يا راغباً في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم بتقنياته ومجالاته، ومعه نطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي. أكاديمية زاد، الصحيحة فطرةً.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم إنا نسألك علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكراً. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، واجعله حجة لنا ولا تجعله حجة علينا يا رب العالمين.
حياكم الله طلاب العلم في الحلقة الرابعة من حلقات مادة العقيدة المستوى الرابع. في هذه المحاضرة بمشيئة الله سنتحدث عن موضوع بعنوان: كيف تكون عابداً لله سبحانه وتعالى دون ابتداع؟ كما تعلمون أن الواجب علينا تجاه الله سبحانه وتعالى هو العبودية الخالصة.
العبودية الخالصة بما جاء به رسول الله ﷺ في جميع مناحي الحياة؛ فيجب علينا أن نعبد قلوبنا لله سبحانه وتعالى بما شرع الله، والواجب علينا أن نعبد عقولنا لله سبحانه وتعالى بما شرع الله، والواجب علينا أن نعبد جوارحنا لله سبحانه وتعالى بما شرع الله.
نبدأ أيها الأحبة في الله بكيفية إصلاح القلب وكيفية تعبيد القلب لله سبحانه وتعالى. إذا أردنا أن نعبد قلوبنا لله، فإننا نحتاج مع قلوبنا إلى أمرين اثنين: الأمر الأول هو التخلية، والأمر الثاني هو التحلية.
التخلية المقصود بها أن نخلي قلوبنا من جميع النيات الخبيثة؛ نخلي قلوبنا من الشرك بالله: محبة شرك، خوف شرك، رجاء شرك، توكل شرك. نخلي قلوبنا من جميع أنواع الشرك، ونخلي قلوبنا من النفاق والعياذ بالله، ونخلي قلوبنا من إرادة الدنيا بالمخلوقين بالأعمال الصالحة ولا يكون لنا هم في الآخرة، ونخلي قلوبنا من الكبر، ومن الحسد، ومن البغضاء، ومن جميع النيات الخبيثة.
ثم نملأ هذه القلوب بالنيات الطيبة التي أمرنا الله سبحانه وتعالى بها وشرعها لنا. نملأ قلوبنا بأركان الإيمان الستة: الإيمان بالله، والملائكة، والكتب، والرسل، واليوم الآخر. نملأ قلوبنا بالإيمان بالقدر خيره وشره، ونملأ قلوبنا بحب الله، والخوف من وعيد الله، والرجاء في ثواب الله، ونملأ قلوبنا بالتوكل على الله، والرضا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد ﷺ رسولاً. نملأ قلوبنا بالصبر، وبمحبة المؤمنين، وبالتواضع لله سبحانه وتعالى.
هكذا نكون قد عبدنا قلوبنا لله. ونحذر من البدع في الإصلاح القلبي؛ نحذر من أن نملأ قلوبنا بشيء من البدع ونتقرب إلى الله سبحانه وتعالى بهذه البدع، فهذا لا يجوز. مثال: نحذر من أن نتعبد لله بالحب وحده كما يفعل البعض، يتعبدون لله سبحانه وتعالى بالحب وحده دون خوف ودون رجاء، هذا يعتبر تعبداً قلبياً بدعياً.
كذلك الظن بأن الله سبحانه وتعالى من عدله أنه يعذب من اتقاه؛ فمن ظن أن الله سبحانه وتعالى يعذب من مات موحداً تائباً، فقد ظن بالله ظن السوء. فكيف يتعبد الإنسان لله بظن السوء به في وعده؟ كذلك أيها الأحبة أن نتعبد لله بالحب لكن كمحبة العشيق لعشيقته، هذا من البدع، ويجب أن نحذر من التعبد لله سبحانه وتعالى بالمحبة العشقية.
كذلك تسمية إصلاح القلب بغير ما سماه الله سبحانه وتعالى؛ حب الله، الخوف، إنما نسمي هذا الأمر بتصورات نسميه بشيء من هذه التسميات المبتدعة التي هي تسميات مجملة تحتمل حقاً وباطلاً، يبتعد الإنسان عن ذلك.
