تسجيل الدخول

المحاضرة 3 - أمثلة على أنواع البدع

أبو زيد مكي القبيد. أبو زيد مكي القبي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

يا راغباً في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم بتقنياته ومجالاته، ومعه نطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي. أكاديمية زاد، هذه عقيدة صحيحة وفطرة تنفي الشكوك بواضح البرهان. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم إنا نسألك علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكراً. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، واجعله حجة لنا ولا تجعله حجة علينا يا رب العالمين.

حياكم الله طلاب العلم في المحاضرة الثالثة من محاضرات مادة العقيدة في المستوى الرابع. أيها الأحبة في الله، توقفنا في المحاضرة الماضية عند استدلال البعض لقوله صلى الله عليه وسلم: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم»، قالوا: إن هذا الحديث يدل على أن هناك بدعاً حسنة. لكن أيها الأحبة في الله، هذا الحديث لا دلالة فيه على الابتداع في دين الله، وأن هناك بدعاً حسنة في دين الله. هذا مفهوم خاطئ لهذا الحديث؛ لأن هذا الحديث يقول: «من سن في الإسلام سنة حسنة»، معناها أن هناك سنة حسنة ثابتة في أصل الشرع، فجاء هذا الإنسان فأحياها. هناك سنة قولية، وهناك سنة عملية، وهناك سنة حالية، الناس لم يعملوا بها من فترة من الفترات، ثم جاء هذا فأحياها، أو يكون الموقف فيه دعوة إلى عمل خير ثابت بأصل الشرع، فيكون هذا الإنسان أول من يبادر إلى عمل هذا الخير.

يكون مثلاً إمام مسجد طلب من الناس أن يتصدقوا، فأول واحد تصدق، قام الناس بعده بصدقاتهم، فيقال عن هذا الإنسان إنه سن في الإسلام سنة حسنة، يعني بادر إلى العمل بما ثبت من السنة. وانظروا حتى نفهم هذا الحديث الفهم الصحيح، ما مناسبة هذا الحديث؟ متى قيل هذا الحديث؟ قيل عندما دعا النبي صلى الله عليه وسلم الناس إلى الصدقة، فجاء رجل فتصدق، ثم جاء بعده الناس يتصدقون، فالصدقة ثابتة في الشرع، وليس هذا الرجل هو الذي اخترع الصدقة.

فهذا فهم خاطئ، إنما المقصود أن هناك سنة يحييها هذا الإنسان، أو يبادر للعمل بها، إما مبادرة أولية مطلقة في الإسلام، أو تكون أولية بالنسبة لذلك الزمن أو لذلك الموقف. أما حمل هذا الحديث على الاختراع والابتداع في الدين فهذه مصيبة كبرى؛ لو كان كل مسلم يخترع، أو كل عالم أو كل عابد يخترع في الدين، إذاً ماذا بقي في الدين؟ سيكون الدين كله مخترعاً كله بدع، وهذا لا يقول به عاقل، ويكون هذا إفساداً للدين ولا يمكن أن يكون هذا. ثم لاحظوا في الحديث قال: «سنة حسنة»، كيف نعرف أنها سنة حسنة أو سنة قبيحة؟ المرد في ذلك إلى الشرع، فعدنا إلى الشرع. هذا الحديث لا يصلح أن يعتمد عليه في إثبات أن هناك بدعاً يخترعها الناس لا أصل لها في دين الإسلام، لكن لكون فيها عمل تسمى سنة حسنة، فهذا الحديث لا يخدم هذا الباب أبداً.

وأيضاً أتينا بقول عمر رضي الله عنه الذي يستدل به البعض عندما قال: "نعم البدعة هذه"، عندما جمع الناس في عهده على قارئ واحد في مسجد واحد في صلاة التراويح. فقالوا: إذاً عمر رضي الله عنه يقول عن بعض البدع إنها بدع حسنة! لا، عمر رضي الله عنه لا يقصد المعنى الشرعي وهو أنه اخترع عملاً لم يسبق إليه ولم يثبت في الكتاب ولا في السنة، ليس هذا البدعة بالمصطلح الشرعي، إنما هو بدعة في المصطلح اللغوي؛ أنه أحيا سنة النبي صلى الله عليه وسلم. جمع الناس ليالي في رمضان ثم خشي أن تفرض عليهم صلاة التراويح فترك ذلك، فعمر رضي الله عنه عندما رأى الناس متفرقين كل يصلي بمفرده، جمعهم على إمام واحد، وهذا الجمع ثابت أصلاً في الشرع، فلا دلالة في قول عمر رضي الله عنه: "نعم البدعة هذه" على أن هناك بدعاً في الإسلام وتسمى بدعاً حسنة.

أيها الأحبة في الله، أريد منكم أن تتخيلوا معي هذا الحديث، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «كل بدعة ضلالة». ما رأيكم في شخص يقول: لا ليست كل بدعة ضلالة؟ النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «كل بدعة ضلالة»، فيأتي الشخص ويقول: لا ليست كل بدعة ضلالة، هذه مشاقة للنبي صلى الله عليه وسلم، هذا مضاد لكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولذلك يقول شيخ الإسلام رحمه الله: لا يحل لأحد أن يقابل هذه الكلمة الجامعة من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي قوله: «كل بدعة ضلالة» بسلب عمومها، وهو أن يقال ليست كل بدعة ضلالة؛ فإن هذا مشاقة للرسول صلى الله عليه وسلم أقرب منه إلى التأويل.

درسنا اليوم بمشيئة الله نتحدث فيه عن تحذير السلف من البدع، وسنأخذ أمثلة كثيرة على البدع بمشيئة الله. نأخذ بعض النماذج من كلام سلفنا الصالح في التحذير من البدع. هذا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقول: "الاقتصاد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة". الاقتصاد في السنة يعني الإنسان يأتي بالسنة لكنه ليس بكثرة، شخص مقتصد في السنة غير مجتهد في الإتيان بأعمال كثيرة من سنن النبي صلى الله عليه وسلم، وآخر مجتهد في بدعة. أيهما أفضل؟ الأفضل أن تقتصد في سنة خير لك من أن تجتهد في بدعة.

وهذا الأوزاعي رحمه الله يقول: "اصبر نفسك على السنة، وقف حيث وقف القوم، وقل بما قالوا، وكف عما كفوا عنه، واسلك سبيل سلفك الصالح، فإنه يسعك ما يسعهم". اصبر نفسك على السنة يعني إياك أن تتركها وتذهب للبدعة؛ فالبدعة لا شك أن الشيطان يزينها للإنسان، والنفس تريد أن تذهب لكن تحتاج إلى أن تصبر نفسك على السنة ولا تترك هذه النفس تذهب إلى البدع.

وهذا أيوب السختياني رحمه الله يقول: "ما ازداد صاحب بدعة اجتهاداً إلا ازداد من الله بعداً". يجتهد في بدعته، يصلي صلاة الرغائب، يصلي في ليلة عاشوراء مئة ركعة، ويزداد اجتهاداً في هذه البدعة، يقول أيوب السختياني: إلا ازداد من الله بعداً؛ بقدر ما تزداد في الابتداع في دين الله بقدر ما تزداد في الابتعاد عن الله عياذاً بالله.

وهذا سفيان بن عيينة رحمه الله يقول: "ليس في الأرض صاحب بدعة إلا وهو يجد ذلة تغشاه"، ثم قال: هذا في كتاب الله. قالوا له جلساؤه: وأين هو في كتاب الله؟ قال: أما سمعتم قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الأعراف: 152]. قالوا: يا أبا محمد، هذه لأصحاب العجل خاصة. قال: كلا، اتلوا ما بعدها: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ [الأعراف: 152]، أي كذابين المبتدعين، فهي لكل مبتدع مفترٍ ومبتدع إلى يوم القيامة. هذا جزاء من ابتدع في دين الله أنه يناله غضب من الله وذلة في الحياة الدنيا، نعوذ بالله من البدع.

أمانة عظيمة ومسؤولية كبيرة، إنها تربية الأهل والأولاد. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: 6]. قال علي بن أبي طالب: "علموهم". فنعلمهم العقيدة الصحيحة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13]. وقال صلى الله عليه وسلم لابن عباس: «يا غلام إني أعلمك كلمات، احفظ الله يحفظك». ونعلمهم حب النبي صلى الله عليه وسلم وحب أصحابه، فقد كان السلف يعلمون أولادهم حب أبي بكر وعمر كما يعلمون السورة من القرآن. ونعلمهم الصلاة، قال صلى الله عليه وسلم: «مُروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر». ونعلمهم مكارم الأخلاق ومحاسن الآداب، قال صلى الله عليه وسلم لعمر بن أبي سلمة: «يا غلام سمِّ الله، وكُل بيمينك، وكُل مما يليك». ونعلمهم شيئاً من القرآن بأنفسنا أو نلحقهم بحلقات التحفيظ، ونعلمهم الحلال والحرام بالتدريج، ونعلمهم لغة القرآن قبل أن نعلمهم اللغات الأخرى، قال نافع: كان ابن عمر يضرب ولده على اللحن. فاحرص على تعليم أهلك، واعلم أن غذاء الروح أهم من غذاء البدن، قال صلى الله عليه وسلم: «والرجل راعٍ على أهل بيته وهو مسؤول عنهم».

كذلك يقول سفيان الثوري رحمه الله محذراً من البدع: "البدعة أحب إلى إبليس من المعصية"، ثم علل ذلك فقال: "لأن المعصية يُتاب منها، والبدعة لا يُتاب منها". فأيهما أحب إلى إبليس؟ البدعة؛ لأن العاصي عندما يعمل المعصية ويعلم أنه عاصٍ لله بمعصيته، فإنه يستغفر ويتوب ويعود إلى الله، وهذا الاستغفار وهذه التوبة هلاك لإبليس. فإبليس لا يحب أن يقع العبد في المعصية أكثر من محبته بأن يقع في البدعة؛ لأن المبتدع كيف يتوب من معصيته وهو يظن أن بدعته قربة إلى الله؟ يظن أن بدعته قربة إلى الله ولا يعرف أنها معصية، بل هي أكبر من المعاصي العادية، نعوذ بالله من البدع.

نأخذ أيها الأحبة في الله أمثلة على بعض البدع. قلنا إن العبادة لا تكون عبادة حتى توافق الشرع في ستة أمور: توافق الشرع في سببها، توافق الشرع في جنسها، توافق الشرع في قدرها، توافق الشرع في كيفيتها، توافق الشرع في زمانها، توافق الشرع في مكانها. هذه ستة أمور لا يمكن أن تكون هذه العبادة هي العبادة المشروعة إلا إذا وافقت العبادة في تلك الأمور الستة.

السبب: لا بد أن تلتزم في العبادة بسبب. مثلاً صلاة الخسوف وصلاة الكسوف، هذه صلوات ذوات أسباب، لا يصلح أن تأتي بصلاة خسوف أو صلاة كسوف من غير سببها، تقول: أنا أريد أن أتنفل لله سبحانه وتعالى اليوم بصلاة الخسوف، أو أصلي صلاة خسوف حتى لا يحصل للقمر خسوف أو للقمر كسوف، أو تنفل هكذا مطلقاً، هذا يعتبر بدعة الآن؛ ابتدعت لماذا؟ لأنك خالفت العبادة في سببها.

جنسها: مثلاً تلتزم في العبادة بالعبادة التي شرعت في جنسها، إن كانت مطلوبة من جنس محدد، كبهيمة الأنعام في الأضاحي، ما يصلح تقول: أنا أريد أن أضحي في هذه السنة، ونفتي للناس بأن يضحوا بدجاج أو بأرانب! لا، هذا جنس محدد حدده الشرع أن تكون الأضاحي من هذا الجنس، فلا يصلح أن تغير إلى جنس آخر، فإن غيرت إلى جنس آخر صار هذا الأمر بدعة.

قدرها: أن تلتزم العبادة كما شرعت في قدرها، إن كانت مقدرة بعدد معين أو وزن معين أو مقدار معين، كالصلاة والصيام والزكاة. مثلاً الشخص يقول: أنا أريد أن أقرأ سورة يس أربعين مرة، سأصلي صلاة الضحى ثم أجلس وأقرأ سورة يس أربعين مرة لتفريج كرب أو قضاء حاجة أو غير ذلك، هذا صار ابتداعاً الآن؛ هذه الأربعين مرة وتعيين سورة يس وبعد صلاة الضحى لأمر لم يثبت في الشرع، أنت غيرت هذه العبادة. قراءة سورة يس نعمة كبيرة لكن تجعلها أربعين مرة وتجعلها لغرض معين، هذا كله ابتداع. أو تغيير العدد، يأتي ليصلي الفجر فيقول: صلاة الفجر وقتها طيب وطويل، لماذا نصلي ركعتي الفجر؟ لا، نصلي الفجر أربعاً! غيرت، هذه الصلاة باطلة. تغيير الوزن، تقول صدقة الفطر -والناس الحمد لله في خير- لماذا نجعلها صاعاً من الطعام؟ لا، نجعلها صاعين من طعام! غيرت الوزن. أو تغيير المقدار، تقول مثلاً بدل أن تكون الزكاة ربع العشر، أي اثنين ونصف في المئة، لا، نجعلها مثلاً خمسين في المئة للمال! هذا تغيير، هذا لا يجوز وهذا كله ابتداع.

كيفيتها: أن تلتزم العبادة كما شرعت في كيفيتها وهيئتها وترتيبها كالوضوء والصلاة. فيأتي شخص مثلاً بمثال بدعي، ينكس الوضوء؛ يبدأ برجله ثم يمسح الرأس ثم اليدين ثم الوجه! لا، نقول هذا لا يصلح. أو يصلي الركعة الواحدة بركوعين وسجود واحد، أو يجتمع يذكر الله بهيئة الاجتماع على صوت واحد، يجلسون ويقولون: "حي، حي"، الجميع هكذا، هذا كله من البدع. يجب أن تلتزم بالعبادة كما شرعت في كيفيتها وهيئتها وترتيبها.

وهكذا أيضاً تلتزم العبادة كما شرعت في زمنها، كالحج، ولا نخص زماناً بعبادة لم يرد في الشرع تخصيصه بتلك العبادة، لا نخص زماناً بعبادة كالنصف من شعبان.

ليلة السابع والعشرين من رجب، أو آخر جمعة من السنة، أو آخر جمعة من رمضان؛ لا نخص زماناً بعبادة لم يرد في الشرع تخصيصه بتلك العبادة. مثلاً: صيام النصف من شعبان، أو قيام ليلته، أو اتخاذ يوم من العيد للنبي صلى الله عليه وسلم عيداً، أو الاعتمار ليلة السابع والعشرين من رمضان أو النصف من رجب، أو تخصيص يوم الجمعة الأخيرة من رمضان بذكر وعبادات خاصة، ونحو ذلك؛ هذا لا يجوز.

نقف وقفة عند الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم، نأخذ الاحتفال البريء، الاحتفال الذي ليس فيه شركيات وليس فيه بدعيات، إنما يجتمع الناس في يوم المولد، ثم يقرؤون شيئاً من السيرة النبوية، ثم يأكلون شيئاً من الطعام ويحتفلون ثم يمشون. نأخذ هذه الصورة البريئة، ونقول: هل هؤلاء المجموعة يتعبدون لله بهذا، أم هذا إنما هو من قبيل العادات؟ يعني مثلاً مجموعة من الأصحاب يذهبون يتعشون ويأكلون وهكذا، أم أنهم يطلبون من الله الأجر والمثوبة على هذا العمل؟ إن كانوا يطلبون من الله الأجر والمثوبة والقرب من الله ويتعبدون لله بذلك، إذاً هذه عبادة وليست عادة، إذاً هي عبادة في الدين وليس في الدنيا.

