يا راغبا في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم. تقنياته ومجالاته ومعه مطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي. أكاديمية زاد، هذه عقيدة صحيحة فطرة تنفي الشكوك بواضح البرهان. بشرى لنا زاد أكاديمية.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم إنا نسألك علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكراً. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، واجعله حجة لنا ولا تجعله حجة علينا يا رب العالمين.
حياكم الله طلاب أكاديمية زاد في المحاضرة الرابعة والعشرين من محاضرات مادة العقيدة في المستوى الرابع. هذه المحاضرة بمشيئة الله ستكون مقسومة على ثلاثة أقسام؛ القسم الأول مقدمة نتحدث فيها عن أشراط الساعة للمذاكرة، ثم نتحدث عن يأجوج ومأجوج. والقسم الثاني نتحدث فيه عن الخسوفات الثلاثة، ونتحدث عن الدخان، وعن طلوع الشمس من مغربها. والقسم الثالث نتحدث فيه عن الدابة والنار، ثم تكون الخاتمة بالحديث عن ثمرات الإيمان بأشراط الساعة.
المقدمة يا إخوان تصب في مصب واحد؛ الخبر عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله، أو عن مخلوقاته الماضية والحاضرة والمستقبلة. هذا الخبر المتعلق بهذه الأمور بالنسبة لنا خبر إجمالي وخبر تفصيلي. أما الخبر الإجمالي؛ فقد أخبرنا أن الشمس ستطلع من مغربها، وأن الدجال سيظهر في آخر الزمان، وأنه يقتل عيسى عليه السلام، وأن عيسى سينزل. فهذا خبر إجمالي؛ فأشراط الساعة إجمالاً يجب على كل مسلم أن يعتقد ويصدق على وجه العموم.
ثم بعد ذلك إن كان هذا من طلبة العلم فليبدأ يقرأ في الأحاديث والتفصيل في كل شرط من أشراط الساعة؛ فيجب عليه أن يؤمن إيماناً مفصلاً لذلك الخبر المعين، هذا يسمى إيماناً تفصيلياً. وكلما زاد إيمان الإنسان بهذه الأخبار التفصيلية فآمن بلفظ النص وآمن بمعنى النص، كلما زاد إيمانه؛ فالايمان بالخبر إيمان إجمالي وإيمان تفصيلي، والتفصيلي مطلوب من أهل العلم ومن طلبة العلم أن يقرأوا ذلك ويؤمنوا بالتفصيل، ويؤمنوا بالألفاظ التي وردت وبالمعنى الذي تضمنته تلك الألفاظ، وقلنا نتأكد من فهمه للمعنى بعرضه على فهم السلف الصالح.
بالنسبة للأخبار المستقبلية؛ مثلاً ظهور يأجوج ومأجوج، هناك من أهل العلم من عرف المراد بها وعرف تأويلها. مثلاً شرط من أشراط الساعة الدخان؛ هناك دخان ظهر قبل هذا الدخان الأخير الذي سيكون من علامات الساعة الكبرى، لكن هناك دخان ظهر وهناك نار ظهرت وأشراط الساعة الصغرى، وعرف هذا العالم أنها تلك وأنها مطابقة لخبر الله ورسوله؛ فهذا العالم الذي عرف ذلك الشرط بعينه وأنه مطابق لخبر الله ورسوله سيستفيد زيادة إيمان، لأنه على يقين الآن رأى ذلك الشرط الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم ورآه في الواقع فزاد إيمانه، وكان ذلك عنده أيضاً معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم وآية وبرهاناً على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم.
ننتقل للحديث عن يأجوج ومأجوج؛ أصل يأجوج ومأجوج من البشر، ليسوا عالماً آخر، ولا ملائكة، ولا جناً، إنما هم من البشر ومن ذرية آدم وحواء، من ذرية يافث أبي الترك، ويافث من أبناء نوح. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَٰذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 96-97]. عندما يظهر يأجوج ومأجوج يعرف الناس قرب قيام الساعة، ويشخص بصر الذين كفروا ويعرفون أنهم كانوا في غفلة عن الاستعداد لليوم الآخر.
