حياكم الله طلاب العلم الشرعي في المحاضرة السابعة من محاضرات مادة العقيدة في المستوى الرابع في أكاديمية زاد. هذه المحاضرة والمحاضرة الثامنة ما زالتا استكمالًا لموضوعات ضوابط التكفير. تحدثنا في الحلقتين السابقتين عن حقيقة الإيمان عند أهل السنة والجماعة، وعن حقيقة الكفر عندهم كذلك.
اليوم سنتحدث عن ضوابط التكفير، لكن أود قبل الدخول في الحديث عن ضوابط التكفير أن أذكر نفسي وإياكم بهذا الحديث، أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن فضالة بن عبيد رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أخبركم بالمؤمن؟ من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم، والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله، والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب».
نحن نتحدث عن مسائل الأسماء والأحكام، أسماء مراتب الدين الإسلامي: الإسلام، الإيمان، الإحسان، وما يضاد ذلك من الكفر والشرك والنفاق. اليوم نحن عندنا هذا الحديث فيه مفاجأة بالنسبة لنا. المؤمن نحن تعلمنا أن المؤمن من آمن بالله وملائكته وكتبه، فالإيمان أن تؤمن بالله وملائكته، والمسلم من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة. والمجاهد نعرف الجهاد في سبيل الله، هو أن يقاتل الإنسان في سبيل الله لرفع راية لا إله إلا الله، يجاهد الإنسان أعداء الإسلام حتى ينشر دين الإسلام، والهجرة هي الانتقال من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام.
هذا الذي نعرفه ونحكم على هذا الجهاد وهذا المجاهد، وهذه الهجرة وهذا المهاجر. هنا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ألا أخبركم بالمؤمن؟ الانتظار أن يقال: من آمن بالله، قال: من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم. المسلم من سلم الناس من لسانه ويده، المجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله، المهاجر من هجر الخطايا والذنوب.
أولاً أيها الأحبة في الله، أود أن أركز على موضوع قد تحدثنا عنه من قبل، وهو موضوع المؤمن، المسلم، المجاهد، المهاجر، الإيمان والإسلام. المطلوب فيها أن نلتزم بالحقائق الشرعية لا الحقائق اللغوية، فالإيمان أن تؤمن بالله وملائكته، والإيمان بضع وسبعون شعبة، وهكذا نلتزم في هذه الأسماء الشرعية نلتزم بحقائقها الشرعية لا بحقائقها اللغوية. هذه قاعدة يجب أن تكون منضبطة عندنا.
وفي هذا الحديث النبي صلى الله عليه وسلم لم يغير حقائقه الشرعية، الحقيقة الشرعية موجودة، لكن نبينا صلى الله عليه وسلم يبين لنا أن من دخلت في هذه الحقيقة الشرعية، يعني آمن على الوجه المطلوب منه شرعاً، أسلم على الوجه المطلوب منه شرعاً، جاهد على الوجه المطلوب منه شرعاً، هاجر على الوجه المطلوب منه شرعاً، ما حقيقة أو ما هي العلامة الدالة على كمال هذه الحقيقة الشرعية في نفس ذلك الشخص؟ فالعلامة الدالة هي كذا وكذا. فالنبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث يبين لنا أن حقيقة المؤمن، يعني من اكتملت فيه الحقيقة الشرعية للإيمان، أعطانا علامات تدل على ذلك.
ما هي العلامات التي تدل على كمال الحقيقة الشرعية الواجبة للإيمان والإسلام والجهاد والهجرة في نفس ذلك الشخص الذي حُكم له بأنه مؤمن، بأنه مسلم، بأنه مجاهد، بأنه مهاجر؟ أعطانا النبي صلى الله عليه وسلم العلامات الدالة على توفر تلك الحقيقة في ذلك الشخص حتى يُحكم عليه بهذا. لو لاحظنا يا إخوان أن تلك الحقائق وتلك العلامات كلها معتمدة على العمل، قول القلب وعمل القلب موجود لكن الاعتماد ليس عليه لأن هذا أمر باطل، لكن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث ركز على الأمور الظاهرة التي نحن نحكم بها على الناس.
