الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم إنا نسألك علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكراً. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، واجعله حجة لنا ولا تجعله حجة علينا يا رب العالمين.
حيا هلا بكم في الدرس الثاني من دروس مادة العقيدة في المستوى الرابع، وهذا الدرس أيضاً يتعلق بالبدع. قبل أن نتحدث عن موضوع البدعة وحكمها في الدين الإسلامي، أريد أن نملأ قلوبنا بغضاً للبدع، يجب أن نملأ قلوبنا بغضاً للبدعة، ونخاف أشد الخوف من أن نكون من أهل البدع، أو أن نقع في بدعة. لا بد أيها الأحبة في الله أن نملأ قلوبنا بغضاً للبدع، وخوفاً من الوقوع فيها.
الأمر الثاني: لا بد أن نعرف هذه البدع حتى لا نقع فيها، لأنك قد تسير وفق شيء عقدي أو شيء عبادي تظن أنه سنة لأنك لم تتعلم البدع، لم تتعرف عليها، فلا بد من معرفة البدعة حتى لا تقع فيها.
البدعة العقدية أو البدعة العبادية؛ على سبيل المثال، لو طرحت لكم الآن وأنتم تسمعون هذا السؤال: ما هو أعظم طلاق يوقعه الإنسان في هذه الحياة؟ إنه طلاق الدنيا، هذا الطلاق للدنيا مرتبة عالية قد لا يستطيع أن يصلها كل شخص، وعلامة وقوعك في طلاق الدنيا أن ترى زوجتك كارملة وأولادك كاليتامى، يعني تصبح في هذه الدنيا جسداً، وأما روحك فهي محلقة في الآخرة، تكون ميتاً، لا أنت من عداد الأموات في هذه الدنيا؛ لأن قلبك كله لا يفكر إلا في الآخرة، قلبك كله ومشاعرك كلها ليست مع أهل الدنيا في شيء.
ما رأيكم في هذا؟ أليس هو حلم كل واحد منا أن يصل إليه؟ هذا أيها الأحبة في الله انحراف عن دين الإسلام، قد يكون حلماً للبعض، لكنه حلم في دين الإسلام حلم محرم، ولم يأمرنا الله سبحانه وتعالى ولم يأمرنا رسولنا صلى الله عليه وسلم بهذا الأمر ابتداء في الدين. قد يسير الانسان وفق هذا، وقد يمارس رياضات روحية ورياضات بدنية حتى يصل لمثل هذا الأمر، وهو مبتدع، ويعمل بدعة في دين الإسلام، وهو آثم في ذلك، وهذا الأمر محرم عليه: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾. نريد أن نستطرد في هذا الموضوع، لكن أن تجعل الدنيا والآخرة طريقين متوازيين، إما أن تكون من أهل الدنيا أو من أهل الآخرة، هذا مفهوم خاطئ، هذا مفهوم خاطئ، دين الإسلام الدنيا والآخرة طريق واحد يبتدئ بالدنيا وينتهي بالآخرة، لن تظفر آخرتك بالعمارة الشرعية المطلوبة إلا بعمارة دنياك، بإقامة شريعة الله والتعبد لله وفق ما شرع الله سبحانه وتعالى.
ومن ضمن ما شرعه الله سبحانه وتعالى عمارة الأرض بكل ما هو نافع: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61]، إن شاء الله يكون لها تفصيل في مكان آخر. المقصود: لا بد أن يتعلم الإنسان ويعرف البدع العقدية والبدع العبادية حتى لا يقع فيها.
الأمر الثاني: إذا شعرت أنك في بدعة ما، عقدية كانت أو بدعة عبادية، إياك ثم إياك أن تستمر فيها وأن تكابر، بمجرد أن تشعر أنك تسير على عبادة بدعية، جاءك شخص طالب علم وقال لك: قال الله قال رسوله، وأنت تسير على خلاف ما قاله الله وقاله رسوله في العقيدة أو في العبادة، يجب عليك أن تكف عنه وتتعلم، ولا تستمر في البدعة، لا تستمر في البدعة، أمرها خطير. وإذا كانت هذه البدعة فيها جاذبية، جاذبية روحية، جاذبية... أحياناً بعض البدع يزينها الشيطان ويجتمع عليها الكثير من الناس، تأتي ببدعة يجتمع حولك كثير من الناس، تأتي بسنة لا يأتيك إلا القليل، تبتدع فيأتيك كثير، ويكون لهذه البدع بهرج وزخرف وهكذا، اصبر، اصبر عن البدع وجانب أهلها، وانشغل بالسنة وتعلم السنة وجالس أهلها.