المقصود وهذا هدف يجب أن نستحضره دائماً: كلما قرأنا شرطاً من أشراط الساعة نرى أن المقصود منه أن يذكرنا بقرب الساعة وأن اليوم الآخر حاصل لا محالة. هذا اليوم الآخر الذي وقع فيه حيرة أذهان الكفار، هذه أشراط الساعة كلها أدلة على وقوع اليوم الآخر؛ لأن هذه أشراط أخبرنا بها الذي أخبرنا أن هناك يوماً آخر، وأن هذا اليوم الآخر بين يديه هذه المقدمات، فكلما رأيت هذه المقدمات كلما ازداد إيماني باليوم الآخر. قال الله سبحانه وتعالى في سياق قصة ذي القرنين: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا * حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَىٰ قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْرًا * كَذَٰلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا * ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا * حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْمًا لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا * قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الكهف: 90-94].
وطريقة الإفساد يأتون لهم من هذه الفتحة التي بين هذه الجبال فيهلكونهم ويعذبونهم ويفسدون ثم يعودون: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَىٰ أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا * قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾ [الكهف: 94-95]. ما قال سداً لأن السدود موجودة، لكن ردم أي هذا المكان المفتوح نرده حتى لا يصلوا إليكم عن هذا الطريق: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا سَاوَىٰ بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا * فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا * قَالَ هَٰذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي ۖ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ ۖ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ [الكهف: 96-98].
هم يأجوج ومأجوج أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أنهم يحاولون نقب ذلك، وأنهم قد وقعوا في فتحة هذا السد الذي جعله ذو القرنين، ووصلوا هذا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وهم يفتحون ذلك. بعض أهل العلم يقول ليس فقط أنهم يفتحون، بل إنهم يستطيعون أن يظهروه بسبب ما يتمكنون من صناعات ومن أشياء، ممكن يصعدون ويتجاوزونهم. عندما يظهر يأجوج ومأجوج، هذه الآيات تدل على أن الله تعالى سخر ذا القرنين الملك الصالح لبناء السد العظيم ليحجز بين القوم المفسدين في الأرض وبين الناس. فإذا جاء الوقت المعلوم واقتربت الساعة اندك هذا السد وخرج يأجوج ومأجوج بسرعة عظيمة وجمع كبير لا يقف أمامه أحد من البشر، فيجرف الناس ويعيشون في الأرض فساداً، وهذه علامة قرب النفخ في الصور وخراب الدنيا وقيام الساعة.
عن أي شيء تبحث؟ وفي أي شيء ترغب؟ وماذا تطلب؟ وما هي همتك في هذه الحياة؟ فالمسلم يحب المعالي ويسعى إليها. قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب معالي الأخلاق ويكره سفسافها». واعلم أن طلب العلم لا ينتهي بل هو مستمر إلى آخر العمر؛ قيل للإمام أحمد وهو يحمل محبرة: إلى متى؟ فقال: مع المحبرة إلى المقبرة. ولا يعوق كبر السن عن طلب العلم، إذا توافرت الهمة فلا، فأن تموت طالباً للعلم خير من أن تموت قانعاً بالجهل. وذو الهمة في الطلب يهتم بجمع الفوائد وقراءة المطولات. قال أبو عبيد: ربما كنت أستفيد الفائدة من أفواه الرجال فأضعها في الكتاب فأبيت ساهراً فرحاً بتلك الفائدة. وقال الخطيب البغدادي: قرأت على إسماعيل بن أحمد صحيح البخاري جميعه في ثلاثة مجالس.
ومن المهم المداومة على طلب العلم، فالقليل مع المداومة خير من الكثير مع الانقطاع. قال عكرمة: طلبت العلم أربعين سنة. وقال أبو العباس النحوي: ما فقدت إبراهيم الحربي من مجلس لغة من خمسين سنة، فاطرح عنك الكسل، واحرص على دراسة العلم وإحسان العمل. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: 69].
