال بعض المتقدمين: مهما ظهر من الصبي من خلق جميل وفعل محمود فينبغي أن يكرم عليه ويجازى عليه بما يفرح به ويمدح بين أظهر الناس، فإن خالف ذلك مرة فينبغي أن يتغافل عنه ولا سيما إذا اجتهد في إخفائه، فإن إظهار ذلك عليه ربما يفيده جسارة حتى لا يبالي بالمكافآت، فإن عاد ثانية فينبغي أن يعاقب سرّاً ويعظم الأمر فيه.

نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونقول: إن الأصل في الآنية هو الإباحة؛ يجوز اتخاذها من الخشب، من البلاستيك، من غيرها من المواد الحديثة والقديمة، ولكن جاء في حديث حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه، وفي حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنهما، جاء في الحديث النهي عن اتخاذ آنية الذهب والفضة وبيان الوعيد الشديد فيهما، عذراً: النهي عن الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة والوعيد الشديد فيهما، وقاس أهل العلم عليها الانتفاع بهما بسائر وجوه الانتفاع.

ما معنى آنية الذهب والفضة؟ هل الآنية هي الوعاء؟ نقول: نعم، الآنية هي الوعاء، وغير الوعاء مثل القدور مثلاً، قدور الفضة مثلاً أو الذهب، أو مثلاً ما انتشر -للأسف يعني انتشر اليوم في هذا الزمان المعاصر عند الكفار وعند يعني بعض ضعاف الإيمان المسلمين- الملاعق والسكاكين أنها تكون مطلية بالذهب أو الفضة، مثلاً أو الكاسات أنها تكون أو الأباريق التي تستخدم أن يكون فيها ذهب أو فضة، الصحون، هذه كلها لا شك أنها من الآنية التي يحرم الأكل والشرب فيها.

مما يحرم الأكل والشرب فيها كذلك: الآنية التي يكون فيها شيء من الذهب والفضة، ليس بالضرورة الآنية تكون كلها فضة أو ذهب لا، وإنما لو كان فيها مثلاً عروة مثلاً ذهب أو فضة، مثلاً عروة، مقبض، مقبض الابريق أو الجالون أو الجك الذي فيه، أو مثلاً ممسك الملاعق أو السكاكين، الممسك يكون مثلاً ذهباً وفضة، بينما يكون مثلاً باقي السكين نحاسياً، هذا كذلك محرم؛ إذاً سواء كانت الآنية كلها ذهب أو فضة، أو كانت بعض مقابضها، أو بعض الأشياء فيها، أو كانت مطلية بالذهب والفضة، كذلك لا شك أن هذا والله تعالى، وكذلك يدخل في التحريم لأنها تسمى آنية ذهب وفصة.

جاء في حديث أنس رضي الله تعالى عنه أن قدح النبي صلى الله عليه وسلم انكسر، فاتخذ مكان الشعب -أي مكان الكسر- سلسلة من فضة، أي يمكن أن يقال إنه جبر لهذا الكسر لحامه بالفضة، وهذا الحديث فيه استثناء، استثناء من التحريم الوارد في حديث حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه.

هذا الاستثناء له قيود، وهو أن اتخاذ الفضة في هذه الآنية ليس اتخاذاً أصلياً، وإنما اتخاذ طارئ بسبب الكسر، إذاً هناك فرق بين أن تكون الفضة في عروة الإناء -بمعنى أنها هي المقبض الإناء- وبين أن يكون هناك شعر أو كسر مثلاً في الإناء أو في القدر فيلحمه.

إذاً اتخاذ الفضة هنا هو اتخاذ طارئ لحاجة، ومن أهل العلم كذلك من -وهذا قيد حسن- من قيده بأن لا تكون من الجهة التي يباشرها الآكل أو الشارب، فلا يتخذ مثلاً لا يكون هذا الشعب أو الكسر من الجهة لا يشرب من جهته، لا يكون في الجهة التي يقبض عليها بيده مثلاً إذا كانت عروة أو مقبض أو ممسك، وإنما تكون في جهة من الإناء لا يباشرها الآكل أو الشارب وبيده أو بفمه، فتكون جهة يعني في طرف في الإناء لا يباشرها الممسك بيده، وهذا هو الصحيح.

