تسجيل الدخول

المحاضرة 1 - مدخل لدراسة عِلم الفقه، ومفهوم العبادة

منصور بن عبد الرحمن الغامديد. منصور بن عبد الرحمن الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، زدنا علما. اللهم هيئ لنا من أمرنا رشدا، وآتنا من لدنك توفيقاً وسداداً وصواباً.

إخواني وأخواتي الدارسين للعلم الشرعي، لا شك أن من اصطفاء الله سبحانه وتعالى وخيرته لكم أن يسر لكم سلوك سبيل طلب العلم، وابتغاء وتطلب دراسة دين الله سبحانه وتعالى؛ فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين». فإن من أراده الله سبحانه وتعالى بعبده الخير أن يفقهه في الدين، وأن يعلمه في دينه سبحانه وتعالى.

والفقه في الدين المراد في هذا الحديث أي العلم بدين الله وشرعه، وهذا مصطلح عام للفقه، وهو بخلاف المصطلح الخاص للفقه الذي سوف ندرسه إن شاء الله تعالى في هذه المادة؛ فان هذا المصطلح الخاص للفقه، وهو العلم بالأحكام الشرعية العملية، هو جزء من الفقه في دين الله العام، المصطلح العام الذي جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين».

إخواني وأخواتي، نذكركم قبل بدء هذه الدروس العلمية بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة». وهذا الطريق قد يكون طريقاً حسياً يمشي فيه الإنسان، وقد يكون طريقاً غير حسي، وإنما طريق معنوي، وذلك بقراءة الكتب ومطالعتها وحفظ المتون الشرعية ومدارستها. فلا شك أن هذه كلها طرق لطلب العلم وابتغائه، وهي من سبيل طلبه، وقد بشر النبي صلى الله عليه وسلم أن سالك طريق طلب العلم أنه يسهل الله له به طريقاً إلى الجنة.

إخواني وأخواتي، في بداية هذه الدروس الشرعية التي نود أن ندرس فيها مادة الفقه، نريد أن نقدم بين يدي هذه الدروس بمادة بسيطة أو بمقدمة بسيطة عن مادة الفقه. إن شرطي قبول العمل هما إخلاص النية لله سبحانه وتعالى، ومتابعة نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم، وهذان الشرطان جاءا في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: 110].

فقول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ فيه دلالة على الشرط الأول، وهو متابعة العمل لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن يكون على وفق سنة النبي صلى الله عليه وسلم، بعيداً عن البدع والضلالات والمحرمات وغيرها، بل يكون موافقاً صواباً صالحاً. وأما قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ ففيه دلالة على الشرط الثاني، وهو إخلاص العمل لله سبحانه وتعالى، وأن يبتغي المسلم بعمله وجه الله سبحانه وتعالى، وأن لا يصرف شيئاً من العبادة لغير الله سبحانه وتعالى.

إن علم الفقه يعنى بالشرط الأول، وهو أن يكون هذا العمل صواباً صحيحاً صالحاً. وأما الشرط الثاني فيعنى به علم الاعتقاد والتوحيد وعلم السلوك والزهد، هذا يعنى بالشرط الثاني وهو شرط الإخلاص لله سبحانه وتعالى وإخلاص العبادة وإخلاص النية لله سبحانه وتعالى. وأما مادة الفقه وعلم الفقه بالمصطلح الخاص فيعنى بالشرط الأول، وهو أن يكون العمل صالحاً صواباً على وفق سنة النبي صلى الله عليه وسلم، مقبولاً عند الله سبحانه وتعالى، صحيحاً صواباً مجزئاً، هذا هو ما يعنى به علم الفقه.

إذاً تفقه الدارس ودراسته لعلم الفقه يفيده في قبول عمله عند الله سبحانه وتعالى؛ لأنه يعمل هذا العمل على الوجه الصحيح الصواب المجزئ. وهذا يدلنا على أن التفقه في الدين ليس بمجرده كافياً، بل لابد من شرط آخر، وهو شرط إخلاص النية لله سبحانه وتعالى، وهو ما ذكرنا أنه يدرس في علم التوحيد وفي علم السلوك والزهد. إذاً إخواني وأخواتي، بهذا يتبين لنا أهمية الفقه، أهمية الفقه في دين الله، ويتبين لنا كذلك علاقته بعلوم شرعية أخرى.

مما يجدر التنبيه إليه ومما يعتبر من مجال دراسة الفقه أن الفقه يعنى بمجال الأحكام الشرعية العملية. والمراد بالأعمال التي يعنى بها الفقه هي أعمال البدن، كالصلاة والزكاه والصوم والحج، ولا شك أن الإيمان قول وعمل، والعمل يراد به في تعريف الإيمان عمل القلب والبدن. فأما أعمال القلوب كالخوف والرجاء والمحبه والإخلاص فهذه يعنى بها علم التوحيد والاعتقاد علم الإيمان علم السلوك والزهد، ولا يعنى بها علم الفقه، أما علم الفقه فيعنى بأعمال الأبدان.

