يا راغبًا في كل علم نافع، ينمو العقل ويتقدم بتقنياته ومجالاته، ومعه نطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي. أكاديمية زاد، الصحيحة فطرة. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللهم إنا نسألك علمًا نافعًا، وعملًا صالحًا، وقلبًا خاشعًا، ولسانًا ذاكرًا. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، واجعله حجة لنا ولا تجعله حجة علينا يا رب العالمين. مرحبًا بكم طلاب العلم الشرعي في أكاديمية زاد في المحاضرة السادسة من محاضرات العقيدة، المستوى الرابع. في المحاضرة الماضية تذاكرنا حقيقة الإيمان وحقيقة الدين الإسلامي وحقيقة الإيمان في حال الإطلاق، وحقيقة الإسلام في حال الإطلاق أن الدين قول وعمل. وقفنا عند هذا.
في هذه المحاضرة نريد أن نعرف حقيقة الكفر في الدين الإسلامي؛ فإذا عرفنا الإيمان عرفنا الكفر، وإذا عرفنا حقيقة الكفر عرفنا حقيقة الإيمان بإذن الله سبحانه وتعالى، لنكون من أهل الإيمان المجانبين للكفر، ونتعرف على نواقض الإيمان بالتفصيل، ثم نحذر من هذه النواقض في أنفسنا ونحذر غيرنا، ثم نتجنب خطورة التكفير بغير حق ونعرف بعد ذلك ضوابط التكفير. في هذه المحاضرة سنحاول أن نركز على حقيقة الكفر في الدين الإسلامي أو كيف يقع الإنسان في الكفر بدين الإسلام.
تذكرون أننا قلنا إن الدين قول وعمل؛ قول القلب وعمل القلب. وقلنا إن قول القلب الإيماني هو تصديقه وإيقانه وإقراره بأركان الإيمان وبكل ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم. كلما ازددت معرفة بما جاء به رسول الله وأقررت بها زاد قول القلب عندك، زاد الإيمان عندك. ما الذي ينقض ذلك؟ ما الذي ينقض قول القلب الإيماني؟ ينقضه التكذيب والجحد لله، أو قول الرسول صلى الله عليه وسلم، أو للدين الإسلامي. يجحد الله؛ ينكر وجود الله، أو يجحد الرسول صلى الله عليه وسلم؛ ينكر نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم، أو يجحد الدين الإسلامي؛ ينكر الدين الإسلامي.
هذه الأصول الثلاثة إذا أنكرها كفر والعياذ بالله؛ لم يقر بهذه الأصول أو بأحدها، أو أنكر شيئًا معلومًا من الدين بالضرورة. مثلًا إنسان دخل في الإسلام ثم قيل له الصلاة، قال: لا، الصلاة ليست واجبة، ينكر أن الله أوجب الصلاة، هذا أمر معلوم من الدين بالضرورة فينكره، هذا يعتبر ناقضًا من نواقض الإسلام. ينكر أن الربا حرام، ينكر أن الزنا حرام، ينكر مثلًا أن الله حرم نكاح زوجات الأب، ينكر شيئًا معلومًا من الدين بالضرورة، هذا الإنكار يعتبر كفرًا. يبقى بعد ذلك الكلام عن الأعيان سيأتي الكلام عنهم؛ قد يكون الشخص المنكر لهذا عاش في بادية لم يتعلم هذه الأمور، فإذا علم تعلم؛ هنا لا يقال بالكفر، وإنما يعلم هذه الأمور. لكن شخص يعلم دين الإسلام وعرفه ثم ينكر ذلك ولا يريد أن يقر بهذه الأمور، بشيء معلوم من الدين بالضرورة، هذا يعتبر تكذيبًا لدين الإسلام، ويعتبر هذا ناقضًا من نواقض الإسلام.
