تسجيل الدخول

المحاضرة 18 - الدماء الخارجة من المرأة

منصور بن عبد الرحمن الغامديد. منصور بن عبد الرحمن الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا، اللهم انفعنا بما علمتنا وزدنا علما. إخواني وأخواتي، هذا هو الدرس الثامن عشر من سلسلة دروس الفقه في أكاديمية زاد، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل هذه الأكاديمية وأن يجعل هذه الدروس مباركة، وأن ينفعنا فيها بما قلنا وما سمعنا، وأن يجعل هذا العلم حجة لنا لا علينا. إخواني وأخواتي، لازلنا معكم في دراسة مسائل كتاب الحيض، ونلخص ما اخذناه في الدرس السابق، قلنا ذكرنا تعريف الحيض والنفاس، وقلنا صفات، وقلنا إن المسائل التي تدرس في كتاب الحيض على نوعين: المسائل الأولى المتعلقة بحقيقة الدم، هل هو حيض أم ليس بحيض، هل هو حيض أم دم عرق.

والجنس الثاني من المسائل يتعلق بالأحكام الشرعية للحائض، والأحكام الشرعية لمن أصابها دم العرق أو المستحاضة كما يسميها أهل العلم. إذا، ربما بعض الناس يشكل عليه اللفظ، مستحاضة، مستحاضة ليس معناها حائض، الحائض غير المستحاضة، وإن كانت كلها مشتقة من نفس الأصل حاضت، لا، الحائض غير المستحاضة. طيب، المستحاضة هي التي أصابها دم العرق كما وصلنا وبينا نحن في الدرس السابق، فنرجع فنقول: إن الجنس الأول من المسائل وهو المتعلق بحقيقة الدم تمييزه هل هو دم حيض أم دم عرق، وقد جاء هذا أصل التفريق هذا في الصحيح من حديث عائشة رضي الله عنها في قصة فاطمة بنت أبي حبيش أنها قالت: يا رسول الله، إنِّي أُستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ قال: «لا، إنما ذلك عرق وليس بحيض».

الدم المستمر مع المرأة دائماً لا ينقطع هذا قطعا ليس بحيض، وإنما بعضه حيض وبعضه دم عرق، كما وجه النبي صلى الله عليه وسلم به فاطمة بنت أبي حبيش رضي الله تعالى عنها، قالت: فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي، متفق عليه. أي تصلي، وإن كان هذا الدم يخرج منها لكنه مثل دم العرق، مثل دم الجرح، لو كان إنسان عنده جرح يخرج منه دم مثلا بطريقة معتada ويصلي فإنه يصلي، لا يترك الصلاة لأجل هذا الجرح. فالنبي صلى الله عليه وسلم دلنا على أصل التفريق بين دم الحيض ودم الاستحاضة. بحث أهل العلم معايير التفريق بين هذين النوعين، وذكرنا أن ثمة معيارين قويين، وأن ثمة معيارا ثالثا ورابعا ضعيفين واستبدلنهما بمعيار خامس. المعيار الأول القوي وهو الرجوع إلى صفات الدم، وقلنا إن دم الحيض دم أسود ثخين له رائحة ولا يتجمد. المعيار بخلاف دم العرق فانه دم أحمر قاني رقيق ليس له رائحة ويتجمد.

المعيار الثاني للتفريق بين دم الحيض ودم العرق، قلنا الرجوع للعاده التي اعتادتها المرأة، وهذا المعيار ليس دائما، ليس معيارا دائما. طبعا هذا الترتيب في الحقيقة هو ترتيب في القوة، هو ترتيب في القوة: أقوى شيء الرجوع لصفة الدم، الثاني الرجوع للعاده، وهذا ليس في حق كل النساء؛ لأن في بعض النساء تكون مبتدأة، يعني أول ما يجيها الحيض فيسال معها الدم بشكل متصل، حيض مع استحاضة، هذه ليس لها عادة ترجع إليها، وهذه يسميها الفقهاء المبتدأة المستحاضة. المبتدأة المستحاضة لا شك أن هذه من أشق المسائل، المبتدأة المستحاضة، لماذا؟ لأنه ليس لها عادة ترجع إليها وكيف ابتداها الحيض؟ ابتداها الحيض بسيلان دم متصل باستحاضة، لكن قد يوجد أنه امرأة تبتدئ حيضها بحيض مع استحاضة فيشكل عليها؛ لماذا؟ ليس لها عادة ترجع إليها، فلا يبقى عندها إلا معيار التمييز وفقا للصفات.

وذكرنا أن هذا المعيار أقل من الرتبه الأولى ولكنه معيار يعمل به، وهو العادة، الرجوع للعادة. وهذا المعيار لماذا جعلناه أقل؟ لأن من النساء من تضطرب عادتها، لا يكون لها عادة مثلا معروف هذا عند بعض النساء، يكون عندهم إشكال في بعض الهرمونات مثلا فتضطرب عادتها، فهذه تعمل بالمعيار الأول وهو معيار التمييز، تمييز الدم. المعيار الثالث: أقل سن الحيض وأكثر سن الحيض، وقلنا هذا معيار خاطئ. المعيار الرابع: وهو أقل الحيض وأقل الطهر وأكثر الحيض، وقلنا إن هذا معيار خاطئ وليس بصحيح. المعيار الخامس: وهو الرجوع إلى عادة النساء الأخريات إذا لم تستطع أنها تميز الدم وليس لها عادة ترجع إليها، مثلا نفترض أنها مبتدأة أو امرأة مضطرب عادتها والدم يخرج على صفة واحدة، فنقول: إذا اعملي بعادة غالب النساء وهي التحيز ستة أيام أو سبعة والطهر ثلاثة وعشرون أو أربعة وعشرون، تبتدئ من آخر شيء تتيقن منه، أو من أول الشهر إن لم يكن لك شيء تتقنين به، هذا في التمييز عموما.