إذاً من المهم لطالب الفقه أن يعرف مجال دراسة الفقه، ما هي الموضوعات التي يعنى بها الفقه؟ ما هي أهمية دراسة الفقه؟ إذاً موضوع علم الفقه هو علم أعمال الأبدان. هذا يقودنا إلى تعريف الفقه، ما هو تعريف الفقه؟ الفقه هو لغة الفهم، يقال فقهت هذا الأمر فهمته. وهو في الاصطلاح عند أهل العلم هو العلم بالأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية أو بأدلتها التفصيلية.

فقولنا العلم بالأحكام الشرعية معناها العلم بوجوب الشيء أو بندبه أو بإباحته أو كراهته أو حرمته، الأحكام الشرعية المتعلقة بالأعمال العملية، ولو أننا قيدنا العملية بقولنا أعمال الأبدان لكان هذا كذلك قيداً صحيحاً في هذا التعريف؛ فإن علم الفقه يعنى بأحكام أعمال الأبدان بأدلتها التفصيلية؛ لماذا؟ لأن الفقه هو معرفة الحكم بدليله، ومعرفة الحكم بدليله، وأما المعرفة المجرده بدون دليل فهذه لا تكون فقهاً بل هي تقليد مجرد. وأما الفقه فهو معرفة الحكم بدليله أو من دليله، والفرق بينهما أن قولنا معرفة الحكم من دليله هو خاصة المجتهد الذي يستنبط الحكم من الدليل، وأما معرفة الحكم بدليله فهذا يشترك فيه المجتهد وغيره من طلبه العلم والمتتبعين للمجتهدين الذين يتطلبون معرفة الأحكام ثم معرفة أدلتها وأوجه استنباط الأحكام منها.

إذاً من المهم لطالب الفقه في بداية دراسته للفقه أن يعرف أهمية الفقه وأنه يقود الإنسان لتحقيق الشرط الأول من شروط قبول العمل، وهو الاجزاء والصواب وكون العمل صالحاً. من المهم لدارس الفقه أن يعرف مجال الفقه وأنه هو في الأحكام العملية البدنية. قد يقول قائل: ألا تغنينا دراسة سنة النبي صلى الله عليه وسلم أو دراسة الحديث؟ لا تغني عن دراسة الفقه، أليس الإنسان إذا درس في سنة النبي صلى الله عليه وسلم صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم أو صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم فقد وصف مثلاً وضوء النبي صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، ووصف صلاته جماعة منهم مالك بن الحويرث رضي الله تعالى عنه، فاذا درس الإنسان وصف مثلاً صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم كما وصفها جابر رضي الله تعالى عنه، إذا درس الإنسان صفات هذه الأعمال على سنة النبي صلى الله عليه وسلم هل تغني هذه عن دراسة الفقه؟

في واقع الأمر أنها لا تغنيه عن دراسة الفقه؛ فإن دراسة الفقه فيها شيء أعمق وأبعد من دراسة صفات أفعال العبادات على ما جاء في سنة النبي صلى الله عليه وسلم. ما هو الفرق بينهما؟ أليس الفقه هو العلم بأحكام أفعال المكلفين؟ أليس أفضل الفقه وأفضل الممارسه والعمل هو أن يكون العمل على وفق سنة النبي صلى الله عليه وسلم؟ نقول نعم، ولكن الفقه يعنى بدراسة هذه العبادات من عدة نواح.

فمن الناحية الأولى يعنى بدراسة صفات الكمال، وهي الصفات العليا التي ندب الشارع إليها؛ صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم كما توضا صلوات الله وسلامه عليه، صفة الحج كما حجه صلى الله عليه وسلم، فالفقه يعنى بدراسة أحوال الكمال، أي الفعل الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم وندب إلى فعله الشارع. الصوم يبين لنا الفقه الصفه الكامله للصوم التامة التي تحقق الواجب والمندوبات وتبتعد عن المحرمات والمكروهات كذلك. هذه الصفة الكامله وهذه الصفة تعتمد في دراستها على سنة النبي صلى الله عليه وسلم بوجه كبير جداً، ولكن الفقه يضيف إلى هذا كذلك دراسة صفات الأجزاء.

فقد وصف لنا عثمان رضي الله تعالى عنه صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم. ولكن قد يتساءل إنسان: ربما مع قلة الماء الذي يمكنه أن يتوضأ به، ومع حاجته لماء آخر للشرب، قد يحتاج الإنسان إلى أن يتوضأ وضوءاً مجزئاً ليس على صفة الكمال الذي وصفه عثمان رضي الله تعالى عنه؛ قد يحتاج الإنسان في الحج مثلاً إلى فعل أمر ليس على صفة الكمال. فما هو القدر المجزئ في هذه العبادة؟ ما هو القدر الواجب؟

هذا مما يعنى به علم الفقه. إذاً، علم الفقه هو أوسع من دراسة صفات الأعمال على ما جاء في سنة النبي صلى الله عليه وسلم، لذلك يحتاج طالب العلم إلى أن يدرس الفقه.

