تسجيل الدخول

المحاضرة 5 - حقيقة الكفر والتكفير وضوابطه

أبو زيد مكي القبيد. أبو زيد مكي القبي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. حياكم الله أيها الأحبة في الله طلاب العلم في الحلقة الخامسة من حلقات مادة العقيدة في المستوى الرابع في أكاديمية زاد.

هذه الحلقة الخامسة والسادسة والسابعة والثامنة ستكون في الموضوع الثاني من موضوعات هذه المادة، وعنوان هذا الموضوع: التكفير وضوابطه. سنأخذ فيه بمشيئة الله حقيقة الدين الإسلامي، وأن الدين الإسلامي قول وعمل، وهذا أشبه بالتمهيد. ثم سنأخذ حقيقة الكفر بالدين الإسلامي، كيف يقع هذا الشخص في الكفر بدين الإسلام؟ وأن الكفر قول وعمل، ونذكر وهي أشبه بالمراجعة لنواقض الدين الإسلامي، وقد أخذناها في المستوى الثالث. ثم نتحدث عن خطورة التكفير بغير حق، ثم نتحدث عن ضوابط التكفير. هذه بمشيئة الله تكون معنا في حلقات أربع، نبدأ اليوم بالحديث عن حقيقة الدين الإسلامي؛ كيف تعرف هذه الحقيقة وكيف تعرف بها.

أولًا أيها الأحبة في الله، نبدأ بمعنى الدين في اللغة. الدين في اللغة مأخوذ من فعلي "دان". وكلمة "دان" في اللغة العربية لها حالتان: الحالة الأولى يأتي متعديًا بنفسه فينصب مفعوله بنفسه، "دان فلانٌ فلانًا"؛ أي ملكه، ساسه، أخضعه، قهره، حكمه. وتأتي للحالة الثانية كلمة "دان"، تأتي متعدية إلى من تضاف إليه بصلة؛ الصلة تارة تكون الباء، فتقول: "دان فلان بكذا"؛ أي خضع به، انقاد به. وتأتي متعدية إلى من تضاف إليه بصلة اللام، فتقول: "دان فلان لفلان"؛ أي خضع له وانقاد له. ماذا تلاحظون؟ تصريفات كلمة "دان" كلها تدور حول الخضوع. "دانه" أخضعه، "دان به" خضع به، "دان له" خضع له. إذًا فالدين في اللغة يدور معناه حول الخضوع والانقياد.

نأتي للدين في مصطلح علماء الأديان؛ الدين عندهم، كما تلاحظون في اللغة، عندنا علاقة بين شخصين: شخص يخضع ويحكم ويسوس ويقهر، والشخص الآخر يخضع له وينقاد وفق شريعة تكون بينهما. فقالوا: هي علاقة مقدسة بين ذاتين؛ لأن هذه العلاقة حتى تكون دينًا فيها حب، فعلاقة مقدسة بين ذاتين، إحداهما تملك وتقهر وتسوس وتحكم، والأخرى تخضع وتنقاد وفق شريعة بينهما. هذا تعريف الدين؛ أشمل تعريف للدين في الاصطلاح: علاقة مقدسة بين ذاتين إحداهما تملك وتسوس وتقهر وتحكم، والأخرى تخضع وتنقاد وفق شريعة بينهما.

فإذا كان هذا الدين دينًا وضعيًا، وضعه الذي خضع له بأن يخضع وينقاد للشمس فماذا يصنع؟ يضع شريعة يتعبد بها لهذه الشمس، فتكون الشريعة موضوعة ممن خضع وانقاد. وإذا كان هذا الدين إلهيًا، أو الدين من شخص طغى وتجبر، فهو الذي يضع تلك الشريعة ويأمر الآخرين بالخضوع والانقياد بتلك الشريعة. إذًا تعريف الدين في الاصطلاح: علاقة مقدسة بين ذاتين إحداهما تملك وتسوس وتقهر وتحكم، والأخرى تخضع وتنقاد وفق شريعة بينهما.

وفق هذا التعريف، كيف نعرف الدين الإسلامي؟ نقول: الدين الإسلامي هو علاقة عبودية، علاقة خضوع وانقياد بين ذاتين، إحداهما الله سبحانه وتعالى الذي ليس كمثله شيء، جل جلاله المنفرد بالخلق والملك والتدبير، والأخرى هو العبد المستسلم الخاضع المنقاد لله تعالى حبًا وخوفًا ورجاءً، وفق الدين الخاتمي الناسخ الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم في جميع مناحي الحياة. إذًا، إذا أردنا أن نبدأ من المسلم نقول: هو الخضوع والانقياد والاستسلام من العبد لله سبحانه وتعالى الخالق المالك المدبر، وفق الدين الذي شرعه الله سبحانه وتعالى وأنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم وبلغنا إياه الرسول صلى الله عليه وسلم، فنخضع وننقاد بالدين الإسلامي الذي شرعه الله عز وجل لنا في جميع مناحي الحياة.

إذًا نعرف الدين الإسلامي فنقول: هو عبادة الله وحده لا شريك له، الدين الإسلامي هو عبادة الله وحده لا شريك له بالدين الخاتم الناسخ الذي جاء به الرسول محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم من عند الله تعالى في جميع مناحي الحياة. هذا هو ديننا، قال الله عز وجل لنبيه: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي﴾ [الزمر: 14]. ونعتقد أن هذا الدين الإسلامي به صلاح الدنيا والآخرة، وأن هذا الدين الإسلامي به سعادة الأرواح والأبدان، وأن هذا الدين الإسلامي به صلاح الأفراد والمجتمعات، ونعتقد وجوب الولاء والبراء على هذا الدين الإسلامي، فنحب المؤمنين المسلمين ونبغض الكافرين المشركين.

هذا هو ديننا الإسلامي أيها الأحبة في الله، لابد أن نسهل القضية. الدين الإسلامي عندنا عبارة كالشجرة، فكما أن الشجرة لها جذور ممتدة في باطن الأرض، والشجرة حتى تسمى شجرة لابد أن تخرج من باطن الأرض؛ أما وهي بذرة داخل الأرض فهي بذرة لا نسميها شجرة ولا نعرفها أصلًا، فإذا خرجت من باطن الأرض خرج ساقها نبدأ الآن في تسميته الشجرة، فالشجرة الكاملة هي التي يكون لها ساق، ويكون لها فروع، ويكون لها أوراق، ويكون لها ثمار.

هذه الشجرة، الدين الإسلامي كالشجرة، له جذور لكن هذه الجذور في قلب الإنسان. هذه الجذور عبارة عن أركان الإيمان الستة: الإيمان بالله، والملائكة، والكتب، والرسل، واليوم الآخر، والقضاء والقدر، وما يندرج تحت ذلك من أعمال القلوب من محبة الله، والخوف من وعيد الله، والرجاء فيما عند الله، والتوكل على الله، ومحبة النبي صلى الله عليه وسلم، ومحبة الدين الإسلامي، ومحبة المؤمنين، وهكذا أعمال القلوب التي هي مندرجة تحت أركان الإيمان الستة. هذا الجانب الغيبي من الدين الإسلامي متعلق بماذا؟ متعلق بالقلب ويقوم على ستة أركان.

ثم الجانب العلني من الدين الإسلامي؛ الجانب الذي يظهر عندما يستقر هذا الأمر، هذا القول وهذا العمل الذي في القلب، يخرج وتخرج آثاره على اللسان بالشهادتين، صلاة، صوم، زكاة، حج، وهكذا. هذا الجانب العلني من الدين الإسلامي، والذي هو متعلق بجوارح الإنسان وأعضائه، والذي يقوم على خمسة أركان، وهي الشهادتان، والصلاة، والصوم، والزكاة، والحج. هذا الجانب يسمى إسلام.

وهناك جانب يتعلق بالعقيدة، بالإيمان، بالإحسان؛ الإيمان الذي في القلب، وإحسان الإسلام الذي يكون على الجوارح، هذا يسمى الإحسان. فالإحسان يتعلق بالإسلام ويتعلق كذلك بالإيمان. هذا هو ديننا الإسلامي، دين الإسلامي عبارة عن جانب متعلق بالقلب، وعبارة عن جانب متعلق باللسان وبالجوارح، مثله مثل الشجرة. نأخذ فاصلًا ثم نعود إليكم بمشيئة الله.

ما أوثق العلاقة بين العلم والعمل! العلم شجرة والعمل ثمرة، والعلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «القرآن حجة لك أو عليك»، أي تنتفع به إن تلوته وعملت به وإلا فهو حجة عليك. وإنما يراد العلم لأجل العمل. قال أبو الدرداء: "لا تكون بالعلم عالمًا حتى تكون به عاملًا". وقد ذم الله تعالى من لا يعملون بالعلم فقال: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 44].

وقال صلى الله عليه وسلم: «مثل العالم الذي يعلم الناس الخير وينسى نفسه كمثل السراج يضيء للناس ويحرق نفسه». والعلم النافع يورث خشية الله، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28]. قال ابن مسعود: "ليس العلم بكثرة الرواية، ولكن العلم الخشية". والخشية تنير العقل، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: 282]، أي أن التقوى وسيلة إلى حصول العلم، فمن صدق العلم بالعمل كان قدوة للمتعلمين، ومن خالف فعله قوله كان من الممقوتين، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: 2-3].

حياكم الله أيها الأحبة مرة أخرى. قلنا إن الدين الإسلامي له جانبان، جانب يتعلق بالقلب، وجانب يتعلق باللسان وبالجوارح. هذا الجانب المتعلق بالقلب يسمى إيمان، الجانب المتعلق بالجوارح يسمى إسلام، الجانب المتعلق بالأمرين يسمى إحسان. نريد أن نوضح أيضًا أكثر لكلمة الإسلام والإيمان عندما ترد عندنا في الشريعة: الإسلام، الإيمان، الإحسان.

نقول أيها الأحبة في الله، الإسلام والإيمان لهما حالتان: حالة تسمى حالة الإطلاق، يعني أن يرد كل منهما منفصلًا عن الآخر في النصوص الشرعية فلا يذكر معه الآخر في النص الشرعي. مثال: قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: 19]. هل ذكر الإيمان في هذه الآية؟ لم يذكر. الآية الأخرى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: 2-4]، هذه الآيات ذكر فيها الإيمان ولم يذكر فيها الإسلام.

نأخذ مثلًا حديث وفد عبد القيس، قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: «وآمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن تؤدوا الخمس من المغنم». ذكر الإيمان ولم يذكر معه الإسلام، هذه تسمى حالة الإطلاق.

حالة الاقتران: أن يرد الإسلام والإيمان معًا في نص واحد. مثال: قال الله عز وجل: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: 14]، فورد ذكر الإيمان والإسلام في نص واحد. مثال آخر: حديث جبريل، قال النبي صلى الله عليه وسلم عندما سأله جبريل عن الإيمان قال: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه». وعن الإسلام قال: «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة». فذكر الإيمان والإسلام في نص واحد.

إذًا الإسلام والإيمان لهما حالتان: حالة الإطلاق وحالة الاقتران. تعالوا معي لنبدأ بحالة الاقتران؛ عندما قال الله عز وجل: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾، ما هو أول شيء ينقدح في أذهانكم؟ أول شيء ينقدح في الذهن أن بين الإسلام والإيمان فرقًا في المعنى. وحديث جبريل يوضح هذا الفرق في هذا المعنى: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره»، كله يتعلق بماذا؟ بقول القلب وعمل القلب. والإسلام: «أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت»، كله يتعلق بقول اللسان وأعمال الجوارح. دل ذلك أنه في حالة الاقتران أن بينهما فرقًا في المعنى، وأن الإسلام المقصود به أعمال الجوارح والذي يقوم على أركان الإسلام الخمسة، وأن الإيمان المقصود به أعمال القلوب والذي يقوم على أركان الإيمان الستة.

انتهينا من حالة الاقتران، في حالة الإطلاق، لاحظ قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، من يستخرج معنى الإسلام من خلال هذه الآية ولا يخرج عنها؟ الإسلام ما المراد به؟ المراد به الدين كله؛ الدين الذي شرعه الله هو الإسلام، فالإسلام في حالة الإطلاق يراد به الدين كله. خذوا الآية الأخرى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ...﴾ إلى آخر الآية، إذا الإيمان هنا جاء شاملًا لأعمال القلوب وشاملًا لأعمال الجوارح. إذًا الإيمان في حالة الإطلاق يراد به الدين كله، ما تعلق منه بالقلب وما تعلق منه بالجوارح.

لاحظوا في حديث وفد عبد القيس: «وآمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، إقام الصلاة، إيتاء...» ماذا تفهمون من هذا؟ نفهم أنه في حال الإطلاق هو والإسلام معناهما واحد؛ لأنه فسر الإيمان بأركان الإسلام، فدل ذلك على أن الإيمان والإسلام في حال الإطلاق معناهما واحد، فيراد بالإيمان ما يراد بالإسلام، ويراد بالإسلام ما يراد بالإيمان، ويراد بهما الدين كله. فالإيمان في حال الإطلاق هو الدين كله، والإسلام في حال الإطلاق هو الدين كله. الإسلام والإيمان في حال الاقتران بينهما فرق في المعنى؛ الإيمان الجانب الغيبي من الدين الإسلامي المتعلق بالقلب، الإسلام الجانب العلني من الدين الإسلامي والمتعلق بالجوارح.

من هنا يمكننا في حال الاقتران أن نقول إن الدين الإسلامي له ثلاث مراتب، الدين الإسلامي مثله مثل الدرج، هذه ثلاث درجات هي مراتب الدين الإسلامي. الدرجة الأولى هي درجة الإسلام؛ فكل من قال: "أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله" عالمًا بمعناهما، ملتزمًا العمل بمقتضاهما، ماذا نقول؟ الله أكبر، دخل في الدين الإسلامي وصعد الدرجة الأولى من درجات الدين الإسلامي. كل من نطق بالشهادتين عالمًا بمعناهما، ملتزمًا العمل بمقتضاهما، يقول: "أنا لا أعبد إلا الله، وأعبد الله بما جاء به رسول الله، وأبرأ إلى الله من عبادة كل ما سوى الله، وسألتزم بالعبودية لله بما شرعه الله وجاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم"، قلنا: الله أكبر، هذا دخل في الدين الإسلامي. فإذا امتلأ القلب بالإيمان بالله والملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر والقضاء والقدر، امتلأ القلب بالإيمان قلنا: الله أكبر، صعد الدرجة الثانية من درجات الدين الإسلامي وهي درجة الإيمان. فإذا أصبح هذا الإنسان يراقب الله في قلبه، فأحسن عقيدته وأحسن إيمانه، وراقب الله في جوارحه فأحسن إسلامه، نقول: الله أكبر، هذا صعد الدرجة الأولى وهي درجة الإحسان: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تستطع أن تصل لهذه المرحلة أن تستشعر أن الله يراك، فإنه يراك». يمكن أن نشبه هذا الدين الإسلامي بثلاث دوائر.

الدائرة الكبرى هي دائرة الإسلام، والدائرة التي في الوسط هي دائرة الإيمان، والدائرة التي في الداخل هي دائرة الإحسان. لذلك نقول: كل من دخل في الدائرة الأولى دائرة الإسلام، ثم يليها دائرة الإيمان، ثم دائرة الإحسان. نقول كل من دخل في الدائرة الصغرى الإحسان، فكل محسن لا بد أنه قد تجاوز الإسلام؛ فكل محسن فهو مؤمن مسلم، وكل مؤمن فهو مسلم، لكن ليس بالضرورة كل مسلم مؤمناً، وليس بالضرورة كل مؤمن محسناً. وهكذا نقول لا بد أن يصل لهذه الدرجات الثلاث.

ننتقل إلى حقيقة الإيمان المطلق وزيادته ونقصانه؛ الإيمان المطلق عرفناه، والمقصود به الدين كله. هذا حال الإيمان المطلق. أيها الأحبة في الله، ينبغي لنا في هذه الموضوعات المتعلقة بالأسماء: أسماء الدين: الإسلام، الإيمان، الإحسان، وما يضاد ذلك: الكفر، الشرك، النفاق، الرياء، الكبائر، الفسوق؛ هذه المصطلحات لا بد أن نرجع فيها إلى المعاني الشرعية، ولا نقتصر فيها على المعاني اللغوية؛ فإن من اقتصر على المعاني اللغوية سيقع في الضلال والانحراف. وسأبين ذلك بالتفصيل، فنحن عندما نشرح الإيمان، نشرح الإسلام، نشرح الإحسان نلتزم في الشرح، وما يضاد ذلك نلتزم في شرحها، والذي نطالب به بالعمل به نطالب بالمعاني الشرعية.

فنطلق، وأريد منكم أن تشاركوا معي في الاستنباط، هذا حديث النبي صلى الله عليه وسلم أمامكم: «الإيمان بضع وسبعون شعبة؛ أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان». أريد من كل واحد منكم أن يستخرج من قوله صلى الله عليه وسلم: «الإيمان بضع وسبعون شعبة» ما هي الفائدة التي تأخذها؟ ثم أريد منكم أن تستنبطوا من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أعلاها وأدناها» ماذا تستفيد من ذلك؟ أريد منكم أن تستنبطوا من قول النبي صلى الله عليه وسلم: شهادة أن لا إله إلا الله، الحياء، إماطة الأذى عن الطريق، ماذا تستنبطون من ذلك؟ سأعطيكم فاصلاً تستنبطوا هذه الأمور، ثم نعود معكم بعد الفاصل بمشيئة الله.

من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، والناس معادن؛ خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا. من هنا حق للمرأة أن تسعى للتفقه في الدين، وتعلم الضروري من أحكامه، وتصحح عبادتها، وتقوم بمسؤوليتها تجاه زوجها وأولادها وأهل بيتها ومجتمعها. وينبغي للمرأة أن تبدأ بفروض الأعيان؛ فتتعلم الطهارة والصلاة والصيام، وما يخصها من أحكام كالحيض والحمل والرضاعة وغير ذلك. فإذا أرادت معاملة وجب عليها تعلم أحكامها؛ كأن تريد الحج فتتعلم أحكامه، ويتوفر لها مال فتتعلم كيف تخرج زكاته.

وتاريخ الأمة زاخر بالعالمات الفقيهات، ويأتي على رأسهن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، قال عروة بن الزبير: ما رأيت أحداً أعلم بشعر ولا فريضة ولا أعلم بفقه من عائشة. ومنهن عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية، قال القاسم بن محمد للزهري: عليك بعمرة بنت عبد الرحمن فإنها كانت في حجر عائشة، قال: فأتيتها فوجدتها بحراً لا ينزف. ومنهن فاطمة بنت علاء الدين السمرقندي، كانت فقيهة عالمة، وقد بلغ من فقهها أن والدها كانت لا تأتيه الفتوى إلا وعرضها عليها وسمع رأيها بها، فكانت الفتوى تخرج وبها توقيع والدها وتوقيع ابنته.

حفظت فاطمة كتاب أبيها المسمى تحفة الطالب، والذي شرحه الكاساني في بدائع الصنائع، ففرح به علاء الدين وزوجه ابنته فاطمة، فقال الفقهاء: شرح تحفته وزوجه ابنته. وبعد زواجها من الكاساني استمرت الفتوى تخرج من بيت أبيها السمرقندي بتوقيعه وتوقيع ابنته فاطمة، وانضم إلى توقيعهما توقيع ثالث جديد؛ هو توقيع زوجها.

حياكم الله أيها الأحبة، وقفنا قبل الفاصل عندما طلبت منكم هذا التدريب: أن تستنبط من هذا الحديث حقيقة الإيمان في حال الإطلاق. قال صلى الله عليه وسلم: «الإيمان بضع وسبعون شعبة»، ماذا نستفيد من هذا؟ نستفيد أن الإيمان حقيقة مركبة، حقيقة مكونة من شعب وأجزاء. هذا اضبطوه يا إخوان؛ كل الفرق التي ضلت في مسائل الإيمان ومسائل الكفر تقول: إن الإيمان حقيقة مفردة شيء واحد لا يتجزأ، أما أهل السنة والجماعة لكونهم ينطلقون من كتاب الله ومن سنة النبي صلى الله عليه وسلم، هداهم الله إلى المعنى الحق للإيمان، قالوا: هذا الإيمان حقيقة مكونة من شعب وأجزاء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الإيمان بضع وسبعون شعبة».

ثم ماذا نستفيد من قوله صلى الله عليه وسلم: «أعلاها وأدناها»؟ أن هذه الشعب أجزاء متفاوتة لها أعلى ولها أدنى، فإذا استفدنا أن هذه الشعب والأجزاء بينها تفاوت. هناك شعب لا بد منها هي أعلاها، إذا لم توجد هذه الشعب -شعبة الشهادتين- لا يوجد إيمان أصلاً، وهناك شعب لا شك أنها من دين الإسلام لكنها ليست مثل شعبة الشهادتين مثل إماطة الأذى عن الطريق، فبينهما هذه الشعب تفاوت في القدر والمنزلة والأجر والثواب والمكانة في الدين الإسلامي عند الله سبحانه وتعالى.

لاحظوا «أعلاها شهادة...» و«إماطة...» و«الحياء»، إذاً هذه الشعب فيها أقوال باللسان، وفيها اعتقاد بالجنان، وفيها عمل بالجوارح والأركان. ولذلك يقولون عن حقيقة الإيمان أهل السنة والجماعة: هو قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان. من أين أخذوها؟ من هذا الحديث، ليس من آرائهم ولا من أهوائهم، إنما استنباطاً من حديث النبي صلى الله عليه وسلم. ولاحظوا قول وعمل والحياء، هذا يعتبر من أعمال القلوب، فقالوا: إن الإيمان في حال الإطلاق هو قول وعمل؛ قول القلب وعمل القلب، وقول اللسان وعمل الجوارح.

إذاً هذه حقيقة الإيمان قول وعمل، لا يصلح الإيمان عندنا نحن أهل الإسلام أن يكون قولاً بلا عمل، ويقول الإنسان: أنا أقول بقلبي المصدق بهذا الدين وأقول بلساني إني مصدق، يكفي. لا، لا بد من عمل القلب، ولا بد من عمل الجوارح. لا يكفي عندنا في حقيقة الإيمان الذي ينجي عند الله، والذي هو المقبول، والذي هو حقيقة الدين الإسلامي، أن يكون قولاً بلا عمل، ولا يكفي أن يكون عمل بلا قول، يقول الإنسان يزعم يصلي وينطق الشهادتين لكن ما في قول القلب، ما في التصديق والإقرار القلبي، إنما أعمال بالجوارح لكنه ليس مصدقاً بقلبه لا ينفع، لا بد من قول القلب، وإلا كان هذا الأمر نفاقاً، عمل بدون قول نفاق، وقول بدون عمل هذا ليس بدين الإسلام، هذا دين آخر.

دين الإسلام لا بد أن يجتمع فيه القول والعمل، لكننا وإن قلنا إن الدين قول وعمل، لكن نقول إنه شعب وأجزاء؛ فإذا ذهب بعض القول وليس كل القول، أو ذهب بعض العمل مما لا يعتبر ذهابه من نواقض الإيمان، بقي البعض الآخر. لذلك إذا ذهبت النظافة عند الإنسان لا يميط الأذى عن الطريق، ذهبت تبسمك في وجه أخيك صدقة، ذهبت مثلاً صلة الأرحام، هذا تعتبر ذهبت شعب من شعب الإيمان، لكن بقي الإيمان، لكنه يقال: إنه مؤمن ناقص الإيمان، يقال عنه مسلم، لكن إذا ذهبت شعبة الشهادتين أو ما هو قريب منها مثل شعبة الصلاة؛ هنا خطورة، هنا الشهادتين ذهب الدين كله، وإذا ذهبت الصلاة بالكلية ذهب الدين كله.

لكن إذا ذهبت إماطة الأذى عن الطريق نقص هذا الإيمان، ولذلك نقول إن هذه الحقيقة مكونة من شعب، من أجزاء، وهذه الشعب بينها تفاوت. طيب لاحظوا يا إخوان، كلما زدنا شعبة من شعب الإيمان ما الذي يحصل للإيمان؟ مثلاً الإنسان أتى بالشهادتين ويصلي ويصوم لكنه يصل الأرحام، يعين الأيتام والمساكين؛ كلما عملت عملاً من أعمال الخير من شعب الإيمان زاد الإيمان، وكلما نقصت عندك شعبة من شعب الإيمان -مثلاً يكذب في حديثه، ذهبت عنه العفة- نقص هذا الإيمان. ولذلك يقول أهل السنة والجماعة إن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي والمنكرات.

حقيقة الإيمان دائماً نقول قول وعمل: قول القلب، وعمل القلب، وقول اللسان، وعمل الجوارح. أريد أن نضبط هذا، حتى إذا عرفنا حقيقة الإيمان واستقرت في أذهاننا تماماً سنعرف حقيقة الكفر؛ لأن حقيقة الكفر تأتي لهذه الأركان فتهدمها، إذا هدم ركن من أركان الإيمان انهدمت الحقيقة وذهبت. حقيقة الإيمان قول وعمل: قول القلب، وعمل القلب، وقول اللسان، وعمل الجوارح. ما معنى قول القلب؟ قول القلب هو تصديقه وإيقانه وإقراره بأركان الإيمان وبكل ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، يصدق ويوقن ويقر. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾ [المائدة: 41].

عندهم القول، قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، يعني لم يقولوا ذلك بقلوبهم، فقلوبهم مكذبة بما نطقوه بألسنتهم، سمى الله عز وجل قول القلب إيماناً ونفاه عنهم، وبين لنا أنه لا ينفعهم القول باللسان. فالقلب يقول، وقوله تصديقه وإقراره، وهذا التصديق والإقرار يسمى في دين الإسلام إيماناً. إذاً قول القلب وعمل القلب؛ ما المقصود بعمل القلب؟ عمل القلب المقصود به انقياد القلب وإذعانه وخضوعه بتحقيق أعمال القلوب، وأهمها الإخلاص لله سبحانه وتعالى في العبادة، والاتيان بالمحبة والخوف والرجاء والرضا والتوكل؛ أعمال القلوب الواجبة المعروفة.

هذا عمل القلب، قال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2]، فلا بد من أعمال القلوب الواجبة هذه. قال الله عز وجل: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: 5]. قال الله عز وجل: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: 23]. قال الله عز وجل: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 175].

كذلك يا إخوان، قول اللسان؛ ما المقصود بقول اللسان؟ هذا الذي أنت أقررت به بقلبك، وعملت به بقلبك، أعلنه بلسانك، فتقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، وتقر بلوازم هاتين الشهادتين. قال الله عز وجل: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: 136]، قال الله عز وجل: ﴿وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ﴾ [الشورى: 15]، قال صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله». فلا بد في الإيمان من قول اللسان.

أيضاً كذلك لا بد في الإيمان من عمل الجوارح؛ ما المقصود بعمل الجوارح؟ الالتزام العملي الظاهر بفعل الواجبات وترك المحرمات. يقول الإنسان: أنا سألتزم وسأعمل، سأترك الشرك وسأعبد الله. بعض الناس أنا أعجب يا إخوان منهم عندما يقول: عمل الجوارح لا مكانة لها في الدين الإسلامي! عجيب، كيف يقول الشخص: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، ثم نقول له عمل الجوارح يكمل به الإيمان، يعني الكمال، لو ذهب ما في كيف؟ هو يقول: أنا أترك عبادة ما سوى الله وأعبد الله، وأعبد الله بما جاء به رسول الله. أين العبادة؟ إذا كان لا يريد أن يصلي ولا يصوم ولا يزكي ولا يحج ولا يلتزم بشريعة الإسلام أين العبادة؟

فلا بد هو عندما ينطق الشهادتين، بمعنى الكلام أنه يترك الشرك ويعبد الله وحده لا شريك له بالشريعة التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا معنى الشهادتين. أعجب أشد العجب ممن يهمل أعمال الجوارح، وأن لا قيمة لها، وأنه يكفي القول فحسب؛ هذا شيء غريب، هذا لم يفهم الدين الإسلامي، لم يفهم حقيقة هذا الدين الإسلامي وأنه قول وعمل. ولذلك يقول الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [الأنفال: 2-3].

وهذا الحديث «الإيمان بضع وسبعون شعبة» إلى غير ذلك مما يدل على أنه في الإيمان لا بد من أعمال الجوارح. إذاً ديننا يا إخوان ما ديننا حقيقته أنه قول وعمل: قول القلب، وعمل القلب، وقول اللسان، وعمل الجوارح. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلني وإياكم ممن فقه حقيقة الدين الإسلامي، وممن يلتزم بهذه الحقيقة. أسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعل ما نتعلمه حجة لنا لا حجة علينا، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وجزاكم الله خيراً.