إذا نحن عرفنا الآن التفريق بين دم الحيض ودم الاستحاضة، وفي واقع الامر يمكن أن نقول مطمئنين إن غالب النساء إن شاء الله تعالى يمكنهن تمييز دم الحيض من غيره من الدماء من خلال المعيار الأول. أولا نحن نقول إن المعيار الأول هو المعيار العام المعروف الذي ينبغي أن تعمل به النساء. والاصل وهذا نقرر بوضوح، أن الاصل فيما يخرج من رحم المرأة أنه دم حيض، لكن نحن نقول الآن، خلونا نقول تسعون بالمائة مثلا من النساء أو ثمانون بالمائة من النساء أصلا لا يصيبهن دم الاستحاضة، ربما المرأة عاشت عمرها ما أصابها استحاضة، يأتيها بس الحيض والنفاس، دم الطبيعة والجبل، لم يخرج منها دم العرق، ولكن ربما يخرج لبعض النساء في بعض الأحوال، ربما المرأة يصيبها في عمرها مثلا مرة أو قد لا يصيبها تماما، فتحتاج للتفريق.

فإذا مسائل التفريق، أصلا مسائل التفريق بين الحيض ودم العرق لا يحتاجه أصلا كل النساء، قد كما ذكرنا أن امرأة تعيش عمرها ولم يصبها دم العرق في الرحم. واضح ايها الاخوات وايها الاخوه، أهم مسألة عندنا أن نقول من المهم دائما نقرر هذه القضية، وهي لأن أحيانا الإنسان قد يغرق في تفاصيل باب الحيض، تفاصيل المبتدأة المستحاضة في الحيض أخذت حيزا كبيرا في كتب الفقه، وهذه المسألة من أندر النادر أن يكون مبتدأة مستحاضة، واضح أن تكون مبتدأة مستحاضة! هذه تفاصيلها كثيرة جدا في كتب الفقه والخلاف فيها، لكن من حيث التطبيق العملي والواقعي، من التي تبتدئ عاده باستحاضة؟ نادر جدا، لذلك ليس بالضرورة أن المساحة التي احتلتها هذه المساله في كتب الفقه تتوازى أو توازي أو تقارب المساحة التي تحتلها المسألة في الواقع، وهذه قضية نرجو التنبه لها.

لذلك لما نقرر نحن الأصول الشرعية، الاصول الشرعية، أغلب النساء قد لا تحتاج إلى مسألة خلافية في الحيض أصلا؛ لأنها خلاص معتاده وتأتيها العادة وتميز الدم وتجلس عادتها والدم معروف، ولا تضطرب عادتها أو لا تختلف عادتها عن التمييز ولا تحتاج أصلا إلى المسائل الخلافية في كتاب الحيض، وهذا غالب وكثير، فلذلك أحيانا قد الإنسان يغرق لما يقرأ كتب الفقه مثلا، يغرق في هذه الخلافات، بينما حجمها في الواقع لا يزيد عن جزء من الفاصله بعد من واحد بالمائة، هذه قضية نرجو أن نتنبه لها. لذلك من المهم لنا عند مسائل التفريق بين الحيض والعرق أن ننبّه إلى الأصول، فنقول أولا: الأصل الغالب المعمول به أن ما يخرج من رحم المرأة فهو حيض، ما يخرج من رحم المرأة فهو حيض، هذا الأصل.

لكن إذا خرج الدم مستمرا لفترة طويلة، لفترة طويلة لا ينقطع، مثلا لم ينقطع ثلاثة أشهر أو شهرين لم ينقطع هذا الدم، فمعنى ذلك أننا نحتاج إلى التفريق؛ لأن ثمة دم حيض ودم عرق. فننتقل بعد ذلك إلى معايير التفريق، فنقول: يجب على المرأة أنها تميز الدم، تميز الدم، قالت والله ما استطعت أني أميزه، كيف تميز الدم؟ أنها أما مثلا تجلس في مركن ماء مثلا أو تاخذ قطنه وتستكشف هذا.

الدم هل هو دم أسود أو دم أحمر؟ وهكذا. أو تنظر مثلاً في ما تلمت به أو استفرغت فتنظر فيه؛ هل هو دم أسود أو دم أحمر؟ وهكذا تحاول أن تميز.