كذلك هذا القيد صحيح ذكره وهو رواية عن الإمام أحمد، وذكره واختاره الشيخ تقي الدين بن تيمية رحمه الله تعالى.

إذاً هناك قيد ثالث، وهو أن يكون هذا الشعب، أن يكون هذا الكسر -عذراً- أن يكون هذا اللحام من فضة، لا يكون من ذهب.

قد يقول قائل: لماذا لا تقيس الذهب على الفضة؟ نقول: إننا نقتصر على مورد النص؛ لأنه استثناء من حديث حذيفة، والذهب أعلى من الفضة، ولا يقاس الأعلى على الأدنى، وإنما العادة أن يقاس الأدنى على الأعلى، لذلك لو جاء الحديث مثلاً في الذهب لقلنا إنه يقاس الفضة عليه؛ لأن الفضة أدنى من الذهب، ولكن لا نقيس الذهب على الفضة في هذا اللحام؛ لأن الذهب أعلى من الفضة، لذلك نحن نبقي التحريم على ما هو عليه، ويستثنى منه ما جاء من القيود في حديث أنس رضي الله تعالى عنه، وهو أن قدح النبي صلى الله عليه وسلم انكسر فاتخذ مكان الشعب سلسلة من فضة، وهذا الحديث رواه البخاري. إذاً يمكننا أن نجعل هذه القيود، نراجع هذه القيود.

القيود مرة أخرى أنه هذا لحام وطارئ له حاجة لأجل الكسر وليس أصلياً، لذلك نحن نقول: أصلي وإن كان قليل لا يجوز، لكن هذا الآن طارئ لحاجة، لحاجة الكسر. الأمر الثاني: أن يكون من فضة ولا يكون من ذهب. القيد الثالث: ألا يكون من الجهة التي يباشرها الآكل أو الشارب، فتكون في طرف هذه الآنية أو طرف لا يمسكها بيده ولا يباشرها بفمه حين الشرب.

هنا مسألة نود التطرق إليها، وهو ذكرتم أنه لا يجوز الانتفاع بآنية الذهب والفضة، فلو أن ثَمَّ إبريق من فضة فيه ماء فتوضأ به انسان، فنقول لا شك أن هذا الفعل محرم، وذكرنا أن هذا قياس على، نقول إن هذا الفعل محرم قياساً على الأكل والشرب. طيب، ما حكم الوضوء؟ لاحظوا الآن أنه توضأ بهذه الآنية، وهذا الوضوء مده واستخدامه لهذه الآنية بهذا الشكل محرم، فهل يبطل وضوءه لأنه توضأ من آنية لا يجوز له استخدامها؟

هنا مسألة نحرك بها الأذهان قليلاً، نقول: إن ثَمَّ انفكاك بين الوضوء وشروطه وبين الآنية واستخدامها. فمثلاً نقول إن لبيان ذلك نقول: من شروط الوضوء طهارة الماء، ولكن ليس من شروطه أن يكون هذا الماء مصبوباً من آنية مباحة، فلو أن إنساناً أصلاً ما يستخدم الآنية، وإنما توضأ من النهر مباشرة يقول: هذا وضوء صحيح لا إشكال فيه تحققت شروطه. إذاً الآنية والضوابط المتعلقة بها في واقع الأمر ليست مرتبطة بشروط الوضوء، لكن بخلاف بخلاف المحرم إذا كان واقعاً في الماء، هاتوا مثالاً على محرم واقع، نقول: الماء النجس لا يجوز الوضوء به ولا يصح الوضوء به.