نحن نحكم على الناس بظواهرهم لا ببواطنهم. الذي يكون مؤمناً، ونحن ما الذي يدرينا أنه مؤمن؟ الذي يدرينا أنه مؤمن حقيقة، وأن الحقيقة الشرعية الواجبة للإيمان مكتملة فيه، أن يظهر عليه هذا العمل. ما الذي يدري أن هذا مسلم؟ وأن الحقيقة الشرعية للإسلام مكتملة؟ الحقيقة الشرعية الواجبة للإسلام مكتملة فيه، علامتها كذا وكذا. هكذا فالنبي صلى الله عليه وسلم يبين لنا العلامات الدالة على اكتمال الحقائق الشرعية للأسماء الإسلام، الجهاد، الهجرة في نفس ذلك الشخص حتى حكمنا له بأنه مؤمن، مسلم، مجاهد، مهاجر.
بالنسبة للمؤمن قال النبي صلى الله عليه وسلم: من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم، المسلم من سلم الناس من لسانه ويده. تأملوا الآن، الإيمان والإسلام علامة كمال الحقيقة الواجبة الشرعية لهذه الأمور أن تظهر على هذا الشخص بالنسبة للمجتمع. المؤمن بالله وباليوم الآخر وبالملائكة وبالقضاء والقدر، إيمانه الحقيقي الدال العلامة الدالة على إيمانه الحقيقي بالله وباليوم الآخر أن يظهر إيمانه أماناً على المجتمع، أن يظهر إيمانه أماناً على جيرانه، على أقاربه، على من حوله؛ لأنهم عرفوا أن هذا مؤمن بالله واليوم الآخر. فبما أنه مؤمن بالله واليوم الآخر نحن نأمنه على أموالنا وأنفسنا، إذا أمن الجيران على أموالهم وأنفسهم منك فاعلم أنك مؤمن حقيقة، مؤمن بالله وباليوم الآخر.
أما إذا كان جيرانك وأقاربك المسلمون حولك الناس من حولك لا يأمنونك، لا يخافون منك أن تغدر بهم، أن بأموالهم وأنفسهم، أنك لم تتبع المطلوب شرعاً، «والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن». قيل: من يا رسول الله؟ قال: «من لا يأمن جاره بوائقه». الذي جيرانه يخافون منه أن يفجر فيهم، أن ينتهك أعراضهم، أن ينتهك أموالهم، لا يأمنون على أموالهم أنفسهم، يمكن يقول عنهم أنهم كفار، أنهم كذا وهم من أهل الإيمان من أهل الإسلام، اعلم أن هذا حقيقة الإيمان الشرع، الحقيقة الشرعية الواجبة للإيمان لم تكتمل فيه، ولذلك الناس يخافونهم.
كذلك الذي لسانه قد أطلقه على الناس يكفر هذا، يلعن هذا، يسب هذا، هذا ليس بصحيح. إذاً علامة اكتمال الحقيقة الشرعية الواجبة للإسلام في نفس هذا الشخص أن تظهر سلامة في المجتمع، أن يسلم الناس حولك من لسانك ومن يدك.
ناخذ فاصلاً ونعود نوضح هذه الفكرة بشكل تفصيلي.
حياكم الله أيها الأحبة، قلنا في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «المؤمن من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم، المسلم من سلم الناس من لسانه ويده، المجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله، المهاجر من هجر الذنوب والخطايا». قلنا أننا في هذه المسائل، مسائل الأسماء والأحكام: الإسلام، الإيمان، الجهاد، الهجرة وما يضاد ذلك، نلتزم بالمعاني الشرعية لا المعاني اللغوية، وأن أكبر سبب لضلال الفرق في مسائل الأسماء والأحكام أنهم يلتزمون بالمعاني اللغوية دون المعاني الشرعية، وهذا خطأ وهذا انحراف.
الأمر الثاني أننا في هذا الحديث اهتم النبي صلى الله عليه وسلم ببيان العلامات الدالة على اكتمال الحقيقة الواجبة لتلك الحقائق الشرعية. نحن نعرف الإيمان، طيب هذا الشخص يقول إنه مؤمن ما الدليل على كونه مؤمن؟ هذا الشخص يقول إنه مسلم ما الدليل على كونه مسلماً؟ هذا الشخص يقول إنه مجاهد ما الدليل على كونه مجاهداً؟ هذا الشخص يقول إنه مهاجر ما الدليل على كونه مهاجراً؟ النبي صلى الله عليه وسلم بين لنا تلك العلامات الدالة على اكتمال الحقيقة الواجبة.