الدم لم يمكنها التمييز؛ متى ما هي الأحوال التي لا يمكن فيها التمييز؟ أحياناً يكون دم الاستحاضة أو دم العرق يعني من قوة السيلان؛ بحيث إن دم الاستحاضة يغلب على دم الحيض الذي هو الدم الأسود، لأن الشيء إذا كان دم الحيض مثلاً قليلاً فكثرة دم الاستحاضة في الخروج، فقد يغلب دم الاستحاضة وتغلب صفاته وخصائصه على دم الحيض، تصبح المرأة ترى دم أحمر لا تميز أن والله هذا دم حيض أو استحاضة. فنقول: إذاً اعملي بالمعيار الثاني في التفريق، اعملي بالمعيار الثاني في التفريق.

وهو: اجلسي عادتك التي كنت تجلسين، اجلسي عادتك التي كنت تجلسين. إذا تعذر هذا المعيار الثاني بأن كانت مبتدأة؛ لاحظوا الآن أن كل ما نعمل معيار، أصلاً دم الاستحاضة لا ينزل على غالب النساء، وإنما على قليل من النساء. طيب، هؤلاء القلة يمكنهم التمييز بالمعيار الأول، يعني نحن نتكلم الآن عن الجوانب الواقعية، يمكنهم التمييز بالمعيار الأول. طيب، فإن لم يمكن صار هذا نادر جداً، مثلاً مثل مبتدأة مستحاضة لم تميز الدم، أو أن حيضتها قوية -عذراً، ليست مبتدأة مستحاضة، نقول إن حيضتها قوية أو استحاضتها قوية ولم تستطع تمييز الدم- نقول: ارجعي العادة.

فإن لم يكن لها عادة -هذا أنذر من النادر- أنه من كانت حائض ومستحاضة ولم تميز الدم متصلا ولا يمكنها، ليس لها عادة ترجع إليها، وليس لها تمييز يمكن أن تميز به، مثل المبتدأة التي اتصل حيضها باستحاضة شديدة جداً، فهذه المرأة ترجع حينئذ إلى المعيار الثالث الذي ذكرناه، وهو الرجوع إلى عادة النساء؛ بأن تحتضن ستة أيام أو سبعة حتى يتوقف عنها هذا الاشكال. وتحتضن ستة أيام أو سبعة، ثم تصلي ثلاثة وعشرين أو أربعة وعشرين، ثم تحتضن ستة أيام أو سبعة، ثم تصلي ثلاثة وعشرين أو أربعة وعشرين، وهكذا حتى يتوقف عنها هذا الدم ويصبح لها عادة معروفة ومعلومة. هذا يعني باختصار أحكام التمييز، أو الأحكام المتعلقة بحقيقة الدم؛ هل هو دم حيض أم دم عرق؟

طيب، فاصل قصير ونعود إليكم إن شاء الله تعالى.

﴿فَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [آل عمران: 137]. التاريخ مخزن العبر ومعلم الأمم، فيه أخبار السابقين الأول وأسباب التمكين وزوال الدول؛ من يعتبر بدروسه نجا، ومن تعامى عن حوادثه هوى. وقد عني القرآن بذكر الكثير من القصص والتنويع في أحداثها لتوجيه الأنظار إلى الاعتبار بأحوال الأمم في كفرهم وإيمانهم وشقاوتهم وسعادتهم، فلا شيء يهدي الإنسان كالمثل والوقائع. قال تعالى: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: 176]. ومن هنا ينجلي للعاقل أهمية العلم بالتاريخ وعلو شأنه.

فإذا نظر الإنسان إلى أحوال الأمم السالفة وأسباب قوتهم وضعفهم وعزهم وذلهم، حمله ذلك على حسن الأسوة والاقتداء بأسباب السعادة والتمكين واجتناب ما كان من أسباب الشقاوة والهلاك والتدمير. وإن التحولات في أحوال الأمم من رخاء إلى شدة ومن شدة إلى رخاء، إنما هو من جراء أعمال العباد. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11]. فمن فوائد وثمرات دراسة التاريخ: الإحاطة بالتطبيق العملي للإسلام وذلك من خلال السيرة النبوية، العلم بأن الأمة مكلفة بهدف عظيم وهو عمارة الأرض بمنهج الله تعالى، العلم بأعداء الأمة والعلم بطبيعة الصراع بين الحق والباطل، فهم الحاضر لأن الحاضر جزء من الماضي فمن لم يعتبر بماضيه لن ينتفع بحاضره، إدراك سنن الله تعالى في هذا الكون وأنها لا تحابي أحدا. قال تعالى: ﴿فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ ۚ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر: 43].

نعود إليكم بعد هذا الفاصل، ونريد أن نتطرق لمسائل أخرى متعلقة بحقيقة الدم؛ المسائل المتعلقة هل المرأة حائض أم طهرت؟ هل المرأة حائض أم مستحاضة؟ هل هي طهرت أم لم تطهر؟ هذه مسائل متعلقة بتوصيف المرأة بحقيقة حالها، بحقيقة الدم؛ هل هي حائض أو لازالت، أو طاهر، أو هل هي مستحاضة؟ هذه مسائل متعلقة بالحقيقه، نريد أن نتطرق إلى بعض المسائل.