طيب، الماء المغصوب هل يصح الوضوء به أم لا يصح الوضوء به؟ هنا مسألة، لاحظوا الماء هو ما يتطهر به وهو مغصوب، هذه المسألة هي محل خلاف عند أهل العلم، وهي مسألة هل النهي يقتضي الفساد؟ ولعلنا إن شاء الله نتطرق إليها عند حديثنا في مسألة الصلاة في الدار المغصوبة، هل تصح الصلاة في الدار المغصوبة أم لا؟ إذاً لاحظوا هنا المحرم مرتبط بماذا في الماء المغصوب؟ مرتبط بنفس الماء الذي هو يتوضأ به، ولكن إذا كان في آنية، نقول هنا: ليس مرتبطاً لا بشّرطه ولا، مثل لو أن إنساناً مثلاً وهو يتوضأ مثلاً سأله إنسان سؤالاً فكذب في هذا السؤال، فكذب في الإجابة، نقول: هذا محرم لا شك، الكذب محرم، ولكن هل وقوع هذا الكذب أثناء الوضوء يبطل الوضوء؟ نقول: لا، لا يبطل الوضوء؛ لأن هذا المحرم ليس مرتبطاً بأركان الوضوء وشروطه، وإنما هو أمر خارج عن الوضوء.

مثال ذلك: لو أن إنساناً وهو صائم مثلاً يغتاب، هل يبطل صومه؟ نقول: إن الغيبة محرمة، ولكن ليس من شرط الصوم ألا يغتاب، وإنما الصوم له أركانه وشروطه، لذلك حقيقة ينبغي التنبه لهذه الفروق؛ نحن فرقنا بين كون الآنية مثلاً مغصوبة وكون الماء مغصوباً؛ لأن الماء هو ركن الوضوء وهو الذي يتوضأ به، بخلاف الآنية فهي أمر خارج عن الوضوء. نضرب لذلك مثلاً آخر حتى تتضح هذه القاعدة، فنقول مثلاً لو أن إنساناً لبس بدلة من حرير، رجل لبس بدلة من حرير، فهذا أمر محرم، هل تبطل صلاته؟ نقول: إن هذه المسألة، هذه مسألة، الأمر الثاني: إنسان لم يلبس البدلة من الحرير، وإنما ستر عورته بمعنى أن سرواله كان مثلاً من الحرير الذي يستر العورة، وستر العورة شرط من شروط الصلاة، فسترها بأمر محرم، لاحظتم الآن الفرق؟

إذاً لاحظوا، المحرم الأول ارتبط بماذا؟ ارتبط بالبدلة مثلاً أو الطاقية أو الشماغ أو كذا، وليس مرتبطاً بستر العورة، المحرم الثاني مرتبط بشرط ستر العورة في الصلاة، إذاً الحكم حكمهما مختلف، وسوف نتطرق إن شاء الله تعالى لتفصيل هذه القاعدة إن شاء الله تعالى في كتاب الصلاة، عن الحديث عن الصلاة في الدار المغصوبة بإذن الله تعالى وتفصيل أهل العلم وبيان المحرم إذا كان متعلقاً بشرط من الشروط أو كان أمرا خارجاً عن الشروط ما حكمه؟ ولكن مبدئياً نقول هنا إن الوضوء من آنية ذهب وفضة محرم قياساً على الشرب والأكل في آنية الذهب والفضة، هذا أولاً، وهذا التحريم يوقع الإنسان في الإثم، وهذا التحريم لا يؤثر على صحة الوضوء.

ما معنى قول أن لا يؤثر على صحة الوضوء؟ لو أن إنساناً توضأ من آنية الذهب والفضة ثم صلى، هل تقول له: يا اخي ترى وضوءك باطل وبالتالي صلاتك باطلة، يجب عليك أن تعيد الوضوء في آنية سليمة صحيحة ثم تعيد الصلاة؟ نقول: لا، لا يلزم هذا، لا يلزم، فهو قد وقع في أمر محرم ويجب عليه التوبة إلى الله سبحانه وتعالى من فعل هذا المحرم، وإن كان وضوءه صحيحاً، وبالتالي فإن صلاته صحيحة. إذاً أيها الاخوه والأخوات، نحن نفرق نقول: الآنية لا تؤثر على صحة الوضوء؛ إذ ليست هي من شروط الوضوء.