انتهينا من قول القلب، نأتي لعمل القلب. عمل القلب الإيماني هو انقياده وإذعانه وخضوعه بتحقيق أعمال القلوب من إخلاص لله عز وجل بجميع أنواع العبادة وما يندرج تحت ذلك. لكن ما الذي ينقضه؟ ينقضه الشرك؛ فهناك بعض أعمال القلوب تنقض دين الإسلام، مثل شرك المحبة، وهي محبة التأله؛ فإذا صرف هذا التأله والتعلق القلبي بالمحبوب لغير الله تعلقًا أوجب قصد هذا المحبوب بنوع من أنواع العبادة، نقول هذا نقض دين الإسلام؛ نقض دينه بوقوعه في شرك المحبة. فيأتي إنسان إلى أحد الأولياء يحبه محبة عظيمة فيسجد له، يذبح له وهو ميت فيتقرب إليه بالدم، يدعوه في أمور لا يقدر عليها إلا الله أو يدعوه وهو ميت يستغيث به وهو ميت، هذا الدعاء وهذه الاستغاثة وهذا الذبح وهذا النذر عندما يصرفها لهذا المحبوب، هذا يعتبر شركًا مخرجًا من ملة الإسلام.
الخوف: أن يخاف من غير الله أن يصيبه بمكروه بمشيئته وقدرته وإن لم يباشره، وقع في شرك الخوف. الرجاء: أن يرجو غير الله في أمر لا يقدر عليه إلا الله، يرجو غير الله في تفريغ الكرب وفي سعة الرزق وفي نصر الأعداء وغير ذلك من الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله، وقع في شرك الرجاء. التوكل: أن يتوكل على غير الله في أمر لا يقدر عليه إلا الله، كمن يتوكل على مخلوق في أن يدخله الجنة وأن ينجيه من النار وأن يغفر ذنبه ويفرج كربه. هذه أنواع الشرك المتعلقة بالقلوب يحذرها الإنسان لأن هذه من نواقض الإسلام.
النفاق والعياذ بالله، أن يظهر الإنسان الإسلام، يصلي، لكنه في داخل قلبه يبغض الإسلام، يبغض الله، يبغض الرسول صلى الله عليه وسلم، يبغض الدين الإسلامي؛ هذا نفاق. البغض لله أو للرسول أو للدين أو لشيء من الدين؛ يبغض الإنسان الصلاة، يكره الصلاة، يكره ما شرعه الله ويحب المحرمات، بمعنى أنه يقول: لو لم يشرعها الله ولم يحرمها الله لكان أفضل لكان كذا، فيطعن في شريعة الله، هذا يعتبر شركًا؛ شرك يتعلق بأعمال القلوب. أن يعتقد الإنسان أن هناك شرعًا أفضل من شرع الله أو مثل شرع الله، أو يجوز التحاكم إليه من دون شرع الله حتى لو لم يفعل ذلك، لكن هو يعتقد أن القوانين الوضعية أفضل من شريعة الله وإن كان هو يتحاكم إلى شرع الله، لكن هذا الذي في قلبه، هذا والعياذ بالله ناقض من نواقض الإسلام.
هذه المتعلقة بأعمال القلوب. قال الله عز وجل: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: 65]. قال الله عز وجل: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: 8]. هذا نفاق والعياذ بالله.
كذلك قول اللسان الإيماني عرفناه، أن يتكلم الإنسان بكلمة الإسلام ويقر بلوازمها. ما الذي ينقض هذا الأمر؟ أن يأتي الإنسان والعياذ بالله فيسب الله، يسب الرسول صلى الله عليه وسلم، يسب الدين الإسلامي، يستهزئ ويسخر بالله أو برسوله أو بالدين، هذا ناقض من نواقض الإسلام حتى وإن لم يستحل ذلك. انتبهوا لهذه القضية، هذا قول اللسان لمن ينقضه قولًا، ولا يشترط معه أعمال القلوب؛ يعني يأتي شخص ويسب الدين الإسلامي، ويقول: لا، أنا مقر أن سب الدين الإسلامي حرام، لكن أسبه، ويسب الدين الإسلامي ويسب الله ويسب الرسول، ويقول: أنا أعرف أن هذا الأمر حرام، خلاص لا تكفروني لأنني عاصٍ بهذا، لا لا يصلح هذا. سب الله، سب الرسول، سب الدين، الاستهزاء بالله وبرسوله وبدينه؛ هذا ينقض دين الإسلام وإن لم يستحل ذلك، هذه من نواقض الإسلام. بعض الناس يظن أنه إذا فعل ذلك ليضحك الآخرين وهو في قرارة نفسه مؤمن بالله ومؤمن بالرسول، أن هذا لا ينفعه.