هناك أمر آخر كذلك يحوجنا إلى تعلم الفقه ودراسته، وهو أن الفقه بالإضافة إلى كونه يدرس صفات الكمال وصفات الأجزاء، يبين لنا ما هي الأمور المحرمة والمبطلة والمكروهة في هذه الأفعال. فإذا عرض عارض مخالف لسنه النبي صلى الله عليه وسلم، فلو أن إنسانًا مثلاً توضأ وفصل بين غسله ليده ومسحه لرأسه بفاصل، ربما بمكالمة جوال مثلاً، هل هذا الففاصل يحوجه إلى أن يعيد الوضوء أم لا يحتاج إلى أن يعيد الوضوء؟ إن الفقه يعلمنا كيف التعامل مع هذه العوارض التي تعرض للإنسان في عبادته.

كذلك من أهمية دراسة الفقه دراسة النوازل التي يحتاجها المسلم، يحتاج المسلم إلى التعبد لله سبحانه وتعالى فيها. ما حكم الوضوء مثلاً بالمياه مثلاً التي مثلاً طهرت مثلاً من الصرف الصحي؟ لا شك أن هذه نازلة لم تكن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم. الصلاة، صفة الصلاة مثلاً في الطائرة، ما صفة الوضوء مثلاً إذا احتجت المرأة مثلاً أو وضعت المرأة على وجهها أو على يديها شيئاً من المكياج أو الزينة أو غير ذلك؟ هذه عوارض تعرض للأفعال؛ نوازل نزلت: أنواع من الزينة مثلاً، أنواع من السفر الطائرات، أنواع من طرق تطهير المياه، أنواع مثلاً نوازل متعلقة بالحج. كل هذه النوازل ليست منصوصة في سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فلذلك يحتاج طالب العلم أن يتفقه في الدين لمعرفة أحكام هذه النوازل وكيف التعامل من خلالها.

إذاً، قد لا تغنينا دراسة صفات الأفعال على وجه سنة النبي صلى الله عليه وسلم، لا تغنينا عن التفقه في دين الله، بل يحتاج الإنسان إلى التفقه لمعرفة صفات الكمال والأجزاء، لمعرفة العوارض التي تعرض والتعامل مع النوازل، وكل هذا بابه الفقه. وفاصل ونعود إليكم إن شاء الله.

قال ابن القيم رحمه الله: انفع الناس لك رجل مكنك من نفسه حتى تزرع فيه خيراً أو تصنع إليه معروفاً، فانه نعم العون لك على منفعتك وكمالك، فانتفع به في الحقيقة مثل انتفاعك بك أو أكثر.

أول قناة تعليمية شرعية في مجال التعليم الشرعي عن بعد تبث على القمر الأوروبي هوت بيرد بطريقه مؤصدة ميسرة تفاعلية قناة زاد العلمية. وتقدم لمشاهديها أكاديمية زاد للعلوم الشرعية، وتهدف إلى تقريب العلم الشرعي للراغبين فيه عن طريق شبكة الإنترنت وعن طريق قناة تلفزيونية فضائية. قناة زاد العلمية تاتيكم عبر الترددات التالية: الوطن العربي عبر نايل سات، القاره الأوروبية عبر قمر الهوت بيرد. قناة زاد العلمية.

نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونرجع إلى حديثنا حول مجالات الفقه ودراسته وأهميته وحاجة طالب العلم والمسلم إلى التفقه في دينه. فنقول إن النوازل لا يستطيع أن يتعامل معها طالب العلم إلا من خلال آلة الفقه ودراسته؛ فيكيف هذه النوازل وينظر إليها، يقيسها على ما كان في سنة النبي صلى الله عليه وسلم، على ما جاء في النصوص الشرعية، حتى يستنبط لها الأحكام الشرعية المناسبة لها.

لذلك لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه إلى اليمن قال له: يا معاذ، بما تقضي؟ قال: بكتاب الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنة رسول الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو.

انظر اخي الدارس واختي الدارسة، انظر كيف نشأ الاجتهاد هكذا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الحادثة، في هذه الواقعة، لما كان معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن. لا شك أن بعده عن النبي صلى الله عليه وسلم وعدم إمكان الرجوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم عند نزول نازلة ليست منصوصة في كتاب الله أو في سنة رسول الله، جعل معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه يتجه إلى الاجتهاد. والاجتهاد هو قياس على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو غير ذلك من أبواب الاجتهاد في النوازل.

ثم تتابعت النوازل في زمن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، وفي زمن عمر الفاروق، ولا زالت تزداد يوماً بعد يوم إلى زماننا هذا الذي تكاثرت فيه النوازل تكاثراً عجيباً. تغيرت وسائل الاتصالات، وسائل النقل وغيرها من الوسائل، والكهرباء والطرق والبناء، كل هذا لا شك له أثره على دراسة الفقه، يحتاج طالب العلم أن يتفقه في دينه لمعرفة أحكام الله سبحانه وتعالى المتعلقة بهذه النوازل.