مما يحسن الحديث عنه كذلك في موضوع الآنية وهو آنية الجلود، التي كانت تتخذ، كانت الناس سابقاً قبل انتشار أواني البلاستيك والنحاس القدور، أواني الزجاج، أواني الميلامين وغيرها، كان ينتشر عندهم الآنية من الجلود، الآنية من الجلود يحفظون مثلاً الماء في قرب الماء التي تصنع من الجلد. ما حكم هذه الجلود؟ هل هي طاهرة أم، وهذه المسألة حقيقة فيها تفصيل، فنقول إن الجلود الصحيح فيها والله تعالى أعلم أنها تطهر بالدباغ، وأن الجلود تطهر بالدباغ، وقد جاء في حديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بشاة يجرونها، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا انتفعتم بإهابها»، فقالوا: إنها ميتة، فقال: «يطهوها الماء والقرض».

إذاً الصحيح والله تعالى أعلم أن الدباغة تطهر الجلود، وهذا متسق مع ما قررناه في دروس سابقه، وهو أن النجاسة أمر حسي يزول إذا زالت أسبابه، فإذا استحالت هذه النجاسة في هذه الجلود ودبغت وطهرت وأصبحت هذه الجلود من النشوق واليبوسة والرطوبة منها، فإنها حينئذٍ إن شاء الله تعالى تكون طاهرة ويجوز اتخاذها. فاصل ونعود إليكم إن شاء الله تعالى.

ابن حجر العسقلاني هو أحمد بن علي بن محمد المشهور بابن حجر وهو لقب لبعض آبائه العسقلاني الإامام الحافظ الفقيه الشافعي صاحب المصنفات المشهورة وأشهرها فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ومن مصنفاته أيضاً الإصابة في تمييز الصحابه والدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة والتلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير ونزهة النظر في توضيح نخبة الفكر وتقريب التهذيب وغيرها. انتشرت مصنفاته في حياته وأهداها الملوك وكتبها الأكابر، توفي رحمه الله سنة ٨٥٢ من الهجرة.

نعود إليكم بعد هذا الفصل الذي تحدثنا قبله عن حكم دباغة الجلود وهل هذه الدباغة تطهرها من الجلد؟ ومن المناسب الإشارة إلى بعض أقوال أهل العلم؛ فقد قال بعض أهل العلم إن الدباغة لا تطهر هذه الجلود، وقال بعض أهل العلم إن الدباغة إنما تطهر جلود الحيوانات التي كانت طاهرة حال الحياة، دون جلود مثلاً النمور والأسود التي كانت أصلاً في حال الحياة، ولكن الصحيح والله تعالى أعلم أن الدباغة تطهر الجلود عموماً؛ لأنها تزيل منها الرطوبة المنجسة لها وتنشق وتجعلها أشبه بالشيء اليابس الذي لا يكون أو لا ينقل أثره على الماء، أشبه بالامر اليابس الذي لا يؤثر.

من الجيد والمناسب عند حديثنا عن الأواني الحديث عن استعمال واستخدام أآنية الكفار، هل يجوز استعمال واستخدام آنية الكفار؟ هذه المسألة سألها أبو ثعلبة الخشني رضي الله تعالى عنه للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، إنا بأرض قوم أهل كتاب، أفنأكل في آنيتهم؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تأكلوا فيها إلا أن لا تجدوا غيرها فاغسلوها وكلوا فيها». فقد دلهم النبي صلى الله عليه وسلم على التنزه.

لماذا أيها الأخوة؟ لأن الكفار ربما أكلوا فيها لحم الخنزير مثلاً، وربما كانت هذه الأآنية يشربون فيها الخمور وغيرها مما يحرم على المسلم تناوله، لذلك الأولى للمسلم أنه يتنزه عنها. فإن احتاج إليها المسلم أو أراد أن يأكل فيها فلا مانع، لكن بشرط أن يغسلها ثم يأكل فيها، لماذا؟ لضمان زوال أي أثر من آثار مثلاً لحم الخنزير مثلاً أو الخمور أو شيء من الأمور المحرمة أو دهون الخنزير وشحومه؛ لا يجوز المسلم أن يتناول هذه الأشياء.