فبعضهم سمعنا عنه جاء في استراحة وصلى بالناس الصلاة ثم سجد، وعندما سجد من وراءه قام وتركهم يستهزئ ويسخر ويقول: يتصرفوا هم! لا، لا يصلح أن تعرض نفسك للكفر بالله وبرسوله وأنت تريد أن تضحكهم؛ هذه الصلاة لا يصلح أن تستهزئ بها، أو أن تسخر بشيء وتربطه بركن من أركان الإسلام. أو يأتي شخص يسخر بالملائكة، يقول: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر: 30]، هو عليه عشرة، وأنتم يلا أمسكوا التسعة البقية وننجو من النار؛ لا يصلح هذا، هذا كلام الكفار، كفار قريش وهكذا. أو يأتي شخص يقول: يا شباب أنتم المطاوعة إذا جئتم داخلين الجنة خذونا معكم، ويسخر بذلك ويستهزئ؛ لا يصلح، لا تعرض نفسك بلسانك إلى مثل هذه الكلمات؛ رب كلمة يقولها الإنسان من سخط الله لا يلقي لها بالًا تهوي به في النار سبعين خريفًا.
منذ أن فارقت النبي صلى الله عليه وسلم وهو لا يزال يذكرها بأرق الكلمات وأطيب العبارات، وفاءً لها واعترافًا بجميلها؛ حتى قال لإحدى زوجاته حين غارت منها: «إني قد رزقت حبها». إنها أم المؤمنين خديجة بنت خويلد بن أسد القرشية رضي الله عنها، الزوجة الوفية والمؤمنة الصابرة التقية، أولى زوجات النبي صلى الله عليه وسلم وأم جميع أولاده سوى إبراهيم. ولدت بمكة سنة ثمان وستين قبل الهجرة، وكانت من أعرق بيوتات قريش نسبًا وحسبًا وشرفًا؛ ولذا نشأت على الأخلاق الكريمة والصفات الحميدة، فكانت عفيفة رصينة ذات عقل وحزم. وحين سمعت بخبر الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم، رغبت في أن تجعله يعمل في تجارتها فعمل فيها، فربحت أضعاف ما كانت تربح مع غيره، فوسطت من عرض عليه الزواج منها فوافق عليه الصلاة والسلام وتزوجها. كانت رضي الله عنها تعد للنبي صلى الله عليه وسلم الزاد الذي يكفي حينما كان يتعبد في غار حراء، وقد هرع إليها بعدما فاجأه الوحي وهو في الغار فطمأنته بقولها: «كلا والله ما يخزيك الله أبدًا». فكانت أول من أسلم من الناس قاطبة، وخير من واست بنفسها ومالها. ظلت مع النبي صلى الله عليه وسلم وفية صابرة على أذى قريش حتى وقع حصار قريش على بني هاشم وبني المطلب في شعب أبي طالب، فالتحقت بزوجها في الشعب، وعانت معه في سبيل الله ما عاناه بنو هاشم من جوع ومرض مدة ثلاث سنوات. توفيت رضي الله عنها قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم بثلاث سنوات، فذهبت وبقي أثرها.
من فضائلها ما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة قال: «أتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله هذه خديجة قد أتتك معها إناء فيه طعام أو إناء فيه شراب، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها عز وجل ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب».
حياكم الله أيها الأحبة بعد هذا الفاصل، نقول وصلنا إلى قول اللسان الكفر، أنه لا يشترط فيه الاستحلال، لا يشترط أن يعتقد الإنسان حل ذلك، هو بنفسه ناقض من نواقض الإسلام: سب الله، سب الرسول، سب الدين. نحن نتحدث عن ماذا الآن؟ التكفير المطلق، نواقض الإسلام بشكل مطلق. عندما نأتي للمعين لابد أن يكون هناك ضوابط للتكفير، سنتحدث عنها بمشيئة الله.
ننتقل لعمل الجوارح، وقلنا عمل الجوارح الإيماني أن يقول الإنسان: أنا ألتزم بالعمل الظاهر من دين الإسلام بفعل الواجبات وترك المحرمات من الصلاة والصوم وهكذا. ما الذي ينقض ذلك؟ أن يترك الإنسان جنس العمل بالكلية. ما معنى جنس العمل؟ يعني هناك أشياء تدل على أن الإنسان دخل في دين الإسلام؛ هذه دائرة الإسلام. إذا كان الإنسان يترك هذه الدائرة بالكلية فلا يعمل بشيء يدل على أنه دخل في دين الإسلام، لا يترك الشرك، لا يعبد الله مخلصًا، لا يصلي لله، ما فيه أي شيء مما يدل على كونه دخل في دين الإسلام؛ نقول لا، هذا لا يصلح، هذا ناقض من نواقض الإسلام. قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله. طيب انتظرنا جاءت الصلاة، قال: لا، لا يريد يصلي، يعني معليش، يقول أنا أعرف الصلاة واجبة وأعرف أن الصوم واجب والزكاة واجبة، لكن اسمحوا لي ما أريد أن أعمل بشيء؛ لا صلاة ولا صوم ولا زكاة ولا حج ولا تحاكم لشرع الله ولا ترك الكبائر ولا ترك المحرمات ولا ترك أي شيء، نقول لا يا حبيبي، هذا ما هو دين، هذا ما هو دين الإسلام، هذا دين آخر؛ روح كاثوليك يا أخي، روح بروتستانت، روح أي ديانة، أي مذهب من مذاهب النصارى، أي ديانة عندك، ابغى بس، روح البوذية. أما دين الإسلام فلابد أن تعمل بجوارحك، فتلتزم بما شرعه الله سبحانه وتعالى، تلتزم بما يدل على أنك دخلت في دين الإسلام.
وأعظم دليل على دخول الإنسان في دين الإسلام، أعظم دليل هو الصلاة. الصلاة أيها الأحبة في الله، هذا الركن الذي يدل على صدق الإنسان أنه دخل في دين الإسلام، وهذا الركن هو الركن الوحيد الذي يتكرر في اليوم خمس مرات: فجر، ظهر، عصر، مغرب، عشاء؛ لا بد من هذا الركن. هذا الركن هو الغذاء الإيماني، هذا هو الركن، هو حقيقة هذا الإسلام، أنه فعلا نطق الشهادتين وأنه سيعبد الله مخلصًا لله في العبودية. أعظم مظهر يظهر صدق الإنسان في التزامه بهذا الإسلام أنه لابد أن يصلي، ولم يعرف في عهد النبي صلى الله عليه وسلم أن هناك شخصًا دخل في الإسلام ولا يلتزم بأعمال الجوارح أصلًا، ما كان يقبل منه هذا. فترك جنس العمل بالكلية، ما يدل على أن الإنسان المسلم ترك ذلك بالكلية، هذا كفر. لكن أن يترك الإنسان بعض الأفراد وهو يقول: أنا أقر بذلك وألتزم، لكن قصر، فوقع في بعض الكبائر، قصر مثلًا في التفريط في بعض الواجبات، بعض الفرائض؛ لكن أن يكون يترك العمل بالإسلام بالكلية، لا، هذا لا يقبل.
كذلك من أعمال الجوارح الكفرية التي ينبغي أن تعرف: قتل نبي أو الإعانة على قتلهم ثم يقول هو إنه يعلم أن هذا الأمر حرام، لا لا يفيد هذا، حتى لو لم يستحل ذلك. دوس المصحف متعمدًا، يأتي إنسان إلى كتاب الله ويدوس هذا القرآن، ثم يقول: أنا أعلم، أعلم أن دوس المصحف متعمدًا حرام. طيب ماذا تصنع؟ يدوسه متعمدًا. نقول لا ينفعك أن تعتقد أن دوس المصحف متعمدًا حرام، لا ينفعك في أنك لم تقع في الكفر؛ هذا ناقض من نواقض الإسلام. أن يأتي الإنسان للأصنام.
يسجد للأصنام، ويأتي للقبور فيسجد عندها، ويسجد للموتى، ويذبح لهم، وينذر لهم، ثم يقول: لا، أنا لا أتعبد، هذه ليست عبودية. هذه عبادة، حتى لو يقول: لا، هذا ليس بشرك، هذه ليست عبادة. وهي عبادة، هذه عبادة لهم. هذا الذبح، هذا التقرب بالدم عبادة لهؤلاء الموتى.
هذا السجود، يأتي الإنسان يطوف حول القبر سبعة أشواط، ثم يقول: لا، لا، ليس تعبداً. طيب، ماذا تصنع بالسبع أشواط هذه؟ أنت تبحث عن فأر تريد تقتل فأراً، ولا أنت تطوف حول القبر؟ أنت تطوف بالقبر سبعة أشواط كما يطاف ببيت الله، فهذا تعبد، حتى لو لم تقل أنك تتعبد، ولو لم تقل أنك مشرك. لكن هذا الفعل عبادة صرفت لغير الله، والسجود للأصنام وإن لم يستحل ذلك.
وهكذا قال الله عز وجل: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: 32]. يعني تركوا الطاعة لله والرسول بالكلية، فإن الله لا يحب الكافرين. التولي عن طاعة الله وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم بالكلية هذا كفر في الدين الإسلامي. يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ﴾ [النور: 47]. هذا التولي والإعراض عن دين الله بالكلية، وإن قال بلسانه آمنا بالله وآمنا بالرسول لكنه يتولى بعد ذلك عن طاعة الله وطاعة الرسول بالكلية، قال الله عز وجل عنهم: ﴿وَمَا أُولَٰئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: 47]. ليسوا بمؤمنين.
يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّىٰ﴾ [القيامة: 31]. صدق هذا يتعلق بالقلب، ولا صلى هذا يتعلق بالجوارح، ولكن هذا يضاد التصديق وتولى هذا يضاد الصلاة. فترك الصلاة بالكلية فهذا كفر في ديننا الإسلامي. هذه نواقض الإيمان، لا بد أن نعرف أن هناك نواقض تتعلق بقول القلب، هناك نواقض تتعلق بعمل القلب، هناك نواقض تتعلق بقول اللسان، هناك نواقض تتعلق بأعمال الجوارح.
ينبغي للمسلم أن يتعلم حقيقة الإسلام وحقيقة الإيمان، ينبغي للمسلم أن يتعلم حقيقة الإيمان المطلوب منه شرعاً ومعرفة نواقضه، هذه من أهم الأمور؛ فهو تعلم لأصل دينه، وأعظم سبب لنيل محبة الله والفوز بجنته والنجاة من ناره. يا إخوان، تعلم حقيقة الإيمان المطلوب شرعاً وتعلم نواقض الإيمان هذا هو تعلم لأصل الدين؛ لأن بعض الناس يقول: لا داعي أن نعرف نواقض الإيمان، فقط نعرف أركان الإيمان ويكفي ذلك. لا، مثل ما أنت تتعلم الصلاة، تتعلم أركان الصلاة، تتعلم كذلك نواقض الصلاة، كذلك أنت تتعلم الحج وأركان الحج، كذلك تعلم مفسدات الحج، وهكذا تتعلم مفسدات الصيام، فكذلك هذا الإيمان يتعلمه الإنسان، يتعلم أركان الإيمان ويتعلم كذلك الأشياء التي تنقض إيمانه.
وينبغي للمسلم أن يحذر في نفسه من هذه النواقض، ويحذر غيره منها، لكن على وجه الإطلاق لا التعيين. يحذر المسلم في نفسه من النواقض ويحذر غيره منها، لكن هذا التحذير على وجه الإطلاق، يقول مثلاً: سب الله كفر، سب الإسلام كفر. يذكر هذه النواقض؛ الشرك، النفاق، التحاكم إلى غير شرع الله، هذه كلها نواقض، يذكرها على وجه الإطلاق ويحذر منها؛ يحذر منها في نفسه ويحذر غيره.
لكن إياك أن يكون هذا الفعل على وجه التعيين، ويأتي إلى شخص يقول: هذا كافر، هذا كافر، هذا مؤمن، هذا مسلم. لا، إنما يكون ذلك على وجه الإطلاق لا التعيين. ما السبب؟ لأنه التعيين قد يختلط على الشخص بعض الأمور، يختلط على الشخص بعض الأمور فيظنها من النواقض وهي ليست كذلك، فيقع الفرد في الغلو، فإذا كفر بها الأعيان فقد كفر بما ليس بمكفر، فكان من الخوارج عياذاً بالله.
نأخذ مثالاً: شخص سب الله، سمعته أنه سب الله واستهزأ بالله، قمت مباشرة قلت: هذا بعينه كافر، هذا كافر خارج عن ملة الإسلام، هذا الشخص المعين كافر. أنت أنزلت هذا الحكم عليه، وقد يكون هذا المعين إنما هو مجنون، قد يكون هذا المعين مريض مرضاً نفسياً، قد يكون هذا المعين ليس في وعي، وهكذا. فأنت تنزل هذا الحكم على هذا المعين، وقد يكون هذا المعين هو لا يستهزئ بالدين ولا يقصد دين الإسلام، يستهزئ بشعيرة من الشعائر، هو لا يظنها من شعائر الإسلام، يظنها من العادات، من عادات المسلمين وليست من شعائر أهل الإسلام. وهكذا فيقع الإنسان فيما وقع فيه الخوارج عندما كفروا بما ليس بمكفر.
من أعظم الأخطار التي تهدد المجتمع وتجعل بناءه هشاً ضعيفاً جهل المرأة بما تحتاج إليه من أمور دينها ودنياها وشؤون حياتها، فهي الساعد الآخر لبناء المجتمع. فالمرأة الجاهلة لا يمكنها القيام بتربية صحيحة أو إعانة أبنائها على التعلم والرقي، بل ربما أنشأتهم على أفكار خاطئة أو معتقدات فاسدة، وبالجهل تتبرج المرأة فتفتن نفسها وغيرها، وبالجهل تضيع المرأة حق زوجها وتنفره من البيت فيتفرق شمل الأسرة، وبالجهل وقعت كثير من النساء في الخرافات والسحر والشعوذة.
فالواجب على المرأة أن تحرص على طلب العلم وألا يمنعها الحياء من ذلك؛ فإنه لا حياء في طلب العلم، كما قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: نعم النساء نساء الأنصار لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين.
حياكم الله أيها الأحبة. أخذنا قبل الفاصل أنه ينبغي لنا أن نتعلم حقيقة الإيمان المطلوب منا شرعاً، ما هو هذا الإيمان المطلوب منا أن نقوم به؟ يتعلم الإنسان أركان الإيمان ويتعلم الإنسان النواقض التي تنقض عليه هذه الأركان. في تعلم الإنسان نواقض الإيمان، وقلنا إن هذا التعلم مهم؛ لأنه تعلم لأصل الدين وأعظم سبب لنيل محبة الله والفوز بجنته. وقلنا كذلك أنه يحذر المسلم في نفسه من هذه النواقض، يحذر في نفسه ويحذر غيره منها، لكن هذا على وجه الإطلاق لا التعيين.
السبب أنه قد يختلط عليه بعض المكفرات، مثال بعض الأشياء: مثلاً شرك المحبة، هذا من نواقض الإيمان، بعض الناس قد لا يعرف ما هي، أن المحبة المقصود بها محبة التأله. فمثلاً رأى شخصاً يتفرج على مباراة وجاء وقت الإقامة للصلاة ولم يقم إلى الصلاة، قال: هذا مشرك -يقصد الشرك الأكبر المخرج من الملة- والسبب أنه قدم محاب النفس على محاب الله فقد وقع في الشرك، وهذا يعتبر من المحرمات وليس هو الشرك المقصود؛ فقد يكفر الإنسان بما ليس بمكفر، لا يضبطه، لا يعرف ما هو ناقض الإيمان الحقيقي.
مثلاً شخص ذهب إلى القبور ويتعبد الله سبحانه وتعالى عند القبور، يأتي هذا الشخص يقول: فلان عبد الله عند القبور فهو وقع في الشرك الأكبر المخرج من ملة الإسلام، وهو لا، إنما هذا وقع في الشرك الأصغر، إنما هذا وقع في محرم، وقع في بدعة، وليس هو الشرك الأكبر. المقصود قد يختلط على الإنسان ما هو المكفر، ما هو الناقض الحقيقي، فيشتبه عليه؛ فلذلك هو يكتفي بالإطلاق، أما التعيين لا يستطيع هو أن يعين فينزل هذا الحكم حتى يكون من أهل العلم، يكون دارساً لهذا. المقصود أن التحذير من نواقض الإيمان يكون على وجه الإطلاق لا على وجه إنزالها على الأعيان.
أيضاً قد يكون هناك بعض الأعيان قد لا يستحق مثلاً هذا الكفر، فلا بد أن تقيم عليه الحجة. فعند التأكد من أن هذا المكفر هو المكفر الشرعي، وجدنا شخصاً يذبح عند القبر، يذبح ويريد التوسل بهذا الميت أن يدعو الله عز وجل له في أن يفرج همه ويفرج كربه، هذا الذبح مكفر شرعي، لكن هذا الشخص الذي ذبح -هذا المعين الذي ذبح لهذا القبر- هو وجد في بيئة كلهم يذبحون، وما وجد ولا عرف، يظن أن هذا من دين الإسلام، وجد في تلك البيئة وتلك البيئة هذا الشرك عندهم يعتبر قربة إلى الله سبحانه وتعالى، فيأتون إلى الموتى يتقربون إليهم بهذا. الذبح هو شرك أكبر من غير شك، لكن هذا المعين لا بد من إقامة الحجة عليه، السبب أن هناك جهلاً وصل بهم الأمر إلى هذه الدرجة، يفعلون شركيات يتعبدون لله سبحانه وتعالى بهذه الشركيات؛ فلابد من إقامة الحجة والبيان عليهم وإن كان هذا الأمر في التوحيد.
لكن هو التبس عليه الأمر، هو يقول: أنا ما أصلي له، ما أصوم له، ما أزكي له، ما أحج له، ما أذبح له كما يذبح لله، إنما أنا أقصد أن أكرم هؤلاء زوار القبور، إذاً هو لا يدري أن هذا الأمر إكرام له، هذا تعبد له وهذا تقرب له؛ أنه أسأل الدم ولا يأكل من هذا اللحم. المقصود لا بد من إقامة الحجة على هؤلاء، ولا بد في المعين من التأكد من توفر شروط الكفر فيهم وانتفاء الموانع، فمثل أن يكون عند هذا الشخص المعين عاقلاً منتفياً عنه الجنون، عالماً منتفياً عنه الجهل، قاصداً منتفياً عنه الإكراه، لا بد أن نقوم بهذا الأمر في المعين.
كذلك يا إخوان، القيام بالمحاكمة وإقامة الحجة لا بد فيها من التأكد من توفر الشروط وانتفاء الموانع، لكن هذا القيام بهذه المحاكمة ليس لكل شخص، ليس هذا الأمر مشاعاً لكل شخص يأتي إلى جاره، رأى أن هذا الجار لا يأتي المسجد ولا يصلي، فجلس معه، قال له: أنت لماذا لا تصلي؟ قال: أنا أعتقد أن الصلاة واجبة، لكن لا أرى أن تركها بالكلية كفر، وهكذا بدأ يناقش في هذه القضية، خرج هذا قال له: لا، ترك الصلاة بالكلية كفر، وخرج من عنده ثم يعلن كفر هذا الشخص. لا، ليست القيام بالمحاكمة وإقامة الحجة هذا أمر لكل شخص، لا، لا بد أن يقوم به علماء، أن يقوم به قضاة؛ لماذا؟ لأنه يترتب على إعلان هذا الحكم على هذا الشخص تترتب عليه أشياء عظيمة تتعلق بدمه، تتعلق بماله، تتعلق بعرضه، عنده زوجة وعنده أولاد وعنده مواريث وعنده قضايا كثيرة تتعلق بإصدار هذا الحكم، وتقوم أنت تنشر هذا الحكم بين الناس، لا يصلح هذا. إذا كنت في بلد إسلامي توجه إلى المحكمة بعد أن تشهد عليه شهود أن هذا الشخص لا يصلي وجلست معه يقول: لا أصلي بالكلية، فيؤتى به عند القاضي ويبدأ القاضي يقيم عليه أو يؤتى به عند العلماء، وهكذا يقومون ببيان هذا الأمر.
إذاً أيها الأحبة في الله، عرفنا حقيقة الدين الإسلامي أنه قول وعمل، وعرفنا حقيقة الكفر في الدين الإسلامي وأنه قول وعمل، ومررنا مروراً على نواقض الدين الإسلامي. ننتقل إلى موضوع يتعلق بخطورة التكفير بغير حق. الناس أيها الأحبة في موضوع التكفير انقسموا إلى قسمين: لا يكفر مطلقاً ولا يمكن أن يقول على معين بأنه كافر وطالما هذا المعين ينطق بالشهادتين خلاص ما في كفر، ما في كفر تماماً؛ فهذا غلو في ترك التكفير. التكفير مصطلح شرعي وهناك من ينزل عليه أعيان وأحكام الردة وهكذا، فإنه لا تكفير البتة، هذه إشكالية. وأن نكفر بغير حجة وبغير توفر شروط، هذا غلو، نحن نعاني من الأمرين، نعاني من جانب المرجئة ونعاني من جانب الخوارج، وإن كان خطر الخوارج أكبر وأعظم لما فيه من استحلال للدماء ونحو ذلك، لكن كذلك خطر الخوارج أكبر خطير وكبير لما فيه من إذهاب الدين بالكلية.
فنريد أن نشير إشارة سريعة -ونكملها إن شاء الله في اللقاء القادم- عن خطورة التكفير بغير حق. التكفير بغير حق ما معناه؟ أن تحكم بالكفر على معين ثبت إسلامه بيقين لكن تحكم عليه بالكفر وهو لا يستحق ذلك، لا يستحق ذلك، هذا بغير حق، هذه جريمة عظيمة. جريمة عظيمة ينبغي لنا في هذا الباب أن نضبط أنفسنا، نضبط أنفسنا، نذكر بعض الضوابط التي ينبغي لنا أن نستحضرها ونحن نتحدث في باب التكفير. الضابط الأول: أننا نلتزم في هذا الباب بالمعاني الشرعية لا المعاني اللغوية، نلتزم في هذا الباب بالمعاني الشرعية للإسلام والإيمان والكفر، الإسلام والإيمان والإحسان وما يضاد ذلك من الشرك والكفر والنفاق، نلتزم فيها بالمعاني الشرعية لا المعاني اللغوية، هذا أمر؛ لأنه أيها الأحبة الذين التزموا بالمعاني اللغوية هم الذين ضلوا في هذا الباب. مثال: الإيمان في اللغة هو التصديق، فقالوا طالما الإيمان في اللغة هو التصديق، إذاً نحن نطالب بالإيمان في اللغة وهو التصديق، فكل من صدق بقلبه ولم يعمل بقلبه ولم يقل ذلك بلسانه ولم يعمل بجوارحه فهو مؤمن، فهذا غلو.
أنا أفضل أن هذه المسائل نتدارسها في اللقاء القادم لضيق الوقت، ونقف فقط عند موضوع التكفير بغير حق ما معناه؟ معناه الحكم بالكفر على من ثبت إسلامه بيقين بغير حق. هذا نقف عند هذا، ثم بإذن الله في المحاضرة القادمة نتحدث عن خطورة هذا، ونتحدث عن بعض الأمور التي تضبطنا وتضبط مسارنا من أن لا ننحرف في مسائل الأسماء والأحكام ونحفظ أنفسنا في مسائل الإيمان والكفر من الانحراف سواء إلى طريق الإرجاء أو إلى طريق الخوارج.
الكلام للمحاضرة القادمة بمشيئة الله، واستودعكم الله، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وجزاكم الله خيراً.
د. أبو زيد مكي القبي