كذلك أن نتعبد لله بالظن بأن من تعظيم الله جل جلاله ألا نتوجه إليه مباشرة بالدعاء، بل نتخذ الشفعاء والوسطاء بيننا وبين الله؛ ندعوهم، نذبح لهم، ننذر لهم، نستعيذ بهم، نستغيث بهم ليشفعوا لنا عند الله، ظانين بأن هذا من تعظيم الله ونتعبد لله بذلك؛ هذا من البدع التي يقع فيها بعض الناس، ويجب أن نتخلص من ذلك. كذلك الوقوع في شرك الربوبية بدعوى الكرامة للأولياء؛ نعتقد أن الله قد أعطى هؤلاء الموتى بعض أمور تدبير الكون فنسألهم، ونقول إننا نسألهم مما أعطاهم الله سبحانه وتعالى من تدبير أمر هذا الكون، فنعتقد في هؤلاء الأولياء أنهم يتصرفون في أمر الكون، هذا من البدع في إصلاح القلب.
ننتقل أيها الأحبة في الله إلى السلوك؛ كيف نصلح سلوكنا؟ نعبد جوارحنا لله سبحانه وتعالى. نعبد جوارحنا لله جل جلاله بالكف وبالعمل.
بالكف: أن نكف جوارحنا عن جميع أنواع الشرك؛ الشرك المتعلق بالجوارح، كشرك الطواف بغير بيت الله بنية التعبد للمطاف به ونحو ذلك، كما يطاف بالكعبة؛ هذا أي شرك يتعلق بالجوارح يجب على الإنسان أن يتخلص منه ويتعبد لله جل جلاله. الكف عن أنواع البدع: يتوجه الإنسان إلى المقابر ويتعبد لله سبحانه وتعالى عند القبور رجاء قبول عبادته، هذا يجب أن يكف الإنسان نفسه عن ذلك. يكف الإنسان نفسه عن معصية الله جل جلاله؛ وبعض الناس يقع في تلك المعاصي كالاحتفال بالمولد النبوي وهو يظن أنه يتعبد لله سبحانه وتعالى بذلك، يكف الإنسان بدنه. يجب أن نكون عبيداً في جوارحنا بكف هذه الجوارح عن الشرك وعن البدعة وعن المعصية.
ثم نعمل بهذه الجوارح في إتيان ما افترضه الله سبحانه وتعالى علينا، نستكثر من النوافل، نعمل بجوارحنا في إصلاح دنيانا بنية صالحة لتكون كل عمل نقوم به في هذه الدنيا عبادة لله جل جلاله؛ بر الوالدين، صلة الأرحام، حسن الخلق مع الجيران، العمل والكدح ترجو به وجه الله، تكون عابداً لله جل جلاله. اجعل كل أعمالك المباحة والعاديات طاعة لله سبحانه وتعالى، حولها إلى عبادات بهذه النية الصالحة، هكذا أنت تكون عبدت جوارحك لله جل جلاله.
تنتبه من البدع المتعلقة بالسلوك، تبتعد عن ذلك؛ فمثلاً ليس بشرط حتى تكون عابداً لله أن تتخذ ملابس معينة مختلفة عن ملابس الناس حتى تظهر أنك عابد لله جل جلاله، فتتخذ لباساً معيناً، تتخذ ربطة معينة على الرأس، تتخذ لوناً معيناً، هذا من البدع. لا يحتاج ذلك حتى تكون عابداً لله، لا يحتاج أن تتميز عن الناس بلباس خاص تسمي هذا اللباس لباس العباد.
