تسجيل الدخول

المحاضرة 23 - آخر العلامات الكبرى، وقيام الساعة

أبو زيد مكي القبيد. أبو زيد مكي القبي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

يا راغباً في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم بتقنياته ومجالاته، ومعه نطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي. أكاديمية زاد، هذه عقيدة صحيحة، فطرة بواضح البرهان. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم إنا نسألك علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكراً. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، واجعله حجة لنا ولا تجعله حجة علينا يا رب العالمين. حياكم الله معاشر طلاب العلم في المحاضرة الثالثة والعشرين من محاضرات مادة العقيدة في المستوى الرابع. هذه المحاضرة بمشيئة الله ستكون في ثلاثة أقسام: القسم الأول سيكون الكلام عن الموقف من أخبار الوحي عموماً، ومن أخبار الدجال خصوصاً، وسنأخذ فيه أنواع فتنة المسيح الدجال. القسم الثاني سنأخذ فيه الحديث عن الدجال؛ تعريفه وصفته وأيضاً من فتنته وهلاكه. القسم الثالث سنأخذ فيه بمشيئة الله صفة عيسى عليه السلام ونزوله وصلاته خلف المهدي، ونأخذ كذلك الحكمة من نزوله، ونتحدث عن قتله للدجال.

نأخذ الحديث عن الموقف من الخبر. الخبر بشكل عام هذا الكلام قد تحدثنا فيه كثيراً فيما مضى، لكن لا بأس أن نعيده لأهميته؛ أننا نهتم في الأخبار أن نتأكد من صحتها. أول خطوة أن نتأكد من صحة الخبر، فإذا تأكدنا أن هذا الخبر صحيح من ناحية السند، وليس هذا فحسب، بل ومن ناحية المتن، فهذا عند أهل الحديث علماء الحديث لهم دراية بهذا؛ يبحثون في صحة الحديث سنداً ومتناً. فإذا ثبت هذا الخبر سواء كان آية في القرآن، عندنا آية من القرآن انتهى، أو ثبت هذا الحديث عن النبي ﷺ، عندئذ نؤمن بهذا الحديث لكون هذا الحديث حديثاً صحيحاً.

ننتقل لخطوة أخرى، نأتي بهذا الحديث ونفهمه الفهم الصحيح. نحن نؤمن بالصحيح لكن بشرط أن يكون بفهم صحيح. كيف نفهم هذا الحديث؟ الفهم الصحيح نعرضه على ما فهمه سلفنا الصالح. فمثلاً عندنا حديث الدجال، إذا كانت هذه الأحاديث حديثاً صحيحاً في البخاري ومسلم ثبتت صحتها سنداً ومتناً، ننتقل للخطوة الثانية أن نفهم هذه الأحاديث التي وردت عن الدجال بفهم صحيح. كيف نعرف أننا فهمنا فهماً صحيحاً؟ نعرضه على ما فهمه سلفنا الصالح؛ الصحابة رضوان الله عليهم وأئمة القرون الثلاثة المفضلة وعلماء الإسلام في تلك القرون، ماذا فهموا من أحاديث الدجال؟ هل هو رمز للشر؟ أم هناك شخص بعينه له مواصفات؟ وهو من ولد آدم، له مواصفات تتعلق بعينه وطوله وعرضه وشعره، وهكذا مواصفات كثيرة. إذاً هل فهموا أن هذا ولد من أولاد بني آدم، وأنه يأتي يدعي النبوة في البداية ثم يدعي الربوبية، ثم يأتي بخوارق يجعل الناس يقومون بعبادته فيدعي الألوهية؟ إذاً هذا الفهم الصحيح في غاية الأهمية.

كيف نفهم الحديث فهماً صحيحاً؟ بعرضه على ما فهمه سلفنا الصالح بنظر صحيح. النظر الصحيح فيه أمران: الأمر الأول أن هذه الأشياء بعضها تحتاج إلى أدلة عقلية. ما كان محتاجاً لدليل عقلي فإنه يأتي مقروناً به بأحسن طريقة وأفضل عبارة، حتى أن الإنسان بسبب سهولة ذلك الدليل ومباشرته للقلب وجدنا أن بعض الناس ينكر أن يكون هذا الدليل العقلي لسهولته ويسره وموافقته لفطرة الإنسان. لا شك أن القرآن والوحي الإلهي المسائل التي نحتاج فيها إلى أدلة عقلية تأتي هذه الأخبار مقرونة بأدلتها العقلية. أما بعض الأمور المتعلقة بالغيبيات؛ نعيم الجنة، عذاب النار، ما يكون في القبر، أيضاً بعض أشراط الساعة، هذه الأمور قد لا تحتاج إلى أدلة عقلية عليها لكون هذا من الإيمان بالغيب، فتأتي هذه المسائل وطالما أنت صدقت وآمنت برسولنا ﷺ، وإيمانك بالرسول ﷺ هو مقتضى العقل؛ فالعقل يقول بعد ذلك: ما قاله النبي ﷺ هو وحي يوحى. فمقتضى إيمانك حتى بهذه الغيبيات قائم على مستند عقلي وهو صدق الرسول ﷺ.

العقل هنا يقول أن تؤمن بكل ما قاله النبي ﷺ، هذا يسمى بنظر صحيح. النظر الصحيح أيضاً أنه لا يمكن في هذه الأخبار أن يكون في أشياء مخالفة للعقل. فلا إذا كانت هذه الأمور تحدث في آخر الزمان، قد يكون بعض الأمور عند من تقيس على عصرك قد تقول هذه الصعوبة، لكن عندنا نحن الآن رأينا أشياء من تنقل الناس بطريقة سريعة عجيبة؛ ينتقل الإنسان من بلد إلى بلد، الآن كلمة واحدة تقولها هنا تصل بها إلى آخر العالم. فصارت بعض الأمور من الصناعات الحديثة ومن الطائرات، وأصبحت بعض الأمور التي تذكر مثلاً عن الدجال وكيف أنه يدور العالم ولا يترك مكاناً إلا وصله، هذه الأمور مع هذه التقنيات الحديثة أصبحت قد يأتي شخص من قديم يستبعد مثل هذه الأمور. لكن نحن يجب أن نعلم أن ما أخبرنا به النبي ﷺ، ما أخبرنا به الوحي في القرآن والسنة، أنه لا يمكن أبداً أن يكون فيه أي مخالفة للعقل.

فلنكن أقوياء، لنكن شجعاء في أمور ديننا. نعلم أن ديننا ليس فيه شيء يخالف العقل السليم البتة، بل هو متوافق معه، والعقل السليم يقول بإمكانه. قد يكون فيه ما يحار العقل بسبب ضعف هذا العقل فيحار فيه، لا يعرف كيف يكون، لكن لا يمكن أن يقول عنه مستحيل. فنؤمن بالصحيح بفهم صحيح بنظر صحيح. نؤمن بلا شك، لا نشك أبداً، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحجرات: 15]. إذا ثبت هذا النص قرآناً أو سنة ثابتة عندنا فنؤمن بالصحيح بفهم صحيح بنظر صحيح بلا شك. ولا تقدم، لا نأتي ونزن كلام الله وكلام رسوله بأرائنا، بعلومنا، بحضاراتنا، نزن فيه الواقع الذي نعيشه ثم نقول: لا، لا يمكن هذا، هذا لا يدخل العقل، هذا لا يقبله العلم، هذا لا يصلح. بل إن الوحي الإلهي نجعله ميزاناً لا موزوناً؛ نزن فيه تلك العلوم، تلك الحضارات، تلك الأشياء التي في واقعنا، نجعلها في ميزان الوحي ولا نجعل الوحي موزوناً.

وبالتالي نحن نؤمن بدون إلحاد. فلا نصرف هذا المعنى لهذا النص من ظاهره إلى غير ظاهره بدون دليل، إنما بسبب الاستبعاد، بسبب الرأي، بسبب العلوم الموجودة الآن وقدراتها وفهمها. إذاً نحن نؤمن بالصحيح بفهم صحيح بنظر صحيح بلا شك ولا تقدم ولا إلحاد، وهذه هي طريقتنا التي يجب أن نلتزم بها عندما نتحدث في أشراط الساعة. نأخذ فاصلاً ثم نعود إليكم بمشيئة الله.

أمانة عظيمة ومسؤولية كبيرة؛ إنها تربية الأهل والأولاد. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: 6]. قال علي بن أبي طالب: أدبوهم وعلموهم. فنعلمهم العقيدة الصحيحة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13]. وقال صلى الله عليه وسلم لابن عباس: «يا غلام إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك». ونعلمهم حب النبي ﷺ وحب أصحابه، فقد كان السلف يعلمون أولادهم حب أبي بكر وعمر كما يعلمون السورة من القرآن. ونعلمهم الصلاة، قال صلى الله عليه وسلم: «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر». علمهم مكارم الأخلاق ومحاسن الآداب، قال صلى الله عليه وسلم لعمر بن أبي سلمة: «يا غلام سمِّ الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك». ونعلمهم شيئاً من القرآن بأنفسنا، أو نلحقهم بحلقات التحفيظ، ونعلمهم الحلال والحرام بالتدريج، ونعلمهم لغة القرآن قبل أن نعلمهم اللغات الأخرى، قال نافع: كان ابن عمر يضرب ولده على اللحن. فاحرص على تعليم أهلك، واعلم أن غذاء الروح أهم من غذاء البدن، قال صلى الله عليه وسلم: «والرجل راعٍ على أهل بيته وهو مسؤول عنهم».

حياكم الله أيها الأحبة. عرفنا الموقف من الأخبار بشكل عام، نريد أن نتحدث عن الموقف من أخبار قصة الدجال بشكل خاص. الأخبار الواردة في قصة الدجال كثيرة جداً، ما صح منها الثابت منها نتلقاها بالتصديق والقبول، ونقول إنها واقعة لا محالة. ما عرفنا تأويله الآن بما مكننا الله سبحانه وتعالى من قدرة ونحو ذلك، نقول هذا المراد بها بعينه، أو لم نعرف، سواء عرفنا تأويلها والمراد بها بعينها أو لم نعرف ذلك. إذاً نعيد مرة أخرى، نتلقى أحاديث قصة الدجال بالقبول والتصديق ما صح منها، ونقول هي واقعة بعينها وواقعة لا محالة، سواء استطعنا في هذا العصر أن نعرف تأويلها أو لم نستطع، فإنه واجب علينا الإيمان.

أخبار الدجال وفتنته والأمر بالتعوذ بالله من فتنته، هذا الأمر نافع للأمة كلها وليس فقط نافعاً للذين يظهر عليهم الدجال بعينه الدجال المعروف. والسبب أن هناك نفعاً للأمة كلها لأننا أمرنا كلنا بالتعوذ من فتنته، فلو لم يكن في التعوذ من فتنته نفع لجميع الأمة الإسلامية لما أمرت بذلك. وإنما يقال: إذا ظهر الدجال تعوذ بالله من فتنته. لكن هذا الأمر بالتعوذ بالله من فتنة الدجال للأمة كلها يدل على أنه نافع للأمة كلها. ويكون نفعه من ناحيتين: الناحية الأولى أن الدجال يمكن أن يظهر فجأة، يظهر في أي زمان ومن تلك البقعة التي أخبر النبي ﷺ بها، يظهر على الناس وينتشر في الأرض، فالتعوذ بالله من فتنة نافع من هذه الناحية. الناحية الثانية أن الإنسان عندما يتعوذ بالله من فتنة ذلك الدجال المعين هذا يعينه ويعيذه بإذن الله من التعوذ من فتنة الدجاجلة المشابهين له. أيضاً هذا التعوذ من شأنه أنه يملأ قلب الإنسان إيماناً وتصديقاً بما قال به الرسول ﷺ، عندما أنت عندك يقين أن هناك دجالاً سيظهر وأنت تتعوذ بالله من فتنته وأنت خائف من فتنته، هذا يدل على قوة الإيمان بالنبي ﷺ، وهذا التعوذ من فتنته يزيد من إيمان الإنسان. أيضاً كل مؤمن لا يستغني عن التعوذ من فتنة الدجال، كما أنه لا يستغني عن التعوذ من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات.

هذه المقدمة ذكرها بعض أهل العلم ليبين أن فتنة المسيح الدجال على نوعين: نوع هو الدجال بعينه المعين في النصوص والأحاديث المذكورة، وأن فتنته أعظم الفتن. ثم أن هناك جنس الدجال، فلما نتعوذ من المسيح الدجال نحن نتعوذ من الدجال بعينه ونتعوذ من جنس الدجال. جنس الدجال هو الباطل، أمر الباطل المخالف للشريعة المقرون بالخوارق. في عصرنا هذا الآن ظهر دجاجلة بأسلوب علمي، يأتيك بهذا الباطل ويقرنه بهذه الخوارق. قديماً كانت الصوفية، الآن هناك الفكر الباطني الحديث الذي يظهر أن للإنسان قدرة أن يخرج روحه، ثم هذه الروح هو جسده في بلد وهذه الروح تنتقل إلى بلد آخر تذهب إلى أهلها وتجلس وتراهم وتشاهم. وأيضاً يستطيع أن يعالج ويشفي من غير أدوات، إنما هي باليد يمرر هذه اليد ويسمونها "الريكي". هذه الأمور الباطلة المخالفة للشريعة تقرن بمثل هذه الخوارق، يستطيع أن يعرف ماذا يفكر فيه الآخر، وهكذا. أمور كثيرة جداً ظهرت الآن في العصر الحاضر من أمور الباطل التي فيها إما وحدة وجود أو فيها إلحاد والعياذ بالله، لكنه إلحاد روحاني مقرون بمثل هذه الخوارق، وهذا دجل على الناس ويمكن أن ينحرف الإنسان. فمن أقر بما يخالف الشريعة لخارق فقد أصابه نوع من هذه الفتنة، كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية، ويقول هذا كثير في كل زمان ومكان. ولذلك نحن أمرنا بالتعوذ من فتنة الدجال لهذا الخطر.

يا إخوان، من هو المسيح الدجال؟ المسيح الدجال هو مسيح الضلالة الذي يخرج في آخر الزمان، والذي يفتن الناس بما يعطاه من الآيات والخوارق. هذا قلنا عنده آيات وخوارق؛ كإنزال المطر وإحياء الأرض بالنبات ونحو ذلك، ثم يجعل الناس يخرجون إلى الباطل ويتركون الحق بما عندهم من هذه الخوارق. وسمي المسيح بهذا الاسم لأن إحدى عينيه ممسوحة، ففي الحديث أن الدجال ممسوح العين، وقيل هناك أشياء أخرى لكن أرجحها أن المسيح سمي مسيحاً لأن عينه ممسوحة، عينه اليمنى.

ما صفة هذا الدجال؟ الدجال رجل من بني آدم من البشر، وهو عندما يظهر يظهر شاباً أحمر، قصير، جعد الرأس، أجلى الجبهة، عريض النحر. ثم أعظم الصفات الموجودة فيه تتعلق بعينيه، بالنسبة لعينه اليمنى يكون ممسوح العين اليمنى، هذا الله سبحانه وتعالى أراد أن يفضحه؛ كيف يكون رباً وكيف يكون إلهاً وهو أعور، وهو ممسوح العين؟ هذه أكبر علامة، لكن هذه الفتنة عجيبة بما عنده من الخوارق، والله سبحانه وتعالى يحمي الناس فيجعل فيه علامات واضحة جداً لكل لأهل الإيمان ولأهل الإسلام. وهذه العين ليست ناتئة ولا جحراء، يعني ليست خارجة ولا هي غائصة، كأنها عنبة طافية، يعني مثل ما ترى العنبة لكن تكون ميتة هكذا وطافية هكذا. عينه اليسرى يرى بها لكن عليها ظفرة غليظة، عليها قطعة لحم تكاد تجعله كأنه أعور أيضاً، حتى العين اليسرى هي ظفرة غليظة من قطعة دم تأتي على البياض ثم تصل إلى السواد، عيناه كلها معيوبتان، لكن اليمنى ممسوحة تماماً واليسرى يرى منها. مكتوب بين عينيه "ك ف ر" بالحروف المقطعة "كا فا را" أو كافر بدون تقطيع، هذه الله سبحانه وتعالى يجعلها علامة كذلك، يقرؤها كل مسلم، كاتب وغير كاتب. الكاتب يقرؤها لأنه يعرف يكتب، غير الكاتب الله سبحانه وتعالى.

اجعل في بصيرته وفي قلبه أنه يرى تلك الحروف أنه مكتوب كفر كفراً، ومن صفاته أنه عقيم لا ولد له، ولا يولد له. لو كان هو رب، لو كان هو كما يزعم، كان يستطيع أن يكون له ولد وهكذا، فهو معيوب بالنسبة لربنا سبحانه وتعالى؛ ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ لكمال غناه سبحانه وتعالى، فهو خالق، أما هذا فبشر. البشر يحتاج إلى من يخلفه، يحتاج إلى ولد يعينه وهكذا، أما الله سبحانه وتعالى هو الخالق وغيره مخلوق، والمخلوقات كلها تحت قدرته.

المقصود هذه أبرز صفات الدجال. هناك شخصية تشتبه على بعض الناس هل هي الدجال أم لا، وهو ابن صياد. وابن صياد هذا اسمه صافي، وقيل اسمه عبد الله بن صياد من يهود المدينة، وقيل من الأنصار، كان صغيراً عند قدوم النبي ﷺ للمدينة، ويقال إنه أسلم بعد موت النبي ﷺ، كان دجالاً وكان أحياناً يصدق ويكذب، فانتشر خبره بين الناس وشيع أنه الدجال، والصواب والله أعلم أنه ليس هو الأكبر، إنما هو من جملة الدجاجلة الذين يخرجون بين يدي الساعة.

ما أوثق العلاقة بين العلم والعمل! العلم شجرة والعمل ثمرة، والعلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل. قال النبي ﷺ: «القرآن حجة لك أو عليك»، أي تنتفع به إن تلوته وعملت به وإلا فهو حجة عليك. وإنما يراد العلم لأجل العمل، قال أبو الدرداء: "لا تكون بالعلم عالماً حتى تكون به عاملاً". وقد ذم الله تعالى من لا يعملون بالعلم فقال: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۖ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 44].

وقال ﷺ: «مثل العالم الذي يعلم الناس الخير وينسى نفسه كمثل السراج يضيء للناس ويحرق نفسه». والعلم النافع يورث خشية الله، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28]. قال ابن مسعود: "ليس العلم بكثرة الرواية، ولكن العلم الخشية"، والخشية تنير العقل، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: 282]، أي أن التقوى وسيلة إلى حصول العلم. فمن صدق العلم بالعمل كان قدوة للمتعلمين، ومن خالف فعله قوله كان من الممقوتين، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا﴾ [الصف: 2-3].

حياكم الله أيها الأحبة، قلنا إن الدجال هو رجل من بني آدم وهو ممسوح العين اليمنى، وعينه اليسرى عليها ظفرة غليظة، وأنه يكون مكتوب بين عينيه كافر، وأن الصحيح أنه ليس هو ابن صياد. من أين يخرج الدجال؟ يخرج الدجال من جهة المشرق من خراسان، من يهودية أصبهان كما ورد في الأحاديث، ويسير في الأرض فلا يدع بلداً إلا دخله إلا مكة والمدينة فلا يستطيع دخولهما؛ لأن الملائكة تحرسهما. طبعاً قال بعض أهل العلم إن هذه التقنيات الحديثة والآليات الحديثة ممكن تكون في زمن هذا الدجال فيستفيد منها في مسح هذه الأرض.

الدجال من دعاويه أنه يدعي النبوة ثم يدعي الربوبية ثم يدعي الألوهية، ويدعو إلى تصديقه والإيمان بأنه الرب الإله، ويعتمد في دعواه على ما بين يديه من الآيات والخوارق. فتنة الدجال فتنة عظيمة، جاء في صحيح مسلم عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة خلق أكبر من الدجال». وجاء في صحيح البخاري عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: «ما بعث نبي إلا أنذر أمته الأعور الكذاب، ألا إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور، وإن بين عينيه مكتوب كافر».

فتنة الدجال من أعظم الفتن منذ خلق الله آدم إلى قيام الساعة، فتنته أعظم فتنة وذلك بسبب ما يكون معه من الخوارق التي تبهر العقول وتحير الألباب. ورد في بعض الأحاديث أن معه جنة وناراً، وجنته نار وناره جنة، وأن معه أنهار الماء وجبال الخبز، وأنه يأمر السماء أن تمطر فتمطر، والأرض أن تنبت فتنبت، وورد أن كنوز الأرض تتبعه، وأنه يقطع الأرض بسرعة عظيمة، فسرعته كسرعة الغيث إذا استدبرته الريح، يبدو أن هناك ستكون طائرات نفاثة أو شيء عجيب، وأن الجماد والحيوان يستجيب له، وأنه يقتل شاباً ثم يحييه، إلى غير ذلك من الخوارق التي جاءت بها الأحاديث الصحيحة.

ومن أجل هذه الفتن العظيمة، فإن جميع الأنبياء حذروا أقوامهم من فتنته، ورسولنا صلى الله عليه وسلم كان أشدهم تحذيراً منه. أخرج الإمام مسلم بسنده عن النواس بن سمعان رضي الله تعالى عنه في ذكر الدجال أن الصحابة قالوا: يا رسول الله وما لبثه في الأرض؟ قال: «أربعون يوماً، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم». تعالوا نحسبها، أربعون يوماً؛ يوم كسنة أي اثنا عشر شهراً، ويوم كشهر أي شهر، ويوم كأسبوع، بقي من الأربعين سبعة وثلاثون يوماً، إذاً مقدار مكثه في الأرض بأيامنا أربعة عشر شهراً وأسبوعاً.

هلاكه يكون على يدي عيسى بن مريم عليه السلام كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة، وذلك أن الدجال يظهر على الأرض كلها إلا مكة والمدينة، لا يعني أن كل من كان في مكة أو المدينة لا يصيبه شيء من فتنة هذا الدجال، لكن هو يأتي إلى حدودها ويضرب فيخرج إليه المنافقون، يخرج المنافقون من مكة والمدينة، أما أهل الإيمان فلا يصيبهم شيء. ويكثر اتباعه وتعم فتنته، ولا ينجو منها إلا قلة من المؤمنين. وعند ذلك ينزل عيسى بن مريم على المنارة الشرقية بدمشق، ويلتف حوله عباد الله المؤمنون فيسير بهم قاصداً المسيح الدجال.

الدجال عند نزول عيسى متوجه نحو بيت المقدس، فيلحق به عيسى عليه السلام عند باب لد، فإذا رآه الدجال ذاب كما يذوب الملح، فيقول له عيسى عليه السلام: «إن لي فيك ضربة لن تفوتني»، ويتداركه عيسى عليه السلام فيقتله بحربته، وينهزم اتباعه فيتبعهم المؤمنون فيقتلونهم حتى يقول الشجر والحجر: يا مسلم يا عبد الله، هذا يهودي خلفي فاقتله، إلا شجر الغرقد فإنه من شجر اليهود.

عيسى عليه السلام ينزل وصفته هو رجل مربوع القامة، ليس بالطويل ولا بالقصير، أحمر جعد الرأس، عريض الصدر، سبط الشعر، كأن رأسه خرج من ديماس أي من الحمام، له لمة قد رَجّلها تملأ ما بين منكبيه. مستخلص من النصوص الواردة في شأن عيسى عليه السلام أنه نازل لا محالة، وأن النصوص بذلك متواترة، فالتكذيب بنزول عيسى عليه السلام في آخر الزمان تكذيب للرسول ﷺ. ولادة عيسى عليه السلام معجزة وآية وخارق، كذلك وفاته معجزة وآية وخارق، لأنه رفع ولم يمت ثم يأتي في آخر الزمن فينزل ثم يموت، ثم يموت البشر.

عيسى عليه السلام بعد خروج الدجال وفساده في الأرض، يبعث الله عيسى فينزل الأرض، ويكون نزوله عند المنارة البيضاء شرقي دمشق، عليه ممصرتان أي ثوبان مصبوغان بورس ثم زعفران، واضعاً كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ، ولا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات، ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه. يكون نزوله على الطائفة المنصورة التي تقاتل على الحق وتكون مجتمعة لقتال الدجال، فينزل وقت إقامة صلاة الفجر، فيصلي خلف أمير تلك الطائفة بعد أن يقال له: تعال صل لنا، فيقول عليه السلام: لا، إن بعضكم على بعض أمراء، تكرمة الله هذه الأمة.

يصلي خلف المهدي، المهدي هذا يخرج في آخر الزمان، يخرج الله سبحانه وتعالى رجلاً من أهل البيت يؤيد الله به الدين، يملك سبع سنين، يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، تنعم الأمة في عهده نعمة لم تنعمها قط، تخرج الأرض نباتها وتمطر السماء قطرها، ويعطى المال بغير عدد. هذا الرجل اسمه كاسم رسول الله ﷺ واسم أبيه كاسم أبي النبي ﷺ، فيكون اسمه محمد أو أحمد بن عبد الله، وهو من ذرية فاطمة بنت رسول الله ﷺ ثم من ولد الحسن بن علي.

قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: إن رسول الله ﷺ قال: «يخرج في آخر أمتي المهدي، يسقيه الله الغيث، وتخرج الأرض نباتها، ويعطي المال صحاحاً، وتكثر الماشية، وتعظم الأمة، يعيش سبعاً أو ثمانياً يعني حججاً». وعن علي رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «المهدي منا أهل البيت، يصلحه الله في ليلة». فالأحاديث الصحيحة تدل دلالة قاطعة على ثبوت ظهور المهدي في آخر الزمان حكماً وعدلاً وإماماً مقسطاً.

ما الحكمة من نزول عيسى عليه السلام دون غيره؟ تلمس بعض العلماء حكمة ذلك وقالوا إن هذا للرد على اليهود، وينزل عيسى عليه السلام وأيضاً النصارى الذين عبدوه ويرون أنه بشر، فيكون في هذا النزول آية أنه عليه السلام عبد لله ورسوله، وأن نزوله لدنو أجله ليدفن في الأرض مثله مثل سائر البشر. عيسى عليه السلام يقتل الدجال فتكون نهاية الدجال على يد عيسى عليه السلام، ويكون عيسى عليه السلام عندما ينزل يحكم بالشريعة المحمدية ويكون من أتباع محمد ﷺ، فلن ينزل بشرع جديد لأن دين الإسلام خاتم الأديان.

إذا نزل عيسى عليه السلام حكم بالقسط، وكسر الصليب وهو رمز النصرانية المحرفة، وقتل الخنزير الذي حرمه الإسلام، ووضع الجزية فلا يقبل من اليهود والنصارى والكفار عموماً إلا الإسلام. تحمل رواية السبع سنين على مدة إقامته بعد نزوله، ويكون ذلك مضافاً إلى مكثه في الأرض قبل رفعه إلى السماء، كان عمره إذ ذاك ثلاثاً وثلاثين على المشهور والله أعلم، يعني يصبح عمره حين رفع ثلاثاً وثلاثين سنة، يمكث بعد النزول سبع سنين المجموع أربعون سنة، وهي مدة مكوثه في الأرض.

أسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يقوي الإيمان في نفوسنا، وأن يجعل مدارستنا لأشراط الساعة دافعاً لنا في الاستعداد للقاء الله سبحانه وتعالى، وزيادة لنا في الإيمان بالله واليوم الآخر، وزيادة لنا في اتباع رسولنا صلى الله عليه وسلم، نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، واستودعكم الله، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد.