الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم إنا نسألك علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكراً. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، واجعله حجة لنا ولا تجعله حجة علينا يا رب العالمين.
حياكم الله معاشر طلاب العلم في مادة العقيدة المستوى الرابع، في المحاضرة الثانية والعشرين. في هذه المحاضرة بمشيئة الله سنأخذ ثلاثة أقسام: القسم الأول يتعلق بشرح حديث: «بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم»، وحديث: «لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها». وفي القسم الثاني سنأخذ حديث: «لتتبعن سنن من كان قبلكم»، وحديث: «بين يدي الساعة يظهر الربا»، وحديث: «ليأتين على الناس زمان لا يبالي المرء بما أخذ المال». وفي القسم الثالث سنبدأ في الحديث عن أشراط الساعة الكبرى، فسنأخذ حديث: «إنها لن تقوم حتى ترون قبلها عشر آيات»، ثم نأخذ حديثين يتعلقان بالتعوذ بالله من فتنة المسيح الدجال.
هذه المحاضرة سنأخذها بهذا الشكل، والمحاضرة التي تليها سنتحدث بمشيئة الله عن المسيح الدجال وبقية أشراط الساعة الكبرى. نبدأ اليوم بهذا الحديث الذي أخرجه الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمناً ويمسي كافراً، أو يمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا».
يخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن هناك فتناً ستكون بين يدي الساعة، هذه الفتن كقطع الليل المظلم؛ فتن من الشبهات وفتن من الشهوات. فتن في طريق تذهب بالإنسان عن طريق الجادة للدين؛ تأتيك هذه الفتن: فتن شبهات، شبهات ملاحدة، شبهات علمانيين، شبهات ديمقراطيين، شبهات ليبراليين، شبهات تغريبيين. تأتي هذه الشبه فتنزل على الإنسان وهي كثيرة، فيصبح الإنسان فيها وهو مؤمن بالله وباليوم الآخر، وأن الحكم لا يكون إلا لله، وأن الإنسان يجب أن يطبق الدين في جميع مناحي الحياة؛ فالصباح هذا معتقده، فلا يأتي المساء -عياذاً بالله- إلا وقد ترك دينه، وإذا به من أهل الإلحاد أو من أهل العلمنة أو من أهل الليبرالية أو من أهل التغريب، ويرى أن الدين ما هو إلا علاقة روحية أو حتى ليست ضرورية، وهكذا يرتد عن دين الله عياذاً بالله بسبب ما تطرح عليه من هذه الشبهات في طريق مجافاة الدين والبعد عنه.
أو تأتي الشهوات من جهة الغلاة؛ تأتي هؤلاء شبهة أن يستغرب الإنسان منها. يكون مسألة مثلاً الكلام عن الخوارج؛ الخوارج وطريقهم واضح يا أهل الإسلام، أنه طريق منحرف طريق سيء. كيف بإنسان يكفر بما ليس من مكفر، بما ليس بذنب بالمخالفة في البدعة؟ يبتدع هو بدعة ثم يكفر من خالفه فيها، ثم يستحل دمه وماله. الخوارج معروفون، الإنسان يعرف أن هذا خوارج، لكن في فتن آخر الزمان يأتي هذا التلبيس، فيوضع له صورة؛ صورة فيها مثلاً جانب أن هؤلاء يريدون إقامة شرع الله وإعادة الخلافة الإسلامية وهكذا، وهي في الحقيقة هم إنما هم خوارج، بل هم يريدون -بعض هذه المجموعات- ليسوا حتى خوارج، إنما الذي يديرها إنسان يريد أن ينفر الناس من حكم الإسلام، فيصنع مثل هذه المجموعة المشوهة، ثم يقول للناس: إن أردتم حكم الإسلام فهو هذا؛ فينفر الناس من حكم الإسلام.
المقصود تأتي هذه الفتن؛ فتن صوفية، فتن باطنية، والإنسان يظن أن هذا شيء روحي وأن هذا شيء يفيد الإنسان، وإذا به والعياذ بالله يخرج به عن ملة الإسلام. أو فتن شهوات، فتنة مال ومنصب وشهرة وجاه، يترك الإنسان بسببها دينه والعياذ بالله، يتخلى عن دينه ويحقق ما يطلبه أولئك أصحاب الأموال والمناصب والجاه بترك الدين وتحريفه من أجل أن يرضيهم عياذاً بالله. يصبح الرجل بسبب كثرة هذه الفتن يصبح فيها مؤمناً ويمسي كافراً، أو يمسي مؤمناً بالله واليوم الآخر، فلا يأتي الصباح بسبب ما يلاقيه في هذا الليل، فلا يأتي الصباح إلا وقد ارتد عن دين الله.
لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «بادروا بالأعمال». هذه فائدة معرفتنا لأشراط الساعة، عندما يرى الإنسان هذه الفتن قد أقبلت فيبادر بالانتباه لنفسه، يبادر بالتوبة إلى الله، يبادر بأفعاله بالعبادات وبالأعمال الصالحة، يبادر الإنسان بالاهتمام بمعتقده، ينأى الإنسان بنفسه عن هذه الفتن. هذه الحكمة من معرفة الإنسان لأشراط الساعة، من هذه الحِكم أن الإنسان يستحضر اليوم الآخر، أن الإنسان يهتم بدينه، يحرص على دينه، يعرف أن الفترة الزمنية لهذه الدنيا فترة قصيرة، وأن هناك فتناً، وأن هناك أشياء ممكن تذهب دين الإنسان، فيبتعد الإنسان عن هذه الفتن. والذي يبادر بالأعمال الصالحة قبل أن تأتيه هذه الفتن، هذه المبادرة إليها تكون عاصمة له؛ كذلك من هذه الفتن الذي يكثر من ذكر الله، من التوبة والاستغفار، الذي يحافظ على معتقده، الذي يحافظ على دينه، يقيها الله سبحانه وتعالى هذه الفتن.
وأخرج الإمام البخاري بسنده في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها، شبراً بشبر، ذراعاً بذراع». فقيل: يا رسول الله، كفارس والروم؟ قال: «ومن الناس إلا أولئك؟». فيخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أن بين يدي الساعة -حتى لا تقوم الساعة- للأسف الأمة الإسلامية تتخلى عن دينها في موضوع السياسة، في موضوع سياسة الناس، كيف تسوس الأمة الإسلامية الناس؟ تسوس بدين الإسلام، لكن يخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أنه في آخر الزمان يترك الناس السياسة بالدين وينظرون إلى الروم كيف يسوسون الناس، ويسوسون الناس بما تسوس به فارس والروم شعوبها. لتتبعن سنن من قبلكم، يعني تسيرون بسيرة الأمم قبلكم، شبراً بشبر وذراعاً بذراع، يعني شدة الموافقة. فقيل: يا رسول الله، كفارس والروم؟ قال: «ومن الناس إلا أولئك؟». فإذا قيل في الأحاديث فارس والروم فهذا يتعلق بالحكم بين الناس وسياسة الرعية، وإذا قيل اليهود والنصارى هذا يتعلق بالابتداع في الدين. فالمقصود أن بين يدي الساعة من أشراط الساعة أن ترى الأمة الإسلامية تترك سياسة الناس بدين الإسلام وتسوس الناس بأفكار فارس وبأفكار الروم.
حياكم الله أيها الأحبة. سنأخذ كذلك حديثاً آخر من أشراط الساعة، أخرج الإمام البخاري بسنده عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لتتبعن سنن من قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع، حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه». قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: «فمن؟». هنا أيضاً يخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أننا كذلك هناك في أمور السياسة سنأخذ بسياسة فارس والروم بين يدي الساعة، سترى الأمة الإسلامية وهي تحاكي فارس والروم في كيف يسوس فارس شعوبهم، تسوس الأمة الإسلامية شعوبها بما تسوس به فارس والروم شعوبها.
هنا كذلك في هذا الحديث يبين لنا أن القضية كذلك حتى في أمور العبادات، كيف نتعبد لله سبحانه وتعالى؟ المفترض أن يتعبدوا لله بما شرع، لكن بين يدي الساعة ولا تقوم الساعة حتى ترى الأمة الإسلامية تأخذ في أمور عباداتها بما تأخذ به اليهود والنصارى في عباداتهم. وكما أن اليهود والنصارى يعظمون القبور، وأن اليهود والنصارى يتخذون القبور مساجد، وأن اليهود والنصارى يتخذون من تلك التماثيل لصالحيهم يأخذونها أشبه بالمعبودات لهم، بل قد يتوجهون إليهم بالعبادة؛ كذلك هذه الأمة الإسلامية ستحاكي اليهود والنصارى في فعل البدع ومتابعة الوثنية شبراً بشبر وذراعاً بذراع، حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه. لماذا يذكر جحر الضب؟ جحر الضب ضيق، جحر الضب رديء، جحر الضب نتن الرائحة خبيث، فكذلك حتى لو هم دخلوا هذا الجحر مع ضيقه ورداءته ونتنه، الأمة الإسلامية للأسف الشديد ستتابع هؤلاء اليهود والنصارى حتى في سلوكهم، يعني هذا من باب المبالغة حتى لو أنهم دخلوا جحر ضب لسلكناه. قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: «فمن؟». فإذا ذكر فارس والروم يتعلق بالسياسة، وإذا ذكر اليهود والنصارى يتعلق بأصول الدين وفروعه.