أولا نقول: المبتدأة، أي التي يبتدئها الدم، ما حكمها؟ نقول: إن المبتدأة إذا ابتداها الدم، فمعنى هذا أن هذه قد ابتدأت عادتها الشهرية، فتجلس حينئذ من أول نزول الدم، تجلس حينئذ ولا تصوم ولا تصلي، إلى أن ينقطع عنها الدم. نقول: الأصل فيما ينزل أو يخرج من رحم المرأة أنه دم حيض، هذا الأصل. لا نقول: الأصل فيها أنها مريضة وأنها دم استحاضة. لا، الأصل أنها سليمة وصحيحة، الأصل أنها صحيحة وسليمة وأن هذا دم حيض. والله سبحانه وتعالى يقول في كتابه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: 222]. فالله سبحانه وتعالى بين صفته وطبيعته بأنه أذى.

إذن نحن نقول -وهذا خلاف قول بعض أهل العلم الذين قالوا أنها لا تجلس حتى يستقر لها عادة- نقول: هذا القول في واقع الأمر فيه تغليب للعاده على معيار التمييز، وفيه تغليب للعاده على الأصل في النساء؛ الأصل في النساء أنها صحيحه وسليمة وأن هذا دم جبلة وفطرة. فاذا قلنا لا والله الأصل أنه استحاضه حتى يثبت لها عادة، هذا قول لبعض أهل العلم أنها لا تجلس إلا بعد نزول الدم في المره الثالثة، هذا في واقع الأمر قول ضعيف؛ لأنه تغليب للعاده على التمييز، ولانه تغليب للاستحاضة على الحيض، صار في تغليب للمرض على الصحة. نقول: لا، الأصل أن المرأة صحيحة وسليمة، وأن الدم الخارج منها دم جبلة وفطرة، وأنه دم حيض. إذا عرفتم كيف نبطل هذا القول، أي نعم.

نقول: المبتدأة تجلس إذا رأَت الدم. طيب، إذا كان هذا الدم اتصل بها تماماً استمر معها فترة طويلة، نقول: إذا هذا دلالة على أنه دم حيض اتصل باستحاضة، كيف نفرق بين دم الحيض والاستحاضة؟ بالرجوع إلى التمييز. هل يمكن نرجع إلى عادة؟ في واقع الأمر المبتدأة ليس لها عادة، المبتدأة ليس لها عادة، لذلك إذا لم تميز فإنها تجلس تنتقل للمعيار الثالث الذي ذكرناه، وهو معيار الرجوع إلى عادة غالب النساء، ولكن ذكرنا أن هذه المسائل حقيقة نادرة جداً، نحن نريد أن نضبط العام الظاهر الواضح والاصول، وأبرز المسائل المتفرعة عن هذه الأصول.

طيب، نريد أن ننتقل بعد ذلك إلى مسألة أخرى وهي متى يحكم للحائض بأنها طهرت؟ متى يحكم للحائض بأنها طهرت؟ وفي واقع الأمر الطهر من الحيض يتحقق بأمرين. ذكر الأمر الأول: انقطاع الدم. والامر الثاني: القصة البيضاء. القصة البيضاء هي ماء يدفعه الرحم، ماء أبيض يدفعه الرحم عند انتهاء دم الحيض، وهي من أقوى علامات الطهر، من أقوى علامات الطهر. إذاً هذا الأمر الأول، ويمكن الحقيقة أن نجعلها -إذا أراد أن نقسمها أو نرتبها من حيث القوة- لجعلنا القصة البيضاء لجعلناها الأمر الأول.

القصة البيضاء وهي ماء أبيض شفاف يدفعه الرحم عند انقطاع الحيض، لذلك كانت عائشة رضي الله تعالى عنها ترد النساء إلى القصة البيضاء إذا أرسلوا لها بالقطعة من الكرس، في القطن فيها شيء من الكدرة أو الصفرة، تسأل يسألن عن حكمها، هل المرأة؟ لأن أحياناً المرأة تشتبه في أواخر الحيض، تشتبه هل هي طهورة أم لا؟ فكن يبعثن إلى عائشة رضي الله تعالى عنها بالقطعة من القطن فيها شيء، فتقول عائشة: لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء. القصة البيضاء هي من أقوى علامات الطهور، وهي يعني تنزل عند أغلب النساء، أغلب النساء يعرفن القصة البيضاء، التي هي تعتبر نهاية الدورة أو نهاية العادة الشهرية.

طيب، بعض النساء لا يخرج منها هذه القصة البيضاء، أو لا تعرف هذه القصة البيضاء وهذا موجود في بعض النساء، فنقول إن العلامة هي انقطاع الدم وجفافه، إن العلامة هي انقطاع الدم.

فنحن نرجع إلى الدم، نرجع إلى الدم، انقطاع الدم وجفافه. فإذا كان هذا الدم الذي ذكرنا أنه أذى؛ دم أسود ثخين له رائحة إلى أن ينقطع هذا الدم ويجف هذا الموضع، فنقول: إذا انقطع وجف حينئذ فإن المرأة تصلي، وما دام لم ينقطع ولم يجف فإنها تجلس ولا تصوم ولا تصلي. كيف تعرف المرأة هذا؟ من خلال النظر؛ إما أنها تستكشف هذا بقطنة أو بغيرها، فتنظر إن كان جف الموطن، فهذا معناه أن هذا قد انقطعت، فهذا قد انقطعت دورتها وانتهت وبدأت الآن في الطهر، ويجب عليها حينئذ أن تصوم وأن تصلي.