كذلك أن تنقطع انقطاعاً كاملاً عن الدنيا تعبداً لله، وترى أنها بهذا تصلح آخرتك، هذا من التعبد لله سبحانه وتعالى بالبدع. اتخاذ أماكن للعبادة غير المساجد والخلوة فيها؛ تتخذ الكهوف، تتخذ المغارات، تتخذ أشياء من هذا القبيل، ثم تتعبد لله سبحانه وتعالى فيها؛ هذا من اتخاذ أماكن يتعبد فيها، هذه الأماكن لم يرد في الشرع أنها مخصوصة بتلك العبادات. ابتداع عبادات وأذكار بهيئات معينة، هذا كله من البدع في إصلاح السلوك ينبغي لنا أن نجتنب ذلك. كذلك إهمال العمل بالأسباب؛ يترك الإنسان العمل بالأسباب ويقول أنا معتمد على الله سبحانه وتعالى مفوض أمري إلى الله وهو ليس بمتوكل على الله، إهمال الأسباب التي شرعها الله سبحانه وتعالى والتي جربها الناس في الوصول إلى النتائج، ثم يريد الإنسان أن يصل إلى النتائج من غير العمل بالأسباب، نقول هذه من البدع المتعلقة بالسلوك.
فرض عين على كل مسلم أن يتعلم العبادات الواجبة عليه، وما لها من شروط وأركان، وكيف يؤديها بشكل صحيح. فالصلاة هي أعظم العبادات، فيجب أن يتعلم شروطها كالطهارة واستقبال القبلة، وأركانها كالقيام وقراءة الفاتحة، وواجباتها كالتسبيح في الركوع والسجود، ويتعلم أحكام سجود السهو إذ لا يخلو أحد منه، وإذا كان من أهل الأعذار تعلم ما يرخص له في تركه وما لا يرخص له فيه.
ومن العبادات إيتاء الزكاة؛ فيتعلم شروط وجوبها كحولان الحول وملك النصاب، ويعرف الأموال التي تجب فيها الزكاة كالنقدين وبهيمة الأنعام، ويتعلم النصاب الذي تجب فيه الزكاة، والمقدار الذي يجب إخراجه كربع العشر في النقدين وعروض التجارة، ويعرف من يستحق الزكاة ومن لا يستحقها.
ومنها صوم رمضان؛ فيتعلم أركان الصيام وشروط صحته، وما يبطل الصيام كالاستقاء والاستمناء، وما لا يؤثر عليه كالسواك والطيب. ومنها حج البيت؛ فيتعلم أركانه كالطواف والسعي، وواجباته كالمبيت بمزدلفة ورمي الجمار، ويتعلم المواقيت الزمانية والمكانية، ومحظورات الإحرام. فاجعل عباداتك خالصة لوجه الله، صواباً على السنة. ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: 2].
حياكم الله معاشر طلاب العلم، وقفنا قبل الفاصل أنه ينبغي لنا أن نعبد جوارحنا لله سبحانه وتعالى. وقلنا إن تعبيد الجوارح لله يكون بكف هذه الجوارح عما حرمه الله عز وجل علينا؛ نكف هذه الجوارح عن الشرك بالله، عن الابتداع في دين الله، عن الوقوع في معصية الله لتكون جوارحنا عابدة لله. ثم نستخدم هذه الجوارح في أداء الفرائض وهو أحب ما تقرب به العبد إلى ربه سبحانه وتعالى أن يتقرب إليه بما افترضه عليه، ثم نستكثر من النوافل، ثم حياتنا سواء الأمور العادية أو العاديات المباحات نجعلها كل هم نطلب بها وجه الله لتتحول إلى عبادات، هكذا نكون عبدنا جوارحنا لله.
وقلنا نحذر من دخول البدع علينا فيما يتعلق بتعبيد الجوارح لله؛ فمثلاً من دخول البدع أن يتخذ الإنسان ملابس خاصة كما ذكرنا، من البدع أن تتخذ ملابس خاصة تتميز بها عن ملابس الناس بدعوى أن هذه الملابس تدل على أن هذا الإنسان عابد لله، كاتخاذ الصوف أو غير ذلك، هذه من البدع في الملابس.
كذلك الانقطاع الكامل عن الدنيا؛ يقول الإنسان أنا طلقت الدنيا طلاقاً تاماً، وعلامة وصوله إلى الطلاق الكامل للدنيا أن ترى زوجته كالأرملة وأولاده كالأيتام، ويتعبد لله سبحانه وتعالى بذلك ويظن أن آخرته لا تصلح إلا بمثل هذا الطلاق، هذا من البدع التي ينبغي أن يحذر منها، وهذه البدعة تشوه صورة الإسلام وتصد الناس عن الدخول في دين الإسلام.
كذلك يا إخوان أن يتخذ الإنسان أماكن للعبادة غير بيوت الله يتخذها خلوات؛ يذهب إلى المغارات، يذهب إلى الكهوف، نذهب إلى الصحاري، ثم يتعبد لله هناك في تلك الخلوات وينقطع عن الجماعات وعن الجمع، هذه من البدع. كذلك ابتداع عبادات وأذكار بهيئات معينة وأعداد معينة لم يرد في الشرع بذلك العدد، ولم يرد في الشرع بتلك الهيئة بتلك الكيفية، هذا يعتبر من البدع.
كذلك يا إخوان من البدع أن يهمل الإنسان العمل بالأسباب؛ يهمل الإنسان العمل بالأسباب ويقول متوكلاً على الله. كذلك من البدع في إصلاح السلوك أن يهمل الإنسان الالتزام بشرع الله عز وجل من الإتيان بالأوامر واجتناب النواهي، يرى أنه قد وصل في العبودية إلى مرتبة أنه خلاص أحبه الله، فإذا أحبه الله إذاً هو يفعل ما يشاء، لأنه صار مدللاً عند الله! من قال هذا الكلام؟ ويسمون ذلك بمرتبة اليقين أو غير ذلك، هذا لا ينفع ولا يصلح أن يتعبد الإنسان لله عز وجل بترك الشرع.
كذلك إهمال ولاء المؤمنين والبراء من الكافرين، وإهمال إنكار المنكرات؛ يكون الإنسان سلبياً ويقول أنا أتعبد لله سبحانه بأن أكف عن الناس شري وخيري، نقول لا، هذا غير صحيح، تهمل هذا الولاء والبراء وتهمل إنكار المنكرات وتهمل الجهاد في سبيل الله وتقول أنا بهذا عابد لله سبحانه وتعالى، لا يتعبد إلا بهذا. لا يتعامل أيضاً مع الجن بدعوى الكرامة؛ فيقول إن الجن أصبحوا يخدموني، هذا التعامل مع الجن بأن يقوم بخدمتك لا يكون هذا إلا بمقابل، فلا يصلح أن تتعبد لله سبحانه وتعالى بالتعامل مع الجن.
كذلك أيها الأحبة في الله، يجب علينا أن نعبد عقولنا لله سبحانه وتعالى. كيف نعبد عقولنا لله جل جلاله؟ نقوم مع عقولنا بأمرين اثنين: الأمر الأول أن نكف هذه العقول، نمنع هذه العقول من ثلاثة أمور؛ أن نمنع هذه العقول من التفكر في كيفية ذات الله وفي كيفية صفات الله سبحانه وتعالى، يجب أن نكف عقولنا عن ذلك لأن الله سبحانه وتعالى لم نر ذاته، ولأن الله ليس له مثيل فنقيس عليه، ولأنه لم يردنا الخبر الصادق الموضح لكيفية صفات الله، فوجب علينا أن نتعبد لله بمنع عقولنا من التفكر في ذات الله وفي كيفية صفاته.
الأمر الثاني أن نتعبد لله عز وجل بكف عقولنا عن التفكر فيما حرمه الله عز وجل علينا؛ أي في الوصول إلى المحرمات، لا يصلح أن يستلقي الإنسان على ظهره ويتخيل الصور العارية، يتخيل كيف يصل إلى معاملة ربا قوية معاملة محرمة، كيف يسرق مالاً، لا يصلح هذا، يجب أن نتعبد لله عز وجل بكف عقولنا عن التفكر في الوصول إلى ما حرمه الله عز وجل علينا.
كذلك أن نكف عقولنا عن التفكر في العبادات التي حكمتها تعبدية، فنتفكر في حكمتها؛ لماذا صلاة الفجر ركعتين وصلاة المغرب ثلاث؟ ما الحكمة من ذلك؟ لماذا نطوف حول الكعبة سبعة أشواط؟ هذه عبادات حكمتها تعبدية، حتى تكون عبداً لله أن تتعبد لله بذلك العدد بذلك الزمن بذلك المكان بتلك الكيفية، تكون عابداً لله ولا تبحث عن الحكمة طالما أن تلك الحكمة لم يرد ذكرها في الشرع، أخفاها الله عز وجل علينا في الشرع، فلا يصلح للإنسان أن يعمل عقله في ذلك. فمن العبادة لله أن تمنع عقلك عن هذه الأمور الثلاثة: عن التفكر في ذات الله وكيفية صفاته، عن التفكر في العبادات التي حكمتها تعبدية فتتفكر في حكمتها، وعن التفكر في الوقوع في المحرمات؛ لا تعبد لله بمنع عقلك عن ذلك.
ثم تعبد الله عز وجل بتشغيل عقلك في طلب العلم الشرعي، هذا من أعظم العبادات، أن تتعلم دين الله جل جلاله، ما أمرك الله عز وجل به، ما نهاك الله عز وجل عنه، ما أخبرك الله عز وجل به؛ فستتعلم خبر الله.
فتؤمن به، وتتأمل ما طلبه الله فتمتثله فعلاً أو تركاً، هذا هو الواجب عليك في إصلاح عقلك والتعبد، أن تتعبد لله بدراسة أسماء الله عز وجل وصفاته، فتتفهم معانيها وتتعرف على الله سبحانه وتعالى. هذا العقل يحتاج إلى هذا النوع من العبادة.
كذلك أن تتفكر في أمور نافعة دنيوية ومجال التخصص الذي أنت فيه، وتعمل عقلك في هذا المجال وتتعبد لله سبحانه وتعالى بأنك تريد خادماً لأسرتك ولمجتمعك ولأمتك، بأن تكون على ذلك الثغر من ثغور العلم النافع الذي ينفع الناس في دنياهم، وتتعبد لله سبحانه وتعالى بذلك حتى يرفعك الله جل جلاله.
ينبغي أن نتجنب البدع في إصلاح العقل وفي تعبيد العقل. إياك أن تجعل عقلك ميزاناً للوحي؛ فتقول: هذا الخبر أقبله لأنه يوافق عقلي، وهذا الخبر لا أقبله لأنه لا يوافق عقلي. إياك أن تجعل رأيك، أن تجعل هواك، أن تجعل ذوقك، أن تجعل وجدك مقياساً للشرع. هذا من الغلو في تعبيد العقل لله، أن تجعل هذا العقل ميزاناً للوحي.
أيضاً من البدع التي تقع في إصلاح العقل أن يهمل الإنسان العلم الشرعي، طلب العلم الشرعي في كتاب الله وفي أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، ويقول: لا، أنا من شأني عندي طريقة أخرى غير طريق العلم الشرعي. ما طريقتك الأخرى؟ قال: أبقى في رياضات روحية، وأبقى في ذكر، وأذهب إلى مغارة من المغارات، حتى يصل الأمر إلى الكشف. كيف الكشف؟ قال: يصلني العلم لا عن طريق المعتاد، عن طريق الكتاب والسنة والقراءة والورق وحدثنا فلان عن فلان، لا، أنا أريد أن أصل إلى العلم الشرعي عن طريق القلب مباشرة، ما يكشف لي من الحجب، فأطلع على ما في اللوح المحفوظ؛ والعياذ بالله من المعتقدات الضالة المبتدعة في إصلاح العقل.
