الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم إنا نسألك علماً نافعاً وعملاً صالحاً وقلباً خاشعاً ولساناً ذاكراً. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، واجعله حجة لنا ولا تجعله حجة علينا يا رب العالمين.
في هذه المحاضرة الثامنة من محاضرات مادة العقيدة في المستوى الرابع بأكاديمية زاد، سنأخذ بمشيئة الله الكلام عن شروط التكفير وموانع التكفير. وقبل أن ندخل في هذه المسائل، أحب أن أذكر نفسي وإياكم بهذا الحديث عن رسول الله ﷺ الذي أخرجه الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله يرضى لكم ثلاثاً، ويكره لكم ثلاثاً: يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً».
هكذا تكون علاقتنا بالله؛ علاقة عبودية خالصة قائمة على الحب والخوف والرجاء، وأن نعبد الله بما شرع في جميع مناحي الحياة. «وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا»، هذه علاقتنا بمجتمعنا الإسلامي، أن نعتصم نحن وهم؛ كما هذه الساعة ملتفة حول المعصم، نحن نعتصم حول دين الله، وحول كتاب الله وسنة النبي ﷺ، نعتصم حول الدين ونتمسك به ونلتف ولا نتفرق. لا نفارق كما فعلت الخوارج؛ فارقت أهل الإسلام ورأتهم كفاراً وخرجوا عليهم بالسلاح، لا تفعلوا ذلك، لا تخرجوا على هذا المجتمع الإسلامي بهذا السلاح كما فعلت الخوارج، لا تفرقوا؛ لا تأتوا بأسباب التفرق في الدين بالابتداع، لا تبتدعوا في هذا الدين، لا تأخذوا ببعض هذا الدين؛ فتفرقوا الدين بأخذ بعضه وترك بعضه فيحدث هذا الافتراق.
فهذا أمر لنا بالاجتماع حول هذا الدين وعدم التفرق عنه. التفرق إما بأن يرى أن أهل الإسلام كفار فيخرج عن هذا المجتمع ثم يعود محارباً له، أو يرتد والعياذ بالله فيخرج بالدين فيفارق دينهم ويرتد عن دين الإسلام، أو يأتي بأسباب التفرق من الابتداع أو الأخذ ببعض هذا الدين وترك بعضه فيحدث هذا التفرق. فالنبي ﷺ يأمرنا بالاجتماع والأخذ بأسباب التآلف والبعد عن أسباب الاختلاف. وفي المسند وفي موطأ الإمام مالك: «وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم»، هذا الأمر الثالث، تناصحوا من ولاه الله أمركم. ما علاقتنا بولاة الأمر؟ أهل الإسلام علاقتنا مع ولاة أمرنا المسلمين ونحن في بلاد الإسلام؛ علاقتنا علاقة نصيحة، النصيحة بأداء ما لهم، النصيحة ببيان ما عليهم.
قال ﷺ: «يكره لكم»، أي الله: «قيل وقال»، هذا اللسان يعمله الإنسان في نشر الإشاعات في أوساط المجتمع الإسلامي، «وكثرة السؤال»، يتعلق قلبه بالمخلوقين بما في أيديهم فيكثر سؤالهم عما في أيديهم، «وإضاعة المال»، يأتي الإنسان ويضيع ماله. هذا الحديث العجيب يعلمنا فيه النبي ﷺ صنعة العلاقات مع الله ومع المجتمع ومع ولاة الأمر، ويعلمنا فيه مهارات التعامل مع قلوبنا مع أموالنا.
بالنسبة للتكفير، تذكرون في آخر شيء ذكرناه في المحاضرة الماضية أنه لا ينبغي أن نصدر الحكم بالكفر إلا عالم بشروط التكفير، عالم بموانع التكفير. قال ابن تيمية رحمه الله: القول قد يكون كفراً، القول سواء قول القلب أو قول اللسان أو عمل الجوارح، القول أو الفعل قد يكون كفراً، ويطلق القول بتكفير صاحبه، فيقال: من قال كذا فهو كافر، من عمل كذا فهو كافر، ويقال من قال كذا فهو لا... لكن الشخص المعين الذي قاله لا يحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة.
مثال: الشرك بالله كفر، ترك الصلاة بالكلية كفر، التوجه لصاحب قبر بطلب النفع أو دفع الضر ونحوه كفر. ويقال على وجه الإطلاق: الشرك بالله كفر، ترك الصلاة بالكلية كفر، من قال كذا وفعل كذا فهو كافر، من استحل كذا مما هو معلوم من الدين بالضرورة فهو كافر. هذا القول وهذا الفعل كفر، لكن المعين لا يحكم عليه بالكفر حتى تتوافر شروط وتنتفي موانع؛ فقد لا يحكم عليه بالكفر لوجود مانع به من جهل أو خطأ أو تأويل أو إكراه أو نحو ذلك.
ضوابط التكفير: نلخص ما ذكرنا في الحلقة الماضية: ثبوت المكفر بالشرع، كل من ثبت إسلامه بيقين لا يرتفع عنه هذا الإسلام إلا بيقين؛ لأن الظاهر، أما السرائر فموكولة إلى الله سبحانه وتعالى. الواجب التثبت قبل إصدار الحكم على أحد بالكفر، وأنه يصدر الحكم بالكفر عالم بشروط التكفير، عالم بموانع التكفير.
من شروط التكفير: ثبوت أن هذا القول أو هذا الفعل أو هذا الترك كفر بمقتضى دلالة الكتاب أو السنة. ما المشكلة يا إخوان؟ أن بعض الناس لا يعرف أن هذه المقالة مثلاً هي كفر، هو يعرف أن الشرك كفر، ثم يأتي بعد ذلك إلى شخص ذهب إلى القبور وعبد الله سبحانه وتعالى عند القبور يظن أن هذه البقعة مباركة وهي سبب لقبول عبادته من صلاة من دعاء من قراءة القرآن، قال هذا الشخص: هذا الفعل كفر أكبر، وهو ليس بشرك أكبر، هذا شرك أصغر، هذا بدعة، هذا أمر محرم، فتختلط على بعض الناس هذه الأقوال أو هذه الأفعال أو هذه التركات، تختلط عليه بينما هو كفر، وما هو شرك، وما هو شرك أصغر، ما هو كفر أصغر، ما هو بدعة، وقد يختلط عليه المكفر بشيء أصلاً ليس بمكفر، ليس بذنب أصلاً.
فلذلك من أبرز شروط التكفير أن يتأكد الإنسان أن هذا القول أو هذا الفعل أو هذا الترك كفر بمقتضى دلالة الكتاب والسنة، وهذا الأمر يا إخوان في غاية الخطورة، كثير من الناس يكفر بما ليس بمكفر، يشابه الخوارج بل هذه أفعال الخوارج، فهذه مصيبة. مثال وقد يكون ذكرته في المستوى السابق، يأتي شخص إلى الناس يلعبون الكرة، فشخص ضرب آخر فكسر ساقه، معروف الحكم الشرعي في ذلك، وإذا به يأخذ كارت أحمر، قد يأخذ كارت أصفر، قد يأخذ فاول بس، هل هذا هو الحكم الشرعي؟ فيأتي شخص ويقول: هؤلاء يحكمون بغير ما أنزل الله، وهؤلاء يتحاكمون، وهؤلاء كفار لكونهم لا يرجعون في هذه المسائل في هذا لا يرجعون في التحاكم إلى الله سبحانه وتعالى.
والصحيح أن هذه قوانين اللعبة، لكن إذا كان هذا الشخص ذاك ضربه متعمداً يذهب إلى المحكمة يشتكيه ويتحاكم معه إلى الحكم الشرعي، لكن هذه لعبة مبنية في الأصل على التسامح، وهذه اللعبة لها حكم معين. مثل ما ذكرنا لكم أظن في المستوى السابق، ناس وضعوا مستطيلاً ثم بينه خط، ثم شخص يجري يدخل الخط هذا يلمس واحداً ويعود، هذا الحكم إذا لمسه ثم عاد هذا يعتبر ميتاً فيخرج من اللعبة، هذه أحكام لعبة، هذه قوانين لعبة، هذه جائزة هذه الأمور، لكن قد يأتي شخص تظهر مثل هذه الأمور ويكفر بها.
المقصود قال الله عز وجل: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 33]. فمن قال إن هذا الأمر، هذا القول، هذا الفعل، هذا الترك كفر، لم يثبت في الكتاب والسنة، هذا قد قال على الله عز وجل بغير علم.
الضابط الثاني أو الشرط الثاني من شروط التكفير: الشرط الأول قلنا أن يكون هذا المكفر ثابتاً أنه هو المكفر الذي ورد ذكره في الكتاب والسنة، ولا يلتبس على الإنسان، تلتبس عليه الأمور فيكفر بما ليس بمكفر، يكفر بالكبائر، يكفر مطلق الذنوب، يكفر بما ليس بذنب، فيذهب إلى طريق الخوارج عياذاً بالله.
الأمر الثاني: أن يثبت لديه يقيناً أن هذا القول الكفري، أن هذا الفعل الكفري، أن هذا الترك الكفري قد قام بذلك الشخص الذي يعتبر مكلفاً، ما يكون هذا الشخص مجنوناً، ما يكون هذا الشخص غير مكلف، لا، لابد أن يكون مكلفاً. فإذا ثبت عنده يقيناً أن ذلك الفعل أو أن ذلك القول قد تلبس به ذلك الشخص، فلابد أن نتثبت من ذلك.
في الصحيحين، الحديث الذي مر علينا من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «أيما امرئ قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما، إن كان كما قال وإلا رجعت عليه». نتثبت حتى يكون هذا التكفير في محله؛ ولأنه إذا لم يكن في محله عاد إلى هذا المكفر، خطره وقبحه ومعصيته تعود إليه مرة أخرى، وقد يكون سبب الوقوع في الكفر هو نفسه.
الأمر الثالث: أن هذا لابد أن نفرق بين التكفير المطلق وتكفير المعين. التكفير المطلق: قال هذا القول كفر، هذا الفعل كفر. المعين: لابد أن تبلغه الحجة، هنا بعض الناس تضطرب عنده الأمور، شروط التكفير التأكد من انتفاء موانع التكفير، أن تكون الحجة الرسالية قد بلغت هذا الشخص وفهمها فهماً واضحاً بيناً. هذا الأمر يعني الناس خابوا فيه وصارت فيه مشاكل، وصار فيه اتهامات، هؤلاء يتهمون في مسألة بلوغ الحجة، هؤلاء يتهمون هؤلاء بالخوارج، وهؤلاء يتهمونهم بالإرجاء، والمسألة تطبيقية.
إذا كان هناك اتفاق على أن الإيمان قول وعمل، وأن الكفر قول وعمل، واتفاق على المكفرات الشرعية وعلى نواقض الإسلام، صار الاختلاف الآن في إنزال هذه الأحكام على الأعيان، هذا لا علاقة له بالخوارج ولا علاقة له بالإرجاء، هذه مسائل اجتهادية؛ هذا الشخص توفرت عنده شروط التكفير، رآها متوفرة ورأى أن موانع التكفير منتفية، فقال: هذا كافر. الآخر درس الموضوع فرأى أن هناك نقصاً في شروط التكفير، هناك نقصاً في التأكد من موانع التكفير، يوجد هناك اشتباه عندهم أن الإنسان يمكن أن يعذر بجهله؛ لأنه في بيئة بعيدة، وأنه ممكن ما تعلم، وأنه ممكن متأول، هنا هذا الشخص لم يكفر.
هنا المسألة لا علاقة لها بالخوارج ولا علاقة لها بالإرجاء، من عذر هذا الشخص بالجهل ولم يكفره، وهذا لم يعذره بالجهل فكفره، هذا الخلاف خلاف تطبيقي، هذا يرى أنه كان بإمكانه، وهذا يرى أنه ما كان بإمكانه أن يتعلم، ثم إنزال هذا الحكم على هذا المعين بالذات، هذه مسألة تطبيقية قد يحتاج إليها في فترة من الفترات عندما تكون القضية تتعلق بجهاد، تتعلق بقتال، أما هكذا بهذا الشكل لا أصلاً لا داعي لهذا. الواجب إبلاغ الحجة، الواجب التوجه إلى أولئك والقيام بتعليمهم.
قال الله عز وجل: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: 15]. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار». قال: ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به، يعني لا يسمع بي أحد، إذاً هذا بلوغ الحجة.
موانع التكفير أيها الأحبة سنذكر لكم منها أربعة: الجهل، الخطأ، الإكراه، التأويل. فالجهل، فلابد في هذا المعين أن يعلم أن هذا القول أو هذا الفعل مكفر. والدليل السابق: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾. مثال ذلك: الذي يسلم حديثاً، دخل في الإسلام وقال: أشهد أن لا إله إلا الله محمد رسول الله، سأمتثل، لكن لم يكن لديه فرصة أن يتعرف على الأحكام الشرعية، أو كان يعيش في بلاد منقطعة عن الإسلام، ولم يبلغه القرآن على وجه يفهمه، أو يكون الحكم خافياً يحتاج إلى بيان؛ فهذا الإنسان ما زال جاهلاً، فجاء وأنكر قد ينكر معلوم من الدين بالضرورة، فينكر تحريم الخمر، فهذا يعذر بجهله ولا يقال عنه مرتد حتى يعلم ويبين له؛ فإذا وجدنا هذا الشخص وأردنا أن ننزل عليه الحكم فوجدناه جاهلاً، في بعض البلدان يا إخوان لا يعرفون من الدين الإسلامي إلا...
عيد الأضحى وبعضهم لا يعرف من الدين الإسلامي إلا الختان، وأنه بهذا معناه أنه مسلم ولا يعرفون لا صلاة ولا صوم ولا زكاة. يوجد للأسف الشديد حتى في العصر الحاضر، رغم انتشار وسائل الإعلام، جهل عند بعض الناس بأمور معلومة من الدين بالضرورة. لم يعرفوا أن هذا الأمر مما هو من أصول الدين ومن الأمور المهمة في الدين.
كذلك الخطأ، ما المقصود به؟ هو أن يفعل الإنسان شيئًا من غير قصد منه أو إرادة منه، وكان يريد شيئًا آخر فوقع في هذا الأمر. مثال ذلك الرجل الذي من شدة الفرح عندما عادت إليه ناقته عليها طعام وشرابه قال: «اللهم عبدي وأنا ربك»، أخطأ من شدة الفرح، فهذا الخطأ معفو عنه ولا يكفر. هذا الإنسان الذي يخطئ، قد يريد شخص أن يسب آخر فيسب دينه بالخطأ، ويقع في مثل هذا الأمر فلا يكفر مثل هذا.
قال ﷺ: «إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه». قال الله عز وجل: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286].
كذلك أيها الأحبة، التأويل، المقصود به وضع الدليل الشرعي في غير موضعه لعدم فهمه، أو فهمه فهمًا خاطئًا. والتأويل نوع من الخطأ في الجملة، قال الله عز وجل: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: 5]. فلا يكون الشخص متأولًا تأويلاً يظنه صحيحًا، لابد أن يبين له خطأ هذا التأويل.
كذلك الإكراه يا إخوان، وهو حمل الشخص على أن يفعل ما لا يرضاه ولا يختار مباشرته. فنتأكد ألا يكون هذا الشخص مكرهاً يريد التخلص من الإكراه فقط، وقد يسب الله أو يسب الرسول أو يسب الدين مكرهاً لأنه سيقتل. فمثل هذا لو تخلص بهذا الفعل الكفري، بهذا القول الكفري وهو لا يرضاه ولا يختار مباشرته، هذا الإنسان يعذر. قال الله عز وجل: ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: 106].
ناخذ فاصل ثم نستكمل هذا الموضوع بمشيئة الله.
هل أنت حريص على رأس مالك؟ هل تحافظ عليه من الضياع؟ فرأس مالك الحقيقي هو الوقت. قال الحسن البصري: «إنما أنت أيام، كلما ذهب يوم ذهب بعضك». ومن أهمية الوقت أقسم الله به في كتابه. قال ﷺ: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه». وإذا أراد الله بالعبد خيراً أعانه بالوقت، وإذا أراد به شراً جعل وقته عليه.
وفي سير السلف أروع الأمثلة على استغلال الوقت، فقد كان داوود الطائي يستثقل الفتيت ويقول: «بين استثقال الفتيت الخبز قراءة خمسين آية». وقال ابن القيم: «إذا كان الكتاب عند رأسه فإذا وجد إفاقة قرأ فيه، فإذا غلب وضعه». ومن آداب الطالب ألا يسوف في تحصيل فائدة؛ لأن للتأخير آفات، ولأنه في الزمن الثاني يحصل غيرها. ومن المحافظة على الوقت البعد عن البطالين الذين يقضون أعمارهم في المسامرات، فلا تكن ممن لا يشكرون نعمة الوقت، فإن رسول الله ﷺ قال: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ».
حياكم الله أيها الأحبة. في ختام هذه الحلقة نريد أن نلخص شروط التكفير وموانع التكفير. شروط التكفير وموانع التكفير يمكن تلخيصها في أربعة:
الأول: العلم؛ هذا شرط التكفير، أن يكون ذلك الشخص عالماً بأن هذا القول وإن كان هذا الفعل كفر. وموانع التكفير أن يكون جاهلاً أن هذا القول أو هذا الفعل كفر.
والأمر الثاني: أن يكون قاصداً؛ قد قصد أن يقول ذلك القول، قصد أن يفعل ذلك الفعل الذي هو يعلم أنه كفر، فقصد ذلك الفعل الكفري أو قصد ذلك القول الكفري ولم يكن عن خطأ منهم. وهذا مانع التكفير أن يكون مخطئاً، ما أراد ذلك القول الفعلي وما أراد ذلك الفعل الكفري، وليس أنه ما أراد الكفر. بعض الناس يظن أن الإرادة هي إرادة هذا الكفر نفسه، لا، الإرادة المقصود بها هنا إرادة الفعل الكفري أو القول الكفري، لكنه أخطأ. مثلاً إنسان داس المصحف خطأ، هذا أخطأ في هذا، بخلاف من يدوس المصحف متعمداً ويقول أنا لا أريد أن أكفر، صحيح، لكنه يعلم أن دوس المصحف متعمداً كفر، فذهب وداس المصحف متعمداً وليس خطأ، ويعلم أن هذا دوس المصحف كفر ويقول أنا لا أريد، لا نقول له هذا لم يختر، نقول له هذا الفعل كفر، ووقوعك في هذا الفعل وقوع في الكفر عياذاً بالله.
الأمر الثالث: القصد، أن يكون مختاراً؛ بمعنى أن يكون مختاراً وليس مكرهاً. الاختيار هنا أن هذا الشخص عنده خيار يفعله أو لا يفعله، وكان يستطيع أن يختار أن لا يفعل لكنه أُكره ففعل، فنُزع عنه هذا الاختيار، فلم يعد عنده اختيار آخر؛ إما أن يقع في هذا الكفر أو يقتل، فهذا صار مكرهاً، فإذا كان مكرهاً فهذا مانع من موانع التكفير. وأما إذا كان هو مختار، عنده الخيار في ذلك ولم تنزع منه هذه الإرادة ففعل هذا الأمر عن اختيار منه، فهذا والعياذ بالله توفر فيه شرط التكفير.
الأمر الرابع: الوضوح وبلوغ الحجة؛ أن يكون الأمر واضحاً تماماً وفهم المقصود، لكنه أراد ذلك وقال به، وهو قال بضده طبعاً، الكفر والأمر واضح عنده تماماً، ليس متأولاً، فهذا هنا مانع التكفير؛ التأويل، التأويل يظن أن هذا هو الفهم الصحيح لهذا النص، يظن أن معنى هذا النص كذا وكذا، أو قلد شخصاً متأولاً ومشى على هذا التأويل، هذا مختلف، هذا مانع من موانع التكفير. ومن شروط التكفير أن يكون هذا الأمر واضحاً عنده لا لبس فيه.
أخذنا هذه القضايا بالتفصيل، نختم يا إخوان هذه الحلقة بالكلام عن الخوارج. ونحن تحدثنا عن الخوارج في المستوى الثالث بشيء من التفصيل، لكن هنا نريد أن نؤكد على هذه القضية أيضاً. مشكلة الخوارج الرئيسة هي في التكفير بغير المكفرات الشرعية، وهم يكفرون بما يظنونه كفراً وقد لا يكون ذنباً أصلاً، ويكفرون بمطلق الذنوب يعني بالكبائر، وهذا ما يدعوهم للخروج على المخالفين لهم من أهل الإسلام. ومن هنا صار أبرز الفوارق المميزة للخوارج عن غيرهم من الفرق، وعن البغاة، وعن الجماعات الغالية، في التكفير بمطلق الذنوب والتكفير بالمخالفة لهم في الرأي، ويترتب على ذلك الخروج على الإمام الحق وعلى أهل الإسلام لاعتقاد كفرهم بسبب مخالفتهم لهم في الرأي أو لارتكاب...
ما يعتقدونه كفراً من الذنوب، فلنتنبه لهذه القضية. الخوارج يا إخوان لفظ إما أن يطلق على فرقة بعينها، فهي الخوارج تلك الطائفة التي خرجت على علي بن أبي طالب رضي الله عنه عقب معركة صفين بعد قبول التحكيم، قالوا بكفره لقبول التحكيم، وكفر معاوية رضي الله عنه، وكفر الحكمين، وكفر من رضي بالتحكيم، وكفر عثمان رضي الله عنه، وكفر أصحاب الجمل. هذه الطائفة معروفة كان يسمى المحكمة الأوائل، ثم صار نسبهم إلى زرقانة، ثم ظهرت منهم الصفارية والنجدات، وهذه فرقة إلى اليوم لها وجود، صار وجودها الآن في فرقة الأباطرة.
هذا إطلاق على فرقة بعينها، لكن هناك إطلاقًا آخر وهو تعريف عام للخوارج، يطلق على كل من يقول بتكفير مرتكب الكبيرة، كل من يكفر مرتكب الكبائر، كل من يكفر من خالفه في الرأي ليس في دين الإسلام وإنما هذا اجتهد وراء هذا الرأي فخالفوا فيه فكفره. هذا هو الخارجي الذي يكفر بمطلق الذنوب، الذي يكفر بمخالفة الرأي ويخرج عن الإمام الحق، فهذا يعتبر خارجيًا من الخوارج.
أبرز صفات الخوارج يا إخوان بحيث يحذرها الإنسان، صفة الجهل بأحكام الدين وعدم الفهم الصحيح لنصوص القرآن والسنة. والنبي ﷺ أخبرنا عن ذلك فقال: «يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم». هذا عظم الترقية، يعني لا يصل إلى قلوبهم، لا يعونه، لا يفهمونه. يقول لهم شخص إن الحكم لله، وهؤلاء حكموا أشخاصًا إذًا قد كفروا؛ لأنهم لم يحكموا بكتاب الله، وكتاب الله من يحكم به؟ إلا الأشخاص. فيقرؤون كتاب الله، والمقصود عندهم هذا الجهل بأحكام الدين جهلاً واضحًا بأن هذا أمر، وهذه الصفة في الخوارج وإن حفظوا القرآن الكريم. فقد تجد الخارجي من شدة حفظه للقرآن أنه ممكن يقرأ الصفحة من أسفل إلى أعلى من شدة حفظه ومن شدة إتقانه للقرآن، لكن بدون فهم للمعاني، وينزل هذه الآيات وهذه الأحاديث في غير مواضعها.
من أبرز صفات الخوارج الاتهام لنيات الآخرين من أهل الإسلام واحتقارهم وازدراؤهم، أن هؤلاء علماء سلطان، أن هؤلاء علماء سوء، ويقصد بها العلماء المعروفين كبار علماء الناس الذين يعرفونهم والناس يشيرون إليهم بالبنان، وهذا يتهمهم في نياتهم، يحتقرهم، يزدريهم، يأتي لهم والعياذ بالله. هذه من صفات الخوارج أيضًا، أنهم فيما بينهم في أتفه المسائل إذا ذكرت يختلفون فيما بينهم في تلك المسائل وينتقل الأمر إلى التكفير، تكفير بعضهم لبعض.
تذهب فتجد مجموعة من الناس كانوا سنة وكانوا كذا، ثم وجدتهم منفصلين، ثم تسأل عنهم لماذا وصلتم وهكذا، تقول تلك المجموعة خوارج، وأولئك المجموعة الأخرى يقولون عن تلك المجموعة التي قالت عنهم خوارج يسمونهم مرجئة، وهؤلاء اتهامات عقدية والخلاف خلاف إداري، خلاف في إدارة مركز في إدارة كذا. والإعجاب والتعالي بالنفس، يرى نفسه هو أعلم وهو الحريص على مصلحة الدين، وهكذا.
أيها الأحبة الإخوة، وضعنا لكم نشاطًا في آخر هذا الدرس، حبذا الاهتمام به. من هذا النشاط: من أعظم ما ابتليت به الأمة التكفير؛ اكتب مختصرًا ببيان خطورة التكفير، المقصود بالتكفير بغير حق، ما خطره؟ ما أسبابه؟ وهكذا أيضًا قاعدة: «الإسلام يثبت بيقين فلا يرتفع إلا بيقين»، تشرح هذه. اكتب باختصار في موانع التكفير، اذكر القاعدة في تكفير معين وما الذي يترتب عليه؟ اكتب بحثًا في العلاقة بين الخوارج والتكفير، التكفير بغير حق، ننبه على هذا الموضوع، حبذا الاهتمام بهذا النشاط.
أسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يغفر ذنوبنا وأن يستر عيوبنا، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا. اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وجزاكم الله خيرًا، وإلى اللقاء في حلقة أخرى بمشيئة الله يا راغبًا في كل علم نافع، متطلعًا لزيادة الإيمان، وتريد سهلًا.
د. أبو زيد مكي القبي