أيضاً يخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أنه بين يدي الساعة يظهر الربا. الربا موجود، لكن بين يدي الساعة يفشو فشواً عجيباً، ويصبح الإنسان يرى الربا في كل معاملاته، في كل ناحية من نواحي الحياة. الناس الربا كانوا يتقصدونه، يأتي الإنسان إلى الربا فيفعله، لكن بين يدي الساعة تجد الربا يأتيك من كل ناحية؛ يتعلق ببيتك، يتعلق بسيارتك، يتعلق بتجارتك، تتعلق أمورك الضرورية؛ تجد نفسك تتورط في هذه المعاملات الربوية، ويكثر التلبيس فيها، فيقع الناس في الربا ويكثر الربا وتقل البركة في الأموال. يصبح راتب الإنسان كبيراً، لكن بسبب شوائب الربا التي دخلته لا بركة فيه ولا خير فيه.
وأخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليأتين على الناس زمان لا يبالي المرء بما أخذ المال»، يعني ما سبب أخذه لهذا المال؟ أمن حلال أم من حرام؟ طبعاً إذا انتشر الربا واعتاد الإنسان على الربا، يصبح الإنسان لا يبالي بالحرام، لا يبالي من أين أخذ هذا المال، ولا يسأل ولا يتأكد أصلاً، لا يبالي. هذه المبالاة إذا رأيت الناس لا يبالون بأموالهم ولا يسألون عنها حلال أم حرام، اعرف أن هذا علامة من علامات الساعة.
ولو لاحظنا أيها الأحبة سنرى أن هذا الأمر قد ظهر في عصرنا هذا بشكل واضح، كثرت المعاملات الربوية كثرة عجيبة، وأصبح كثير من الناس حتى من أهل الخير من يتساهل في تلك المعاملات، وأصبح أي محاولة للالتفاف -حتى لو كانت هذه المحاولة ظاهرة واضحة- يقبل بذلك، طالما أن هذه يمكن أن تمشي هذه المعاملة، يبرر لنفسه يرتاح نوعاً ما، فإنه يفعل ذلك. يأتي شخص يقول له: ماذا تريد؟ قال: أنا أريد مثلاً أن أريد منك قرض خمسين ألف. قال له: أنا لا أستطيع أن أقرضك خمسين ألف وتعيدها خمسين ألف، يتعطل مالي سنتين ثلاث وتعيده خمسين ألف. قال له: طيب ما الحل؟ قال: حل سهل يسير، تعال نشتري أي شيء، خذ أي شيء تريده وتستطيع أن تبيعه بعد ذلك، ومباشرة خلاص أنا أعطيك، يعطيه هذا المال ليشتري تلك البضاعة، ثم يقوم يبيع تلك البضاعة؛ يقول له: تعال اشترِ مني مثلاً هذه البضاعة، لكن هو أصلاً لا يريدها، وهو تاجر يرسله إلى ذلك المحل فيشتري ثم يدعه في ذلك المحل ثم يبيعه، وإذا به يأخذ هذه الفوائد سبعين ألف، وهكذا. وهو ليس يمتلك تلك البضاعة، إنما هذه قضية للتحايل. يقول له: أنت ماذا تريد؟ قال: أريد غرفة نوم، أريد مجلساً، أريد كذا. قال: خلاص تعال أشتريها لك، اذهب روح اشترِها وتعال ثم قصط لي هذا المبلغ، بدل خمسين ألف سبعين ألف ثمانين ألف حتى نستفيد. ويصبح الناس يتعاملون بمثل هذه المعاملات ولا يبالون. تجد أشياء معاملات كثيرة الآن ظهرت، وأصبح الإنسان بسبب هذا الالتباس يأخذ هذا المال، ثم يستمر التعود على أكل المال الحرام حتى إن الإنسان لا يبالي بعد ذلك بما أخذ المال، أمن حلال أم من حرام والعياذ بالله.
