تسجيل الدخول

المحاضرة 11 - التحذير من الغلو في العبادة

أبو زيد مكي القبيد. أبو زيد مكي القبي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. حياكم الله طلاب العلم في المحاضرة الحادية عشرة من محاضرات مادة العقيدة، المستوى الرابع. أيها الأحبة في الله، ما زلنا نستكمل الحديث عن مسألة الولي والولاية والكرامات، ونريد أن نتحدث عنها في هذه المحاضرة بمشيئة الله والمحاضرة القادمة كذلك. أريد أن أذكر بما ذكرناه من قبل، ما معنى الولي؟ قلنا الولي يا إخوان له معنيان: المعنى الأول هو من تولى الله عز وجل رعايته وحفظه فلا يكله إلى نفسه، وقلنا المعنى الثاني هو من تولى عبادة الله وطاعته، فهو يأتي بها على التوالي آناء الليل وأطراف النهار.

والمعنيان متقاربان، لأن من تولى عبادة الله وطاعته وأتى بها على التوالي آناء الليل وأطراف النهار، تولاه الله عز وجل فحفظه ورعاه ولم يكله إلى نفسه. أيها الأحبة في الله، أريد أن نبين أن مسألة الولي والكلام عن الوصول إلى درجة المحبوبية، وأن يحبك الله سبحانه وتعالى، هذه من معتقدات أهل السنة والجماعة، وليست خاصة بفرقة الصوفية أو غيرها من الفرق. فيظن بعض الناس أن الحديث عن كيف تكون ولياً لله سبحانه وتعالى ليس من كلام أهل السنة والجماعة، وهذا غير صحيح؛ لأن هذا الأمر موجود في كتاب الله سبحانه وتعالى، قال الله: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: 62-63]. فالله سبحانه وتعالى ذكر الأجر المترتب على من بلغ مرتبة الولاية، وبين كيف يصل الإنسان إليها؛ فهذا ليس من اجتهاد البشر، بل هو من كلام الله سبحانه وتعالى.

أيها الأحبة في الله، ينبغي أن يرغب كل واحد منا نفسه أن يكون ولياً من أولياء الله. لو لم يكن في أن تكون ولياً لله سبحانه وتعالى إلا أن الله يحبك كما ورد في الحديث القدسي: «وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه». يا الله، منزلة الولي أن الله سبحانه وتعالى يحبك، ما أعظم هذا الأجر وما أعظم هذا القدر للولي عند الله سبحانه وتعالى! عندما يعلم الإنسان أنه إذا وصل إلى منزلة الولاية فإن الله يحبه، فهذا مطمع كل إنسان عاقل، كل مسلم يحب الله سبحانه وتعالى، هذا مطمعه أن يكون ممن يبلغ منزلة الولاية ليحبه الله سبحانه وتعالى.

ولي الله مسدد، يسدده الله سبحانه وتعالى في سمعه فلا يسمع إلا الخير، وإذا أراد أن يسمع الشر من غيبة أو نميمة أو كذب صرفه الله سبحانه وتعالى عن ذلك، وبغض الله سبحانه وتعالى إليه استماع ما حرمه الله جل جلاله؛ فتجد هذا الإنسان مسدداً في سمعه، وتجده أيضاً كذلك إذا سمع القرآن أو الحديث يسدده الله في فهمه، فهو مسدد. ولي الله مسدد في بصره فلا يبصر إلا الحلال، ويشبعه الله سبحانه وتعالى من اللذة بالنظر، وإذا أراد أن ينظر إلى معصية أو محرم صرفه الله سبحانه وتعالى عن ذلك، وبغض الله عز وجل إلى قلبه النظر إلى الحرام. الله أكبر، منزلة عظيمة!

كذلك يسدده الله في يده، يده يبطش بها في الحلال ويستعملها في الحلال، فإذا أرادت أن تمتد يده إلى حرام تجد أن هناك من يصرفه عن ذلك، ويبغض الله سبحانه وتعالى إلى قلبه امتداد يده إلى الحرام؛ لا يتعامل بالربا ولا يتعامل بالغش، وهكذا يصرفه الله سبحانه وتعالى عن ذلك. ويسدده الله في رجله، يمشي بها إلى الطاعات ولا يمشي بقدمه في المعاصي والمنكرات، وإذا أراد أن يتوجه إلى معصية أو منكر صرفه الله سبحانه وتعالى عن ذلك. هذه نعمة عظيمة يا إخوان، لابد أن نرغب أنفسنا في بلوغ منزلة الولاية لهذه الأسباب.

منزلة الولي أنه مجاب الدعوة، كما قال الله سبحانه وتعالى في الحديث القدسي: «ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه». ولي الله سبحانه وتعالى مجاب الدعوة، سواء أجاب الله سبحانه وتعالى دعاءه مباشرة فأكرمه وأظهر له الكرامة في إجابة دعائه، أو أن الله سبحانه وتعالى يصرف عنه من السوء ما يكافئ هذه الدعوة، أو أن الله سبحانه وتعالى يدخرها له في الآخرة؛ لأن حكمة الله سبحانه وتعالى اقتضت ألا يجيب دعاءه في تلك المسألة، وهكذا تجد ولي الله سبحانه وتعالى يكرمه الله في دنياه بإجابة دعائه وإجابة استعاذته.

ولي الله مستنير، ينير الله عز وجل فكره، ينير الله عقله، ينير الله صدره، ينير الله دربه، كما قال الله عز وجل: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: 257]. ولي الله مستنير في فهمه، ولي الله مستنير في كلامه، ولي الله مستنير في قراءته، وهذه من نعم الله سبحانه وتعالى على الولي، لذلك ينبغي أن نرغب أنفسنا للوصول إلى هذه المنزلة. ولي الله مرضي، يعطيها الله سبحانه وتعالى حتى يرضيه، حتى إنه لولا أن الله كتب على كل نفس أنها ذائقة الموت لأعطاه الخلود، لأن الولي قد يطلب الخلود. ولي الله منصور، ينصره الله على من عاداه. ولا يظن ظان أن ولي الله سعيد في الآخرة فحسب، بل إن الله سبحانه وتعالى يسعده في الدنيا وفي الآخرة: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 97].

ينبغي أن يرغب الإنسان نفسه أن يصل إلى هذه المنزلة، منزلة الولاية؛ فهي منزلة عظيمة. وقلنا يستطيع أن يبلغها الإنسان بأمرين اثنين، لا تعلق فيها بألبسة ولا تعلق فيها بأمور غير معروفة، إنما يقوم الإنسان بأمرين: يقوم بالإيمان ويقوم بالتقوى، ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾. من آمن بخبر الله بلا شك، آمن بخبر الله بلا تردد، آمن بخبر الله بلا إلحاد، أتى بالإيمان واتقى الله سبحانه وتعالى فامتثل ما طلبه الله عز وجل منه فعلاً أو تركاً، امتثل بلا شرك، امتثل بلا اعتراض، امتثل بلا ابتداع، هذا هو ولي الله سبحانه وتعالى. هذه منزلة الولاية وهذا هو طريق الوصول إليها، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلني وإياكم من أوليائه.

أحب أن أنبه لهذا المقطع هنا، أحب أن أنبه يا إخوان أن هناك أموراً منكرة يدعيها من يزعم أنه من أولياء الله، لابد أن نتنبه إليها. بعض الناس يفهم من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها»، يفهم من ذلك معتقداً كفرياً، معتقداً يخرج الإنسان من ملة الإسلام، وهو يظن أنه يعني بهذا الفهم منزلة من منازل الدين، وهو في الحقيقة خرج عن دين الإسلام؛ فيفهم من هذا الحلول، ويقول بأن الله سبحانه وتعالى قد حل فيه لأنه قال: كنت سمعه، كنت بصره، كنت يده، كنت رجله، فيفهم من هذا الحلول.

هذا المقصود به التسديد، فمن قال وزعم أنه ولي من أولياء الله فأوحى للناس أو أفهم الناس أن الله سبحانه وتعالى قد حل فيه، أنه هو والإله في واحد، وأنه يقول بالحلول، يقول بالاتحاد، يقول بوحدة الوجود، هذه معتقدات باطلة تخرج الإنسان عن ملة الإسلام بمجرد ما تسمع مثل هذا الكلام الذي فيه إيحاء بالحلول، وأن الله هو الذي يفعل، وأن الله هو الذي يتكلم، وأن الله هو الذي يتحرك، وأن الله هو الذي يبطش، فيزعم أنه عندما يبطش فإن الله هو الذي يبطش، وأنه عندما يمشي فإن الله هو الذي يمشي؛ لا، اعلم أن هذا الإنسان من أصحاب الخرافات والأوهام والزندقة، ومن أصحاب الخروج عن ملة الإسلام. ليس هذا طريق الولاية.

هذه المعتقدات التي تخرج بالإنسان عن ملة الإسلام ليست في طريق الولاية، القول بالحلول ولا القول بالاتحاد ولا القول بوحدة الوجود. الحلول يعني أن الله يحل في العبد كما يحل الماء في داخل الكأس، هذا معتقد كفري. والاتحاد عندما تمزج مثلاً تضع التوت في الماء فيمتزج الماء مع التوت فيصبح شيئاً واحداً يتحد المخلوق مع المخلوق فيصبح هو المخلوق شيئاً واحداً. ووحدة الوجود أن ترى كل هذا الوجود هو الله سبحانه وتعالى، والله أراد أن يرى نفسه فتجلى في مخلوقاته، فكل مخلوقات الله هي في الحقيقة هي الله لأنها أجزاء من هذا الإله؛ هذا وحدة الوجود والعياذ بالله، هذه معتقدات باطلة ينبغي أن يحذر الإنسان منها، ولا يعظم هؤلاء الذين يقولون إنهم من أولياء الله ويزعمون هذه المعتقدات التي تخرج بالإنسان عن ملة الإسلام.

من الأشياء المنكرة التي ينبغي أن نتنبه إليها في هذه الموضوعات، قضية القول بالعبودية بالحب وحده بدون خوف أو رجاء. يقول الإنسان إنه وصل إلى مرحلة في التعبد لله وصار من أولياء الله فصار يحب الله جل جلاله، ثم يقول بأنه وصل في منزلة الحب أنه ما عاد أصبح يخاف من الله ولا يخف من وعيد الله ولا يخاف من نار الله، وأصبح بسبب وصوله إلى منزلة المحبة أنه أصبح لا يرجو ثواب الله لا في الدنيا ولا في الآخرة ولا يرجو جنة الله. أيها الأحبة في الله، هذه زندقة. إذا أصبح الإنسان يتعبد لله وصار في تعبده لله وصل إلى مرحلة العشق الإلهي الذي هو بدون خوف ولا رجاء، الذي هو كمحبة العشيق لعشيقته، فإذا كان هو رجل أحب الله كما يحب الرجل امرأة والعياذ بالله، أو امرأة فتحب الله سبحانه وتعالى كما تحب المرأة رجلاً، يسمون تلك الليلة ليلة الزواج الإلهي، الوصل الإلهي؛ اعلم أن هذا الطريق زندقة.

حتى قال بعضهم كما يزعم أنه من محبته لله أنه ما يخاف من نار الله، يقول أصلاً حتى لو أدخله الله النار لبصق فيها فأطفأها، وقال بعضهم لو أدخله الله النار لتمرغ فيها فأصبحت عشباً أخضر، والعياذ بالله، وهكذا من الكلام الذي هو زندقة ومروق من دين الإسلام. هذا ليس ولياً لله سبحانه وتعالى. ثم الذي يزعم أنه وصل في منزلة الولاية وصارت العلاقة بينه وبين الله علاقة حب حتى إن الله أسقط عنه التكاليف؛ اعلم أن هذا منحرف عن دين الإسلام، مارق عن دين الإسلام، خارج عن دين الإسلام، وهو يزعم أنه بلغ أعلى مرتبة من مراتب الإسلام، هذا من تلاعب الشيطان به. بل إن ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾، كانوا يتقون، بالإيمان وبالتقوى وصلوا إلى المنزلة، فإذا ما في تقوى لا يمكن أن يكون من أولياء الله. فمن زعم أنه وصل إلى مرحلة تسقط عنه التكاليف فاعلم أن هذا قد خرج عن ملة الإسلام وهو يزعم أنه من أولياء الله.

إذا زعم أنه وصل إلى مرحلة يترك فيها العلم، لا يقرأ في القرآن ولا يقرأ في السنة، في البداية يقول لابد نلتزم بالقرآن وبالسنة، ثم يقول إنه وصل إلى منزلة الولاية فصار يتلقى العلم مباشرة من الرب إلى القلب مباشرة، يصبح قلبه كالمرآة ينعكس عليها ما في اللوح المحفوظ، فيصبح يتعلم من قلبه مباشرة ويأخذ من اللوح المحفوظ، يأخذ مباشرة من الله سبحانه وتعالى؛ اعلم أن هذا الإنسان قد تزندق. من ترك الاعتماد على الوحي الإلهي وبدأ يعتمد على ما يقذفه الشيطان في قلبه، وأصبح يعتمد على الهواتف، وأصبح يعتمد على كلام الجن، وأصبح يعتمد على الذوق والوجد ونحو ذلك، هذا طريق للزندقة والعياذ بالله.

لا يمكن أن يكون هذا من أولياء الله. ننتبه يا إخوان في هذا الطريق؛ طريق الولاية، أن هذا الإنسان يبحث عن الكرامات ويترك الاستقامة، يبحث عما يعتبر من الآيات والخوارق، ويجتهد ويظن أن الولاية مرتبطة بظهور الكرامات؛ فيسمع ما لا يسمعه غيره، ويبصر ما لا يبصره غيره، ويأتي بأعمال غير معتادة لا يمكن أن يقوم بها غيره، كأن يطير في الهواء، أو يسمع الكلام البعيد الذي لا يسمعه من هو في المجلس، أو يبصر الأشياء التي في مدينة أخرى، فيسعى لذلك سعياً حثيثاً.

الكرامة نثبتها يا إخوان، نؤمن بأن الله سبحانه وتعالى يكرم أولياءه ببعض خوارق العادات؛ ليقوى إيمانهم، وليرى الناس هذه الآيات فيزداد إيمانهم، هذه نؤمن بها، لكن الإنسان يجب أن يكون طالباً للاستقامة لا طالباً للكرامة. ننتبه أن بعض هؤلاء الناس بسبب هذا الحرص وبسبب هذا الطلب يذهب إلى المغارات والكهوف، ويبدأ يأتي بأشياء وأعمال من شأنها أن تتنزل عليه الشياطين، وأن يتلبسه الجن، ويصبح الجن يخبرونه بأشياء من السمعيات والبصريات، يجعلونه يرى أشياء ما يراها غيره، ويسمع أشياء ما يسمعها غيره، يطيرون به في الهواء، يسيرون به على الماء، وهذه من أعمال الجن، وهو يظن أنها دليل على أنه من أولياء الله ومن أحباب الله. ننتبه إلى هذا يا إخوان، هذا ليس من طريق الولاية.

ثم ننتبه يا إخوان إلى بعض القضايا فيما يتعلق بالابتداع في العبادة؛ إذا قال هذا الولي إنه أصبح يستطيع أن يأتي ببعض أذكار، يستطيع أن يأتي ببعض الصلوات التي لم يشرعها الله عز وجل ولا رسوله صلى الله عليه وسلم، وإنما أصبح يقول وصل إلى مرحلة أنه يستطيع أن يبتدع لنا مثل هذه الأشياء، فاعلم أن هذا الإنسان قد ضل الطريق إلى الله وليس من أولياء الله.

للإيمان أركان لا يتم إلا بها، فإذا سقط منها ركن لم يكن الإنسان مؤمناً؛ وهي ستة: الإيمان بالله ويشمل الإيمان بربوبيته أي بأنه الخالق المالك المدبر، وبالوهيته فلا معبود بحق إلا الله وكل معبود سواه باطل، وبأسمائه وصفاته فله الأسماء الحسنى والصفات العليا. ونؤمن بالملائكة وأنهم مخلوقون من النور، وأنهم عابدون لله مطيعون يسبحون الليل والنهار لا يفترون ولهم أعمال كلفوا بها؛ فجبريل موكل بالوحي، وميكائيل بالمطر والنبات، وإسرافيل بالنفخ في الصور. ونؤمن بالكتب أنزلها الله على رسله حجة على العالمين، قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: 25]، ومنها التوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وموسى، وأعظمها وخاتمها القرآن العظيم المهيمن عليها.

ونؤمن باليوم الآخر وهو يوم القيامة، ونؤمن بما فيه من البعث والحشر وصحائف الأعمال والميزان والحساب والصراط والحوض والشفاعة والجنة والنار. ونؤمن بالقدر خيره وشره، وهو تقدير الله تعالى للكائنات حسب ما سبق به علمه واقتضته حكمته، وله أربع مراتب: العلم، والكتابة، والمشيئة، والخلق. فثبت إيمانك بالعلم والعمل، واحذر من شبهات المشككين، فاكتبنا مع الشاهدين.

حياكم الله أيها الإخوة معاشر طلاب العلم، قلنا يا إخوان ننبه على بعض أمور يرتكبها من يزعم أنه ولي الله وهو ولي الشيطان؛ إذا بدأ هذا الإنسان يبتدع في العبادات ويأتينا بأذكار معينة ويقول هذا الذكر تذكره في الصباح وتذكره في المساء، وهذا الذكر له صيغ لم ترد في الشرع، أو يأتي له بعدد لم يرد في الشرع، أو يأتي له بوقت لم يرد في الشرع، أو بمكان لم يرد في الشرع، ثم يقول كرر هذا ويحصل لك من الأجر كذا وكذا، أو يبتدع صلوات، يبتدع صياماً معيناً، يبتدع في العبادات أشياء يظن أنه لما وصل إلى مرتبة الولاية أنه أصبح له حق التشريع، وأن يبتدئ طريقة توصل إلى الله سبحانه وتعالى، وهذه الطريقة تلقاها في المنام أو عن طريق الهواتف أو في اليقظة من رسول الله مباشرة كما يزعم أنه صافحه النبي صلى الله عليه وسلم وأعطاه هذه الطريقة؛ هذا الشخص الذي يبدأ يبتدع في العبادة اعلم أنه قد ضل طريق الولاية.

لأن الولي من أولياء الله، ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: 31]، فهم أهل الاتباع للنبي صلى الله عليه وسلم في العقيدة وفي الشريعة. فمن رأيته قد ضل في العقيدة وهو يسير في طريق الضلال، يعرف أن هذه العقيدة لم ترد في الكتاب ولا في السنة، لكن يرى أنه وصل إليها وبدأ يعلم الآخرين أنه وصل في هذه العبادة بطريق النظر والتأمل ونحو ذلك فابتدعها، نقول يا إخوان إن هؤلاء قد ضلوا هذا الطريق.

أمور خاطئة يرتكبها من يزعم أنه ولي الله؛ يأتي بالرهبانية ويسميها هو الزهد، لكنه زهد بدعي، تزهد في أمور الدنيا على غير شرع الله، ليس هو الزهد الشرعي إنما هي رهبانية ابتدعها، ينقطع انقطاعاً كلياً عن الدنيا ويقول علامة انقطاعه الكلي عن الدنيا أن ترى زوجته كالأرملة وأولاده كالأيتام؛ هذا الذي ينقطع بالكلية عن عمله وعن زوجته وعن تربية أبنائه وعن خدمة المجتمع وينقطع للعبادة ويظن أن طريق الولاية يكون بالانقطاع عن الدنيا بالكلية، نقول هذه أمور خاطئة لا علاقة لها بطريق الولاية، لا علاقة لها بأن تصل إلى أن تكون محبوباً عند الله، بل إن هذا الزهد البدعي، هذا الانقطاع الكلي عن الدنيا هو سبب لغضب الله عليك وليس سبباً لمحبة الله لك.

نقصد يا إخوان الانقطاع الكلي عن الدنيا، لا يأتي شخص يقول طيب إنسان بلغ سبعين سنة وجعل في بيته مسجداً ثم اعتكف فيه وأصبح يحضر الطعام وجلس في معتكفه وانقطع عن الناس، هذا موضوع آخر يختلف، نحن نتحدث عمن يأتي يتعبد لله سبحانه وتعالى. أما هذا الإنسان الذي بلغ السبعين وتفرغ، هذا وضعه هكذا، لكن يأتي شاب في قوته وفي عنفوانه ثم يذهب إلى الكهوف والمغارات، ثم يترك العمل، يترك الدراسة، يترك كسب المال، ويرى أن هذه الأمور تحول بينه وبين طريق الولاية، نقول هذا انحراف عن دين الإسلام.

إذا رأيت شخصاً يهمل الاكتساب والقوة المادية، اكتساب المال والعمل، وأن يكون للإنسان قوة مال وقوة اقتصاد، اعلم أن هذا الإنسان ابتعد عن طريق الولاية، بل إن أولياء الله عرف عنهم أنهم يأكلون من كسب أيديهم، وأنهم كان لديهم حرف وصنائع، وكانوا يعملون ويجدون ويجتهدون. الأنبياء والرسل والصالحون والأولياء كانت لهم أعمال، لكنهم فهموا هذه الدنيا أنها دار ممر لا دار مقر، وأن هذه الدنيا مهما بلغت من الزينة، ومهما بلغت من الكمال، ومهما بلغت من الجمال، فهي لا تساوي عند الله جناح بعوضة؛ لو كانت هذه الدنيا بزينتها وزخرفها تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافراً شربة ماء. إن هذه الدنيا فانية وأن هناك دار الخلود، هذا موضوع آخر وهذا الزهد الحقيقي، لكنهم كانوا يملكون هذه الدنيا، يعلمون أنهم في ساعة، لكن في هذه الساعة التي يبقون فيها يجعلونها صالحة لعبادة الله، محكومة بشريعة الله.

وهكذا إذا رأيت هذا الشخص الذي يزعم أنه من أولياء الله يبدأ ينكب على الفواحش، يترك الصلوات، ويقبل على الخمر، ويقبل على الزنا، ويقبل على اللواط والعياذ بالله، يقبل على الفواحش ثم يقول انتبه، انتبه! أنت ما تراه غير ما يقوم به، وإن هذا خمر كما تراه أنت، لكنه هو ماء زلال بالنسبة له؛ اعلم أن هذه الزندقة والعياذ بالله. لما هؤلاء حرموا على أنفسهم الطيبات وقعوا في الفواحش والمنكرات، أسوة بمن سبقهم من الأمم السابقة، من البوذية ومن الرهبانية عند النصارى؛ لما تركوا ما أحل الله عز وجل لهم وحرموا على أنفسهم ووقعوا في أنواع الفواحش.

البوذية كانوا يقعون على البهائم لما تركوا ما أحل الله عز وجل لهم من الطيبات والزوجات، وهكذا الرهبانية وقعوا على بعضهم البعض والعياذ بالله، ووقعوا في اللواط والفواحش. وهكذا من ترك ما أحله الله عز وجل له وخالف تلك الفطرة وعذب نفسه قد يقع في ردة فعل، فعندما ينكر الناس عليه قال: لا تنكر على فلان، هذا أنت تراه بمنظرك لكن هو في الحقيقة شيء آخر، هو شيء طيب بالنسبة له. يلتقي بالنساء ويقول هذا اجتماع أرواح لا اجتماع أبدان، هذا كلام فاضي. إذا وجدت أشخاصاً بهذا الشكل على الفواحش فاعلم أن هؤلاء ممن يدعون أنهم من أولياء الله، وهم في الحقيقة ممن يبغضهم الله سبحانه وتعالى.

إذا وجدت هذا الشخص يدعي أنه مشارك لله سبحانه وتعالى في شيء من ربوبيته، فيزعم أنه يعلم الغيب، أنه يدبر الكون، فيتطاول على الناس بذلك؛ فإذا جاءت الريح للناس أو وليمة أو كذا، قال لها أيتها الريح انصرفي، يعني بخلاف ما ندعو الله سبحانه وتعالى، فنحن نقول يا الله خفف عنا، هذا موضوع آخر، لكن هو لا، يقول أيتها الريح انصرفي، وأيتها الريح أقبلي، وافعلي كذا، فيأمر وينهى في الأمور الكونية ويعتقد أنه مشارك لله سبحانه وتعالى في التدبير، اعلم أن هذا الإنسان قد خرج عن طريق الولاية وتوجه والعياذ بالله إلى طريق الدجاجلة.

كذلك أيها الأحبة، إذا رأيت من شخص وهو في طريق الولاية يطلب التكريم الغالي من الأتباع، ويغضب عليهم إذا لم يغلوا فيه، إذا لم يقعوا في الغلو فيه؛ يغضب عليهم من ذلك، فيطالبهم مثلاً لأنه من الأولياء، يطالبهم بالتمسح به، التبرك بما انفصل عن جسده من شعر أو عرق أو بصاق، قد رأينا بعض الناس يمتخط ويرمي منديله فيتسابق الأتباع إليه وهو يعجبه ذلك، يعجبه ذلك ويرى أن هذا دلالة على أنه أصبح ولياً من أولياء الله، وهذا والعياذ بالله انحراف عن طريق الإسلام.

إذا رأيت هذا الإنسان يطلب من أتباعه التبرك به، التمسح به، تبادل المال معه، يرمي حذاءه فيتسابقون للحذاء، وأيضاً قد يصل عند بعضهم أنه يطالب الأتباع بالسجود له، إذا رأيتهم يسجدون بين يديه، إذا رأيتهم يغالون في ذلك حتى أن بعضهم يزعم أن شيخه أفضل من الشيخ الآخر، طيب كيف؟ فيأتي له بالكرامات، يذكر له من الفضائل الشيء العجيب؛ هذا طلب التكريم الغالي من الأتباع انحراف عن طريق الولاية، وليس هذا الشخص من أولياء الله.

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلني وإياكم من أهل الولاية حقاً التي فيها إيمان بالله وفيها اتقاء لله سبحانه وتعالى. نكتفي بهذا القدر في هذا الدرس، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد. جزاكم الله خيراً، وإلى اللقاء في حلقة أخرى. استودعكم الله راغباً في كل علم نافع.