معنى آنية الكفار: آنيتها التي يستخدمونها، وليس المراد بآنية الكفار الأآنية التي يصنعها الكفار؛ لا. فلو قال لك انسان: والله ما حكم الأآنية المصنوعة مثلاً في بلاد الكفار؟ تقول: مثل المصنوعة في بلاد المسلمين، يعني يجوز استخدامها ويجوز أن الإنسان يأكل ويشرب فيها لا إشكال. هي الآن نحن نتحدث عن آنية الكفار بمعنى الأآنية التي يستعملونها ويستخدمونها وليست الأآنية التي تصنع في بلاد الكفار.

إذاً، الأآنية التي يستعملها الكفار ويستخدمونها نقول ينبغي للمسلم أن يتحرز منها؛ لأن الكفار لا يتورعون عن أكل لحم الخنزير فيها أو شرب الخمور فيها أو غير ذلك. لذلك لو قال قائل: إذاً ما حكم الأآنية النظيفه التي يستعملها الكافر أو التي لم يؤكل فيها مثلاً لحم خنزير ونحن متيقنون من هذا، مثلاً نظفها أمامنا وكذا ووضع فيها فاكهة، هل يجب والله أن نغسلها نحن ونأكل الفاكهة منها؟ أو وضع فيها مثلاً الأرز أو شيء من هذا من المطعومات أو المشروبات المباحة؟ نقول حينئذ مباح للإنسان أن يأكل منها.

ولكن إذا كان يشك أو يعرف عن هؤلاء الكفار أنهم يأكلون لحم الخنزير أو الخمر، فانه يجب عليه غسلها. لماذا قلنا إنها مباحه؟ بما جاء في حديث جابر رضي الله تعالى عنه، قال: كنا نغزو مع النبي صلى الله عليه وسلم فنصيب من آنية المشركين وأسقيتهم فنستمتع بها، فلا يعيب ذلك علينا، رواه أحمد وأبو داود وصححه الألباني. وقد جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل عند اليهود، وبالمناسبه اليهود والله تعالى أعلم أنهم لا يأكلون لحم الخنزير بخلاف النصارى اليوم فإنهم يأكلون لحم الخنزير.

وقد حرم الله سبحانه وتعالى عليهم، والواجب على النصارى الابتعاد، الواجب عليهم في دينهم هو تحريم لحم الخنزير؛ فإن النصارى لما نزل عيسى عليه السلام قد تعبدوا بشريعة موسى عليه السلام، وهم الآن متعبدون بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم. وقد اتفقت شريعة موسى وشريعة محمد وشريعة عيسى عليه السلام كما ذكرنا كلها على تحريم لحم الخنزير؛ لا يجوز للمسلم أن يتناول لحم الخنزير. لذلك نحن نقول: إذا كان الكفار مثلاً لا يعرف عنهم تناول هذه اللحوم، أو كان هذا الكافر بعينه مثلاً لا يشرب الخمر ويزعرف عنه هذا الأمر، وقدم إليك هذا العصير مثلاً، فانه لا يلزم أن يغسل الانسان هذه الأآنية ويتحرز لا، وخصوصاً أنه لا يعرف عنه.

لكن إذا كان والله هذا الإناء يشرب فيه الخمر ومرة يصب فيه عصير ومرة يشرب فيه الخمر ثم قدمه إليك، لا، ينبغي للمسلم التحرز وعدم الأكل والشرب من هذه الأآنية إلا بعد غسلها والتنزه عنها أولى. لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي ثعلبة الخشني: «إلا أن لا تجدوا غيرها فاغسلوها وكلوا فيها». فقد بين النبي صلى الله عليه وسلم الأمر الأعلى والأفضل، وهو مقام الأفضل الذي يتنزه فيه الإنسان عن آنيتهم، ثم بين النبي صلى الله عليه وسلم المقام المباح، وهو أن الإنسان يغسل آنيته ثم يأكل فيها.

بهذا يتبين لنا حكم الأآنية، أحكام الأآنية إجمالاً، وقد بينا في الأصل أن الأآنية مباحه، ثم بينا تحريم آنية الذهب والفضة، ثم بينا الاستثناء الذي في آنية الذهب والفضة، ثم بينا بعد ذلك الأآنية المتخذه من الجلود، وقلنا إن دباغ جلود الميته يطهرها إن شاء الله تعالى، وأن دباغها يكون بالماء والقرض، أو يستخدم فيه الملح، كذلك يستخدم اليوم بعض المواد الكيميائية التي تستخدم اليوم في الدباغة، هذه كلها إن شاء الله تعالى تطهر هذه الجلود سواء كانت هذه الجلود لميته طاهرة حال الحياة أو كانت لميته غير طاهرة حال الحياة؛ لأن الدباغ تطهيره بالتنشيف والتيبس وإزالة الرطوبة وما في هذا الجلد من المياه، وبالتالي يزول تأثير هذا الجلد على ما يوضع فيه إن شاء الله تعالى.

ثم بينا حكم استعمال آنية الكفار، وبينا أن الأصل للمسلم أن يتنزه عنها إذا كان هؤلاء الكفار يأكلون لحم الخنزير ويشربون الخمور، وأما إذا كان يعرف عنهم أنهم لا يأكلونها ولا يشربون، أو يعرف أن هذا كافر معين لا يشرب الخمر ولا يأكل لحم الخنزير فيها ولا دهون الخنزير ولا غيرها، فإن ذلك إن شاء الله تعالى تباح هذه الأآنية على ما جاء في حديث جابر أن يأكل الإنسان فيها، ولكن الأولى كما ذكرنا في حديث أبي ثعلبة الخشني أن الإنسان يتنزه عنها، فإن لم يجد غيرها فإنه يغسلها ويأكل فيها.

هذا مجمل أحكام الأآنية، وذكرنا مناسبة ذكر باب الأآنية بعد باب المياه؛ لأن هذه الأآنية يوضع فيها الماء الذي يتوضأ به، وذكرنا مسألة حكم الوضوء من آنية الذهب والفضة، وأن القياس تحريم هذا الوضوء، تحريم الوضوء منها قياساً على الأكل والشرب، ولكن هل يصح الوضوء أو لا يصح؟ هذه مسألة مهمة؛ لذلك أنا أنبه إخواني وأخواتي على التفريق بين مسائل الحل والحرمة ومسائل الصحة والبطلان.

مسائل الصحة والبطلان مسائل قد تقول الإنسان والله هذا حرام، ولكن لا يلزم من قولك أن هذا حرام أن الوضوء باطل أو أن الصلاة باطله أو كذا؛ لا، يجب أن نفرق بين مسائل التحريم والبطلان والصحة، هذه مسائل غير هذه المسائل، لذلك مسائل الإباحة والتحريم يتعلق بها الثواب والعقاب والأجر والعقاب، ويجب على الإنسان فيها التوبة. مسائل الصحة والبطلان يتعلق بها حكم الإجزاء، هل تجزئ وترفع التكليف وترفع الخطاب، أم أن الإنسان مخاطب باعاده هذا الفعل الذي لم يجزئ؟ الصحيح هو الذي يسقط الخطاب، الصحيح والمجزئ الذي يسقط الخطاب، وأما الباطل فهو الذي لا يسقط الخطاب ويجب على الإنسان أن يعيده أو يقضيه إذا كان قد خرج وقته.

إذاً، هذه قضية مهمة، التفريق بين الحلال والحرام، ما هي الأحكام التكليفية؟ الإباحة، التحريم، الكراهة، الندب، والوجوب، هذه أحكام تكليفية وهي مختلفة عن أحكام الصحة والفساد، كون الشيء سبباً لشيء أو مانعاً منه أو شرطاً له أو كونه مجزئاً، كونه يجب عليه الإعادة أو القضاء، هذه كلها يصطلح عليها أهل الأصول ويسمونها أحكاماً وضعية. نقف عند هذا القدر، وأيب بإخواني وأخواتي الطلاب والطالبات في الأكاديمية أن يرجعوا إلى صفحتهم في الموقع للإجابة عن سؤال الأسبوع. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم للعلم النافع وأن يجعلنا وإياكم ممن ينتفع بهذا العلم وأن يكون هذا العلم حجة له لا حجة عليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.