يا راغباً في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم بتقنياته ومجالاته، ومعه نطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي، أكاديمية زاد، هذه عقيدتنا الصحيحة فطرة تنفي الشكوك بواضح البرهان.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم إنا نسألك علماً نافعاً وعملاً صالحاً وقلباً خاشعاً ولساناً ذاكراً. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، واجعله حجة لنا ولا تجعله حجة علينا يا رب العالمين.
أرحب بكم أيها الإخوة الكرام في المحاضرة العاشرة من محاضرات مادة العقيدة في المستوى الرابع. ما زلنا نتحدث عن موضوع الصحابة، آل البيت، وزوجات النبي صلى الله عليه وسلم. ذكرنا في المحاضرة السابقة لماذا نحب صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكرنا من الأسباب: لأننا نحب الله جل جلاله، ولأننا نحب رسولنا صلى الله عليه وسلم، ولأننا نحب دين الإسلام، ولأننا نتعبد لله سبحانه وتعالى بحبهم، ولأن محبتهم مصدر لكسب الحسنات والرفعة في الدرجات، ولأن محبتهم سبب لتذوق طعم الإيمان. الصحابي هو كل من لقي النبي صلى الله عليه وسلم يقظة لا مناماً، وآمن به، ومات على هذا الإيمان.
في هذه الحلقة نذكر أنه ينبغي للإنسان وهو يتعبد لله سبحانه وتعالى بمحبة الصحابة أن يبرأ إلى الله جل جلاله من اعتقاد الروافض في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم. سنبرأ أولاً من عقيدة النص والتعيين لعلي رضي الله تعالى عنه في الإمامة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. الروافض يعتقدون أن الخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنص والتعيين هو علي رضي الله تعالى عنه، وبالتالي يعتقدون بطلان من تقدم علياً في الخلافة، ويبرأون منه ويعتقدون كفره وأنه خالف النص الإلهي. فلذلك نحن نبرأ من هذا المعتقد، عقيدة النص والتعيين بعلي رضي الله عنه في الإمامة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا فصل.
نبرأ إلى الله سبحانه وتعالى من معتقد الروافض ببطلان إمامة من تقدم علياً رضي الله تعالى عنه، فهم يعتقدون أن خلافة أبي بكر، وخلافة عمر، وخلافة عثمان كلها خلافات باطلة، ويكفرون هؤلاء، ويتقربون إلى الله بشتم وتكفير الشيخين أبي بكر وعمر على وجه الخصوص، فنحن نبرأ إلى الله سبحانه وتعالى من هذه المعتقدات. ونبرأ إلى الله سبحانه وتعالى من اعتقاد تفضيل علي رضي الله تعالى عنه على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فما عندنا شك في هذا الأمر أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه أفضل من علي، وأن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أفضل من علي، ففي الفضل أبو بكر ثم عمر لا نشك في ذلك. ثم تأتي مسألة عثمان وعلي، ونقول إن هذه من المسائل التي لا يضلل فيها المخالف، لكن الذي استقر عليه رأي أهل السنة والجماعة أن تفضيلهم كذلك في الفضل كترتيبهم في الخلافة: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي.
ونبرأ من اعتقاد الروافض في علي رضي الله تعالى عنه؛ المعتقدات الباطلة فيه المتعلقة بالربوبية، والمتعلقة بالألوهية، والمتعلقة بالأسماء والصفات، وأن هذه المعتقدات انتقلت للحسن والحسين وهكذا. نبرأ إلى الله من اعتقاد الروافض بهؤلاء الصحابة، في علي والحسن والحسين، ثم من جاء بعدهم. نبرأ من اعتقاد الروافض في هؤلاء الأئمة، ونبرأ من اعتقاد الروافض في الخلفاء الثلاثة، ومن غلو الروافض في علي رضي الله تعالى عنه. هذا المعتقد عندنا واضح جلي في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أما بالنسبة لآل البيت: فمن هم آل البيت؟ آل البيت هم زوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذريته، وقرابته الذين حرمت عليهم الصدقة كآل علي رضي الله عنه، وآل جعفر، وآل العباس رضي الله تعالى عنهم. هؤلاء هم أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم. نؤكد أيها الأحبة أن أول من يدخل في آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم هم زوجاته، ثم ذريته وقرابته.
ما الواجب علينا تجاه آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ الواجب علينا أولاً فيما يتعلق بالقلب أن نخلي قلوبنا من البغض والحقد على آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، طبعاً نقصد من دخل منهم في الإسلام. لا يصلح لإنسان يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبغض زوجاته أو ذريته؛ يبغض الحسن أو الحسين أو آل البيت، هذا عجيب! كيف تحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت قد انطوى قلبك على بغض وحقد لآل بيته؟ فيجب أن يطهر القلب من ذلك، ويملأ القلب بالمحبة والتوقير لآل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فمحبتك لرسول الله صلى الله عليه وسلم تستلزم أن تحب آل بيته.
الواجب عليك من ناحية اللسان أن تكف هذا اللسان عن التنقص لآل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، تتنقص من علي رضي الله عنه، أو الحسن، أو الحسين، أو العباس، أو عبد الله بن عباس، أو جعفر، لا يصلح هذا، بل تكف لسانك عن أي تنقص. والواجب عليك الثناء بذكر محاسنهم وفضائلهم. والواجب علينا تجاه آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما يحترم العالم لعلمه، وكما يحترم الكبير لسنه، وكما يحترم المعلم لتعليمه، كذلك تحترم آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم لصلتهم وقرابتهم برسول الله صلى الله عليه وسلم. فإذا كنت في مجلس وفي أحد من آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم تظهر فضله، تتحدث معه بأدب، إذا جئت أنت وإياهم في مسألة الخروج من الغرفة أو نحو ذلك قدمته، هذه دلالة على محبتك لرسول الله صلى الله عليه وسلم. هذا الواجب دون غلو، ليس المقصود فيه الغلو كالتبرك بهم أو الاعتقاد أن لديهم أشياء تختلف عن الآخرين، لا، ليس هذا، إنما هو التوقير والاحترام والتقدير، كما يوقر الإنسان الكبير في السن أو العالم أو المعلم، هكذا يوقر هذا الشخص الذي ثبت اتصال نسبه برسول الله صلى الله عليه وسلم.
حياكم الله أيها الإخوة طلاب العلم، ننتقل إلى موضوع الواجب علينا تجاه زوجات النبي صلى الله عليه وسلم. الواجب علينا تجاههن فيما يتعلق بالقلب أن يخلي الإنسان قلبه من أي تنقص لإحدى زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، ويستغرب الإنسان عندما يرى إنساناً يزعم أنه محب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثم هو قد انطوى قلبه على تنقص زوجاته. بل الواجب أن يملأ الإنسان قلبه محبة وتوقيراً لزوجات النبي صلى الله عليه وسلم، فإن زوجاته في الدنيا هن زوجاته في الآخرة كذلك. ولذلك الواجب على الإنسان في لسانه أن يكف هذا اللسان عن أي طعن فيهن، وفي عائشة رضي الله تعالى عنها.
أيها الأحبة في الله، إن الذي يطعن في عائشة رضي الله تعالى عنها هو يطعن في نبينا صلى الله عليه وسلم؛ هذه زوجته وهي أحب الناس إليه، ثم يأتي من يطعن فيها، هذا يطعن في رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الإنسان كاذب في دعواه أنه محب لرسول الله صلى الله عليه وسلم. بالله عليكم، لو أن شخصاً يزعم أنه محب لك ثم هو في المجالس يطعن في زوجتك، شيء عجيب، يتهمها في عرضها! هذا كاذب، هذا يأخذ أكبر قدح ويوجهه لك ويزعم أنه محب لك وموقر لك! هذا لا يمكن، لا سيما بعد أن ثبتت براءتها من فوق سبع سماوات وثبتت هذه البراءة في القرآن، ثم هو يستمر في ذلك، إذاً هذا هو هدفه: الطعن في رسول الله صلى الله عليه وسلم. الواجب علينا تجاه زوجات النبي صلى الله عليه وسلم أن نذكر محاسنهن، نذكر فضائلهن، نبين المعتقد الصحيح فيهن، ونعتقد أن زوجات النبي صلى الله عليه وسلم أمهات لنا.
أيها الأحبة في الله، سننتقل إلى موضوع يتعلق بالأولياء، يكون مدخلنا وكلامنا عن موضوع الأولياء من خلال قول الله سبحانه وتعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَىٰ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۚ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [يونس: 62-64]. لاحظوا يا إخوان في هذه الآية، بين الله سبحانه وتعالى فضل والأجر المعد لأوليائه: ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، ثم قال: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَىٰ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾، ثم قال: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. فذكر الله سبحانه وتعالى ما أعده من الأجر العظيم في الدنيا وفي الآخرة، ثم ذكر الطريق الموصل للولي، وتعريف الولي، قال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾، فهذه الآية واضحة تمام الوضوح.
الولي أيها الأحبة، ما تعريفه؟ الولي هو من تولى الله عز وجل رعايته وحفظه، فلا يكله إلى نفسه. يعني من وليه؟ وليه الله، من الذي ولي أمر هذا الإنسان الذي صار ولياً؟ وليه الله، يعني الله سبحانه وتعالى ولي أمره، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ ۖ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ [الأعراف: 196]. فالولي هو الذي تولى الله عز وجل تدبير أموره، تولى الله عز وجل رعايته، تولى الله عز وجل حفظه، تولى الله عز وجل تسديده، فلا يكله إلى نفسه، هذا تعريف للولي. وهناك تعريف آخر للولي، يعني هو الذي تولى عبادة الله فحافظ على الفرائض واستكثر من النوافل، وهذا أيضاً قريب من هذا؛ لأن الذي يأتي بالفرائض ويستكثر من النوافل هو الذي تولى عبادة الله فتمسك بها، فيتولاه الله سبحانه وتعالى ويدبر أمره، وقيل المعنيان متقاربان.
ما هو ثواب الولي أيها الأحبة؟ ثواب الولي له الأمن والاهتداء في الدنيا وفي الآخرة. قال الله عز وجل: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾، إذاً لهم الأمن في الدنيا ولهم الأمن في الآخرة. لكن أمنهم بحسب تحقيقهم الولاية، فإن كانت ولايتهم تامة فلهم الأمن التام في الدنيا وفي الآخرة، وإن كانت ولايتهم فيها نقص فيكون لهم الأمن الناقص في الدنيا وفي الآخرة. ثم قال الله: ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾؛ لأن الله قد هداهم في الدنيا وسيهديهم في الآخرة، واهتداؤهم بقدر تحقيقهم للولاية، كما قال الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: 82]. لكن اهتداؤهم تام وناقص بحسب تولي الله عز وجل لهم.
بالنسبة للأمن في الدنيا، ما المقصود به؟ يعني يأمنون من المخاوف الدنيوية، فلا يخاف من البشر، هذا الولي لا يخاف من البشر أن يقطعوا رزقه أو يعجلوا وفاته أو يصيبوه بمكروه بمشيئتهم وقدرتهم دون مشيئة الله. هو آمن من الاضطرابات الفكرية والوساوس النفسية، آمن من الشعور بالحيرة والضياع والقلق، فهو يعيش الأمن النفسي الحقيقي، وإن اضطرب محيطه الخارجي في بعض الأحيان؛ كإبراهيم عليه السلام كان محيطه الخارجي ناراً تلظى، لكنه داخلياً كان يشعر بالأمن في الدنيا. فالولي منصور ينصره الله عز وجل على من عاداه، الولي محبوب يحبه الله سبحانه وتعالى؛ لو لم يكن في منزلة الولاية إلا أن الله سبحانه وتعالى يحبك.
لكفى بها دافعاً لكل إنسان أن يطلب أن يصل إلى منزلة الولاية. الولي مجاب الدعوة، إذا قال الولي يا الله، أجاب الله سبحانه وتعالى دعاءه، الولي مرضي يعطيه الله سبحانه وتعالى حتى يرضيه. بل هناك أمر عجيب؛ الله سبحانه وتعالى لولا أنه كتب على كل نفس أنها ذائقة الموت، لكان الولي عندما يطلب الخلود يعطيه الله سبحانه وتعالى إياه. ورد في الحديث أن الله سبحانه وتعالى قال: «من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب».
وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها. لاحظوا قال: «ولئن سألني لأعطينه»، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته.
وولي الله كذلك من أمنه في الدنيا أنه مستنير، ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: 257]. من هم أهل الاستنارة حقاً؟ إنهم أولياء الله سبحانه وتعالى، أولياء الله يعيشون في النور، هم التنويريون حقاً لأنهم استنارت قلوبهم بالوحي الإلهي وأناروا مجتمعهم بهذا الوحي الإلهي. أما غيرهم ممن يسمي نفسه تنويرياً هو في الحقيقة يعيش في الظلام، يأتي بالظلام يظلم به المجتمع الإسلامي ويزعم أنه تنويري. من هم؟ من هو المستنير؟ إنهم أولياء الله.
أولياء الله لهم الأمن في الدنيا، فهم المنصورون، هم المحبوبون من الله، هم مجابو الدعوة، هم المرضيون. نأخذ فاصلاً ثم نعود إليكم بمشيئة الله.
أمانة يجب أداؤها وإتمامها؛ إنها الوظيفة، فمن صفات المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ [المؤمنون: 8]. فعلى الموظف إتقان عمله، قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه». وليلتزم بمواعيد الدوام بداية ونهاية، ولا يتغيب عنه إلا لعذر قاهر، وليحافظ على أسرار الوظيفة وخصوصيات جهة العمل، وعلى الأجهزة والأدوات التي في محل عمله ولا يفسد شيئاً منها. ولينفذ أوامر مديره فيما ليس بمعصية، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: 59].
وليراقب الله تعالى في وظيفته ولو كان مديره لا يراه، قال صلى الله عليه وسلم في تفسير الإحسان: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». وعليه احترام زملائه والتعاون معهم، وإفادة الموظفين الجدد بخبراته، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2]. ليكن بشوشاً ليناً رفيقاً مع مراجعيه، وليقضِ لهم حوائجهم، قال صلى الله عليه وسلم: «خير الناس أنفعهم للناس». وليحذر من الرشوة ولو سموها هدية أو إكرامية، قال صلى الله عليه وسلم: «لعنة الله على الراشي والمرتشي». وليعلم الموظف أنه مسؤول يوم القيامة عن عمله، قال تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: 92-93].
حياكم الله أيها الأحبة، قلنا إن أولياء الله لهم الأمن في الدنيا مما ذكرناه؛ الأمن من الاضطرابات الفكرية والوساوس النفسية وهكذا. ولهم الأمن في الآخرة، لهم الأمن في الآخرة من النار، لكن أمنهم تارة يكون تاماً وتارة يكون ناقصاً. أما التام فهو من كل عذاب، وتحرم بشرتهم على النار كما قال صلى الله عليه وسلم: «فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله». فهذا الولي إذا أتى بالتوحيد التام، فإن له الأمن التام في الآخرة من كل عذاب. أما إذا كان توحيده ناقصاً، يعني متلبساً ببعض الكبائر متلبساً ببعض المعاصي ولم يتب منها ومات على ذلك، فأمنه ناقص، لديه الأمن من عدم الخلود في النار كما ورد في حديث عبادة: "أدخله الله الجنة على ما كان من العمل"، فهو موعود بدخول الجنة مهما ارتكب من الذنوب والمعاصي.
أولياء الله سبحانه وتعالى لهم الاهتداء في الدنيا ولهم الاهتداء في الآخرة. اهتداؤهم في الدنيا لكونه مسدداً، كما قال الله سبحانه وتعالى: «كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها». فولي الله يسدده الله في الدنيا حتى يصبح في مرحلة كأن ولي الله مسيّر غير مخيّر؛ في بعض الأحيان انتبهوا، ولي الله قد يقصر في عبادة، قد يقصر في طاعة، لكن لا يشعر إلا بأشياء منطلق يريد أن يقع في المعصية وإذا بالله سبحانه وتعالى يصرفه عن ذلك ويسدده، فيهيئ له من يأتي يذكره، يحدث في الطريق شيء يجعله يبتعد عن هذه المعصية. وهكذا يشعر أنه في طريق الطاعة كأنه مسيّر غير مخيّر، يحمل في طريق الطاعة حملاً. هذا ولي الله سبحانه وتعالى وهو مسدد أولاً للمعرفة الصحيحة والفهم الصائب والإيمان الصحيح، يسدده الله سبحانه وتعالى في معتقده، ويسدده في فعل الطاعات وترك المعاصي والمنكرات، ويسدده لفعل الصواب في أموره، وهذا توفيق الله سبحانه وتعالى، نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من أوليائه.
وولي الله سبحانه وتعالى له الاهتداء في الآخرة، فيهتدي لمنزله في الجنة، لكن الاهتداء تام وناقص. إذا كان توحيده تاماً فيهتدي من أول وهلة، كما قال الله عز وجل: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: 43]. فيعرف ولي الله منزله في الجنة بمجرد أن ينصرف من المحشر وينطلق على الصراط، ويعرف منزله في الجنة كما يعرف واحد منا اليوم منزله إذا انصرف من صلاة الجمعة. وهناك اهتداء ناقص إذا كان عنده تلبس ببعض الكبائر لم يتب منها، فإنه يحاسب ثم يهتدي.
أيها الأحبة في الله، هناك علامات يعرف الإنسان بها أنه إن شاء الله يكون من أولياء الله، هذه العلامات قال الله عز وجل: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَىٰ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس: 64]. يبشرهم الله سبحانه وتعالى في حياتهم الدنيا ببعض الأشياء التي تدل على أنهم بمشيئة الله من أوليائه. من هذه البشارات في الدنيا: انشراح الصدر وتيسير الأمر، حتى كما أخبرنا يشعر أنه مسيّر غير مخيّر مما يرى من توفيق الله له، ومن هذه البشرى كذلك الثناء الحسن عليه، ومن هذه البشرى كذلك المودة في قلوب المؤمنين؛ يحبه الله سبحانه وتعالى ويقذف محبته في قلوب الناس فيحبونه، ومن هذه البشرى الرؤيا الصالحة يراها هو لنفسه أو يراها الآخرون له. أما في الآخرة فأول البشائر يكون عند قبض أرواحهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: 30]. وفي القبر يبشر بما يبشر به من رضا الله سبحانه وتعالى والنعيم المقيم، وفي الآخرة تمام البشرى بدخول جنات النعيم والنجاة من العذاب.
أيها الأحبة في الله، كيف استحق الولي ووصل إلى منزلة الولاية؟ قال الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: 63]. الذين آمنوا؛ آمنوا بخبر الله، كيف يحققون هذا الإيمان؟ يؤمن بلا شك كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحجرات: 15]. تريد أن تكون من أولياء الله؟ أركان الإيمان الستة تؤمن بها بلا شك وما يندرج تحتها؛ الإيمان بالله، الملائكة، الكتب، الرسل، اليوم الآخر، الإيمان بالقضاء والقدر، تؤمن بهذه الأركان بلا شك ولا تقدّم، كما قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات: 1]. التقدّم بأن تجعل أحداً أمام كلام الله وكلام رسوله، تجعل عقلاً، تجعل بشراً، تجعل بعض العلوم، لا يصلح هذا. لا تقدّم على كلام الله ورسوله أحداً. كيفية هذا التقدّم؟ أن تجعل كلام الله وكلام رسوله ميزاناً لكلام البشر؛ فتجعل مثلاً علم الكلام، تجعل علم الفلسفة، تجعل الحضارة الغربية، تجعلها ميزاناً لكلام الله وكلام رسوله، فما وافق علم الكلام قبلتم، وما خالف علم الكلام رفضتم، لا يصلح هذا التقدّم. هذا كثير من الناس يرى أن هذا معيار للفهم الصحيح، ليس هذا هو المعيار، هذا تقدّم! إنما الواجب أن تجعل علم الكلام موزوناً للوحي الإلهي، فما قبله الوحي الإلهي تقبله من علم الكلام، وما رفضه الوحي الإلهي ترفضه من علم الكلام، لا العكس.
كيف تجعل كلام الله وكلام رسوله موزوناً لكلام البشر؟ مصطلحات يونانية وأشياء عجيبة، ما يصلح مثل هذا. وبعض الناس يجعلهم الكشف والذوق، وبعض الناس يجعلهم موزوناً للعادات والأعراف، بعض الناس يجعله موزوناً للحضارات، ما يصلح هذا. هذا ليس من أولياء الله. ولي الله يؤمن بالوحي الإلهي بلا تقدّم، ولي الله يؤمن بالأسماء الإلهية بلا إلحاد، كما قال الله عز وجل: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: 180]. لا تلحد، لا تمل عن الحق الثابت في الوحي الإلهي إلى أمور باطلة، خلاص أنت تلتزم بهذا الحق الذي أراده الله وأراده رسوله صلى الله عليه وسلم من القرآن أو من السنة. كذلك إذاً هم الذين آمنوا؛ آمنوا بخبر الله، وكانوا يتقون؛ فالتزموا تقوى الله بامتثال الطلب فعلاً أو تركاً، أولياء الله متقون لله، فيمتثلون ما طلبه الله عز وجل منهم فعلاً أو تركاً بلا شرك، لا يشركون مع الله سبحانه وتعالى غيره في عبادته، ولا يشركون مع الله سبحانه وتعالى غيره في طلب الأجر فيطلبون من بعض الناس المدح والثناء على أعمالهم الصالحة، لا يصلح هذا.
فهم يمتثلون بلا شرك، يمتثلون بلا اعتراض، لا يعترضون على ما طلبه الله عز وجل منهم فعلاً أو تركاً يعترضون عليه بالعادات بالأعراف وبالاقتصاد وبالسياسة، لا. ولا ابتداع، لا يبتدعون، إنما هم متقون لله سبحانه وتعالى فيتبعون رسول الله صلى الله عليه وسلم في أداء تلك العبادات في الصفة، في الزمان، في المكان، في العدد، في المقدار، في الجنس، هكذا يلتزمون العبادة كما شرعها الله سبحانه وتعالى ولا يبتدعون فيها. هؤلاء أولياء الله سبحانه وتعالى الذين آمنوا وكانوا يتقون. ومن تقوى الله سبحانه وتعالى التي وردت في الحديث أنهم يتقربون إلى الله سبحانه وتعالى بالفرائض، يلتزمون الفرائض ويستكثرون من النوافل، وأنهم يتواضعون للمؤمنين، وأنهم عزة على الكافرين، وأنهم يجاهدون في سبيل الله، وأنهم يتبعون رسول الله صلى الله عليه وسلم. أسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يجعلني وإياكم من أوليائه الذين يحبهم الله سبحانه وتعالى ويسددهم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وجزاكم الله خيراً.
د. أبو زيد مكي القبي