نقول لهم: لماذا أنتم تقومون بهذا العمل؟ قالوا: لأننا نحب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فيقال لهم: ألم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم الصحابة محبته ويأمرهم بذلك؟ ألم يرد في القرآن الأمر بمحبة النبي صلى الله عليه وسلم؟ الصحابة ألم يكونوا يحبون رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ هل احتفلوا بمولده؟ هل النبي صلى الله عليه وسلم حثهم أو أمرهم بقم بذلك أو مدح من يفعل ذلك؟ هل الصحابة فعلوا ذلك؟ هل التابعون فعلوا ذلك؟ هل أتباع التابعين فعلوا ذلك؟ لا، لا يوجد هذا الأمر، لا يوجد أحد فعل ذلك إلا في عهد الدولة العبيدية، في عهد الدولة العبيدية هم أول من ابتدؤوا الاحتفال بمولد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان احتفالهم تلك الفترة بوفاته وليس بمولده. المقصود أيها الأحبة في الله: لا يجوز الاحتفال بمولد الرسول صلى الله عليه وسلم بصورته البريئة، فكيف وفيه من الشركيات وفيه من البدع الشيء العظيم الذي يقوم به الناس. أيها الأحبة في الله، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا الإخلاص والمتابعة في جميع عباداتنا.

هل كرم المرأة أحد مثل ما كرمها الإسلام؟ فالنساء شقائق الرجال، وإنما خصت المرأة ببعض الأحكام كإعفائها من الجمع والجماعات مراعاة لأنوثتها لا تحقيراً لها. فللمرأة حقها في التعليم، وقد خصص النبي صلى الله عليه وسلم درساً لتعليم النساء، ولا يمنعها الحياء من طلب العلم، قالت عائشة رضي الله عنها: «نعم النساء نساء الأنصار، لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين». والتعليم حق للمرأة على أبيها وزوجها، عن علي بن أبي طالب في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: 6]، قال: علموهم وأدبوهم. وتعلم المرأة زوجها إن كانت أعلم منه، قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي رافع حين علمته زوجته بعض الأحكام: «إنها لم تأمرك إلا بخير». والتاريخ الإسلامي زاخر بالنساء العالمات المعلمات كعائشة أم المؤمنين، قال عطاء بن أبي رباح: "كانت عائشة أفقه الناس وأعلم الناس وأحسن الناس رأياً في العامة"، ومنهن عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية، وحفصة بنت سيرين البصرية، وفاطمة بنت عباس البغدادية. فتعلمي واعملي وأبشري، قال تعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: 124].

يجب أن نلتزم العبادة كما شرعت في مكانها، كالاعتكاف؛ ولا نخص مكاناً بعبادة لم يرد في الشرع تخصيصه بتلك العبادة. مثلاً غار حراء، غار ثور، صلاة أربع ركعات في مسجد القبلتين ركعتين للقبلة الأولى وركعتين للقبلة الثانية، هذه مصيبة. الصلاة عند القبور يا إخوان رجاء القبول؛ بعض الناس يتوجه إلى المقابر يدعو الله مخلصاً يتعبد لله مخلصاً عند القبور يظن أن هذا سبب لقبول عبادته أو قبول صلاته، هذا من البدع الشركية التي توقع في الشرك الأكبر عياذاً بالله.

أخرج الإمام أحمد والترمذي بإسناد صحيح أن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه كان يستلم الأركان كلها أركان الكعبة كلها، فقال له ابن عباس رضي الله عنهما: لم تستلم هذين الركنين؟ يعني عندك الركن اليماني والحجر الأسود، لكن أنت تستلم الركنين الآخرين، قال له: لما تستلم هذين الركنين ولم يكن صلى الله عليه وسلم يستلمهما؟ فقال معاوية: ليس شيء من البيت مهجوراً. قال ابن عباس رضي الله عنهما: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة. انظروا ماذا قال معاوية رضي الله عنه، قال: صدقت. وسلم لابن عباس بهذا الأمر.

أيها الأحبة في الله، نأخذ أقسام البدعة؛ البدعة تقسم من زوايا: من زاوية التكفير وعدمه، ومن زاوية الحقيقة بدعة حقيقية أو بدعة إضافية، ومن زاوية بدعة كلية تخرج بالإنسان من الدين أو بدعة جزئية داخل الدين، وهكذا. أقسام البدعة باعتبار الكفر بها وعدمه تنقسم البدعة إلى قسمين: بدعة مكفرة وبدعة غير مكفرة. البدعة المكفرة هي البدع التي هي من قبيل الشرك الأكبر والكفر الأكبر؛ إذا يتعبد الإنسان لله بشرك أكبر، مثل يتعبد لله جل جلاله بالذبح للموتى والغائبين وللجن، يذبح لهم بنية التعبد لهم يعني من أجل أن يقربوه إلى الله زلفى، يأتي فيذبح ويسيل الدم عند القبر والميت لن يأكل اللحم، إذاً هذا التقرب هذه عبادة لهذا الميت ويقول أريد من أجل ماذا؟ من أجل أن يشفع لي عند الله، فهو يتعبد لله بشرك يذبح له ينذر له يستعيذ به يستغيث به، هذا شرك أكبر. أو يتعبد لله سبحانه وتعالى بأفعال هي من قبيل الكفر الأكبر والعياذ بالله، فهو يكفر بالله جل جلاله كفراً أكبر، فيرفع النبي صلى الله عليه وسلم إلى منزلة الله فيحلف برسولنا صلى الله عليه وسلم يقول: "والنبي"، وهو يرى أن النبي صلى الله عليه وسلم في منزلة الرب جل جلاله في منزلة واحدة سواء حلف بالله أو حلف بالنبي صلى الله عليه وسلم، هذا كفر أكبر، تتعبد لله بالكفر الأكبر هذه مصيبة، هذه بدعة مكفرة. كذلك بدع الفرق المنتسبة للإسلام بدع مكفرة وهم يرون أنفسهم أنهم يتعبدون لله سبحانه وتعالى بها.

وهناك بدع غير مكفرة، البدع التي هي من قبيل الشرك الأصغر أو من قبيل الكفر الأصغر، فيتعبد الإنسان لله سبحانه وتعالى ببدع شركية أو بدع كفرية لكنها ليست من قبيل الأكبر إنما هي من قبيل الأصغر، تسمى بدع غير مكفرة. وهناك تقسيم للبدع باعتبار أن لها أصلاً أو عدم الأصل، فتنقسم إلى قسمين: بدع حقيقية، وهذه البدعة الحقيقية ما كان الابتداع فيها من جميع وجوهها، يعني ليس لها أصل في الشرع؛ يتعبد لله بأن يقوم النهار على رجليه صائماً متعبداً لله سبحانه وتعالى، هذه بدعة حقيقية. أو بدعة إضافية، تنظر إليها من جهة ثابتة بالشرع، ومن جهة أخرى ليست ثابتة بالشرع، فهذه ينخدع بها الناس لأن لها متعلقين: متعلقاً شرعياً ومتعلقاً بدعياً، الصلاة مثلاً ثابتة في أصل الشرع، لكن يغير في زمانه يخصها بزمان معين لم يثبت الشرع بمكان معين لم يثبت في الشرع بعدد معين لم يثبت الشرع، هذه تسمى بدع إضافية. وهذه التي تكون غالباً فيها الكلام.

سنأخذ نماذج سريعة الآن وأريد منكم أن تشاركوا معي هل هي مكفرة أو غير مكفرة؟ بدعة حقيقية أو بدعة إضافية؟ الذبح والنذر والاستعاذة والاستغاثة والدعاء للموتى، الذبح لهم أو النذر لهم أو الاستعاذة بهم أو الاستغاثة بهم، أو الاستعاذة بمخلوق في أمر لا يقدر عليه إلا الله، دعاء المخلوق في أمر لا يقدر عليه إلا الله، أو بدع الفرق المنتسبة للإسلام، يعني مثلاً يقولون إن النبوة لم تختم بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، تأليه علي رضي الله عنه، تأليه الحاكم بأمر الله العبيدي، وهكذا، ما نوع هذه البدع؟ هذه بدع مكفرة، كل قول أو فعل ثبت في الشرع أنه شرك أكبر أو كفر أكبر، التلبس به شرك وكفر ولا ينفع صاحبه التعبد به إلا في التلبيس على الأتباع؛ عندما تري الأتباع أنك تتعبد بهذا الشرك وأن توهمهم أن هذه عبادة وهي شرك أكبر أو كفر أكبر، هذه بدع مكفرة.