نأخذ فاصلاً ثم نعود إليكم مرة أخرى بإذن الله.
إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون صاحبهما؛ فإن ذلك يحزنه. أدب يعلمنا إياه نبينا صلى الله عليه وسلم من خلال النهي عن التناجي، وهو أن يستأثر اثنان بالحديث سراً دون الثالث، أو ثلاثة دون الرابع، أو أربعة دون الخامس وهكذا؛ فإن هذا لون من إلحاق الأذى بالمسلم؛ لأنه يعود عليه بالحزن والخوف، وربما ظن أن ذلك لاحتقاره والحط من كرامته فيزيده ذلك غماً وحزناً. لذا حرم الإسلام التناجي كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المجادلة: 10]، وقال تعالى: ﴿يَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المجادلة: 8].
ومن صور التناجي المحرمة أن يتكلم اثنان بلغة مختلفة لا يفهمها الثالث، أو أن يكتب أحدهما للآخر في ورقة والثالث جالس ولا يمكنه الاطلاع على ما كتب. قال النووي رحمه الله: وفي معناه، أي معنى التناجي، ما إذا تحدث بلسان لا يفهمه؛ لأن العلة موجودة. فإذا كان الحديث دائراً بين اثنين في البداية ثم أتى ثالث وأراد أن يدخل بينهما فإن ذلك لا يجوز إلا بإذنهما، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا كان اثنان يتناجيان فلا تدخل بينهما».
واعلم أنه إن دعت الضرورة إلى التناجي فإنه يكون مباحاً بشرطين: الأول أن تكون هناك مصلحة راجحة على مفسدة التناجي، الثاني أن يكون ذلك بإذن الشخص الثالث ورضاه، وإلا حُرم. فالتناجي من تسويل الشيطان وتزيينه، فإذا أحسست بحزن من جراء تناجي بعض الناس أمامك فاستعذ بالله وتوكل عليه؛ فإنه سبحانه كافيك من كل سوء وكيد، قال تعالى: ﴿وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المجادلة: 10].
حيَّاكم الله أيها الأحبة، وقفنا عند إصلاح العقل، وأن العقل لا يصلح أن يكون ميزاناً للشرع، وكذلك بعض الناس يتعبد لله بالنسبة للعقل في أن يتخذ مصادر أخرى غير الكتاب والسنة فيتخذ الإنسان الخواطر، والواردات، والإلهامات، والرؤى والمنامات، ورؤية الأموات، يرى الميت في نومه ثم يقول له كذا وكذا، ويقول: هذا أنا خلاص أنا أتعلم ديني من هذا، الهواتف من الجن، القصص والحكايات. لا يصلح هذا التعامل مع العقل في تعبيد العقل لله، لا تجعله ميزاناً للوحي فتبتدع، لا تجعل هناك مصادر أخرى غير الوحي الإلهي تستمد منها معرفة الدين. إياك أن تجعل أن القلب هو أساس المعرفة، فتقول: ما يُكشف لي؛ لا شك أن الإنسان العالم الذي يقرأ في كتاب الله وفي سنة النبي صلى الله عليه وسلم تنكشف له بعض المعاني، هذا شيء، وأن يكون هو الكشف هو المصدر من غير أن تعتمد على كتاب الله ولا على سنة رسول الله، إنما اعتمادك على الرياضات الروحية ونحو ذلك فتقول: أنا أصل للعلم، هذا من البدع في إصلاح العقل.
أقول يا إخوان: كيف تكون عابداً لله؟ احذر الزهد البدعي وكل ما يتعلق به، وسميناه زهداً بدعياً، زهد من باب التنزل، وإلا فهذا لا يعتبر زهداً، هذه بدع، هذه رهبانية، لكن نسميها كمصطلح زهد بدعي؛ لأنهم يسمونها زهداً لكنه ليس هو الزهد الشرعي. إياك أن تتعبد لله جل جلاله بالزهد البدعي، ومن ذلك الانقطاع الكلي عن الدنيا، ومن ذلك ترك الطيبات، ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: 32]، فتتعبد لله بترك الطيب من المأكولات والمشروبات وتقول: أنا أتعبد الله بذلك، احذر من الزهد البدعي.
عبادة الله بالحب دون خوف ولا رجاء سيصبح هذا الحب عشقاً إلهياً، فإذا كان هذا العابد امرأة فهي تتخيل الرب جل جلاله كرجل، أو رجل يتخيل الإله كامرأة وهكذا، ويصبح عشقاً إلهياً، لا تتعبد لله عز وجل بالجبر بأن تهمل الدعاء والأسباب الشرعية، وتقول: خلاص يحصل لي لأني أنا إنسان لي مكانة عند الله، يحصل هذا الأمر بدون الإتيان بالأسباب الشرعية.
أو تحرص على الزهد في اللباس، تترك ما أنعم الله عز وجل به عليك، لا تري الله عز وجل نعمته عليك في لباسك، وهكذا من الزهد البدعي في اللباس، احذر الزهد البدعي، لا تتعبد لله بالزهد البدعي، احذر التعبد البدعي بأن تتعبد الله في الخلوات في أماكن خاصة غير بيوت الله سبحانه وتعالى، إياك أن تتعبد لله في أماكن لم يشرع الله سبحانه وتعالى التعبد فيها، فتذهب إلى تلك الكهوف وتلك المغارات وتبقى بالأربعين أو تبقى بأيام معدودة، احذر ذلك.
أن تتعبد لله بعبادات من الأذكار والصلوات والصيام، لكنها هي من جهة الصلاة الصيام صدقة، أشياء لكن من جهة أخرى أنت تتلاعب بأسبابها، تتلاعب بكيفيتها، تتلاعب بزمانها، تتلاعب بمكانها، بمجرد أن تغير المواصفات الستة الثابتة المشروعة في العبادة تتحول إلى عبادة بدعية إضافية.
التعبد لله لا بالاستقامة إنما طالباً نيل الكرامة، لا تتعبد لله بذلك، تترك الأسباب وتريد نيل الكرامات وخوارق العادات، وكل كلامك: حصل لي كذا وكرامة، حصل لي كذا كرامة، وهكذا، لا يصلح هذا.
التعبد لله بتعظيم الشيوخ تعظيماً تصل بهم أن تتلقى منهم التحليل والتحريم، وتتعبد الله وتقول: أنا بين يدي شيخي كالميت بين يدي المغسل، لا، لا تفعل ذلك، ولا تتعبد إلا بهذه الأمور.
لا تتعبد لله بتعظيم المشاهد والقبور، وهذه طامة كبرى، أن تتعبد لله بما يوصلك إلى غضب الله، أن تتعبد لله بما يوقعك في الشرك بالله، فتذهب إلى القبور وتصلي هناك وتقرأ القرآن هناك وتدعو الله عز وجل هناك، ترجو من الله أن يتقبل منك تلك العبادات، فإن هذا الأمر قد تُجاب في بعض الدعوات فتظن أن الذي أجابك هو ذلك الميت، فتتوجه فيما بعد لأولئك الموتى، تتوجه إليهم بالدعاء والذبح والنذر، فتقع في الشرك الأكبر، لا تتعبد لله عز وجل بذلك.
إياك والوقوع في شركيات تناقض توحيد الألوهية، تعتقد أن هذا الولي له مكانة وكرامة عند الله، لكن تقول: هذا الولي ليس له شأن في الربوبية، ليس هو خالق وليس هو مالك وليس هو رازق وليس هو مدبر، لكن له كرامة عند الله، طيب ماذا؟ فأنا أتعبد لله بأني آتي إلى هذا الميت فأذبح له، أنذر له، أستعيذ به، أستغيث به من أجل أن يشفع لي عند الله، هذا هو فعل المشركين الأوائل، احذر من ذلك وأنت تظن أنك معظم لله، حتى قال بعضهم: أنتم تعظمون ملوك الدنيا أكثر من تعظيمكم لله، قيل لهم: كيف ذلك؟ قال: إذا جاء الواحد منكم إلى ملوك الدنيا أخذ له شافعاً شفيعاً، أخذ له واسطة، أما إذا جئتم من الله وأنت ليس لك مكانة عند الله كبيرة، تأتي إلى الله مباشرة وتقول: يا الله اغفر لي، يا الله ارزقني، يا الله رد غائباً، يا الله اشفِ مريضي، هكذا من غير واسطة، من غير شفيع، أن يقول: أنتم تعظيمكم لملوك الدنيا أكثر من تعظيمكم لله.
وهل الله جل جلاله يحتاج في العبادة إلى شفيع وإلى وسيط؟ هل الله سبحانه وتعالى لا يعلم حال عباده ولا يعلم احتياجهم؟ الملك هل يعلم حال الناس؟ هل يعلم صادقهم من كاذبهم؟ الملك هؤلاء الشفعاء الذين شفع عنده هو يحتاجهم، ولذلك عندما يشفعون لا بد أن يجيب هذا ويجيب هذا، أما يردهم في كل مرة؟ لا، لا يمكن ذلك، لن يعملوا معه، أما الله سبحانه وتعالى فهو غني عن عباده، ينبغي للإنسان أن لا يقع في مثل هذه الشركيات ويتعبد لله سبحانه وتعالى بذلك.
نختم هذا الدرس بالنشاط الموجود عندكم في المذكرة، وهو يتعلق بهذه الأسئلة: بين خطر البدعة مستعيناً بأبحاث خارجية مع التمثيل لبدع من الواقع. أريد منكم وأنت تجيب على هذا السؤال أن تبشع البدعة إلى نفسك، تبغض البدعة إلى نفسك، وتنظر إلى المبتدع بصورته الحقيقية، أن هذا المبتدع مفترٍ، أن هذا المبتدع بعيد عن الله، يجب أن نبشع صورة المبتدع وصورة البدعة في نفوسنا ونبغضها إلى نفوسنا تبغيضاً كبيراً.
اشرح باختصار الطريقة التي يمكن بها معرفة البدعة مخاطباً صاحب بدعة بذلك، كيف تجيب؟ تقول: ننظر إلى البدعة هل هي في الدين أم في الدنيا؟ فإذا كان في الدنيا هذا ليس داخلاً في هذه البدعة اللغوية. وإذا كان في الدين ننظر إلى السبب المقتضي لإيجادها، فإذا كان السبب المقتضي لإيجاد البدعة كان موجوداً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يحضّوا عليه ولم يفعله الصحابة، فيكون هذا الأمر بدعة. أما إذا كان السبب المقتضي لإيجادها لم يكن موجوداً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لكنه نتج بسبب تقصير المسلمين في الإتيان بالأمور الشرعية، فهذا يعتبر محرماً وبدعة. لكن إذا لم يكن ناتجاً عن تقصير المسلمين غالباً، هذا يكون من باب المصالح المرسلة.
ما وجه كون البدعة خطراً كبيراً على الدين؟ تجيب على هذا وهذا يدخل في الأول، هذا يبغض النفس هذه البدع. ما الأصل في العبادة؟ المنع، معللاً موضحاً ما تقول. ما الفرق بين البدعة الحقيقية والإضافية؟ وأيهما أشد خطراً على الدين؟ وما المراد بالبدعة الكلية؟ أرجو أن تجيب على هذه الأسئلة ليكون موضوع البدعة محاطاً به على حسب ما عندكم من مذكرة قدر الاستطاعة، وجزاكم الله خيراً.
أسأل الله عز وجل بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يجعلني وإياكم من أهل السنة، وأن يجنبنا البدعة، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وجزاكم الله خيراً.
د. أبو زيد مكي القبي