الأمر الثالث الذي نود أن نضيفه بالإضافة إلى هذين الأمرين المذكورين هنا وهو الرجوع إلى عادتها، وهو الرجوع إلى عادتها. كيف الرجوع إلى عادتها؟ وهذا أمر أضعف من الأمرين الأولين. الرجوع إلى عادتها نحتاج إليه إذا اتصل الحيض باستحضار إلى عادتك، لكن إذا لم يتصل باستحضار أن هذا الأمر يكون واضح، إذا لم يتصل باستحضار يوم إضافي نقول: هذا حيض، ولا نحكم بأنه دم عرق لأجل أنه جاء بعد العادة، لا، وإنما هو دم حيض، وهذا معتاد عند النساء أن ربما تزيد يوم، ربما تنقص يوم، تأخر يوم أو يومين، تعجل يوم أو يومين؛ لأن بعض النساء ربما شربت أو أكلت بعض الأشياء الحارة أو الباردة تبكر دورتها أو تؤخر دورتها، هذا معتاد عند النساء، معتاد أنها ربما تأخرت يوماً، زادت يوماً، نقصت يوماً، وهكذا، فليس معنى أنها تجاوزت العادة أو جاءت قبل العادة معناه أن هذا دم عرق.

متى نعمل بهذا المعيار الثالث وهو الرجوع إلى العادة؟ إذا اتصل دم العرق، الدم استمر لفتره طويلة، فنقول حينئذ إن هذا الزائد عن العادة يكون حينئذ دم عرق، طبعا الزائد عن العادة الذي لم يمكن فيه التمييز. دائماً أيها الإخوة والأخوات، الأصل الأول عندنا الرجوع إلى التمييز، الرجوع إلى التمييز لقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: 222]. إذاً، نرجع دائماً إلى صفة الحيض؛ الأذى، الدم الثخين الأسود الذي له رائحة. دائماً نرجع إلى هذه الصفة، إن لم يمكن الرجوع إليها فنرجع حينئذ إلى العادة، إن لم يمكن الرجوع إليها كذلك فنرجع حينئذ إلى عادة غالب النساء.

طيب، إذاً عندنا المسألة وهي: كيف يحكم للمراه بالطهر؟ كيف يحكم للمرأة بالطهر؟ نقول: إذا رات القصة البيضاء، وهذا أقوى العلامات، أقوى العلامات، وكانت عائشة رضي الله تعالى عنها ترد النساء إليها. طيب، إذا كان بعض النساء لا يعرفن هذه القصة البيضاء، وهذا موجود في بعض النساء أنهن لا ينزل منهن هذا الماء الأبيض في نهاية الدورة الشهرية، فنقول حينئذ أنها ترجع إلى انقطاع الدم وجفاف الدم، ترجع إلى انقطاع الدم وجفافه.

فإن كان إلى انقطاع الدم وجفافه، اللي هو الدم المميز لهذه العادة، ولو تأخر يوماً فهي حائض، ولو تأخر يومين فهي حائض، لو بكر يوماً فهي حائض. طيب، متى نقول أنها ترجع إلى العادة التي اعتادتها شهرياً؟ نقول: إذا دخلت في حال المرض، اتصل الدم بها اتصالاً طويلاً، هذه نقول: هذه حالة مرضية، ارجعي إلى التمييز في الدم، فإن لم يمكنك التمييز فارجعي حينئذ إلى العادة، فإن لم يمكنك الرجوع إلى العادة فارجعي حينئذ إلى عادة غالب النساء.

إذاً، كيف يحكم الحائض بأنها طهرت؟ ذكرنا بهذه الأمرين الأساسيين، والامر الثالث الرجوع إلى عادتها أو الرجوع إلى عادة غالب النساء. هذا إذا كانت ثم حالة مرضية احتجنا لتمييز الحائض من غيرها، هذه نردها إلى المعايير التي ذكرناها في التمييز بين دم الحيض ودم العرق.

تريد أن ننتقل بعد ذلك إلى مسألة أخرى وهي أحكام الكدرة والصفرة. أحكام الكدرة والصفرة هذه المسألة حقيقة من المسائل المهمة. ما المراد بالكدرة؟ الكدرة هي ألا يخرج، هي أن يخرج سائل من رحم المرأة، ولكن هذا السائل في كدرة، لونه هو متكدر مثل الماء الكدر، الماء المتكدر، يعني يمكن أن يقال إنه فيه مثل الماء الوسخ أو المتكدر، فيه يعني لون بني تقريباً. أو الصفرة؛ يخرج منها مثلاً مثل السائل الأصفر.