طيب ما رأيكم مثلاً في شرك الألفاظ؟ يقول الإنسان: ما شاء الله وشاء فلان، أو كفر الألفاظ مطرنا بنوء كذا، أو هذا من فضل الله وفلان، تلك الألفاظ وكفر الألفاظ بدع الفرق الإسلامية مثلاً بدعة الأشعرية، بدعة الماتريدية، بدعة الكرامية، بدع الفرق التي هي ما زالت في محيط الإسلام، الاحتفال بالمولد النبوي في أبسط صوره، هذه بدع غير مكفرة، كل قول أو فعل ثبت في الشرع أنه شرك أصغر أو كفر أصغر أو محرم أو مكروه فالتعبد لله به معصية مركبة، معصية من جهة وبدعة من جهة أخرى، فهي معصية مركبة.

الذكر الجماعي نوع البدعة غير مكفر إنما هي بدعة إضافية. بدعة إضافية؟ الذكر ثابت لكن الهيئة والكيفية هذه هي التي دخل فيها البدع. بدعة التقرب إلى الله سبحانه وتعالى برهبانية يترك الإنسان التزوج تعبداً لله مع وجود الداعي له وعدم المانع، التعبد لله بتعذيب النفس هذه غير مكفرة، قال الله عز وجل: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ [الحديد: 27]، والمعنى: لكن كتبنا عليهم ابتغاء رضوان الله.

أيضاً يا إخوان، الطواف حول القبور ما حكمه؟ أن يطوف الإنسان حول القبر كما يطاف حول بيت الله هذه بدعة مكفرة، بدعة مكفرة والعياذ بالله لأن الطواف حول غير بيت الله بنية التعبد للمطاف به هذا والعياذ بالله كفر أكبر شرك أكبر. إقامة القباب على القبور هذه بدعة غير مكفرة، لكنها بدعة توصل للشرك الأكبر. الوقوف في غير عرفة تعبداً لله، هذه عبادة باطلة، والتعبد لله سبحانه وتعالى بالوقوف يوم عرفة في غير عرفة هذا يذهب حج الإنسان وهذه بدعة، لكنها لا تسمى بدعة مكفرة لكنه بطل حجه لأنه لم يقف بعرفة.

صلاة الرغائب ما صفتها؟ صفتها أن يصلي المصلي في أول ليلة جمعة من رجب اثنتي عشرة ركعة بين المغرب والعشاء، هذه الأحاديث التي فيها حديث مكذوبة موضوعة، وصلاة الرغائب هذه بدعة إضافية. صلاة الليل في النصف من شعبان بعض السلف الاجتماع لها في المسجد وعدوا ذلك من البدع، أيضاً عندما تقوم في ليلة النصف من شعبان بعدد مخصوص بقراءة مخصوصة هذه بدعة. صلاة مؤنس القبر، هذه الصلاة معروفة عند الرافضة يروون فيها حديثاً مكذوباً عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يأتي على الميت أشد من أول ليلة فارحموا موتاكم بالصدقة فإن لم تجدوا فليصل أحدكم ركعتين له، هذا أيضاً من الصلاة المبتدعة. صلاة ليلة عاشوراء، صلاة ليلة عاشوراء يقولون مائة ركعة أو صلاة وقت السحر من ليلة عاشوراء أربع ركعات ويجعل لها صفة معينة، هذه كلها أحاديث موضوعة. القراءة هدية، يقرؤون قل هو الله أحد مثلاً مائة ألف مرة يسمونه العتاق الكبرى، هذه بدعة إضافية. أما البدع الكلية، ينكر الأخبار النبوية مطلقاً ويقول أنا لا أؤمن إلا بالقرآن، هذه بدعة كلية. بدعة عدم الأخذ بأخبار الآحاد من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في العقيدة، هذه بدع كلية.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجنبنا البدع، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا الصبر على السنة، وإلى لقاء آخر في الحلقة القادمة بمشيئة الله، أستودعكم الله يا راغباً في كل علم نافع متطلع لزيادة الإيمان وتريد سهلاً.