أيها الأحبة في الله، من أشراط الساعة الكبرى سننتقل الآن للحديث عن أشراط الساعة الكبرى. نبدأ بحديث المشهور في أشراط الساعة، حديث حذيفة بن أسيد الغفاري، وهو أخرجه الإمام مسلم، قال حذيفة بن أسيد الغفاري: اطلع النبي صلى الله عليه وسلم علينا ونحن نتذاكر، فقال صلى الله عليه وسلم: «ما تذاكرون؟». قالوا: نذكر الساعة. قال: «إنها لن تقوم حتى ترون قبلها عشر آيات». فذكر النبي صلى الله عليه وسلم الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب.
حياكم الله أيها الأحبة، وقفنا عند الحديث الذي أخرجه الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن حذيفة بن أسيد الغفاري رضي الله تعالى عنه قال: اطلع النبي صلى الله عليه وسلم علينا ونحن نتذاكر فقال: «ما تذاكرون؟». قالوا: نذكر الساعة. قال: «إنها لن تقوم حتى ترون قبلها عشر آيات، فذكر الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى ابن مريم، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم».
بالنسبة لترتيب أشراط الساعة الكبرى يمكن أن ينظر إليها من جهتين: من جهة ما يتعلق بالأرض والأحوال الأرضية، ومن جهة ما يتعلق بالعالم العلوي. هناك آيات عظام مؤذنة بتغير أحوال معظم الأرض، وهناك آيات عظام مؤذنة بتغير أحوال العالم العلوي. ما يتعلق بالأرض: يظهر الدجال رقم واحد، وينزل عيسى ابن مريم رقم اثنين، وتخرج يأجوج ومأجوج رقم ثلاثة، والخسوفات الثلاثة رقم أربعة وخمسة وستة، والدخان رقم سبعة؛ هذه أشياء تتعلق بالأرض. وفي العالم العلوي: طلوع الشمس من مغربها، والدابة، والنار التي تحشر الناس؛ هذه الثلاث تؤذن بتغير العالم العلوي. وتلك السبعة تؤذن بتغير معظم الأرض. فمنهم من رتبها بهذا الشكل، وهناك من رتب أشراط الساعة الكبرى على قسمين: قسم يدل على قرب الساعة، وقسم يدل على حصول الساعة. الذي يدل على قرب الساعة: الدجال، ونزول عيسى، ويأجوج ومأجوج، والخسوفات الثلاثة؛ هذه تدل على قرب الساعة. والتي تدل على حصول الساعة: الدخان، وطلوع الشمس من مغربها، والدابة، والنار التي تحشر الناس؛ هذا يدل على أن الساعة قد حصلت. وإذا ظهرت هذه الأمور، قد لا تنفع الأعمال الصالحة ولا التوبة ولا الرجوع إلى الله.
أخرج الإمام مسلم بسنده عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا فرغ أحدكم من التشهد الآخر فليتعوذ بالله من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر المسيح الدجال». وفي رواية: «ومن شر فتنة المسيح الدجال». إذاً أيها الأحبة في الله، لاحظوا هذا التعليم لنا أننا بعد كل صلاة في آخر كل صلاة نقول: اللهم إنا نعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال. هذه الأمور لها فوائد عديدة، من هذه الفوائد أن هذا عبادة نتعبد لله سبحانه وتعالى بها، فقد أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بذلك. الأمر الثاني: استحضار هذه الأمور في كل صلاة؛ وأنت تستحضر عذاب جهنم، استحضر عذاب القبر؛ هذا يتعلق بالأمور الأخروية، ثم تستحضر في أمور دنياك فتنة المحيا والممات وفتنة المسيح الدجال، وحاضر هذه الأمور في ذهنك.
فتنة المحيا والممات التي ذكرنا كثرة الفتن التي تظهر بين يدي الساعة، وشر المسيح الدجال. المسيح الدجال، إما أن يكون المسيح الدجال بعينه، فعندما نحن نتعوذ بالله منه لكل صلاة دل ذلك على أنه ممكن يظهر في أي وقت، هذه ناحية. الناحية الثانية أن المسيح الدجال كيف يضل الناس؟ يضل الناس بصرف معنى الدين عن طريق الخوارق، وممكن أن يكون هناك دجاجلة، وهذا ورد في بعض الأحاديث أن هناك دجاجلة يكونون بين يدي الساعة، من شأن هؤلاء الدجاجلة أنهم يصرفون الناس عن دين الإسلام بما يظهرونه من خوارق عندهم. فتجد هذا الإنسان والعياذ بالله يذهب مع الفرق الباطنية، بل يذهب مع هؤلاء حتى في بعض الصناعات الحديثة التي تبهر الإنسان، وقد يرى الإنسان أن هذا الإنسان وصل إلى مرحلة الإله والعياذ بالله لأنه يصنع تلك الصناعات وتلك الآلات وتلك الشخصيات، حتى إنه يصنع تلك الروبوتات والرجل الآلي والأشياء، فيفتن بذلك؛ لكن إذا استعاذ الإنسان بالله سبحانه وتعالى من هذه الأمور يعصمه الله.