أريد أن أعطيكم بعض القواعد التي تنفر الانسان من البدع، يجب أن تنظر إلى المبتدع، تنظر إلى الصورة الحقيقية للمبتدع. أولاً: المبتدع مبغوض عند الله، المبتدع يبغضه الله، لا يحبه الله، لا يحب الله جل جلاله من يبتدع في دينه، من يبتدع عقيدة لم يخبرنا الله بها، من يبتدع عبادة لم يطلبها الله منا، هذا المبتدع مبغوض عند الله، ليس محبوباً عند الله، كما أنه مبغوض عند الله؛ لماذا؟ لأنه يدعي أنه مشارك لله عز وجل في التشريع، فيحلل ويحرم، يأتي بأخبار من عند نفسه ويأمر الناس باعتقادها، فصورة المبتدع الحقيقية أنه مبغوض عند الله.
المبتدع مفسد، مفسد لدين الإسلام، يجب أن ننظر إلى المبتدع كما ننظر إلى ذلك المجرم الذي يقتل الناس، كما ننظر إلى ذلك المجرم الذي يعيث في الأرض الفساد، ننظر كذلك المبتدع أنه مفسد، مفسد في الأرض؛ لأنه يفسد على الناس دينهم، وما يقوم به من تغيير وتبديل في دين الإسلام عقيدة وشريعة هو مفسد، وهو أشد الإفساد في دين الإسلام، هذا الذي يبتدع شركيات، يبتدع عقائد تميل بالناس عن ملة الإسلام، هذا مفسد.
أيضاً يا إخوان، يجب أن ننظر للمبتدع أن هذا المبتدع مفتري، مفتري، يفتري الكذب على الله وعلى شرعه، فيقول: قال الله، هذا من شريعة الله، وهو كاذب، هذا مفتري.
يجب أن يُنظر إلى المبتدع -وهذا كثير من الناس لا ينظرون هذه النظرة للمبتدعة- ينظرون أن المبتدع إنسان متدين، إنسان مستقيم، لكنه أخطأ، المبتدع منحرف، المبتدع منحرف وليس مستقيماً على الدين كما يظنه الناس، وإن كان شكله، وإن كانت هيبته، إن كان ملتحيا، وإن كان كذا، لكنه في الحقيقة هو منحرف، المبتدع بدعة عقدية، المبتدع بدعة عبادية، هذا منحرف عن دين الله، لا كما يظن من الناس أنه مستقيم على دين الله.
المبتدع ضال، ليس مهتدياً، المبتدع ضال؛ لأنه ضال عن هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذه صورة المبتدعين يجب أن نعدلها، نعدل صورة المبتدع في أذهاننا ونأتي بهذه الصورة الحقيقية: المبتدع مبغوض عند الله، المبتدع مفسد لدين الإسلام، المبتدع مجرم بما يرتكبه من جريمة عظيمة في حق الدين وفي حق المسلمين، المبتدع مفتري، المبتدع منحرف، المبتدع ضال، هذه الصورة التي ينبغي أن نستحضرها في أذهاننا عن المبتدع.