مما يححسن التنبيه إليه، وهو أن طالب الذي درس الفقه لا ينبغي له أن يستغني عن العلوم الأخرى، فانه يحتاج بالإضافة إلى درسه للفقه إلى درس العقيدة والإيمان والتوحيد والزهد والسلوك والتفسير والحديث؛ لأن الدين جملة واحدة. فإذا كان الفقه يعلمك أحكام أفعال الأبدان، فلا بد أن تكمل هذا بأعمال القلوب، ولا بد أن تكملها بالإخلاص لله سبحانه وتعالى، ولا بد أن تكمل هذا كله بدرس الفضائل والترغيب والترهيب ليكون حافزاً لك إلى عبادة الله سبحانه وتعالى.

لذلك من الأخطاء التي يقع فيها بعض طلّاب العلم أنهم يستغنون بدراسه الفقه عن غيره من العلوم، وهذا في الحقيقة لا يغنيهم، فإن المسلم يحتاج إلى دراسة الفضائل والإيمان وأعمال القلوب. كما أن من الأخطاء التي يقع فيها بعض طلّاب العلم أنه يدرس علوماً أخرى يستغني بها عن درس الفقه. وفي واقع الأمر أن طالب العلم يحتاج مع درس الفقه إلى هذه الأمور، ويحتاج إلى درس العقيدة، ويحتاج مع درس العقيدة والزهد والإيمان والتفسير إلى درس الفقه ليعرف كيف يعبد الله سبحانه وتعالى.

إن ماده الفقه ماده عظيمه جليلة القدر، وهي من أجل وأنفع العلوم، لأنه به يعرف السالك إلى الله سبحانه وتعالى طريق الوصول إليه. وقد قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم امر المسلم بان يدعو الله سبحانه وتعالى في كل ركعة من صلاته: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: 6]. إن هدايه الصراط المستقيم تحتاج أولاً إلى معرفة هذا الصراط. كيف تكون معرفة هذا الصراط إلا بمعرفة العبادات الموصلة إلى الله سبحانه وتعالى وتمييزها عن العبادات التي لم يشرعها الله سبحانه وتعالى، تمييزها عن المحرمات التي نهى الله سبحانه وتعالى عنها؟ إذاً دراسة الفقه يمكننا أن نلخصها فنقول: هي معرفة الصراط المستقيم، الصراط الموصل إلى الله سبحانه وتعالى، ومعرفة عوارض هذا الصراط التي تسلك أو معرفة السبل الأخرى التي تسلك بالمسلم إلى طريق آخر غير الصراط المستقيم.

إن دراسة أعمال وأفعال المكلفين يمكن أن نقسمها إجمالاً إلى أقسام كبيرة. فنقول: إن أفعال المكلفين إما أن تكون من أوجه العبادات، وهذا ما عقد له الفقهاء قسماً في كتب الفقه سموه قسم العبادات. اشتمل هذا القسم على بيان الوضوء والغسل والصلاة والزكاة والصوم والحج باعتبار أن هذه أصول العبادات على ما جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بني الإسلام على خمس». لذلك تكلم اهل العلم عن هذه الأركان الخمس في أول كتاب الفقه؛ لأنها أجل أركان الدين وأعظمها.

ثم بعد ذلك انتقل الفقهاء إلى قسم آخر -ونحن نريد أن نعرض هنا إلى اقسام الفقه إجمالاً- ثم انتقل الفقهاء إلى قسم آخر وهو قسم يعنى بالمعاملات، وهذه المعاملات إما أن تكون معاملات أسرية تكلموا عنها في كتاب

النكاح وما يتبعه من أبواب؛ مثل بيان أحكام الخطبة، مثل بيان أحكام العقد (عقد القران)، مثل أحكام النفقة، مثل أحكام العشرة بالمعروف، مثل أحكام الطلاق والخلع، وغيرها من الأحكام التي تتبع النكاح. ومن هذه المعاملات ما يحتاجه المسلم لمعيشته؛ مثل البيع والشراء، القرض، الرهن، وغيرها من المعاملات التي يحتاجها الناس لتسيير أمورهم المالية والمادية. وهذه عقد لها الفقهاء كتب المعاملات المالية، فعقدوا مثلاً أبواب البيع، والربا، والصرف، والرهن، والقرض، والسلم، والإجارة، وغيرها من الأبواب التي يحتاجها المسلم لتسيير أموره المعاشية. وغير ذلك، هناك كتب أخرى عقدها الفقهاء لبيان أحكام التبرعات؛ فمثلاً من ذلك كتاب الهبة والوصية والوقف، وهي أنواع من أنواع المعاملات التي يتقرب بها المسلم إلى الله سبحانه وتعالى.