والعلامات لاحظوا أظهرها على المجتمع وعلى الفرد نفسه؛ على المجتمع بالنسبة للمؤمن المسلم تخرج أماناً على المجتمع وسلاماً على المجتمع. فهذا الذي يؤمن بالله وباليوم الآخر، أن الله يراك، وأن هناك يوماً للحساب والجزاء، وأن هناك ملائكة، وأن هناك رسلاً بلغوا، الذي يؤمن بالله وباليوم الآخر هذا الإنسان سيراقب ربه جل جلاله في تعامله مع مجتمعه، فسيخرج هذا الإيمان أماناً، فإذا أمنك الناس على أموالهم وأنفسهم فافرح بنعمة الله عليك أنك إنسان مؤمن، اكتملت فيك حقيقة الإيمان الواجبة شرعاً، وإذا الناس سلموا من لسانك ومن يدك فأنت مسلم اكتملت فيك هذه الحقيقة الشرعية.
لاحظوا يا إخوان، هذا الشخص الذي يظهر التزامه بالإسلام، ملتزم بالدين الإسلامي، يصلي ويصوم وهكذا، ملتزم بالدين وأنه مؤمن بالله وباليوم الآخر وأرجو ثواب الله، ثم هذا الإنسان جيرانه أقاربه مجتمعه يخافون منه أن يضر بهم، أن يهلكهم، لا يأمنونه على أموالهم ولا على أنفسهم، أنه ممكن يفجر في حيهم يفجر في عمارتهم، هذا الإنسان ليس بمؤمن حقيقة وإن زعم أنه مؤمن، هذا الإنسان مؤمن ناقص الإيمان المسلم لكنه ليس ذلك المؤمن الذي اكتملت فيه الحقيقة الشرعية.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن». قيل: من يا رسول الله؟ قال: «من لا يأمن جاره بوائقه»، أي غوائله أي خيانته، هذا ما هو بمؤمن، وكذلك المسلم إذا كان الناس حولك لا يسلمون من لسانك ولا يسلمون من يدك وتزعم أنك مسلم على الحقيقة فهذا غير صحيح، هذا غير صحيح. المسلم الذي يُحكم له بأنه مسلم، وأن حقيقة الإسلام الشرعية الواجبة مكتملة فيه، أن يخرج إسلامه، أن يظهر إسلامه سلامة في مجتمعه.
ثم لاحظوا أيضاً يا إخوان بالنسبة للمجاهد، المجاهد هو يقول أنا أريد بجهادي أن أعبد الناس لله سبحانه وتعالى وأن يجعلهم موحدين لله، وأن يخرجهم من الظلمات إلى النور، هذا هو الهدف من الجهاد. طيب إذا كان هذا الإنسان لا يجاهد نفسه في طاعة الله، لا يلتزم بشريعة الله سبحانه وتعالى في فريضة الجهاد، لا يلتزم بهذه الشريعة، لا يلتزم بالواجب عليه شرعاً في موضوع الجهاد والقتال في سبيل الله، ثم يقول إنه يجاهد في سبيل الله، هذا غير صحيح، هذا لم يأتِ بالحقيقة الشرعية الواجبة للجهاد.
كذلك الهجرة، هو لماذا هاجر؟ انتقل من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام من أجل ماذا؟ من أجل أن أطيع الله وأعبد الله، وإذا به يهاجر بذنوبه ومعاصيه ويستمر على ما هو عليه من الفسق، هذا ليس بمهاجر، فانتبهوا لهذه القضية يا إخوان، فلاحظوا أن علامة اكتمال الحقيقة الواجبة للجهاد والهجرة على الفرد، وعلامة اكتمال الحقيقة الواجبة للإيمان والإسلام كانت على المجتمع.
أيها الأحبة في الله، بالنسبة للتكفير، تكفير معناه الحكم على مسلم دخل في الإسلام، الحكم على هذا المسلم بأنه لسبب من الأسباب المقتضية لذلك. نحن درسنا نواقض الإسلام، فهذا المسلم ارتكب ناقضاً من نواقض الإسلام وأقيمت عليه الحجة ثم حُكم عليه أهل العلم بأنه قد كفر، هذا التكفير هذا مطلب شرعي، هذا معروف في الشرع، نحن لسنا ضد هذا التكفير الذي هو الحكم على مسلم بالكفر بضوابطه وبالأسباب المقتضية لذلك، هذه عبادة يتقرب بها إلى الله سبحانه وتعالى.
إنما الممنوع هو التكفير بغير حق، هو الغلو في التكفير، هو الإفراط في التكفير، وإخراج مسلم من الإسلام بدون دليل صحيح واضح وبدون الالتزام بالضوابط الشرعية في التكفير، هذا اسمه إفراط في التكفير، هذا غلو في التكفير، هذا هو التكفير الذي يُحارب. أما أن نلغي التكفير، التكفير عبادة شرعية هذا مفهوم وهذا انحراف، وفي أيضاً تفريط في موضوع التكفير، وانحراف والغلو في التكفير انحراف، وأما التكفير بالحق فهذا ثابت.
الذي نريد أن نتحدث عنه في هذه الحلقة التكفير بغير حق، إخراج مسلم ثبت إسلامه بيقين فيخرجه من غير يقين من غير دليل صحيح، هذا يسمى غلو في التكفير. أريد منكم أن تتأملوا الأحاديث الموجودة معكم في المذكرة وهي أحاديث عجيبة جداً، قال في أحد تلك الأحاديث التي عندكم، قال صلى الله عليه وسلم: «أيما رجل قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما» متفق عليه. إذا خرجت هذه الكلمة التكفير في وجه مسلم وقال هذا الشخص لأخيه، نلاحظ كلمة لأخيه، لأخيه معناه أنه مسلم وأنه غير مستحق لهذا التكفير، فخرجت هذه الكلمة يا كافر، هذه لا بد أن تصيب أحد هذين الطرفين، فإما أن يكون ذلك.
يستحق أن يأتي بنواقض من نواقض الإيمان ومن نواقض الإسلام وثبت عليه ذلك، وهو مصر على هذا الأمر، هذا مستحق لهذا التكفير. أما إذا لم يستحق فقد باء بها أحدهما؛ يعني رجعت للآخر.
في الحديث الآخر يقول صلى الله عليه وسلم: «لا يرمي رجلٌ رجلاً بالفسوق ولا يرميه بالكفر إلا ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك»، أخرجه البخاري. نأتي يا إخوان كلمة كافر إذا أطلقها الإنسان المكفِّر؛ هذا قال للشخص للمسلم قال له كافر، وهو مستحق لذلك وفق الضابطة الشرعية وكان من أهل العلم، وذلك مستحق فهو كذلك، انتهى الموضوع.
لكن إذا كان غير مستحق لذلك ما الذي يحدث؟ إذا كان هذا الشخص لا يستحق هذا التكفير ما الذي يحدث؟ ترتد كلمة التكفير عليهم. وهنا عندنا عدة احتمالات: إما أن يكون ذلك الذي يقول كافر كافر لإخوانه المسلمين يكون مستحلاً لتكفير المسلمين. هذا الذي يستحل تكفير المسلمين ويرى أنهم في تمسكهم بالإسلام الذي هو هم عليه الآن، في تمسكهم بهذا الإسلام، هو يكفر به ويرى أن بذلك الإسلام كفر، إذاً هو على غير هذا، وهو الذي وقع في الكفر وهو الذي يعتبر كافر.
ما أوثق العلاقة بين العلم والعمل! العلم شجرة والعمل ثمرة، والعلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «القرآن حجة لك أو عليك»؛ أي تنتفع به إن تلوته وعملت به وإلا فهو حجة عليك. وإنما يراد العلم لأجل العمل، قال أبو الدرداء: لا تكونوا بالعلم عالماً حتى تكونوا به عاملين. وقد ذم الله تعالى من لا يعملون بالعلم فقال: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 44].
وقال صلى الله عليه وسلم: «مثل العالم الذي يعلم الناس الخير وينسى نفسه كمثل السراج يضيء للناس ويحرق نفسه». والعلم النافع يورث خشية الله، قال ابن مسعود: ليس العلم بكثرة الرواية ولكن العلم الخشية، والخشية تنير العقل، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: 282]؛ أي أن التقوى وسيلة إلى حصول العلم. فمن صدق العلم بالعمل كان قدوة للمتعلمين، ومن خالف فعله قولَه كان من الممقوتين، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: 2-3].
حياكم الله أيها الأحبة مرة أخرى. قلنا: إذا خرجت كلمة "يا كافر" على مستحق للتكفير، عقل الكفر وتوفرت الشروط وانتفت الموانع، فهو كذلك. لكن إذا كان غير مستحق عندنا عدة حالات: الحالة الأولى أن الذي يطلق هذا التكفير على هؤلاء الأشخاص المتمسكين بالإسلام هو يراهم في تمسكهم بهذا الإسلام كفرة، إذاً هذا الإسلام الذي هم يتمسكون به هو ليس عليه، هو لا يرى أن تمسكهم بهذا الإسلام كفر، إذاً هو على غير هذا الإسلام الذي هم متمسكون به. فلا بد إما أن يكون ذلك مستحقاً فصار أولئك كفرة، أو يكونوا غير مستحقين، إذاً أنت تكفرهم في تمسكهم بذلك الإسلام. فإذا كان تمسكهم بالإسلام ذلك والاسلام ذلك هو الحق، كانوا على الحق وكانوا على الإسلام الصحيح، وكفرتَ أنتَ على تمسكهم بذلك الإسلام فقد ارتد هذا التكفير عليه، فيكون هذا الشخص هو فعلاً كافر لكونه متمسكاً بغير ملة الإسلام التي تمسك بها أهل الإسلام، مثل بعض الفرق الطائفة الباطنية تكفر أهل السنة والجماعة في تمسكهم بما هم عليه من إسلام، لماذا؟ لأنهم أصلاً هم كفرة بهذا الإسلام، فيعود التكفير.
بمعنى آخر: عندما أنت تكفر مسلماً لتمسكه بالإسلام وأنت متمسك بذلك الإسلام الذي هم متمسكون به، وأنت تقول عنهم كفرة وهم غير مستحقين لذلك، إذاً أنت ترى نفسك أنك كافر لكونك أنت متمسك بالإسلام الذي هم متمسكون به؛ فهذا يعني كأنه يقول هو مثلك، فأنت عندما تكفره وتراه كافراً فأنت تكفر نفسك كذلك. أمر يعني معناه أن هذا من أفعال الكفار؛ الكفار يكفرون المسلمين لكونهم خالفوهم في دينهم في معتقداتهم فيعتبرونهم كفاراً، فأنت عندما تفعل ذلك أنت تفعل فعل الكفار. معنى آخر أن هذا الأمر يؤول بصاحبه إلى الكفر والعياذ بالله، الذي دائماً يقول عن أهل الإسلام إنهم كفار كفار كفار، هذا سيؤول بصاحبه للوقوع في الكفر، لأنه سيخالفهم في الأخير في تمسكهم بهذا الإسلام.
نأخذ حديثاً آخر يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «من لعن مؤمناً فهو كقتله، ومن قذف مؤمناً بكفر فهو كقتله». هنا يعني قذف مؤمناً؛ يعني غير مستحق لأنه مؤمن، وقال عنه كافر وهو مؤمن ليس من الكفار، هذا القذف بس يقول عنه كافر، يقول لإخوانه المؤمنين إنهم كفار وهم ليسوا كذلك، ما جريمتها؟ ما بشاعة هذه الكلمة التي تخرج من لسان هذا الشخص؟ بشاعتها وحكمها وجريمتها وشناعتها عند الله سبحانه وتعالى كشناعة القتل بغير حق، قال الله عز وجل: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 93].
توعد الله عز وجل قاتل النفس متعمداً بجهنم يطول فيها، يمكث فيها مكثاً طويلاً خالداً فيها، والله عز وجل يغضب عليه، والله سبحانه وتعالى يلعنه، والله عز وجل قد أعد له عذاباً عظيماً. فهذا الذي يقول عن المؤمن المسلم إنه كافر، عقوبة ذلك كعقوبة هذا، والسبب أن هذا الأمر سيؤدي إلى الاعتداء عليه؛ يعني هذه مقدمة عندما يقول الإنسان عن مسلم إنه مرتد عن دين الله ويحكم عليه بالكفر، هذه المقدمة للاستحلال دمه فيما بعد. ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم يبين خطورة هذا الأمر، ويجب أن يكف الإنسان ويغلق الإنسان هذا لأنه سيؤدي إلى القتل، سيؤدي إلى استحلال الدماء، وهذه مصيبة، فعقوبة هذه الكلمة مقدماً أنها مثل عقوبة القتل، وهذا يدل على أن هذا الباب باب خطير. التكفير بغير حق باب خطير، وفيه مخاطر لتكفير معين مسلم مؤمن يقول عنه الإنسان إنه كافر، هذا فيه مخاطر معناه أن هذا الشخص دمه حلال بعد عصمته.