هل هذه السوائل التي تخرج من المرأة، هل هذه تعتبر من الحيض، أو تعتبر من الطهر، أي أنه لا يعتد بها؟ هذه المسألة: أولاً، هل هي راجعة إلى جنس المسائل الأولى لكتاب الحيض المتعلقة بالحقيقة أم إلى جنس المسائل المتعلقه بالحكم؟ نحن نقول في واقع الأمر إن الكدرة والصفرة هي من المسائل المتعلقة بماذا؟ المتعلقة بالحقيقة؛ لأن الاختلاف واقع فيها: هل المرأة حائض أم طاهر؟ المراه حائض أم طاهر؟ لاحظتم؟ إذاً هي راجعة إلى الجنس الأول من المسائل الذي لازلنا نحن في الحديث عنه، تحدثنا عنه في الدرس الماضي ونتحدث عنه في هذا الدرس كذلك، وهو الجنس الأول من المسائل: التفريق بين مسائل الحيض والاستحاضه، التفريق بين مسائل الحيض والطهر، هل المرأة هذه حائض أم مستحاضة؟ هل المرأة هذه حائض أم طاهر؟ هذا كله راجع إلى توصيف حال المرأة، توصيف حال المرأة.

سوف نتحدث إن شاء الله تعالى عن مسألة الكدرة والصفرة أو السوائل التي تخرج من الرحم وليست على صفة دم الحيض: هل هي تكون حيضاً أم تكون طهراً؟ نتحدث عنها إن شاء الله تعالى ولكن بعد هذا الفاصل.

نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونريد أن نواصل إن شاء الله تعالى معكم المسائل المتعلقة بالجنس الأول في كتاب الحيض، وهي تمييز حال المرأة، حقيقة المرأة؛ هل هي حائض أم طاهر؟ هل هي حائض مستحاضة؟ هل هي نفساء أو غير ذلك؟

فنقول: من هذه المسائل المتعلقة ببيان حقيقة توصيف حال المرأة المسألة المتعلقة بالكدرة والصفرة. ذكرنا أن الكدرة هي لون أشبه بالماء المتكدر، والصفرة هي اللون الأصفر المعروف. بعض النساء ربما يخرج منها خصوصاً في نهايات الدورة في نهايات الدورة، تشتبه المرأة، ترى بعض هذه السوائل ذات اللون ذات لون الكدرة أو الصفرة، فهل هي حيض أو ليست بحيض؟

فنقول: إن هذه الكدرة والصفرة مما يذكره أهل الطب أن من أسباب خروج هذه السوائل أن هذه يعتبرونها بواقي، بواقي من آثار العادة الشهرية؛ أي أنها باقية في الرحم. لذلك هذا كذلك مهم، اللي هي أن هذه البواقي ربما أنها تتبع العادة الشهرية وتاخذ حكمها، وإن لم تاخذ نفس صفتها. لذلك الدم حين خروجه أول خروجه يكون له دم وهيئة، يكون له صفة وهيئة غير آخر خروجه، غير آخر خروج العادة الشهرية.

الشاهد أن هذه الكدرة والصفرة يذكر أهل الطب لها أسباباً، فيقولون: الأصل المعتاد لها أنها البواقي الموجودة في الرحم، وهذا في الحقيقه يقوي اعتبارها حيضاً، يقوي اعتبارها حيضاً وأنه لا زالت فترة الحيض مستمرة؛ لأن هذه بواقي وليست خارجه على نفس صفة الدم الأول؛ لأنها في نهايات الدورة. مما يذكر أهل الطب لأسباب خروج هذه الكدرة والصفرة أنها ربما تكون ناتجة عن بعض الالتهابات مثلاً في الرحم أو حالة.

مرضية في الرحم، فيخرج مثلا من الرحم بعض السوائل بهذا اللون.

الذي يظهر والله تعالى أعلم، وقد اختلف أهل العلم في هذه الكدرة والصفرة، فقال بعضهم إنها تعد حيضاً، وقال بعضهم إنها تعد طهراً بإطلاق، وقال بعضهم لا تعد حيضاً بإطلاق. والصحيح هو القول الثالث، وهو التفصيل، فنقول: إن هذه الكدرة والصفرة إن كانت قبل الطهر فهي حيض، وإن كانت بعد الطهر فليست بححيض. وهذا في الحقيقة هذا القول وهذا التفصيل يتاي بعدد من الأدلة الشرعية ومن المؤيدات الطبية.

فأما الأدلة الشرعية فقد جاء في حديث أم عطية رضي الله تعالى عنها قالت: كنا لا نعد الكدرة والصفرة بعد الطهر شيئاً. أي أن الكدرة والصفرة بعد الطهر مثلاً إذا خرجت الكدرة والصفرة بعد القصة البيضاء مثلاً، كنا لا نعدها شيئاً، أي أننا لا نعتبرها حيضاً، هذا المراد بحديث أم عطية رضي الله تعالى عنها. وبمفهوم حديث أم عطية يدلنا على أن الكدرة والصفرة قبل الطهر، قبل رؤية علامة الطهر، أنها تعد شيئاً وأنها تعد حيضاً يمنع المرأة من الصوم والصلاة.

إذا حديث أم عطية له منطوق وله مفهوم؛ فأما منطوقه فيدل على أن الكدرة والصفرة بعد الطهر لا تعد حيضاً وأنها لا تؤثر على صلاة المرأة وصومها، ومفهومه يدل على أنهم يعدون الكدرة والصفرة قبل الطهر يعدونها حيضاً.

وهذا المفهوم أو حديث أم عطية رضي الله تعالى عنها يؤيد بإفتاء عائشة رضي الله تعالى عنها، فقد كانت عائشة رضي الله تعالى عنها إذا بعث لها النساء بشيء من القطن يشبهن فيه تقول: لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء. معناها أن عائشة رضي الله تعالى عنها كانت تفتي بأن هذه الكدرة أو الصفرة ما يشتبه فيه النساء أنه يعد حيضاً، حتى ترى المرأة القصة البيضاء وهو الطهر الذي لا شك فيه.