كذلك يا إخوان، يجب أن ننظر إلى صورة البدعة بصورتها الحقيقية، وصورتها الحقيقية صورة منفرة، البدعة مبعدة عن الله، البدعة الحقيقية صورة البدعة أنها مبعدة عن الله، ليست مقربة من الله، البدعة بوابة الشرك، البدعة بوابة الشرك فهي مؤدية للوقوع في الشرك في الربوبية في الألوية وهكذا، البدعة معصية لله، بل من أكبر المعاصي، البدعة من أكبر المعاصي، البدعة غير مقبولة في دين الإسلام، بل هي مردودة على صاحبها مع الإثم، البدعة مفسدة لدين الله، البدعة مضلة عن دين الله، يجب أن نجعل صورة البدعة في أذهاننا بهذا الشكل المنفر حتى يمتلئ قلب الانسان خوفاً منها، خوفاً منها، ما يريد... لأن بعض الناس يظن أنه إذا فعل بدعة تقربه إلى الله أن هذه البدعة إنما أراد بها توحيد الله، أن هذه البدعة ليس فيها معصية لله، أن هذه البدعة قد تكون مقبولة، لا، ليست كذلك. يجب أن يضع الانسان هذه الصورة الحقيقية للبدعة في ذهنه. ناخذ فاصل ثم نكمل بإذن الله الحديث في ذلك.
أمانة يجب أداؤها وأتمامها، انها الوظيفة، فمن صفات المؤمنين... فعلى الموظف إتقان عمله، قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه»، وليلتزم بمواعيد الدوام آية ونهاية، ولا يتغيب عنه إلا لعذر قاهر، وليحافظ على أسرار الوظيفة وخصوصيات جهة العمل وعلى الأجهزة والأدوات التي في محل عمله ولا يفسد شيئاً منها. قال تعالى: ولينفذ أوامر مديره فيما ليس بمعصية، قال تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: 59]. وليراقب الله تعالى في وظيفته ولو كان مديره لا يراه، قال صلى الله عليه وسلم في تفسير الإحسان: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فانه يراك»، وعليه احترام زملائه والتعاون معهم وإفادة الموظفين الجدد بخبراته، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2]، وليكن بشوشاً ليناً رفيقاً مع مراجعيه وليقض لهم حوائجهم، قال صلى الله عليه وسلم: «خير الناس أنفعهم للناس»، وليحذر من الرشوة ولو سموها هدية أو إكرامية، قال صلى الله عليه وسلم: «لعنة الله على الراشي والمرتشي»، وليعلم الموظف أنه مسئول يوم القيامة عن عمله، قال تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: 92-93].
حياكم الله أيها الأحبة الكرام طلاب العلم الشرعي، نريد أن نبغض إلى أنفسنا صورة المبتدع وصورة البدع، ونحبب لأنفسنا صورة السنة، صورة الإنسان المتمسك بالسنة، المتمسك بالسنة محبوب، محبوب من الله سبحانه وتعالى وهذا يكفي، محبوب من الله، محبوب من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك سيحبه أهل الإيمان، فالمتمسك بالسنة محبوب، المتمسك بالسنة هذا محافظ على دين الله، هذا محافظ، صورة المتمسك بالسنة محافظ على دين الله سبحانه وتعالى، صورة المتمسك بالسنة معتدل لأنه غير غال ولا جاف، صورة المتمسك بالسنة أنه مهتدٍ، اهتدى لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، صورة المتمسك بالسنة أنه معظم لشرع الله، المتمسك بالسنة أنه مأجور على قوله وفعله وتسننه.
السنة أيها الأحبة، صورة السنة؛ حبب لنفسك السنة، السنة مقربة من الله، السنة مقبولة عند الله، السنة طاعة لله، السنة استقامة على دين الله، السنة مصلحة للدنيا والآخرة والفرد والمجتمع والقلب والبدن، ذاك ما... يعني بعض الناس يقول: أتينا بهذه البدع من أجل أن نصلح القلوب، من أجل أن نصلح مثلاً الأبدان، فيأتون بمثل هذه البدع، ابدأ، السنة هي المصلحة، مصلحة للدنيا وللآخرة والفرد والمجتمع والقلب والبدن، السنة هي الهداية لصراط الله سبحانه وتعالى المستقيم.
أيها الأحبة في الله، سنأخذ بعض الآيات التي تبين لنا جريمة البدعة في ديننا الإسلامي. في المحاضرة الأولى اختتمنا بقوله سبحانه وتعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: 21]، المبتدع يحلل ويحرم، يضيف وينقص من شريعة الله، هذا طغى، طغى وصار طاغوتاً ورفع نفسه إلى مقام الخالق سبحانه وتعالى وينازع الله عز وجل في ربوبيته، فالمشرع هو الله، التشريع لله، فمن يريد أن يكون مشرعاً مع الله هذا والعياذ بالله منازع لله في ربوبيته.
أيضاً يا إخوان، نأخذ قول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [البقرة: 59]، قول غير الذي قيل لهم، هذه الآية معروفة ققصتها، قال الله عز وجل لهم: قولوا حطة -يعني نسأل الله سبحانه وتعالى أن يحط عنا ذنوبنا- أضافوا حرفاً فقالوا حنطة استهانة بأمر الله واستهزاء، فبدلوا، بدل أن يقولوا حطة قالوا حنطة، فانزل الله عز وجل عليهم رجزاً من السماء بسبب هذا التبديل.
فهذا الذي يأتي للعقيدة فيأتي الله سبحانه وتعالى يقول: الرحمن على العرش استوى، فيقول: استوى، استوى، أضاف ولا ما أضاف؟ بدل ولا ما بدل من غير مستند شرعي؟ فيقول: استوى استولى. أو يأتي: وكلم الله موسى تكليما، وكلم الله موسى تكريماً حتى يكون متكلماً وهو موسى، أو يأتي في غير هذه المعاني، يأتي للعبادات ويغير في العبادات، يشرع، يأتي بعبادات من عند نفسه، فهذا بدل، أو غير الذي قيل له، فكان بذلك من الظالمين الفاسقين وكان مستحقا للعقوبة من الله سبحانه وتعالى.
يقول صلى الله عليه وسلم: «إنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة». ما رأيكم في هذا؟ ما يخيف الانسان عندما يسمع كلام النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «كل محدثة» -أي طبعاً في الدين- «بدعة ابتداع»، طيب، والبدعة ممكن تكون هدى؟ قال: «وكل بدعة ضلالة»، كل ابتداع في الدين هو ضلال عن دين الله، ضلال عن دين الإسلام، فيصبح صاحبه ضالاً.
يقول صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد، ومن عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» متفق عليه. يعني الانسان يتعب، تتعب ويقوم الليل، لكن على غير ما شرعه الله سبحانه وتعالى من الصلوات في عددها، في كيفيتها، في زمانها، في مكانها، فيأتي ويبتدع ويغير، هذا تعبه يذهب هباءً منثوراً، يدخل ضمن: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: 103-104] وإن كانت في الكفار، لكن كذلك هذا الذي على بدعة ويحسن الأمر ويريد التقرب إلى الله سبحانه وتعالى ببدعة، لا، ويتعب، لكن تعبه غير مقبول عند الله، وتعبه مردود عند الله سبحانه وتعالى.
يقول عبد الله بن مسعود: اتبعوا ولا تبتدعوا، فقد كفيتم، وكل بدعة ضلالة. ويروى عنه أيضاً رضي الله عنه أنه قال: أيها الناس، إنكم ستحدثون ويحدث لكم، فاذا رأيتم محدثة فعليكم بالأمر الأول، يعني إياكم والمحدثات، ابتعدوا عليها وتمسكوا بالأمر الأول بما شرعه الرسول صلى الله عليه وسلم.
عن عثمان بن حاطر الأزدي قال: دخلت على ابن عباس رضي الله عنهما فقلت: أوصني، قال: عليك بتقوى الله والاستقامة، اتبع.
ولا تبتدع. اتبع ولا تبتدع. أيها الأحبة في الله، البدعة طعن في الدين، البدعة خطرها عظيم، البدعة طعن في الدين. قال الإامم مالك رحمه الله: من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة، فقد زعم أن محمدا صلى الله عليه وسلم خان الرسالة، لأن الله عز وجل يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: 3]، فما لم يكن يومئذ دينا، فلا يكون اليوم دينا. هذا الإنسان يستدرك على الله، يقول: النبي صلى الله عليه وسلم لم يبلغنا هذا الأمر! هذه مصيبة يا إخوان، وأمره مخيف، كل من ابتدع في الدين شيئا، إنما هو لظنه نقص الشريعة وعدم كمالها، وأنه بقي منها ما يجب تكميله واستدراكه.
أيها الأحبة في الله، هذا المبتدع يشوه دين الإسلام حتى يصد عنه. مثلا، ما يقوم به الرافضة في يوم عاشوراء من ضرب أنفسهم وأطفالهم بالسيوف أو السلاسل؛ عندما يرى إنسان غير مسلم يرى هذا الفعل ويظن أن هذا هو واجب عليه في دين الإسلام، هل يعتنق دين الإسلام؟ لا يمكن. وما يفعله الصوفية عند القبور وبعض الأمور التي تفعل ويراها غير المسلمين، ويقولون: إذا كان هذا الدين بهذا الشكل لا لا نريده، إذا كان الدين فعله ما يضر بدن الإنسان، ما يضر بدنيا الإنسان، ما يضر بأولاد الإنسان، ما يضر بزوجاته، ما يضر بأعماله، لا إذا هذا لا نريد هذا الدين. ولا يمكن أن يكون في السنة ضَرَرٌ، إنما يكون ذلك في البدعة.
كذلك أيها الأحبة في الله، البدعة تخفي السنة على كثير من الناس، كلما أتيت بدعة كلما كان ذلك على حساب سنة. قال ابن عباس رضي الله عنهما: لا يأتي على الناس زمان إلا أحدثوا فيه بدعة، وماتوا فيه سنة، حتى تحيا البدع وتموت السنن. البدع أيها الأحبة في الله سبب لعذاب الله، سبب لعذاب الله. ناخذ فاصل ثم نكمل معكم بمشيئة الله.
يموج العالم بأنواع من المعاملات والعقود، منها الحلال ومنها الحرام، فهل تعلم هذا من ذاك؟ فيلزم التاجر أن يتعلم فقه البيوع وأركان البيع وشروطه، حتى يكون بيعه صحيحا، ويتجنب البيوع المحرمة، ويتعلم الربا وصوره، وما يشترط فيه التقابض والتماثل معا أو التقابض فقط حتى لا يقع في الربا. ويلزمه معرفة البيوع المنهي عنها؛ كبيع المحرمات كالخمر، والغرر، وبيع الطير في الهواء، وبيع ما لا يملك، والقمار. ويلزمه تعلم أنواع الخيار؛ كخيار المجلس وخيار الشرط وخيار العيب، حتى لا يظلم المشتري. ويتعلم أحكام القرض؛ ما يصح إقراضه وما لا يصح، وكيف يتصرف مع المماطل حتى لا يقع في الربا أو الظلم. ويتعلم القبض وصوره؛ فقبض كل شيء بحسبه، فإن كان موزونا فقبضه بوزنه، وإن كان ثيابا ونحوها فقبضها نقلها، وإن كان مما لا ينقل فقبضه بالتخلية. ويتعلم أحكام الإجارة كحرمة مماطلة الأجير. قال صلى الله عليه وسلم: «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه». ويتعلم أحكام الزكاة حتى يعرف كيف يزكي أمواله، وليعلم أن الضريبة لا تغني عن الزكاة. ومن تاج معاملة تعلم فقهها حتى لا يقع في الحرام. قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: 115].
حياكم الله أيها الأحبة، وصلنا عند بيان خطر البدعة وأنها سبب لعذاب الله وليس لثواب الله كما يظن البعض، لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: 63]، وقال تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [البقرة: 59]. رأى سعيد بن المسيب رحمه الله رجلا يصلي بعد طلوع الفجر -لأن وقت نهي عن الصلاة- فقال الرجل: يا أبا محمد، أيعذبنا الله على الصلاة؟ أصلي! يعذبني الله على الصلاة؟ طيب نصلي. قال سعيد: لا، ولكن يعذبك على خلاف السنة، أي على مخالفته والخروج عليها. يتعمد الإنسان أن يصلي تنفلا بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس، يتنفل في هذا الوقت ويظن أنه يتقرب إلى الله سبحانه وتعالى، وكيف يعذب على ذلك؟ يعذبه الله سبحانه وتعالى.
قال رجل لمالك بن انس: من أين أحرم؟ قال له: من حيث أحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال الرجل: فإن أحرمت من أبعد منه؟ قال: فلا تفعل، فإني أخاف عليك الفتنة. قال: وأي فتنة في زيادة الخير؟ أنا بدل أن أحرم من هنا أحرمت من قبل فعندي خطوات زيادة. قال مالك: فإن الله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: 63]. وأي فتنة؟ يقول الإمام مالك: وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك خصصت بفضل لم يخص به رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
يا إخوة، البدعة توجب الحرمان من حوض النبي صلى الله عليه وسلم. عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إني فرطكم على الحوض، من مر علي شرب، ومن شرب لم يظمأ أبدا، ليردن علي أقوام اعرفهم ويعرفوني، ثم يحال بيني وبينهم، فأقول: إنهم مني، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقا سحقا لمن غير بعدي». متفق عليه. ما أحدثوا بعدك من البدع العقدية، البدع التي جعلتهم يحرمون من حوض النبي صلى الله عليه وسلم بسبب هذه البدع.
أيها الأحبة في الله، ينبغي لنا أن ننفر للتحذير من البدع، نحذر الناس من البدع بالعلم والتحذير بالحق والتحذير بالعدل. قيل لأحمد بن حنبل رحمه الله: الرجل يصوم ويصلي ويعتكف أحب إليك، أو يتكلم في أهل البدع؟ فقال: إذا قام وصلى واعتكف فإنما هو لنفسه، وإذا تكلم في أهل البدع فإنما هو للمسلمين. هذا المقصود يا إخوان في أهل البدع، ليس كما يقوم به البعض؛ يأخذ الصالحين، ويأخذ الدعاة، ويأخذ الأخيار، ويبدأ يتحدث عن أخطاء وقعوا فيها، ويظن أنه بذلك هو يحافظ على السنة! لا، لا، المقصود بهذا البدع المعروفة؛ بدع الخوارج، بدع الإرجاء، بدع القدرية، بدع الجبرية، بدع الرافضة. وأما البدع الخفيفة فيكون تركيز الإنسان على بيان البدعة وعلى إيضاحها. أما يتسلط الإنسان -بعض الناس يأخذ مثل هذه الأشياء عند الإمام أحمد وغيره وينزلها في غير منازلها- ينزلها في أهل الخير أهل الصلاح الذين لهم جهود، وهذا الجهد كلما أكثرت من الجهد وكلما بذلت لابد أن يكون هناك أخطاء، هناك في الطريق زلات، هناك هنات، يتتبع هذا: هذا انحراف، هذا منحرف، هذا مبتدع أصلا، هذا فعله بدعة، فعله هذا هو ابتداع وليس تلك الأخطاء نسميها بدعة. لكن النقد والبيان والمناصحة لأولئك على ما وقع فيه من أخطاء مع حفظ أقدارهم وحفظ مكانتهم، هذا موضوع آخر. أما نفرح بالزلات من أجل إسقاط الأشخاص بحيث ما يصبح عندنا دعاة، ولا يصبح عندنا معلمين، ولا يصبح عندنا أخيار؛ لأنه ما من شخص إلا عنده أخطاء فنكبر تلك، يصبح ما عندنا أخيار البتة، هذه المصيبة، ليس هذا هو المقصود.
أيها الأحبة في الله، هل هناك فرق بين العادات والعبادات؟ عادات الناس الأمور الدنيوية والعبادية، هناك فرق يا إخوان. العادات والامور الدنيوية الأصل فيها الإباحة، قال الله عز وجل: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: 29]. فالأصل في الأمور الدنيوية أنك تبتدع، أما الأصل في العبادات فهو الحظر والمنع حتى يقوم دليل على المشروعية، لقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن لَّهُ اللَّهُ﴾ [الشورى: 21]. قال شيخ الاسلام: الأصل في العبادات ألا يشرع منها إلا ما شرعه الله، والأصل في العادات ألا يحظر إلا ما حظره الله. قال ابن القيم رحمه الله: والفرق بينهما أن الله سبحانه وتعالى لا يعبد إلا بما على سنة رسله، فإن العبادة حقه على عباده، وحقه الذي أحقه هو ورضي به وشرعه، والعقود والشروط والمعاملات فهي عفو حتى يحرمها، ولهذا نعى الله سبحانه وتعالى على المشركين مخالفة هذين الأصلين؛ وهو تحريم ما لم يحرمه، والتقرب إليه بما لم يشرعه.
بقي قضية قد يتحجج بها بعض الناس فيقول: يعني نحن ابتدعنا، لكن هذه بدعة حسنة! ويقولون: أنتم بالغتم، كل بدعة ضلالة، لا، هناك بدعة حسنة وبدعة سيئة. نقول: إذا كنت تقصد بالبدعة الحسنة أمور دنيوية كلامك صحيح، أما في الدين قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كل بدعة ضلالة». طيب، سيقولون مثلا: النبي صلى الله عليه وسلم قال: من سن في الإسلام سنة حسنة. لاحظ، النبي صلى الله عليه وسلم قال: في الإسلام، من سن في الإسلام سنة حسنة، يعني هذا الدين الإسلامي وهو ابتدأ هذا العمل المشروع هو بدأه وسبق إليه، سواء كان السبق يعتبر في ذلك الوقت أو سبق في التنفيذ، أول واحد يعمل بتلك السنة. هذا المقصود من سن في الإسلام، يعني أمر مشروع هو بدأ في تنفيذه، أما بداية خاصة، مثال مثلا صدقات، الآن فجاء شخص يدعو الناس يحثهم على الصدقة فهذا أول من بدأ يققال عنه: سن في الإسلام سنة حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، أخرجه مسلم. لأنه ماذا؟ هو الذي أبرزها وهو الذي عمل بها.
المقصود أيها الأحبة من الحديث: من أحيا سنة ثابتة بأصل الشرع فله أجرها، فهو لم يبتدع شيئا من عند نفسه. ويدل على ذلك مناسبة الحديث، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يطلق هذه الكلمة «سنة حسنة» إلا على أمر له أصل في الشرع، وهو الصدقة، وذلك أن سبب هذا الحديث أن وفدا من العرب كانوا على قدر كبير من الحاجة والفقر، فحث النبي صلى الله عليه وسلم اصحابه على التصدق عليهم، فجاء رجل من الأنصار بصدقة كبيرة، ثم تتابع الناس من بعده على التصدق حتى تجمع قدر كبير، فأعجب النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك الأنصاري فقال هذا القول. كما يا إخوان لو كان بهذا الشكل أن سنة حسنة إذا خلاص نحن الباب مفتوح لنا جميعا أن كل واحد منا يختار شيء ويبتدع في الدين وهو يراه حسن، ويقول: سننت سنة حسنة، فيصبح افراد الأمة كلهم لهم الاحقية في التشريع وإحداث سنن ليس لها أصل من كتاب ولا سنة! فهذا يفتح بابا للفساد، ولا يمكن أن يقول إنسان عاقل بهذا الكلام حتى نغير شريعة الله.
أيضا يا إخوان، بعض الناس يقول: عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما رأى اجتماع الناس لصلاة التراويح للمسجد قال: نعمة البدعة هذه! هذا الحديث في صحيح البخاري. نقول بالنسبة للاجتماع؛ اجتماع الناس في التراويح هذا كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وهي سنة، وإنما النبي صلى الله عليه وسلم توقف خشية أن فرض عليهم، وعمر بن الخطاب رضي الله عنه أحيى هذه السنة وقد زال المانع من أن تشرع بوفاته صلى الله عليه وسلم، فهذا المقصود به أن هذه السنة قد أوحيت فأحيىها وعمل بها.
أيها الأحبة في الله، نسأل الله عز وجل بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يجعلنا جميعا من أهل السنة ويجنبنا الوقوع في البدعة. وإلى درس قادم، استودعكم الله، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وجزاكم الله خيرا.
د. أبو زيد مكي القبي