قال صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله عصم مني دمه وماله إلا بحقه وحسابه على الله عز وجل». إذا هذا الإنسان كأنه ارتد هو حكم عليه بالارتداد، إذاً صار دمه غير معصوم، أيضاً يتعلق بذلك أن ذبيحته غير حلال لأنه مرتد، فلو ذبح ذبيحته لا تحل، انظر آثار هذا التكفير على الأسرة، ولايته على أولاده وأهله تنتفي، زوجته تحرم عليه، التوارث بينه وبين مورثيه ينقطع، مصيبة هذه! بعد مماته يحرم من الصلاة عليه إذا مات، لا يدفن في مقابر المسلمين، لا يدعى له بالمغفرة والرحمة، إذاً فيها مخاطر عجيبة، مخاطر تكفير المعين بغير حق على المعين وعلى أسرته عليه بعد مماته، فينبغي أن ينتبه لهذا الأمر لكونه شنيع وخطير عند الله سبحانه وتعالى.
نبدأ أيها الأحبة نذكر بعض ضوابط التكفير. الضابط الأول: أن التكفير حكم شرعي وحق خالص لله سبحانه وتعالى، لا مدخل فيه للآراء ولا للأهواء ولا للأذواق ولا المواجيد ولا الهواتف، إنما مرده إلى الله وإلى رسوله، إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: فإن الكفر والفسق أحكام شرعية، ليس ذلك من الأحكام التي يستقل بها العقل، فالكافر من جعله الله ورسوله كافراً، والفاسق من جعله الله ورسوله فاسقاً، كما أن المؤمن والمسلم من جعله الله ورسوله مؤمناً ومسلماً. هذا دائماً نكرره، نقول نلتزم في هذا الباب بالمعاني الشرعية، نلتزم في هذا الباب بما ثبت في الكتاب والسنة، هذا الأمر ليس خاضعاً للآراء والعقول والعادات، إنما نلتزم فيه بالنصوص الشرعية.
الضابط الثاني: أن الأصل في من قال لا إله إلا الله، وكان عالماً بمعناها ملتزم العمل بمقتضاها، يقول: لا إله إلا الله، أي لا أعبد إلا الله، ثم قال وأشهد أن محمداً رسول الله، فاعبد الله بما جاء به رسوله في جميع مناحي الحياة امتثل لذلك، هذا ثبت له الإسلام بيقين، فمن ثبت إسلامه بيقين فلا يرتفع عنه هذا الإسلام إلا بيقين، لا ينزع منه، لا يقال عنه كافر إلا بيقين، واليقين أن يكون ذلك المكفِّر ثابت شرعاً، وأن يكون المكفِّر له قد استوفى شروط التكفير وتأكد من الخروج من مانع التكفير وكان من أهل العلم، فهذا الذي يمكن أن يرفع له.
الضابط الثالث: أن لنا في هذه المسائل بالظاهر، أما السرائر فموكلة إلى الله سبحانه وتعالى. فلا يقول الإنسان عن هذا: لا هذا منافق، طالما هو أعلن الشهادتين وأنه يمتثل تعاليم الإسلام، يصلي ويصوم، يترك الشرك، يطيع الله ويبتعد عن المعاصي، وقال امتثل لذلك، هذا دخل في الإسلام، هذا لنا بالظاهر. ففي الحديث المتفق عليه قال أسامة بن زيد رضي الله عنه: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحرقات من جهينة، فصبحنا القوم فهزمناهم، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلاً منهم، فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله. ظن أسامة بن زيد أنه قالها تعوذاً من السيف، فكف الأنصاري عنه فطعنته برمحي حتى قتلته، فلما قدمنا بلغ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الأمر، فقال يا أسامة: أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله؟ قلت: كان متعوذاً، فما زال النبي صلى الله عليه وسلم يكررها: أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله؟ أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟ يقول: حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم؛ يعني يريد أن الإسلام يجب ما قبله، فرأى أنه بفعل ذلك قد ارتكب أمراً عظيماً وخاف منه.
الأمر الرابع: الواجب علينا في هذا الباب التثبت قبل إصدار الحكم على أحد بالكفر، يعني ما يصلح قال الناس كذلك، قال الناس إنه كفرة، قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: 6].
الأمر الخامس: وهذا دائماً نكرره، لا ينبغي أن يصدر الحكم بالكفر إلا من عالم بشروط التكفير عالم بانتفاء موانع التكفير. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجنبنا الإفراط والتفريط في موضوع التكفير، وأن يجعلنا من أهل السنة والجماعة، من أهل الاعتدال في هذا وفي غيره من الأبواب، وبمشيئة الله نستكمل في الحلقة القادمة الكلام عن شروط التكفير وموانع التكفير، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وجزاه الله خيراً.
د. أبو زيد مكي القبي