من الكتب الفقهية أو الأقسام الفقهية التي تكلم عنها الفقهاء كذلك وعقدوا لها أبواباً: كتاب الميراث، وهو التصرف في أموال الإنسان بعد وفاته، وقد قسم الله سبحانه وتعالى هذه الحقوق على الورثة بقسمة دقيقة ذكرها الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم كما جاء في سورة النساء. وبين النبي صلى الله عليه وسلم أشياء أخرى كذلك بالإضافة إلى ما جاء في القرآن الكريم، واجتهد أهل العلم في بيان أنواع المواريث وأحكامها.

من الاقسام التي يتكلم عنها الفقه كذلك هي المحرمات التي حرمها الله سبحانه وتعالى، والزواجر التي شرعها الله سبحانه وتعالى لمن وقع في هذه المحرمات، وهي الحدود؛ هذه الزواجر والجواوبر. هذه الحدود تكلم عنها الفقهاء، هذه المحرمات تكلم عنها الفقهاء، وكذلك مثل ما حرم الله سبحانه وتعالى من الزنا، ما حرمه الله سبحانه وتعالى من السرقة، ما حرمه الله سبحانه وتعالى من شرب الخمر؛ تكلم عنها الفقهاء عن أحكامها وعن أحكام إقامة الحدود فيها وما يقتضيه إقامة حدودها كذلك من القضاء والشهادات وغيرها.

إذاً، هذه إجمالاً أقسام الفقه. وهناك أبواب أخرى تكلم عنها الفقهاء؛ مثلاً ما يتعلق بالأخلاق أو غيرها. هذه أقسام الفقه إجمالاً، يمكن أن نجعلها: عبادات، ومعاملات أسرية، ومعاملات مالية، وحدود وجنايات. هذه أقسام عامة للفقه يتخللها أقسام أصغر منها أو أبواب أصغر منها؛ مثل أبواب متعلقة باللباس والزينة، مثل أبواب متعلقة بالمطاعم والمشارب والتداوي. تتخلل هذه الأبواب، ولكن هذه أقسام يدخل تحتها أبواب كثيرة.

في بداية درسنا الفقه، سوف نعنى إن شاء الله تعالى بدراسة القسم الأول، وهو قسم العبادات. قسم العبادات كذلك ينقسم إلى أبواب، قسم العبادات ينقسم إلى كتب وأبواب، كما ذكرنا أن أهم ما في العبادات أو أهم دعائمها وأرکانها التي وصف النبي صلى الله عليه وسلم بأن الإسلام قد بني عليها هي الأركان الخَمْسَة، يسميها العلماء المباني الخمسة: الصلاة، الزكاة، والصوم، والحج، يسبقها شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. وهذه الشهادة يتكلم عنها أهل التوحيد والاعتقاد أكثر من كلام أهل الفقه عنها، ولكن أهل الفقه يعنون بالمباني الأربع الأخرى، وهي المباني العملية التي بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث العظيم دعائم الإسلام وأركانه التي بني عليها.

حين يبدؤون بحديثهم عن كتاب الصلاة، لا شك أن الصلاة يتقدمها شروط، لذلك اعتنى أهل العلم ببيان شروطها التي تتقدم عليها، ومن هذا الباب اعتنوا بكتاب الطهارة وابتدؤوا به في كتبهم الفقهية، لأن الطهارة مقدمة للصلاة؛ فالله سبحانه وتعالى كما جاء في الحديث: «لا يقبل الله صلاة بغير طهور» ، «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ». وكما جاء في آية المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: 6]. فلأجل أن الوضوء والغسل وهذه الطهارة هي مقدمة للصلاة، ابتدا أهل العلم وأهل الفقه حديثهم في كتب الفقه بالحديث عن الطهاره لأجل أنها مقدمة للصلاة. وثمة مناسبة أخرى لطيفة، وهي أن الطهارة تعد تخلية، والتخلية يقول أهل العلم أنها تكون قبل التحلية؛ فلاجل هذا تحدث أهل العلم في بداية كتبه الفقهية عن الطهارة.

والطهارة كما ذكرنا هي مقدمة الصلاة، ثم تحدثوا عن الصلاة وأركانها وشروطها وهيئاتها واجباتها ومحرماتها مسنوناتها ومكروهاتها، ثم بعد ذلك انتقلوا إلى كتاب الزكاة ثم الصيام ثم الحج. إذاً، سوف نشرع إن شاء الله تعالى بالحديث عن الطهارة، لماذا؟ لأنها مقدمة الصلاة، وهي طريقة الفقهاء في درسهم الفقهي. فاصل ونعود اليكم ان شاء الله تعالى.

هل أنت حريص على تصحيح عباداتك؟ هل ترجو أن يتقبلها الله؟ اطلب العلم، إذ لا تصح العبادة إلا به، قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلِلْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: 19]. وشرط قبول طلب العلم الإخلاص فيه، بلا تريد به إلا وجه الله، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: 11]. وبالإخلاص صحة الفهم وقوه الاستنباط، قال صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين». وبالإخلاص يذعن المتعلم للحق ويقبل النقد، قال الذهبي: علامة المخلص أنه إذا عوتب لا يبرئ نفسه، بل يعترف ويقول: رحم الله من أهدى الي عيوبي. ويجب أن يتوفر الإخلاص في التعلم والتعليم والتأليف، قال أبو داود الطيالسي: ينبغي للعالم إذا حرر كتابه أن يكون قصده بذلك نصرة الدين، لا مدحه بين الأقران لحسن التأليف. فأخلص النية واحذر من فسادها كطلب العلم لأجل المال والثروة أو الجاه والشهره أو المراء والجدل، أن ذلك يفسد العمل، قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: 23].

نعود اليكم بعد الفاصل ونتابع حديثنا عن قسم العبادات. إن قسم العبادات يبتدئ به الفقهاء في حديثهم، لأنه كما ذكرنا هو دعائم الإسلام وأركانه الأساسية التي بني عليها. من الجيد أن ننبه إلى أن هذه العبادات لها خصائص تتميز بها عن غيرها من الأقسام. ما هي الخصائص الأساسية التي تميز بين العبادات والمعاملات مثلاً؟ بين العبادات الصلاة، الزكاة، الصوم، الحج، وبين البيع والشراء والإجارة والرهن وغيرها؟ يمكن أن نستنبط بعض الخصائص.

العبادات أيها الاخوة والاخوات مبناها على التوقيف، فلا يصح للمسلم أبداً أن يتعبد لله إلا بما شرعه الله؛ فليس يجوز للمسلم ولا يحق له أن يتعبد لله وأن يتقرب إلى الله مثلاً بعبادة يخترعها من عنده. فمثلاً لو قال إنسان: أنا أريد أن أتعبد لله مثلاً بالصمت، أريد أن أتعبد لله مثلاً بجلسة معينة، أريد أن أتعبد لله بصلاة سادسة، أريد أن أزيد بدل أن تكون في هذه الصلاة في الركعة بدل أن تكون يعني فقط ركوع وسجود نريد أن نجعل ثلاثة؛ نقول: لا يجوز المسلم أبداً أن يخترع في هذه العبادات شيئاً، فإن الاختراع في هذه العبادات تعبد بما لم يشرعه الله يعد من البدعة. لذلك جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم (حديث عائشة رضي الله تعالى عنها): «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» أي مردود عليه، وفي الروايات الأخرى: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد». وقال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3]. لذلك من خصائص العبادات التوقيف، وألا يعبد المسلم ربه إلا بما شرعه الله سبحانه وتعالى له.

والله سبحانه وتعالى شرع هذه العبادات على رتبتين: الرتبة الواجبة، وهذه يجب على كل مسلم أن يقوم بها؛ والرتبة الأخرى هي الرتبة المستحبة والمندوبة. لذلك المسلم يحتاج إلى أن يقوم، يجب عليه أن يقوم بالأمر الواجب، ثم يجتهد فيما شرعه الله سبحانه وتعالى من النوافل. ولا يجوز له أن يخترع عبادة جديدة من عنده.

لذلك مثلاً إذا قال إنسان: أنا أريد أن أتعبد لله سبحانه وتعالى بأن أقف في الشمس، كما أن الصوم شرعه الله وفيه مثلاً كما أن الصوم شرعه الله وفيه إمساك عن المأکولات والمشروبات والجماع الذي أباحه الله، وهذه كلها شهوات محببة إلى النفس فانا أريد أن أمنع نفسي، قياساً أريد أن أمنع نفسي من الاستظلال والمكيف فأقف في الشمس والحر تعبداً لله سبحانه وتعالى مثل ما يتعبد الصائم بالامساك عن الطعام والشراب؛ نقول له: لا، هذا لا يصح أبداً، وتعبدك بالوقوف في الشمس ما هو إلا إتعاب لنفسك.

تتعب به نفسك لا يقبله الله سبحانه وتعالى منك، لأن وقوفك في الشمس لم يشرعه الله سبحانه وتعالى. فإن كان عندك اجتهاد في العبادة، فاجتهد في الصوم الذي شرعه الله سبحانه وتعالى لك. إذا قمت بالواجب اجتهد في الصوم المندوب، إذا قمت بالزكاة الواجبة فاجتهد في الصدقة المندوبة، إذا قمت بالحج الفريضة فاجتهد في الحج والعمرة المندوبة، إذا قمت بالصلوات التي فرضها الله سبحانه وتعالى عليك فاجتهد في نوافل الطاعات، ولكن لا يجوز لك أن تخترع من العبادات ما لم يشرعه الله سبحانه وتعالى.

لماذا قلنا أن هذا من خصائص العبادات؟ لأن المعاملات يجوز للناس أن يبتكروا فيها، يجوز للناس أن يبيعوا ويشتروا، ويخترعوا من أنواع الإيجارات والبيوع والسلم والرهونات ما لم يكن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم. فمثلا لو قال انسان إن الشركات المساهمة مثلا محرمة لأنها لم تكن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، قلنا: لا، إن الشركات هي من أنواع المعاملات، والمعاملات يقوم الناس فيها بما يحتاجون إليه، ما يحقق أغراضهم، ما يقوم بحياتهم وشؤونهم، وليست هذه المعاملات توقيفية.

لو جاء انسان وقال: يا إخواني، لا يحق لكم إلا أن تطبقوا الشركة التي كانت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وهي شركة المضاربة مثلا أو شركة العنان فقط، ولا يحق لكم أن تبيعوا إلا بالبيع الذي كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم على الهيئة التي كانت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، لا يحق لكم أن تبيعوا من خلال الإنترنت مثلا، نقول: لا، إن طبيعة المعاملات هي غير طبيعة العبادات. العبادات لا يحق للمسلم أن يعبد الله إلا بما شرعه الله، واما المعاملات فإن للناس أن يبتكروا فيها ما يحتاجون إليه، مثلا: البيع والشراء من خلال الإنترنت، الشركات الحديثة التي يحتاجها الناس، مثلا أنواع الإيجارات، الوظائف المعاصرة اليوم هي نوع ذو طبيعة خاصة من أنواع الإيجارات.

مثلا بيع التذاكر هو لا شك أنه من بيع تذاكر الطيران، بيع دقائق الاتصال، لا شك أن هذه بيعات مستحدثة استحدثها الناس تقوم بأغراضهم اليوم. لذلك نلحظ إخواني وأخواتي أن التعاليم الشرعية جاءت في أبواب المعاملات على صفات النهي؛ نهى الله ورسوله عن الربا، نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الغرر مثلا، نهى الله سبحانه وتعالى عن أكل المال بالباطل. لماذا جاءت التشريعات في أبواب المعاملات بطريق النهي؟ استنبط منها أهل العلم فائدة، وهي أن الابتكار في هذه المعاملات لامحدود، يمكن للناس أن يبتكروا من المعاملات ما يحتاجون إليه طالما أنهم راعوا هذه المنهيات.

بخلاف أبواب العبادات جاءت بالتشريعات والاوامر، جاءت بصفة الصلاة، صفة الحج، الأمر بالزكاة، الأمر بالوضوء، الأمر بالأذان، هذه أنواع العبادات التي لا يحق للمسلم أن يتعبد لله بخلافها. إذا لاحظوا الآن كيف هذا الفرق بين طبيعة العبادات وطبيعة المعاملات، يجب أن نستحضر هذا الفرق في دراستنا للفقه، لأننا إن شاء الله تعالى سوف نمر على أبواب من أبواب العبادات، هذه اصول مهمة، وسوف نمر إن شاء الله تعالى بإذن الله تعالى في دراسة لاحقة على أنواع من المعاملات ينبغي لطالب الفقه وطالب العلم والمسلم أن يدرك الفروق.

لو قال لك قائل: ما حكم أن تبني بيتا بالإسمنت؟ وما هو الدليل على جواز البناء بالإسمنت مثلا؟ ما هو الدليل على جواز ركوب السيارة؟ إن الرد الطبيعي أن تقول له: إن هذه من معاملات الناس التي أباحها الله، وليست من العبادات الشرعية التي لا يتعبد الناس فيها إلا بما شرعه الله، وإنما هذه من المعاملات التي أباحها الله، ما هو دليلك أنت على تحريمها؟ إذا طالما أن هذه الأشياء من المعاملات التي يتعامل بها الناس ولم يحرمها الله سبحانه وتعالى ولا رسوله، وليست في قياس ما حرمه الله ورسوله، معنى ذلك أنها على أصل الحل والإباحة.

إذا، بعد أن تطرقنا إلى هذا الفرق، نريد أن ندلف إن شاء الله تعالى إلى أول أبواب كتب الفقه ألا وهو كتاب الطهارة مقدمة الصلاة. كتاب الطهاره يعبر الفقهاء دائما بقولهم: كتاب وباب. هذا التعبير يراد به التصنيف، فلذلك يقولون: هناك قسم، وهناك كتاب، وهناك باب، وضمن هذا الباب هناك فصل. اليوم تلاحظون مثلا في الرسائل العلمية هناك مثلا قسم ثم باب ثم فصل ثم مبحث ثم مطلب، غرضها التقسيم والتصنيف. فهناك كلما كثرت مسائل الباب وتنوعت وتعددت الابواب عقدوا لها كتابا، فإذا كان هذا الباب قليل المسائل عقدوا له بابا، فإذا كان هذا الموضوع مسائله اقل وتندرج فيما هو اشمل وأعم عقد لها فصلا، وهكذا.

إذا قولنا كتاب؛ كتاب لأنه يتضمن أبوابا تحته، وهو من الاتساع والشمول ما استدعى في نظر الفقهاء أن يعقد له كتابا. فلذلك تكلم الفقهاء عن كتاب الطهارة. ما هي الطهاره؟ الطهارة لغة هي النظافة والنزاهة، والطهاره في لفظ الشارع يراد بها معانٍ. المعنى الأول: الطهارة من الشرك والطهاره من رجس المعاصي، لذلك قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: 28]، فالشرك لا شك أنه من اعظم الخبائث والانجاس التي تنجس قلب المسلم، ولا شك أن المعاصي تعتبر من الأدران، لذلك جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «اغسلني من ذنوبي وخطاياي بالماء والثلج والبرد»، لأن هذه المعاصي أدران أيها الإخوان والأخوات.

في لفظ الشارع جاء لفظ الطهارة بمعنى التطهر من هذه الذنوب والمعاصي، لذلك قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: 33]. فلا شك أن هذه طهارة؛ طهارة القلب، طهارة معنوية، طهارة من رجس الذنوب والمعاصي والادان والعياذ بالله.

كذلك جاءت الطهارة في لفظ الشارع بمعنى آخر وهو غير الطهارة من الذنوب والمعاصي وأداني الشرك والكفر، وإنما هي الطهارة الاصطلاحية التي يتحدث عنها الفقهاء في كتبهم، وهي طهارة الوضوء وطهارة الغسل. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: 6]، معنى فاطهروا: الغسل أي عمموا ابدانكم بالغسل، وهذه هي الطهارة بالمصطلح الخاص. إذا الطهارة لها معنيان: الطهارة بالمصطلح العام بمعنى طهر نفسك بالتوبة من الذنوب والمعاصي، المعنى الآخر الوارد في آية المائدة: ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: 6] أي اغتسلوا تهيئه لهذه الصلاة. مثلا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يقبل الله صلاة بغير طهور»، الطهور المراد به الوضوء، أي يجب على المسلم أن يتوضأ، ولا يقبل الله سبحانه وتعالى صلاته حتى يرفع حدثه الأصغر والأكبر بالوضوء وبغسل من الجنابة إن كان عليه جنابة مثلا. إذا هذا اصطلاح خاص بمعنى الطهارة.

هناك من الآيات مثلا قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: 4]، هناك من أهل العلم من حملها على الطهارة من رجس الشرك، وهناك من أهل العلم وأهل الفقه من استدل بها على طهارة الثوب من الاقذار والنجاسات أي النجاسات الحسية، وهذا معنى آخر للطهارة وهو التطهر من النجاسة الحسية. ما الفرق بين الطهارة بالمعنى الثاني وهي رفع الحدث، والطهاره بالمعنى الثالث وهي ازاله النجاسة؟ ازالة النجاسة الحسية من البدن والثوب. هناك فرق، فالطهارة بالمعنى الثاني هي رفع للحدث والحدث أمر معنوي، أما الطهارة بالمعنى الثالث فهي ازالة للنجاسة الحسية من بدن الإنسان أو ثوبه أو مكانه.

ما الفرق بين النجاسة أو ما يسميه بعض أهل الفقه يسمونه الخبث، والحدث؟ ما الفرق بين النجاسة والخبث من ناحية، والحدث من ناحية أخرى؟ نقول: الحدث أمر معنوي والنجاسة والخبث هي أمر حسي. الحدث معنى قولنا أمر معنوي: لما تنظر إلى انسان، هل تستطيع أن تميز هو محدث أو ليس بمحدث؟ لا يمكنك أن تميز هل هو محدث أو غير محدث. وإنما تنظر اليه، ولكن هل تستطيع أن تميز فتقول إنها في بدنه أو على ثوبه نجاسة أم لا؟ نعم، مثلا إذا كان على ثوب الطفل أو على ثوب الأم مثلا التي ترضع صبيه مثلا شيء من بول هذا الصبي مثلا أو غائط، هذا لا شك أنه نجاسة تحتاج إلى تطهير. ولكن الحدث هو أمر معنوي، وهو وصف يقوم بالبدن لا يميز حسيا، وإنما الحدث مثلا سببه النوم مثلا، سببه أكل لحم الإبل.

مثلاً هذه أحداث يرفعها المسلم بالوضوء والغسل، وأما النجاسة فيرفعها المسلم بإزالتها من على ثوبه، أو إزالتها من بدنه، أو مكانه. وسوف نفصل إن شاء الله تعالى في لقاء قادم بإذن الله تعالى أنواع هذه الطهارة بإذن الله تعالى، والتفريق بين طهارة الحدث وطهارة الخبث، والطهارة من الشرك.

ونقف عند هذا القدر، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

يا راغباً في كل علم نافع متطلعاً لزيادة الإيمان وتريد سهلاً النوال ميسراً يأتيك ميسوراً بأي مكان زاد زاد أكاديمية ينبوعها صاف صاف ليروي غلة الظمآن وتعلم الفقه الميسر عاملاً بالشرع دون تعصب لفلان بشرى لنا زاد أكاديمية للعلم كالازهار في البستان