إذاً هذا حديث أم عطية رضي الله تعالى عنها يؤيد بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها وإفتاء عائشة رضي الله تعالى عنها.

الأمر الثالث وهو أن الأطباء يذكرون أن هذه السوائل التي تخرج من الرحم قد تكون بسبب اعتبارها بقايا الرحم، بقايا ما في الرحم، وهذا في الحقيقة يؤيد أنها حيض. فلذلك هذه البقايا ربما تخرج في آخر فترة الدورة الشهرية في آخر فترة خروج الدم، ثم ينزل بعدها القصة البيضاء وهو علامة الطهر.

ويذكر الأطباء كذلك أنه ربما خرجت هذه السوائل ليس بسبب العادة الشهرية ولا لكونها بقايا العادة الشهرية، وإنما تخرج بسبب التهاب في الرحم مثلاً، فهذا يؤيد أن الكدرة والصفرة التي لم تتصل بالحيض، التي ليست قبل القصة البيضاء، هذا يؤيد أنها ربما كانت بسبب التهاب أو غيره، وأنها لا تعد حيضاً.

إذاً نحن نقول في واقع الأمر إن القول الثالث في أن الكدرة والصفرة إن كانت في فترة الحيض فهي حيض، وإن كانت في فترة الطهر فهي طهر وليست بحيض، نقول إن هذا القول وهو القول بالتفصيل يؤيده حديث أم عطية. وحديث أم عطية أصله في البخاري، وهو مروي عند أبي داود بهذا اللفظ: كنا لا نعد الكدرة والصفرة بعد الطهر شيئاً. أصله في البخاري.

وحديث عائشة رضي الله تعالى عنها أنها كانت ترد النساء إلى القصة البيضاء وتقول: لا تعجلن. يعني أنه لا زلتن على فترة الحيض. يشك، يعني يحصل عندهن الشك، يشكك في هذه القطنة هل هي حيض أو لا، فكانت ترده إلى الطهر الخالص الذي لا شك فيه وهو القصة البيضاء.

إذاً هذا يدل على أن الكدرة والصفرة في زمن الحيض أنها تعد حيضاً، وأن المرأة لا تعد طاهراً إلا إذا رأت القصة البيضاء أو حصل تمام الجفاف. وقلنا إن هذا يدل مفهوم حديث أم عطية وحديث عائشة بل عذراً منطوق حديث أم عطية ومفهوم حديث عائشة يدل على أن الكدرة والصفرة التي تكون بعد الطهر أنها لا تعد شيئاً، وأنها لا تجلس المرأة عن صومها ولا عن صلاتها.

الدليل الثالث الذي أيدنا به وهو ما يذكره الأطباء في التفريق سبب خروج الكدرة والصفرة، أن بعضها يخرج بسبب أنه بقايا الرحم، وبعضها يخرج بسبب كونه ناتج من التهاب أو غيره.

نريد أن ننتقل بعد ذلك إلى مسألة أخرى، وهي مسألة الحامل التي أسقطت جنينها في ربما شهر أو أقل من شهر أو أكثر من شهر، ربما في الشهرين أو ربما في الستة أشهر أو السبعة أشهر، هل الدم الذي يخرج حينئذ يعد دم نفاس أم لا يعد كذلك؟

واضح هذا السؤال، فمما يذكر بعض أهل العلم يقولون إن الحامل إذا ألقت علقة أو مضغة مما لم يتبين فيه تخطيط إنسان، فإن هذا الدم لا يعتبر نفاساً، وعليها وهي ترى الدم عليها أن تصوم وأن تصلي. وهذا قول لبعض أهل العلم اعتبروا المعيار الذي يفرق بين دم النفاس وغيره، المعيار المفرق بين دم النفاس وغيره الرد إلى الآتي: إن كان قد تخلق ما ألقتْه فهو نفاس، وإن لم يكن قد تخلق فهو علقة أو مضغة. وهذا قول في واقع الأمر لا يعد ربما قويا أو وجيها.

والقول الذي يظهر والله تعالى أعلم فيه قوة وجاهة أن نقول إن هذا الدم الذي يخرج من المرأة، الذي يظهر والله تعالى أعلم أنه يكون دم نفاس إذا كانت قد حملت، فانه يكون دم نفاس، ولا عبرة هل هو تخلق أو لم يتخلق. نردها إلى التمييز، فإن كان هذا التمييز نرد إلى فإن كان هذا الدم الخارج دم أسود على صفة هيئة النفاس أو العادة الشهرية، فإن هذا دم تجلس له المرأة ويعد نفاساً في حقها والله تعالى أعلم. وإن لم يكن ما ألقتْه قد تخلق، وفي الحقيقة أن هذه المسألة ترجع إلى المسائل التي نتحدث عنها من مسائل الجنس الأول وهي مسائل التمييز؛ هل المرأة حائض أو ليست بحائض؟ هل المرأة نفاس أو ليست بنفاس؟

لماذا نقول هذا القول؟ العادة أن المرأة تحمل في منتصف طهرها، بمعنى العادة أن يكون الطهر مثلاً قرابه خمسة وعشرين يوماً. المرأة تحمل في العادة تحمل في العادة في ربما من اثني عشر إلى ستة عشر يوماً في طهرها، في دورتها، فإذا حملت فانه يتوقف الحيض.