حياكم الله أيها الأحبة. ما زلنا نتحدث عن يأجوج ومأجوج وهم رجال أقوياء لا طاقة لأحد بقتالهم. إذا خرج يأجوج ومأجوج حصل على أيديهم أذى كبير وفتنة عظمى وشر مستطير، وهم جموع كثيرة حتى إنهم لكثرتهم إذا مر أولهم على بحيرة طبرية عند خروجهم شربوا الماء الذي فيها جميعه، فإذا مر آخرهم قالوا: قد كان في هذه البحيرة ماء. هلاكهم يكون بعد أن يقتل عيسى عليه السلام الدجال، حيث يهلك الله يأجوج ومأجوج ببركة دعاء عيسى عليه السلام، كما جاء في حديث النواس بن سمعان الطويل وفيه: «فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله فيرسل الله طيراً كأعناق البخت»، أي غلاظ الإبل، «فتحملهم تطرحهم حيث شاء الله».
نتحدث أيضاً من أشراط الساعة الخسوفات الثلاثة. ما معنى الخسف؟ الخسف أن يذهب الله ذلك المكان في باطن الأرض ويغيبه فيها، منه قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ [القصص: 81]، خسف تنفتح الأرض ثم تبلع ذلك الشيء الذي هو على الأرض وتجعله في باطنها. والخسوفات الثلاث التي هي من أشراط الساعة جاء ذكرها في الأحاديث ضمن العلامات الكبرى. والحديث المشهور أخرجه الإمام مسلم بسنده عن حذيفة بن أسيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الساعة لن تقوم حتى تروا عشر آيات»، فذكر منها: «وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب».
هذه الخسوفات الثلاثة لم تقع بعد كغيرها من الأشراط الكبرى التي لم يظهر شيء منها، وإنما وقع بعض الخسوفات في أماكن وفي أزمان متباعدة وذلك من أشراط الساعة الصغرى، أما هذه الخسوفات الثلاث فتكون عظيمة وعامة لأماكن كثيرة من الأرض في مشارقها ومغاربها وفي جزيرة العرب، تكون خسوفاً عظيمة.
كذلك من علامات الساعة الكبرى ظهور الدخان. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ * يَغْشَى النَّاسَ ۖ هَٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الدخان: 10-11]. للعلماء في المراد بهذا الدخان قولان: أحدهما أن هذا الدخان هو ما أصاب قريشاً من الشدة والجوع عندما دعا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم حين لم يستجيبوا له، فأصبحوا يرون في السماء كهيئة الدخان، وإلى هذا القول ذهب ابن مسعود واتبعه جماعة من السلف. الثاني أن هذا الدخان من الآيات المنتظرة التي لم تجئ بعد وسيقع قرب قيام الساعة، وإلى هذا القول ذهب ابن عباس وبعض الصحابة والتابعين وهو الراجح والله أعلم.
روى الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «بادروا بالأعمال: الدجال، والدخان». وجاء في حديث حذيفة في ذكر أشراط الساعة الكبرى الدخان. ورواه ابن جرير والطبراني عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن ربكم أنذركم ثلاثاً: الدخان يأخذ المؤمن كالزكمة، ويأخذ الكافر فينتفخ حتى يخرج من كل مسمع منه».
أيضاً من أشراط الساعة طلوع الشمس من مغربها، طلوع الشمس من مغربها من علامات الساعة الكبرى. قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: 158]. دلت الأحاديث الصحيحة أن المراد ببعض الآيات المذكورة في الآية هي طلوع الشمس من مغربها، وهو قول أكثر المفسرين. جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت فرآها الناس آمنوا أجمعون، فذاك حين لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً».
ما هي العلة في كون الإنسان إذا رأى الشمس طلعت من مغربها لا ينفع هذا الإيمان؟ هذه العلة مثل علة من تاب عند حضرة الموت؛ عندما يعاين الإنسان ملك الموت خلاص لا ينفع، لأن أصبح الإيمان يقيناً وليس إيماناً بالغيب، وهكذا من يرى الشمس وهي تطلع من مغربها خلاص عاين أحداث اليوم الآخر فلا ينفعه. قال الله عز وجل: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: 18].
كذلك من أشراط الساعة الدابة؛ تظهر دابة الأرض في آخر الزمان وهذا شرط من أشراط الساعة الكبرى ثابتة بالكتاب والسنة. يخرجها الله من الأرض في آخر الزمان عند فساد الناس فتكلمهم على أنهم كفرة، أنكم فاسدون، فيكون منها هذا خرقاً للعادة وبرهاناً للمؤمنين وحجة على المعاندين. قال الله عز وجل: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ [النمل: 82].
أخرج الإمام مسلم بسنده عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاث إذا خرجن لا تنفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض». من أين تخرج هذه الدابة؟ ذكروا أماكن كثيرة والله أعلم بالصواب، لكن من أشهر هذه الأقوال ومن أقواها أنها تخرج في مكة من أعظم المساجد، وقيل من المسجد الحرام. وقيل لها ثلاث خرجات، مرة تخرج في بعض البوادي، ومرة في بعض القرى، ثم تظهر في المسجد الحرام.
هناك أقوال أخرى غالبها يدور على أن خروجها من الحرم المكي. فإذا خرجت هذه الدابة العظيمة فإنها تسم المؤمن والكافر، يعني تجعل علامة على المؤمن والكافر؛ فأما المؤمن فإنها تجلو وجهه حتى يشرق، ويكون ذلك علامة إيمانه، وأما الكافر فإنها تختمه على أنفه -عياذاً بالله- علامة على كفره.
وكذلك من أشراط الساعة النار التي تحشر الناس، من أين تخرج هذه النار العظيمة؟ خروجها يكون من اليمن، من قعرة عدن، تخرج من بحر حضرموت. أخرج الإمام مسلم بسنده عن حذيفة بن أسيد قال: «وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم».
عند ظهور هذه النار العظيمة من اليمن تنتشر في الأرض، وتسوق الناس إلى أرض المحشر، هذا الحشر الذي في الدنيا وليس الحشر الأخروي. والذين يحشرون على ثلاثة أفواج: الفوج الأول فوج الراغبون طاعمون كاسون راكبون، لأن هؤلاء يشعرون بالإيمان. وفوج يمشون تارة ويركبون أخرى، يتعقبون على البعير الواحد. والثالث تحشرهم النار فتحيط بهم من ورائهم وتسوق من كل جانب إلى أرض المحشر، ومن تخلف أكلته النار.
هذه أقسام الناس الذين تسوقهم هذه النار العظيمة، يكونون على أفواج: فوج الراغبون طاعمون كاسون راكبون، وفوج يمشون تارة ويركبون أخرى، يتعقبون على البعير الواحد، والثالث تحشرهم النار فتحيط بهم من ورائهم وتسوقهم من كل جانب إلى أرض المحشر، ومن تخلف أكلته النار. نأخذ فاصلاً ثم نقبل بمشيئة الله.
هل أنت حريص على رأس مالك؟ هل تحافظ عليه من الضياع؟ فرأس مالك الحقيقي هو الوقت. قال الحسن البصري: يا ابن آدم، إنما أنت أيام، كلما ذهب يوم ذهب بعضك. ومن أهمية الوقت أقسم الله به في كتابه فقال: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ﴾ [الليل: 2]. وسوف نسأل عن الوقت يوم القيامة، قال صلى الله عليه وسلم: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه».
وإذا أراد الله بالعبد خيراً أعانه بالوقت، وإذا أراد به شراً جعل وقته عليه. وفي سيرته أروع الأمثلة على استغلال الوقت، فقد كان داود الطائي يسف الفتيت ويقول: بين سف الفتيت وأكل الخبز قراءة خمسين آية. قال ابن القيم: أعرف من أصابه مرض وكان الكتاب عند رأسه، فإذا وجد إفاقة قرأ فيه، فإذا غلب وضعه. ومن آداب الطالب ألا يسوف في تحصيل فائدة؛ لأن للتأخير آفات، ولأنه في الزمن الثاني يحصل غيرها. ومن المحافظة على الوقت البعد عن البطالين الذين يقضون أعمارهم في المسامرات، فلا تكن ممن لا يشكرون نعمة الوقت، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ».
حياكم الله أيها الأحبة. كنا نتحدث عن النار التي تحشر الناس، فتحشرهم إلى الشام في آخر الزمان، وهي أرض المحشر كما جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة. هذا الحشر في الدنيا وليس المراد به حشر الناس بعد البعث من القبور.
بهذا نكون انتهينا من الحديث عن أشراط الساعة الكبرى. نريد يا إخوان أن نتحدث في ختام هذه المحاضرة عن ثمرة الإيمان بأشراط الساعة، وقد تحدثنا عنها مفرقة، والآن نختم الحديث عنها في مكان واحد.
من ثمرات الإيمان بأشراط الساعة هو تقوية الإيمان باليوم الآخر في نفس الإنسان، وأن اليوم الآخر حق وصدق، ثم تبقى مسألة الإيمان باليوم الآخر بسبب مذاكرة أشراط الساعة، تذكرنا كل ما نرى شرطاً من أشراط الساعة الصغرى أو الكبرى، نرى مثل هذه الأشراط التي ذكرناها، كل يوم يظهر لنا شرط مما أخبرنا به النبي صلى الله عليه وسلم، هذا يذكرنا باليوم الآخر. ومن فوائد دراسة أشراط الساعة أن الإنسان طالب العلم يقرأ عن أشراط الساعة سواء الصغرى أو الكبرى، ويكثر من قراءة أشراط الساعة الصغرى، وقلنا بضوابطها بالحديث الصحيح وبالفهم الصحيح، ثم ينظر إلى الواقع، هذا الواقع سيزيد من إيمانه باليوم الآخر ويجعل مسألة الإيمان باليوم الآخر يتذكرها كل يوم وكل لحظة.
أيضاً كلما درست أشراط الساعة ودخلت في التفاصيل، كلما ذلك زيادة في الإيمان، يزيد إيمانك وتزيد قناعتك في الإيمان بالغيب الذي أخبر به الله سبحانه وتعالى ونبيه صلى الله عليه وسلم، فيزيد إيمانك بالغيب، والله عز وجل مدح الذين يؤمنون بالغيب. من فوائد دراسة أشراط الساعة زيادة الإيمان بالغيبيات عند الإنسان. أيضاً ورد في بعض الأحاديث أن الصحابة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم: فماذا نصنع؟ جاء الدجال، كيف نصنع إذا كان أربعين يوماً ويوم كسنة؟ طيب هذا اليوم كسنة، كيف نصلي؟ فقال: «اقدروا له قدره». الهدف من دراسة أشراط الساعة كذلك أن من أدركه شرط من تلك الأشراط، كيف يعمل؟ فيعرف ما هو التوجيه الشرعي له؟ وما هو التصرف الصحيح الذي يقوم به إذا رأى تلك الأشراط؟
مثال: نحن الآن كثرت الفتن بشكل عجيب، فتن الشبهات فتن الشهوات، حتى أصبح جوال الإنسان نفسه مليئاً بتلك الفتن، شبهات وشهوات، وهي معك وفي جيبك يلازمك في كل لحظة، تستطيع أن ترى هذه الفتن والشبهات والشهوات. كيف يعمل الإنسان؟ كيف يتصرف الإنسان؟ جاء الشرع وعلمنا كيف نصنع؛ الإنسان يستعيذ بالله سبحانه وتعالى من هذه الفتن، يبعد نفسه عن هذه الفتن، لا يدخلها ولا يواقعها وهكذا.
أيضاً من ثمرات الإيمان بأشراط الساعة، عندما تدرس أشراط الساعة ثم ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن هذا الشرط سيقع، وهذا الشرط بالنسبة لعهد النبي صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يطلع الإنسان عنه إلا بالوحي. إذاً من الذي أوحى إليه؟ لا بد أن يكون أوحى إليه الله تعالى، وكل دليل يدل على صدق النبي صلى الله عليه وسلم فهو دليل على وجود الله. فدراستك لأشراط الساعة فيها تقوية الإيمان بالله سبحانه وتعالى في نفسك، كما أن فيها تقوية الإيمان باليوم الآخر، بل فيها تقوية الإيمان بالله أقوى وأظهر عندما تعلم أن الذي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الأشراط هو الله سبحانه وتعالى، وهذه الأشراط تقع وتعاينها بنفسك، هذا يقوي الإيمان بالله في نفسك أن الله سبحانه وتعالى موجود، وأنه سبحانه وتعالى المنفرد بالربوبية، المستحق وحده للألوهية، الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلى. هذه أشراط الساعة فيها تقوية للإيمان بالله في نفس الإنسان.
كذلك هذه الأشراط كلها دليل من أدلة نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم، نحن لا شك أن عندنا هذا القرآن، وهو أعظم دليل على نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم. النبي صلى الله عليه وسلم بلغ في الأمية مبلغاً عظيماً، حتى إن الحروف الميم والحاء والميم والدال هذه لا يعرفها، وهذا نقص في غير نبينا صلى الله عليه وسلم، وفي نبينا صلى الله عليه وسلم آية على كونه رسول الله. كيف هذا أمة لا يقرأ ولا يكتب ويأتي بهذا القرآن بهذا الكلام الذي فيه خبر ما مضى وخبر ما سيحدث، خبر الحاضر وخبر المستقبل، في كلام عن اليوم الآخر، كلام عن الأمم الماضية؟ هذا ما درس مدرسة، من أين له هذا؟ من أين له أن يخبر بمثل هذه الأخبار؟ أيضاً من أين لنا هذه التشريعات العظيمة؟ من أين له هذه الأشياء؟ هذا التعبير القرآني بجميع أوجهه كله دال على نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم.
لكن نحن، النبي صلى الله عليه وسلم ظهرت على يديه آيات وخوارق، مثل تكثير الماء، مثل تكثير الطعام، مثل تسليم الحجر وزحف الشجر إليه، وهكذا حدثت خوارق في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، انشقاق القمر، لكن نحن لم نراها. الآن نحن عندنا أشياء خوارق للنبي صلى الله عليه وسلم نراها بأنفسنا، وهي هذه الأشراط التي أخبرنا بها النبي صلى الله عليه وسلم ثم تظهر. إذاً هذا كل شرط دليل على نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم، فكلما نرى شيئاً من هذه الأشراط نقول: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف»، ثم نرى ذلك نقول: صدق رسول الله. فيه دليل، كلما نرى شيئاً من أشراط الساعة يكون دليلاً على نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم.
بعض الناس كذلك يريد أن يعرف ماذا سيحدث في المستقبل؟ طيب وكيف ما هي التغيرات التي ستكون للعالم؟ وبعض الناس للأسف الشديد سيتوجهون للسحرة، سيتوجهون للمنجمين، سيتوجهون للكهان، كل إنسان يريد أن يعرف ماذا في المستقبل. طيب هل ستكون هناك حروب بين المسلمين وبين النصارى وبين الفرس وبين كذا؟ يريد أن يعرف، طيب هذه الأشياء جرت هذه التجمعات، فيأتي الشرع فيشبع هذه الرغبة الفطرية لدى الإنسان بذكر أشراط الساعة وأنه سيحدث كذا وستكون ملحمة وستكون كذا، تأتي وتعطيك من مصدر لا شك فيه ولا ارتياب فيه، ولا فيه الشرك بالله ولا فيه تعبد لغير الله. كذلك بعض أشراط الساعة تدل فيها شيء من التفاؤل، فيها شيء من الخير، أنه لن تقوم الساعة حتى ينتشر الإسلام ولا يبقى بيت فيه مدر ولا شجر ولا حجر إلا ودخله الإسلام عزيزاً، وهكذا ترى الإنسان أنه ستكون هناك خلافة حقاً وصدقاً للأمة الإسلامية، وأن الإسلام سينتشر، وأن الإسلام ستكون له قوة. هذه تعطيه تفاؤلاً عجيباً.
كذلك من فوائد الإيمان بأشراط الساعة -وهي فائدة كبيرة جداً وتحدثنا عنها في المحاضرة الأولى من محاضرات أشراط الساعة- وهو أمر في غاية الأهمية، أنك كلما درست أشراط الساعة ورأيت تلك الأشراط تقع أن ذلك أدعى لك بالنسبة للاستعداد ليوم الحساب. بادروا بالأعمال، افعلوا كذا، من أجل ماذا؟ أنك تستعد لليوم الآخر. كل شرط من أشراط الساعة يظهر يدل على أن هذه الدنيا قصيرة وأنها سريعة الزوال. قلنا الساعة الكبرى وهي المتعلقة بفناء هذه الدنيا أنها ستنتهي، هذه الأشراط تدلك على أن هذه الدنيا سريعة الزوال، وأنها عما قريب ستزول وستفنى.
وهناك أشراط ساعة تتعلق بالإنسان نفسه، موته، خلاص موتك دخلت أنت في الساعة في يوم القيامة، كذلك موت أهل القرن. المقصود عندما يرى الإنسان أن عمره قصير وأن هذه الدنيا وأن هذه الأشراط تخبره أن الدنيا ستفنى وستنتهي، فهذا الأمر ماذا يجعله؟ يجعله يستعد ليوم الحساب، يبدأ يتجهز ويكثر من الأعمال الصالحة لأنه يرى النهاية أمامه سواء في عمره أو سواء في عمر الدنيا، فيبدأ يتخلص من كل ما يشغله عن الاستعداد للقاء الله، ويجب كل ما من شأنه من أعمال الدنيا ومن أعمال الآخرة التي يتقرب بها إلى الله سبحانه وتعالى ويقوم بها لكونه يرى أن الدنيا قصيرة وأن العمر قصير وأنه غداً سيكون إما جنة وإما نار، وهو يسأل الله سبحانه وتعالى أن يكون من أهل الجنة فيستعد لها.
أسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعلنا جميعاً من أهل الجنة، وأن يسعدنا في دنيانا وأخرانا، وأن يجعل ما تذاكرناه في هذا المستوى المستوى الرابع والمستويات التي قبله أن يجعل ما تذاكرناه في ميزان حسناتنا، وأن يجعله حجة لنا ولا يجعله حجة علينا. ويا أيها الأحبة في الله في هذا الختام وفي هذا الوداع، أوصيكم وأوصي نفسي قبلكم أن يكون هذا العلم الذي تعلمناه ننتفع به في نفوسنا أولاً، ننفع به نفوسنا، نقوي به إيماننا، ولا نقتصر بهذا النفع على نفوسنا بل ينبغي لنا أن نبلغه للآخرين، كل ما أتقنت درساً ابدأ في تعليم أولادك هذا الدرس، ثم إن كنت إماماً تعلم جماعة المسجد، إن كنت صاحب علاقات اجتماعية تعلم جيرانك، تعلم زملائك، وتبدأ تتدارس معهم، تحضر درساً، تحضر كلمة تتكلم عنها، وهكذا بأسلوب سهل وبأسلوب يسير.
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا هداة مهتدين، وأن يرزقنا الإخلاص في أقوالنا وأعمالنا، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وجزاكم الله خيراً.
د. أبو زيد مكي القبي