أخرج الإمام مسلم عن زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم في حائط لبني النجار، كان في بستان لبني النجار، على بغلة له ونحن معه، إذ حادت به، فكادت تلقيه، كان يمشي النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الطريق، وإذا بها تجفل تلك البغلة بطريقة عجيبة وتلتف عن ذلك الطريق، حتى كأن كادت تلقي الرسول صلى الله عليه وسلم من على ظهرها، وإذا أقبر ستة أو خمسة أو أربعة، شك الراوي، أمام النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من يعرف أصحاب هذه الأقبر؟» فقال رجل: أنا. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فمتى مات هؤلاء؟» قال: ماتوا في الإشراك. وقال صلى الله عليه وسلم: «إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فلولا ألا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه». إذاً ما سبب أن تلك البغلة حادت عن الطريق؟ أنها سمعت تلك الأصوات، أصوات المعذبين في قبورهم، فحادث عن الطريق وخافت، والنبي صلى الله عليه وسلم سمع ذلك العذاب في ذلك القبر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لولا ألا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه».
ثم هنا الشاهد، أقبل علينا بوجهه صلى الله عليه وسلم فقال: «تعوذوا بالله من عذاب النار». قالوا: نعوذ بالله من عذاب النار. قال: «تعوذوا بالله من عذاب القبر». قالوا: نعوذ بالله من عذاب القبر. قال: «تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن». قالوا: نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن. قال: «تعوذوا بالله من فتنة الدجال». قالوا: نعوذ بالله من فتنة الدجال. فأمرنا النبي أن نتعوذ من فتنة الدجال، وهذا التعوذ دلالة على أن الأمر خطير من ناحية ذلك الدجال بعينه أنه ممكن يظهر فجأة ويخدع الناس مهما كان عند الإنسان من قوة إيمان، إذ ما كان معتصماً بالله ومستعيناً بالله، فإنه ممكن يفتن، أيضاً ممكن من هو على منوال ذلك الدجال يستخدم نوع الدجل الذي يستخدمه ذاك الدجال، لكن ذلك الدجال بعينه فتنة أعظم وأكبر.
لكن هناك دجاجلة سيكونون ممكن يفتنون الإنسان عن دين الله، وللأسف الشديد أن هناك أناساً سيكذبون بالدجال، والنبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن هذا من أشراط الساعة أيضاً أن هناك أناساً يظهرون في آخر الزمان يكذبون بالدجال. أخرج الإمام أحمد بسند حسن عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه على المنبر وهو يقول: "سيكون فيكم قوم من هذه الأمة يكذبون بالرجم" -وقد حدث عند الخوارج- "ويكذبون بالدجال" -وللأسف حدث عند العقلانيين- "ويكذبون بطلوع الشمس من مغربها، ويكذبون بعذاب القبر، ويكذبون بالشفاعة". انظر هذه الأمور كلها حدثت، "ويكذبون بقوم يخرجون من النار بعدما امتحشوا، فلئن أدركتهم لأقتلنهم، فلئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد وثمود". شوف انظروا يا إخوان، قال: "ويكذبون بالدجال، يكذبون بالدجال". ولا يمكن عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول هذا الأمر من تلقاء نفسه، هذا لأن هذا عن أمور مستقبلية لابد أن يكون سمع هذا من النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه الفرق كلها ظهرت في الخوارج وظهرت في غيرهم، يعني يكذبون بهذه الأمور ويكذبون بالدجال.
فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يقينا من شر فتنة المسيح الدجال، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ونحن نتذاكر أشراط الساعة أن يكون ذلك سبباً لزيادة إيماننا بالله وباليوم الآخر، وسبباً لزيادة إيماننا بالنبي صلى الله عليه وسلم. نكتفي بهذا القدر، ونلتقي بمشيئة الله في حلقة قادمة، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وجزاكم الله خيراً.
د. أبو زيد مكي القبي