يا راغبًا في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم؛ تقنياته ومجالاته، ومعه مطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي: أكاديمية زاد. هذه عقيدة صحيحة فطرة تنفي الشكوك بوضوح البرهان. بشرى لنا زاد أكاديمية، بالعلم كالأزهار في البستان.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم إنا نسألك علمًا نافعًا، وعملًا صالحًا، وقلبًا خاشعًا، ولسانًا ذاكرًا. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، واجعله حجة لنا ولا تجعله حجة علينا يا رب العالمين.
أيها الأحبة في الله، سنتدارس في هذه المحاضرات القادمة؛ المحاضرات التاسعة والعاشرة والحادية عشر والثانية عشر، سنأخذ ما يتعلق بالصحابة، وآل البيت، والزوجات، والأولياء كرامة. سنأخذ بإذن الله هذه الموضوعات في هذه الأربع محاضرات.
محاضرتنا اليوم بمشيئة الله عن الصحابة، ونأخذ فيها لماذا نحب صحابة رسول الله ﷺ، ومن هو الصحابي؟ وما تعريف الصحابي؟ ونأخذ الواجب علينا تجاه صحابة رسول الله ﷺ، وموضوع الشهادة للصحابة بالجنة، وموضوع تفاضل الصحابة، وترتيب الخلفاء الأربعة في الفضل خلافًا إن شاء الله.
ثم سنكمل في المحاضرة التالية البراءة من معتقدات الرافضة في الصحابة،ونأخذ الموقف مما شجر بين الصحابة،والموقف من الآثار المروية في مساوئ بعض الصحابة،وموضوع العصمة من الذنوب،ثم نأخذ موضوع الواجب علينا تجاه آل البيت،وموضوع الواجب علينا تجاه زوجات النبي ﷺ.
نبدأ أيها الأحبة في الله بـ "لماذا نحب صحابة رسول الله ﷺ؟" وندرج موضوع الصحابة ضمن مفردات مادة العقيدة. أيها الأحبة في الله، نحب صحابة رسول الله ﷺ لأننا نحب الله جل جلاله، وكل من يقول إنه يحب الله سبحانه وتعالى وهو يبغض صحابة رسول الله ﷺ فهو كاذب في دعواه أنه يحب الله جل جلاله.
والسبب أن الله جل جلاله جعل العلامة الدالة على صدق محبته سبحانه وتعالى هي الموافقة؛ أن توافق الله في محبوباته ومبغوضاته، فتحب من يحبهم الله جل جلاله، وتبغض من يبغضهم الله جل جلاله. والله سبحانه وتعالى قد أخبرنا أنه يحب صحابة رسول الله ﷺ، وأنه اختارهم لصحبة نبيه ﷺ، وأنه رضي عنهم، وأنه سيعطيهم حتى يرضيهم، رضي الله عنهم وأرضاهم. يأتي شخص ويقول إنه يحب الله، والله يقول: "أنا أحب صحابة رسول الله ﷺ"، ولا يحب الصحابة؛ هذا عنده خلل في اعتقاده وكذب في ادعائه أنه يحب الله.
فنحن نحب صحابة رسول الله ﷺ لأننا نحب الله جل جلاله. نحب صحابة رسول الله ﷺ لأننا نحب رسول الله ﷺ، ورسولنا ﷺ أخبرنا في أحاديث كثيرة أنه يحب صحابته، فمن كان محبًا لرسول الله ﷺ وهو صادق في هذه المحبة للرسول ﷺ فإنه ولا بد أن يحب صحابة رسوله ﷺ.
نحب صحابة رسول الله ﷺ لأننا نحب ديننا الإسلامي، لأننا نحب كتاب الله جل جلاله، ونحب سنة نبيه ﷺ. فمن أحب الدين الإسلامي وأحب الوحي الإلهي، أحب صحابة رسول الله ﷺ لأنهم هم الواسطة في نقل هذا الدين إلينا، وفي نقل القرآن والسنة إلينا. فلولاهم -لولا الله سبحانه وتعالى ثم هؤلاء الصحابة- ما وصلنا القرآن ولا وصلتنا السنة ولا وصلنا دين الإسلام.
من الذي حفظ هذا الدين؟ حفظ القرآن وحفظ الحديث ونشر هذا الدين ونقل هذا الدين للتابعين؟ إنهم صحابة رسول الله ﷺ. فمن أحب دين الإسلام أحب هؤلاء الذين نقلوا هذا الدين، وهم صحابة رسول الله الذين بذلوا من أجل هذا الدين والحفاظ عليه أموالهم، وأنفسهم، وأبناءهم، وكل غال ورخيص من أجل هذا الدين الإسلامي.
نحب صحابة رسول الله ﷺ لأن محبة الصحابة عبادة يتقرب بها إلى الله جل جلاله. والعبادة كل قول أو فعل ثبت في الكتاب والسنة، الأمر به أو الحث على فعله أو مدح فاعله فهو عبادة. والله أمرنا ورسوله ﷺ بمحبة صحابة رسول الله، ومدح من طهر قلبه ولسانه تجاه صحابة رسول الله ﷺ، فمحبة صحابة رسول الله عبادة يتقرب بها إلى الله سبحانه وتعالى.
نحب صحابة رسول الله ﷺ لأن محبتهم مصدر لكسب الحسنات، ومصدر للرفعة في الدرجات، فالمرء يحشر مع من أحب، فمن أحب صحابة رسول الله ﷺ حشر معهم. نحب صحابة رسول الله ﷺ لأن محبتهم تذيقنا طعم الإيمان، لأن محبتهم تجعلنا نتلذذ بالتمسك بدين الإسلام؛ كما قال ﷺ: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار».
من أراد أن يتذوق طعم الإيمان وحلاوته، فيجدها في قلبه وسعادة وانشراحًا في حياته، فلا يحب المرء إلا لله، وأعظم من يحبهم لله هم صحابة رسول الله ﷺ. فمحبة صحابة رسول الله تذيقنا طعم الإيمان، وتذيقنا التلذذ بالتمسك بالإسلام.
نحب صحابة رسول الله ﷺ لأننا إذا أحببنا هؤلاء الصحابة، وكان لهم عندنا التعظيم والتقدير، واعتقدنا أنهم آمنوا بالعقيدة الإسلامية كما أرادها الله عز وجل وأرادها رسوله ﷺ، وعلمنا أنهم امتثلوا الدين الإسلامي كما طلبه الله عز وجل منهم وطلبه رسوله ﷺ، فإننا سنفهم هذا الدين الإسلامي فهمًا صحيحًا. عندما نعتمد فهم الصحابة في أمور العقيدة وفي أمور الشريعة، فإننا نفهم دين الإسلام. فمحبتنا لصحابة رسول الله ﷺ طريق واضح، طريق صحيح، طريق قصير في فهم الدين الإسلامي الفهم الصحيح. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلني وإياكم ممن امتلأت قلوبهم بمحبة صحابة رسول الله ﷺ.
نأخذ فاصلًا ثم نعود إليكم بمشيئة الله.
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [الأحزاب: 59]. الحجاب شعار المؤمنات وزي العفيفات الطاهرات، وتحبيب الفتاة في ارتدائه سهل يسير، لكنه يحتاج إلى بضع خطوات؛ منها أن يبدأ الوالدان مع ابنتهما.
في التزام الحجاب بالتدرج منذ الصغر، فقد تتشكل لديها مع الوقت قناعات خاطئة تصعب معالجتها. يجب أن يغرسا في ابنتهما نبتة المراقبة والخشية، ويرسخا في ذهنها أن الله يرضى عن المرأة العفيفة المحتشمـة المطيعة لأوامره.
وينبغي أن يظهرا إعجابهما بالحجاب، وذلك بالحديث عنه كثيرًا أمامها مع ذكر صفاته ومحاسنه. والحرص على أن تصاحب الابنة الفتيات الصالحات المحجبات، فالصحبة الصالحة لها أكبر الأثر في السلوك والأخلاق.
كما يجب أن يمنح الوالد الأم فرصة اصطحاب ابنتها لدروس العلم وحلقات القرآن، إذ ينبغي أن تكون محجبة أثناء ذلك، مما يعودها ارتداء الحجاب. واستخدام الهدية والمكافأة التشجيعية، وإعلام الفتاة أن المكافأة الكبرى إنما هي في تحصيل مرضات الله تعالى.
حياكم الله أيها الأحبة، بعد هذا الفاصل ننتقل إلى موضوع آخر يتعلق بتعريف الصحابي. من هو الصحابي؟ الصحابي أيها الأحبة هو كل من لقي رسول الله ﷺ لقية يقظة لا منامًا، لقيه وآمن به ومات على ذلك مات مؤمنًا به، هذا هو الصحابي.
نتنبه أيها الأحبة في الله إلى بعض الأمور. الأمر الأول: لا يدخل في الصحابة المعنى العام للصحبة، وهو من رافق النبي ﷺ دون أن يؤمن به، كان صديقًا له، كان صاحباً له في قبل الإسلام، جلس معه لكنه لم يؤمن به، هذا لا يدخل ضمن الصحابة، بل لا بد مع اللقيا الإيمان والثبات على ذلك حتى الموت. ومن آمن ثم ارتد لا يسمى صحابيًا؛ فالصحابي هو من آمن بالنبي ﷺ وثبت على الإيمان به حتى الموت.
موضوع آخر ننتبه إليه، لا يدخل في مفهوم الصحابي الشرعي مفهوم الشرع للصحابة، لا يدخل فيه أهل النفاق. كيف نعرف أهل النفاق؟ قد يأتي شخص الآن ويشوش ويقول: ها أنتم الآن تقولون إن هناك من صحب النبي ﷺ وأظهر الإيمان وهو يبطن الكفر، إذا ما الذي يدرينا أن هذا الصحابي هو مؤمن وليس ضمن المنافقين طالما هناك منافقون صحبوا رسول الله ﷺ؟ هذا يشوش علينا في معرفة الصحابة.
نقول يا إخوان انتبهوا، أهل النفاق معروفون عند رسول الله ﷺ وقد أخبر بهم بعض الصحابة، كحذيفة رضي الله عنه؛ النبي ﷺ أخبر حذيفة عن هؤلاء المنافقين. ننتبه للقضية، ليس في المهاجرين منافق أبدًا، ليس في المهاجرين منافقون، انتهينا من هذه. إذ كل الذين هاجروا من مكة إلى المدينة ليس فيهم أحد منافق بحمد الله، ولا في البدريين ليس فيمن شهد بدر أحد من المنافقين.
وليس هناك في من اشتهر من الصحابة بأن تولى بعض المهام لرسول الله ﷺ ليس فيهم منافق، النبي ﷺ لم يعطِ مهمة لأحد من المنافقين البتة. فكل من كان من المشهورين أنه من الصحابة وتولى بعض المهام لرسول الله ﷺ هؤلاء ليس فيهم أي منافق. ليس في المهاجرين منافق، ليس في البدري منافق، ليس في من اشتهر من الصحابة منافق، ليس في من تولى مهمة لرسول الله ﷺ منافق.
المنافقون يا إخوان ينقسمون إلى قسمين: منافقون كبار مشهورون معروفون، هؤلاء اشتهروا بنفاقهم وعرف نفاقهم وأصبح كثير من الناس يعرفهم. وأما أن يكونوا أتباعًا، فهؤلاء الأتباع مغمورون غير معروفين في الأمة، ولم يكتب عن هؤلاء أنهم ضمن الصحابة، وغمروا ونسوا ولم تسجل أسماؤهم ضمن صحابة رسول الله ﷺ.
فأصبح أيها الأحبة موضوع النفاق في هؤلاء الصحابة، أن يكون هناك منافقون في الصحابة هو شيء محدود، ومنافقون كبار معروفون، وأغلب الصحابة كان يعرفهم ولم يتولوا شيئًا من مهام رسول الله، فلا يصبح عندنا أي التباس الآن. مسألة الصحابة، كل من ورد اسمه في الكتب المعروفة في تواريخ الصحابة هؤلاء هم صحابة رسول الله ﷺ، وليس عندنا شك أنهم من أهل الإيمان، وليس عندنا شك في إيمانهم، وليس عندنا قدح في معتقداتهم.
أما بالنسبة لهؤلاء المنافقين في عهد رسول الله ﷺ، فلم نتعبد بمعرفتهم، ومن له أثر عن شخصه ومن لا أثر له فقد اختفى ذكره وهلك ولم يحفظ ضمن الصحابة بحمد الله سبحانه وتعالى. يقول الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحشر: 10].
هذه الآية تبين لنا ما الواجب علينا، سواء الواجب القلبي أو الواجب اللساني تجاه صحابة رسول الله ﷺ. أما بالنسبة للواجب القلبي تجاه صحابة رسول الله ﷺ، فهو إخلاء وملء؛ إخلاء وتطهير، أن نطهر قلوبنا من أي شائبة بغض لأحد من صحابة رسول الله ﷺ، ونملأ قلوبنا بالحب لصحابة رسول الله ﷺ، ونملأ قلوبنا ببغض من أبغض صحابة رسول الله ﷺ. هذا الواجب القلبي هو إخلاء من أي شائبة بغض أو تنقص لأحد من صحابة رسول الله، ونملأ قلوبنا بحب صحابة رسول الله ﷺ، ونزيد أن نبغض من أبغض صحابة رسول الله ﷺ.
أما بالنسبة للواجب اللساني، فأول شيء أن نكف اللسان عن أي كلمة تنقص لأحد من صحابة رسول الله ﷺ، لا يصلح وأنت تقرأ مثلاً في تراجم الصحابة والقصص التي حدثت بين الصحابة فيما شجر بين الصحابة أن تخرج منك كلمة تنقص لأحد من صحابة رسول الله ﷺ أبدًا. والواجب على اللسان أن تذكر محاسن الصحابة وتذكر فضائلهم وتذكر المعتقد الصحيح تجاه صحابة رسول الله ﷺ.
والواجب عليك أن تطلب المغفرة لهم، تدعو لصحابة رسول الله ﷺ، هذا الواجب أن يلهج لسانك بالدعاء لصحابة رسول الله وطلب المغفرة لهم، ونشهد لصحابة رسول الله ﷺ جميعًا بالإيمان. والواجب علينا تجاه صحابة رسول الله ﷺ أن نتخذهم حجة في فهم دين الإسلام، ففهم الدين في ضوء فهمهم، نفهم دين الإسلام في ضوء فهم صحابة رسول الله ﷺ، ولا نضادهم في الفهم عندما نأتي بفهم مخالف مضاد لفهم صحابة رسول الله ﷺ في المعتقد أو في العبادة، فلنعلم أن هذا الفهم هو الفهم المنحرف وأن فهمنا فهم خطأ لدين الإسلام، وأن هذا المعتقد مخالف لما...
فهمه صحابة رسول الله ﷺ أنه معتقد باطل، وأن هذه العبادة المخالفة لفهم صحابة رسول الله ﷺ إن هذه عبادة باطلة. فنتخذ الواجب علينا أن نتخذ الصحابة حجة في فهم دين الإسلام، وأن نتخذ الصحابة قدوة لنا في كيفية تلقيهم للعقيدة والشريعة من الوحي الإلهي؛ يتثبتون دائما، تلاحظ عن الصحابة يتثبتون من الصحة، يتأكدون من الفهم، فيؤمنون بلا شك ويمتثلون بلا اعتراض، يؤمنون بلا تردّد ويمتثلون بلا ابتداع.
فنتخذ هؤلاء الصحابة قدوة في ذلك؛ نتخذهم قدوة في الأخلاق والسلوك، نتخذهم قدوة في العلم والعمل، نتخذهم قدوة في كيفية الجمع بين العبادة والحضارة، بين الدنيا والآخرة، بين النفس والمجتمع، بين صلاح القلب وصلاح وقوة البدن، نتخذهم قدوة في الجمع بين القوة الإيمانية والقوة المادية.
نأخذ فاصلًا ونعود إليكم بمشيئة الله.
لقد شرع الله الدين للناس رجالًا ونساءً، ووعد الجميع الجنة والحياة الطيبة إذا قاموا بواجبهم، فقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 97]. وقد جاء الإسلام فأكرم المرأة وحملها مع الرجل مسؤولية النهوض بالمجتمع وحسن الرعاية له، فقال عليه الصلاة والسلام: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته».
وقد شغلت المرأة في العهد النبوي وما بعده مكانًا رفيعًا بمشاركاتها العلمية والاجتماعية والتربوية، وتصدر اسمها في قائمة المساهمين في بناء المجتمع وصياغة هوية الأمة والمحافظة على ثوابت الدين. ولا زال التاريخ يذكر أم المؤمنين خديجة، وأم المؤمنين عائشة، ونسيبة بنت كعب، وأم حرام بنت ملحان، وحفصة بنت سيرين، وفاطمة ابنة عبد الملك، وزبيدة بنت جعفر، وغيرهن رضي الله عنهن ورحمهن.
ومن هنا كان للمرأة المسلمة دورها المهم والخطير في صياغة المجتمع، مما أكسبها قيمة واعتبارًا واحترامًا لا مثيل له في المجتمعات الأخرى، كما اعترف بذلك المنصفون من الغربيين وبأنهم إنما تعلموا احترام المرأة من مسلمي الأندلس. يقول المفكر الفرنسي مارسيل بويزارد: «إن الشعراء من المسلمين هم الذين علموا مسيحي أوروبا عبر إسبانيا احترام المرأة».
فللمرأة على ثغر الحياء الزوجي أثر خطير، وفي التربية على الدين والخلق دور كبير، وفي التعليم والدعوة والطب والرعاية مكان ومسؤوليات. وقيام المرأة المسلمة بهذا وغيره له أثره الإيجابي في إصلاح المجتمع كله، أسرةً وأفرادًا، وصدق عليه الصلاة والسلام حين قال: «إنما النساء شقائق الرجال».
حياكم الله بعد الفاصل أيها الأحبة في الله. ننتقل إلى موضوع يتعلق بالشهادة للصحابة بالجنة. نحن نشهد بالجنة لصحابة رسول الله، لكن شهادتنا لهم بالجنة على قسمين: شهادة بالوصف، وشهادة بالعين.
أما الشهادة بالوصف فنشهد أن الله سبحانه وتعالى قد وعد جميع الصحابة بالجنة لقوله تعالى: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ﴾ [الأنبياء: 102]، ووعد الله متحقق، ووعد الله سبحانه وتعالى حق وصدق، ومن أصدق من الله قيلًا، فنشهد بالوصف لجميع الصحابة بالجنة.
وأما بالعين فنشهد لكل من شهد له الرسول ﷺ بالجنة، أو أخبره بما أعد الله له في الجنة، أو أنه رآه في الجنة، ونحو ذلك من المبشرات. من ثبتت بشارته في الكتاب والسنة بالجنة فهذا نشهد له بالجنة بعينه.
نأخذ نماذج فيمن ثبتت لهم الشهادة بالجنة بالعين؛ أولًا العشرة المبشرون بالجنة، وهم الخلفاء الأربعة، وأربعة الشورى: الزبير بن العوام، طلحة بن عبيد الله، عبد الرحمن بن عوف، سعد بن أبي وقاص، سعيد بن زيد، وعمرو بن نوفل، وأبو العباس، وأبو عبيدة عامر بن الجراح. حول العشرة المبشرون بالجنة ثبتت فيهم الأحاديث، نشهد لهم بأعيانهم، نشهد لكل واحد بعينه أنه من أهل الجنة.
ونشهد كذلك لأهل بدر، نشهد لأهل بدر جميعًا بالجنة وعددهم ثلاث مئة وبضعة عشر، قال صلى الله عليه وسلم عن أهل بدر: «لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة» أو «قد غفرت لكم». وفي صحيح البخاري حديث أهل بيعة الرضوان وكانوا أكثر من ألف وأربعمئة، نشهد لهم بأعيانهم بالجنة، قال صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل النار -إن شاء الله- من أصحاب الشجرة أحد ممن تحتها» [رواه مسلم].
ونشهد كذلك لثابت بن قيس بعينه أنه من أهل الجنة، ونشهد كذلك لبلال بن رباح، وزيد بن حارثة، وحاطب بن أبي بلتعة، وبني محصن، وسعد بن معاذ، وأم سليم بنت ملحان، هؤلاء نشهد لهم بأعيانهم أنهم من أهل الجنة.
أيها الأحبة في الله، ننتقل لمسألة تفاضل الصحابة. الصحابة يتفاضلون كما قال الله عز وجل: ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَنْفَقْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَفَضَّلَ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الَّذِينَ جَلَسُوا ۚ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [النساء: 95]. لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل، أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا، وكلا وعد الله الحسنى، والله بما تعملون خبير.
أخبرنا الله سبحانه وتعالى أن من أسلم قبل صلح الحديبية والفتح وقاتل هذا أعظم درجة من الذي أسلم بعد الفتح وقاتل، هؤلاء بأنهم تفاضل. فأهل السنة والجماعة يثبتون الفضل لكل صحابة رسول الله ﷺ، سواء من صحبه سنة أو شهرًا أو يومًا أو ساعة أو أكثر من ذلك أو أقل، ولكنهم يثبتون التفاضل بينهم على قدر الصحبة والعلم والعمل.
ويرون أن أفضل الصحابة الخلفاء الراشدون، ثم أصحاب الشورى الخمسة، ثم بقية المهاجرين، ثم الأنصار على قدر السابق للإسلام والعلم والعمل. ويفضلون أهل بدر على غيرهم، ويفضلون أهل بيعة الرضوان على غيرهم، ويفضلون من جاهد قبل الحديبية وأنفق على غيرهم، ثم يليهم بقية الصحابة. ويفضلون من رأى النبي ﷺ من الصحابة على التابعين بالصحبة ولو عمل التابع كل أعمال الخير.
ثم هناك مسألة أخرى نذكرها في مسألة التفاضل بين الخلفاء الأربعة؛ نعتقد أن الخلفاء الأربعة ترتيبهم في الفضل قد وقع كترتيبهم في الخلافة. لكن نعتقد أن مسألة التفضيل بين عثمان رضي الله عنه وعلي رضي الله عنه ليست من مسائل الأصول التي يضلل فيها المخالف، لكن نعتقد أن مسألة ترتيبهم في الخلافة: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، نعتقد أن مسألة ترتيبهم في الخلافة من مسائل أصول أهل السنة التي خالفهم فيها أهل بدعة وضلالة.
لكن في مسألة التفضيل: من هو أفضل عثمان أو علي؟ هذه المسألة نعتقد أن الذي استقر عليه رأي أهل السنة والجماعة أن ترتيبهم في الفضل جاء كترتيبهم في الخلافة. لكن مسألة الترتيب في الخلافة هي التي من المسائل التي ظهر فيها أهل البدع وخالفوا فيهم، فصار لأهل السنة والجماعة معتقد في ذلك، وصارت من مسائل أصول أهل السنة أن الخلفاء هم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي.
بالنسبة لما شجر بين الصحابة، نحن نمسك إما شجرة بين صحابة رسول الله ﷺ، سواء ما جرى بين علي رضي الله عنه وبين عائشة وطلحة بن الزبير في موقعة الجمل، أو ما وقع بين علي رضي الله عنه وبين معاوية رضي الله عنه في صفين؛ وذلك لعدم الفائدة من الخوض فيما شجر بينهم.
الأمر الثاني هو الخوف على القلب؛ فقد تدخل في القلب شيء من التنقص أو البغض لأحد من صحابة رسول الله ﷺ. وللسلامة في الدين ولمعرفة أقدارنا نحن، فمن نحن حتى نحاكمهم؟ نقول هذا خطأ، هذا ليس صوابًا، هذا موقفه ليس صوابًا، من نحن أمام علمهم وأمام مكانتهم؟ ونعتقد أن كلا منهم كان مجتهدًا، وأنه كان يعتقد أن الصواب معه وأنه يعمل الصواب، ونعتقد أن الخلاف بينهم لم يكن مقصوده الدنيا، وإنما كان مقصوده إقامة شرائع الإسلام.
أما بالنسبة للآثار المروية في مساوئهم فهي على قسمين: القسم الأول ما هو كذب، كذب طاهر زيد فيه أو نقص وغير عن وجهه، وهو الأكثر، فهذا مردود باطل. القسم الثاني ما هو صحيح، لكنهم فيه معذورون بسبب الاجتهاد؛ وهم مجتهدون، قد يظن الناقل أنهم كانوا مخطئين بذلك وهم في الحقيقة لم يكونوا مخطئين، تذكر على أنها سيئة لهم وهي في الحقيقة كانوا على حق، ولكن الناقل هو الذي يخطئهم، لكنهم كانوا على اجتهاد ووفقوا. أو يكون على اجتهاد ووقعوا في الخطأ وهم معذورون باجتهادهم في ذلك، ولهم أجر هذا الاجتهاد.
بالنسبة للعصمة من الذنوب، نحن لا نعتقد في الصحابة العصمة من الذنوب، لكن نعتقد أن ذنوبهم تنغمر في بحار حسناتهم، ونعتقد أنهم أقرب الناس لنيل مغفرة الله لذنوبهم؛ لما لهم من الحسنات الماحيات، ولما لهم من مضاعفة الحسنات، ولما لهم من فضل الصحبة، ولأنهم أحق الناس بشفاعة رسول الله ﷺ، ولما تعرضوا له من الابتلاء، ولما وفقهم الله عز وجل إليه من التوبة والرجوع إلى الحق.
هذا معتقدنا في صحابة رسول الله ﷺ. نسأل الله جل جلاله بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يجمعنا مع صحابة رسول الله ﷺ حول رسول الله ﷺ في جنة الله. نكتفي بهذا القدر في هذه المحاضرة، على أمل اللقاء بكم في المحاضرة القادمة بمشيئة الله. أستودعكم الله، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وجزاكم الله خيرًا.
د. أبو زيد مكي القبي