تبقى هذه الغشاء، غشاء الرحم يبقى في التشكل والتكبر في رحمها، وذكرنا أنه هذا الغشاء سماكته في الحيض في غير حالة الحمل سماكته قرابه السنتي أو السنتي والنصف أقل أو أكثر، لكن في حالة الحمل يزيد ويبقى في التشكل حتى يصل ربما إلى ثلاثة سانتي.

فالشاهد أنه يبقى في التشكل، المرأة إذا لم تحض لأجل كونها حاملاً، ثم بعد ذلك غالباً يأتيها دورتها المعتاده بتأتي وعمر مثلاً نطفة تكون أسبوعين أو ثلاثة، فإذا لم تحض يبقى هذا الغشاء في التكون حتى إذا ألقت بعد شهر مثلاً نفترض أنها ألقت بعد شهر شيئاً لم يتخلق، إذا ألقت فإنه سوف يخرج هذا الدم الذي تشكل، فإنه سوف يخرج هذا الدم الذي تشكل في الرحم، هذا الدم الخارج هو نفس دم الحيض والنفاس وهو دم غشاء الرحم الذي خرج.

ولكن من الطبيعي أنه لن يخرج أربعين يوماً، لأنه متى يخرج أربعين يوم؟ إذا أخذت المرأة فترة في الحمل وتشكل إلى أن أصل مثلاً إلى ثلاثة سانتي ونصف أو قرابه هذا المقدار من الغشاء في الرحم، فإنه يخرج مدة أربعين يوم. لكن من الطبيعي أنه إذا خرج، إذا ألقت المرأة ما في رحمها قبل ذلك، فانه قد يخرج مثلاً عشرين يوم، أقل من ذلك أو أكثر، لكن غالباً فانه يخرج فترة تكون أطول من فترة العادة الشهرية لأنه قد تشكل شيء أكثر وصارت هذه الغشاء أسمك.

ويكون في الغالب قلنا إنه أطول من العادة الشهرية، ويكون في الغالب كذلك أقل من الأربعين يوم، بعض النساء يكون في هذه المدة.

فالشاهد أن هذا الدم الخارج إن كان دم أسود وله رائحة وثخين، فنحن نظن والله تعالى.

اعلم أن هذا يكون دم نفاس وأن المرأة تجلس فيه، وهذا هو المتفق حقيقة مع التصنيف الطبي للدماء مع التصنيف الطبي للدماء في الرحم، أنه هذا الدم يكون دم نفاس، وهذا دم خرج من قعر الرحم ومن هذا الغشاء وهو نفس دم الحيض ونفس دم النفاس، إلا أنه قد بكر خروجه بسبب خروج الولد، ولن يكون غالبا في مدته أربعين يوما بسبب أنه خرج قبل ذلك.

لذلك الذي يظهر والله تعالى أعلم أن هذا يكون دم نفاس.

نلخص ما ذكرناه في هذه الحلقة من مسائل: ذكرنا التمييز بين دم الحيض والاستحاضة وأنه يرجع إلى التمييز، ثم العادة، ثم إلى عادة غالب النساء. وذكرنا التمييز بين الحيض والطهر مثلا في مسائل الكدرة والصفرة، والتفريق بين الحيض والطهر في مسائل الكدرة والصفرة. وذكرنا ثالثا التفريق بين النفاس وبين غيرها في مسألة ما ألقته ولم يتخلق.

وذكرنا أن المبتدأة تجلس إذا رأت الدم ولا يحتاج أنها تصوم وتصلي حتى تثبت لها عادة بعد ثلاثة أشهر، وذكرنا هذا القول قول ضعيف حقيقة، وأن المبتدأة تجلس من حين ترى الدم. وذكرنا أن الأصل في دماء المرأة التي تخرج منها أنها دم حيض إلا إذا دخلت في حالة مرضية فإنها حينئذ تعمل بالتفريق الذي ذكرناه بين الحيض والاستحاضة.

إذا هذه خمسة مسائل مهمة كلها راجعة إلى النوع الأول من مسائل كتاب الحيض، وهي المسائل الراجعة لتبيين حال المرأة: هل هي حائض أم مستحاضة أم طاهر أم نفساء؟ هذه المسائل كلها تميز لنا حال المرأة.

وسوف ننتقل إن شاء الله تعالى في الدرس القادم إلى الجنس الآخر من مسائل كتاب الحيض، وهي المسائل التي تبين حكم الحائض والنفساء وحكم المستحاضة والطاهر. هذه المسائل لن نذكر فيها هل هذه المرأة مستحاضة أم لا، لأن هذه المسائل خلاص تحدثنا عنها، ولكن سوف نذكر أحكام المستحاضة، وسوف نذكر أحكام الحائض والنفساء، ونذكر ما يتعلق بها من خلاف إن شاء الله تعالى في درسنا القادم.

نقف عند هذا القدر، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمين.