يا راغبا في كل علم نافع ينمو العلم ويتقدم. تقنياته ومجالاته ومعه تطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي، أكاديمية زاد هذه عقيدتنا الصحيحة فطرة، هل في الشكوك بواضح البرهان؟ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم إنا نسألك علما نافعا وعملا صالحا وقلبا خاشعا ولسانا ذاكرا. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا واجعله حجة لنا ولا تجعله حجة علينا يا رب العالمين.
أيها الأحبة في الله، نختم الكلام عن موضوع الولي بطرح موضوع بعنوان: كيف تكون عابدا لله بدون غلو؟ كيف تكون من أولياء الله بدون أن تقع في الغلو؟ سنذكر ثلاث خطوات.
الخطوة الأولى: أن تقوم بتعبيد قلبك لله، ثبت قلبك لله وفق شرع الله. كيف تقوم بعبودية القلب؟ تهتم بقضية المحبة والخوف والرجاء والرضا وبقية أعمال القلوب، لكن تركز على هذه الأربعة الأمور. تعبد الله سبحانه وتعالى، تعبد قلبك لله حبا فيه جل جلاله. هذا الحب يا إخوان في طريق الولاية لله سبحانه وتعالى يجعلك تتذوق المتاعب والمصاعب والمشاق في رضا الله سبحانه وتعالى، تتذوق لها طعما، ونوع هذا الطعم حلاوة؛ حلاوة تجدها في قلبك، وحلاوة وانشراح ستجده، وصلاح تجده في حياتك. ولذلك مسألة الحب يا إخوان في غاية الأهمية، أن تتعبد لله سبحانه وتعالى حبا فيه. وكيف لا تحبه جل جلاله وهو خلقك من العدم وأدر عليك أنواع النعم؟ فلابد إذا أردت أن يحبك الله أن تملأ قلبك بمحبة الله سبحانه وتعالى، وأن تبحث عن الأمور التي من شأنها أن تزيد محبة الله سبحانه وتعالى في قلبك وتقوم بها فتتعبد لله سبحانه وتعالى بالحب.
أمر ثانٍ، لا يكفي بالحب وحده حتى تضيف إلى ذلك الخوف من وعيد الله سبحانه وتعالى. لابد أن تعبد الله وأنت قد ملأت قلبك بالخوف من غضب الله، بالخوف من نار الله، بالخوف من وعيد الله وسخط الله، حتى تصبح عبدا لله ويصبح قلبك عبدا لله جل جلاله؛ لأنه بالحب بدون خوف لا يمكن أن تكون عبدا، والخوف بدون حب لا يمكن أن تكون عبدا. لابد أن تجمع بين الأمرين، بين الحب والخوف. الخوف الصحيح الخوف من وعيد الله الممدوح وهو أن تخاف من وعيد الله خوفا يدفعك لترك المعاصي والمنكرات، هذا الخوف المحمود وليس هو الخوف الذي يوقعك في اليأس والقنوط من رحمة الله. لا، إنما هو الخوف الذي يجعلك تستكمل الطاعة بأركانها وواجباتها وسننها، هو الخوف الذي يزجرك عن أن تقع في معصية الله سبحانه وتعالى.
ولا يكفي أن تعبد قلبك لله بالحب والخوف حتى تضيف إلى ذلك الرجاء، وهو رجاء المحسن في أن ينال ثواب إحسانه والطمع وشدة الحرص على نيل ثواب الله سبحانه وتعالى في الدنيا وفي الآخرة. لابد أن تعبد قلبك لله كذلك بالرجاء، هذا الرجاء الذي هو مثل الوقود بالنسبة للسيارة، هو مثل الطعام بالنسبة لجسد الإنسان، لو لم يكن لديك هذا الوقود وهذا الدافع فإنك سرعان ما تترك العمل. لكن عندما تعلم أنك إذا فعلت تلك الطاعة مخلصا لله وفق سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويكون عندك يقين أن الله سبحانه وتعالى سيعطيك ما وعدك، فاعلم أن هذا أصل للولاية. من عبد الله بالحب والخوف والرجاء فهذا هو الموحد. من عبد قلبه لله فملأ قلبه بالحب لله جل جلاله والخوف من وعيد الله والرجاء في وعد الله، هذا الإنسان قد سار في طريق الولاية السير الصحيح.
وكذلك تعبد قلبك بالرضا؛ الرضا بأنك عبد وأن الله هو الرب، أنك عبد والله سيدك يأمرك وينهاك. فإذا عبدت قلبك بالرضا بشرع الله، الرضا بربوبية الله سبحانه وتعالى لك، بقدر الله، إذا عبدت قلبك بالرضا بأسماء الله عز وجل وصفاته؛ إذا عبدت قلبك بالرضا يرضيك الله سبحانه وتعالى. والرضا المقصود به القبول والانقياد وانشراح الصدر بشرع الله وبقدر الله. هذا الإنسان الذي يعبد قلبه لله بهذه الأساسيات بالحب، الخوف، الرجاء، الرضا، اليقين، الصبر، التوكل، كلما عبدت قلبك لله بأعمال القلوب المعروفة كلما سرت في الطريق إلى الله سيرا صحيحا.
الذي يريد أن ينبه إليه أن تنتبه إلى مظاهر الغلو في تعبيد القلب. مظاهر الغلو في تعبيد القلب العبادة بالحب وحده، هذا زندقة، حب العشق هذه زندقة. الظن بأن الواسطة من تعظيم الله، الواسطة بينك وبين الله في الدعاء، في الذبح، في النذر، في العبادة، أنها من تعظيم الله، هذا من الغلو في تعبيد القلب. يعني بعض الناس يقول إنهم من تعظيمه لله لا يدخل على الله مباشرة، لا يدعو الله مباشرة، لا يذبح لله مباشرة، بل يذبح للولي والولي يوصل ذبحه، يوصل نذره، ويوصل استعاذته، ويوصل استغاثته إلى الله سبحانه وتعالى، ويرى أنه كما نحن نعظم ملوك الدنيا بالاتيان بالواسطات إليهم عندما يكون الإنسان غير معروف، كذلك نعظم الله سبحانه وتعالى بالدخول إليه في أمور العبادات بالأولياء. هذا من الغلو في تعبيد القلب والانحراف في تعبيد القلب.
كذلك سوء الظن بوعد الله تعظيما لملكهم؛ فيقول إن الله سبحانه وتعالى قد يخلف وعده، وأن الله سبحانه وتعالى يدخل المتقي لله من مات وصفته متقية لله موحدا لله تائبا من كل كبيرة غير مصر على صغيرة، يقولون إن الله يدخلها النار وأن الله يفعل في ملكه ما يشاء. هذا من سوء الظن بالله، هذا معتقد فاسد في الله سبحانه وتعالى وليس هو من تعبيد القلب لله. من ظن أن الله سبحانه وتعالى يعذب أولياءه الذين ماتوا على التوحيد والتوبة فقد ساء ظنه بالله. من ظن أن الله لا يعطي الأجير أجره وأن الله ينقص أجر العامل يوم القيامة، أنه يظلمه شيئا، فقد ساء ظنه بالله، وهذا من الغلو في تعبيد القلب. إذا أردت أن تكون عابدا لله بدون غلو فاعبد قلبك أولا وفق شرع الله سبحانه وتعالى.
الأمر الثاني الخطوة الثانية: عبد عقلك لله. كيف تعبد عقلك لله؟ بالقيام بأمرين اثنين مع هذا العقل: الأمر الأول منع، الأمر الثاني تشغيل. تمنع هذا العقل من التفكر في ذات الله وكيفية صفاته. هذا أمر غيب، ابتلانا الله سبحانه وتعالى فغاب عنا بذاته. وسيجعل الله سبحانه وتعالى يوم القيامة أعظم نعيم يتنعم به الإنسان يوم القيامة هو لذة نظري إلى وجه الله سبحانه وتعالى. فلذلك في هذه الدنيا أنت تعبد الله وتضع جبهتك على الأرض وتذهب إلى عرفات تدعو الله وأنت لم تر الله، والله سبحانه وتعالى يعلم ذلك. يقول: ولم يروني فكيف لو رأوني؟ ولذلك تفوز بالأجر العظيم من الله سبحانه وتعالى. نأخذ فاصلاً ثم نعود إلى الكلام عن كيفية تعبيد العقل لله سبحانه وتعالى.
يموج العالم بأنواع من المعاملات والعقود، منها الحلال ومنها الحرام، فهل تعلم هذا من ذاك؟ فيلزم التاجر أن يتعلم فقه البيوع وأركان البيع وشروطه حتى يكون بيعه صحيحا، ويتجنب البيوع المحرمة، ويتعلم الربا وصوره، وما يشترط فيه التقابض والتماثل معا أو التقابض فقط حتى لا يقع في الربا. ويلزمه معرفة البيوع المنهي عنها كبيع المحرمات كالخمر، والغرر كبيع الطير في الهواء وبيع ما لا يملك والقمار. ويلزمه تعلم أنواع الخيار؛ كخيار المجلس وخيار الشرط وخيار العيب حتى لا يظلم المشتري. ويتعلم أحكام القرض؛ ما يصح إقراضه وما لا يصح، وكيف يتصرف مع المماطل حتى لا يقع في الربا أو الظلم. ويتعلم القبض وصوره، فقبض كل شيء بحسبه؛ فإن كان موزونا فقبضه بوزنه، وإن كان ثيابا ونحوها فقبضها نقلها، وإن كان مما لا ينقل فقبضه بالتخلية. ويتعلم أحكام الإجارة كحرمة مماطلة الأجير، قال صلى الله عليه وسلم: «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه». ويتعلم أحكام الزكاة حتى يعرف كيف يزكي أمواله، وليعلم أن الضريبة لا تغني عن الزكاة، ومن احتاج معاملة تعلم فقهها حتى لا يقع في الحرام، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: 75].
حياكم الله أيها الأحبة، قلنا إذا أردت أن تكون عابدا لله بدون غلو فاعبد عقلك لله وفق شرع الله، وهذا التعبيد للعقل يكون بالمنع والتشغيل. المنع أولا: تمنع هذا العقل من التفكر في ذات الله وفي كيفية صفاته. أنت عرفت الله سبحانه وتعالى ودرست الأسماء والصفات وعرفْت معاني أسماء الله عز وجل وصفاته، فاعبد عقلك لله بدون كيفية ذات الله وكيفية صفاته؛ لأن هذا الأمر قد أخفاه الله سبحانه وتعالى عنا، قد غاب عنا بذاته فكيف نعرف كيفية ذاته وكيفية صفاته؟ وأن الله سبحانه وتعالى لم يعطنا الخبر الصادق الموضح لكيفية صفاته، لم يخبرنا الله سبحانه وتعالى بذلك، ولأن الله سبحانه وتعالى ليس له مثيل فنقيسه، فوجب علينا قطع الطمع عن معرفة كيفية ذات الله وكيفية صفاته.
الأمر الثاني نعبد عقلنا لله: التوقف عن التفكر في الحكمة من العبادات التي حكمتها تعبدية. صلاة الفجر ركعتين، لم؟ الطواف سبع أشواط، لم؟ ننتقل من الحرم إلى منى إلى عرفات إلى مزدلفة إلى منى إلى الحرم، لماذا؟ ما الحكمة من ذلك؟ الوضوء يبدأ بالوجه ثم الرأس ثم الرجلين. هذه عبادات حكمتها تعبدية، لكن يجب أن نملأ عقولنا أنها بهذا المقدار، بهذا العدد، بهذا الزمان، في هذا المكان، هو الذي يحدث لنا النسك والطهارة، هو الذي يحدث لنا الأجر والثواب من عند الله سبحانه وتعالى.
كذلك نتوقف في تعبيد عقولنا لله أن نوقف عقولنا ونمنع عقولنا من التفكر في جوانب لذة في المحرمات. الأمور التي حرمها الله عز وجل علينا من زنا، من لواط، من سرقة، من ما يجلس الإنسان يتلذذ رؤيته لتلك الصور، فهذا ما يصلح للإنسان. يجب على الإنسان أن يمنع عقله من التفكر في المحرمات وفي لذتها ونحو ذلك. طيب، وهذا العقل تشغله، تشغل هذا العقل في طلب العلم الشرعي، تشغل هذا العقل في فهم معاني أسماء الله عز وجل وصفاته والتفكر في عظيم مخلوقاته، تشغل هذا العقل في الوصول النافع الدنيوي ومجال التخصص العملي الذي أنت تعمل فيه وهكذا.
وتبتعد عن مظاهر الغلو في تعبيد العقل، فمن الغلو في تعبيد العقل أن تجعل هذا العقل ميزانا للوحي، فإذا أصبحت أنت ترى أن عقلك تزن به الوحي؛ ما يقبل منه الوحي وما لا يقبل منه الوحي، اعرف أن هذا انحراف في عبودية العقل. إذا جعلت عقلك مصدرا لتشريع العبادات، تشريع الأذكار، فاعلم أن هذا انحراف في تعبيد العقل، بل الواجب على الإنسان أن يجعل عقله تابعا للوحي الإلهي.
كذلك يا إخوان إذا أراد الإنسان أن يكون عابدا لله بدون غلو أن يقوم بتعبيد جوارحه لله سبحانه وتعالى وفق شرع الله. كيف تعبد جوارح لله وفق شرع الله؟ بالكف والعمل. الكف: تكف هذه الجوارح عما حرمه الله عز وجل عليك. تكف هذه الجوارح أولا عن الشرك بالله، تكف هذه الجوارح عن الابتداع في دين الله، تكف هذه الجوارح عن معصية الله، وتجاهد نفسك في ذلك. وجاهد نفسك في كف هذه الجوارح عما حرمه الله سبحانه وتعالى. ثم تعمل بهذه الجوارح في أداء الطاعة، تعمل بهذه الجوارح في الاستكثار من النوافل، تعمل بهذه الجوارح في إصلاح دنياك، هكذا تكون عابدا لله سبحانه وتعالى بدون غلو. تحتاج في هذا الأمر أن ترغب نفسك في هذه الأشياء، ترغب نفسك في الطاعة، ترغب نفسك في الأخلاق الحسنة، ثم تقوي إرادتك بأن تعمل هذا الأمر ثم تكرره حتى يصبح فعل الطاعات وتصبح التزام الأخلاق من سجاياك، يصبح هذا الأمر مما تمارسه بيسر وسهولة. المعاصي والمنكرات بغضها إلى نفسك، لا بد أن تنظر إليها أنها شيء سيئ، وأنه شيء يشين بالإنسان، اقذف في قلبك البغض للمعاصي والمنكرات، ادع الله سبحانه وتعالى أن يكررها إلى نفسك الكفر والفسوق والعصيان. ثم كف نفسك عن الوقوع في المعصية، ثم إذا راودتك نفسك في الوقوع في المعصية تتوب وترجع ثم تصبر، حتى يصبح هذا الأمر بإذن الله سبحانه وتعالى ممن تبتعد عنهم.
أريد أن أنبه على أن الإنسان يحذر في هذا المجال من الزهد البدعي أو ما سميناه الانقطاع الكلي عن الدنيا. لا تنقطع عن الدنيا، بل الواجب على الإنسان وهو يسير في ترك المعاصي والمنكرات وفعل الطاعات أن يكون عامرا لهذه الدنيا ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61]. ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده. والنبي صلى الله عليه وسلم جعل أفضل منزلة ينزلها الإنسان هي منزلة من جمع بين العلم والمال كما قال صلى الله عليه وسلم: «إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله مالا وعلما، فهو يتقي فيه ربه، ويصل فيه رحمه، ويعلم أن لله فيه حقا فهذا بأفضل المنازل». والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا بأس بالغنى لمن اتقى، والصحة لمن اتقى خير من الغنى، وطيب النفس من النعيم». النبي صلى الله عليه وسلم أمرنا بأن نكد ونكدح ونكتسب في هذه الدنيا، فأما الانقطاع الكلي عن الدنيا ويترك الإنسان أسرته، فلا يسأل على زوجته ولا يربي أولاده ولا يعمر مجتمعه بالخير، لا، هذا غير صحيح، هذا فهم خاطئ. بل إنه وصل الأمر في ديننا الإسلامي أنه لو الساعة قامت وفي يد أحدنا فسيلة يستطيع أن يغرسها فليغرسها، أحد سيأكل، قل بعده الدنيا انتهت، القيامة قامت ومع هذا يغرسها الإنسان، هذا دلالة على فهم صحيح لديننا الإسلامي.
وَأَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا، طَلَبَ مِنكُم عِمَارَتَهَا. وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَخَذَ بِأُذُنِ ذَلِكَ الْجَدْيِ الْأَسَكِّ، وَقَالَ: «مَنْ يَشْتَرِي مِنِّي هَذَا بِدِرْهَمٍ، أَوْ مَنْ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ هَذَا لَهُ بِدِرْهَمٍ؟» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ مَيِّتٌ. قَالَ: «مَنْ يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ هَذَا لَهُ؟» يَعْنِي بِلَاشٍ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ كَانَ حَيًّا كَانَ أَيْسَرَ، فَهُوَ أَسَكُّ، يَعْنِي مَقْطُوعَ الْأُذُنِ مَعْيُوبٌ، يَعْنِي حَتَّى لَوْ كَانَ حَيًّا مَا أَحَدٌ يُرِيدُهُ لِأَنَّهُ مَعْيُوبٌ.
عِنْدَمَا تَأَكَّدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عَدَمِ رَغْبَتِهِمْ فِي ذَلِكَ الْجَدْيِ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَاللهِ لَلدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللهِ مِنْ هَذَا عَلَيْكُمْ». لَكِنْ هَلْ نَبِيُّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ الَّذِينَ فِي السُّوقِ بِالِانْصِرَافِ عَنْ أَسْوَاقِهِمْ وَعَنْ تِجَارَتِهِمْ؟ أَوْ أَحَدٌ فَهِمَ مِنَ الصَّحَابَةِ ذَلِكَ؟ مَا فَهِمُوا، فَهِمُوا أَنَّ هَذِهِ الدُّنْيَا حَقِيرَةٌ تَافِهَةٌ لَا يَصْلُحُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَرْتَكِبَ بِسَبَبِهَا الْمَعَاصِي وَالْمُنْكَرَاتِ وَيَقَعَ فِيمَا حَرَّمَهُ اللهُ. إِنَّمَا الْوَاجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَعْمَلَ وَيَكْدَحَ، لَكِنْ دُونَ الِاغْتِرَارِ بِهَا، دُونَ أَنْ يَقَعَ فِي الْمَعَاصِي وَالْمُنْكَرَاتِ. الْمَقْصُودُ أَنَا أُحِبُّ أَنْ أُكَرِّرَ هَذَا كَثِيرًا: أَنَّ الِانْقِطَاعَ الْكُلِّيَّ عَنِ الدُّنْيَا بِحَيْثُ تَرَى زَوْجَةَ الْإِنْسَانِ كَأَرْمَلَةٍ وَأَوْلَادَهُ كَالْيَتَامَى، وَيَظُنُّ أَنَّ هَذَا هُوَ الْمَنْهَجُ الصَّحِيحُ مَنْهَجُ الْإِسْلَامِ، يَجِبُ أَنْ نَحْذَرَ ذَلِكَ كُلَّ الْحَذَرِ. نَأْخُذُ فَاصِلًا ثُمَّ نَعُودُ إِلَيْكُمْ بِمَشِيئَةِ اللهِ.
هَلْ كَرَّمَ الْمَرْأَةَ أَحَدٌ مِثْلَ مَا كَرَّمَهَا الْإِسْلَامُ؟ فَالنِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ، وَإِنَّمَا خُصَّتِ الْمَرْأَةُ بِبَعْضِ الْأَحْكَامِ كَإِعْفَائِهَا مِنَ الْجُمَعِ وَالْجَمَاعَاتِ مُرَاعَاةً لِأُنُوثَتِهَا، لَا تَحْقِيرًا لَهَا. فَلِلْمَرْأَةِ حَقُّهَا فِي التَّعْلِيمِ، وَقَدْ خَصَّصَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَرْسًا لِتَعْلِيمِ النِّسَاءِ، وَلَا يَمْنَعُهَا الْحَيَاءُ مِنْ طَلَبِ الْعِلْمِ. قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الْأَنْصَارِ، لَمْ يَكُنْ يَمْنَعُهُنَّ الْحَيَاءُ أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِي الدِّينِ. وَالتَّعْلِيمُ حَقٌّ لِلْمَرْأَةِ عَلَى أَبِيهَا وَزَوْجِهَا. عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: 6]، قَالَ: عَلِّمُوهُمْ وَأَدِّبُوهُمْ. وَتُعَلِّمُ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا إِنْ كَانَتْ أَعْلَمَ مِنْهُ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي رَافِعٍ حِينَ عَلَّمَتْهُ زَوْجَتُهُ بَعْضَ الْأَحْكَامِ: «يَا أَبَا رَافِعٍ، إِنَّهَا لَمْ تَأْمُرْكَ إِلَّا بِخَيْرٍ».
وَالتَّارِيخُ الْإِسْلَامِيُّ زَاخِرٌ بِالنِّسَاءِ الْعَالِمَاتِ الْمُعَلِّمَاتِ، كَعَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ: كَانَتْ عَائِشَةُ أَفْقَهَ النَّاسِ وَأَعْلَمَ النَّاسِ وَأَحْسَنَ النَّاسِ رَأْيًا فِي الْعَامَّةِ. وَمِنْهُنَّ عَمْرَةُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْصَارِيَّةُ، وَحَفْصَةُ بِنْتُ سِيرِينَ الْبَصْرِيَّةُ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ عَبَّاسٍ الْبَغْدَادِيَّةُ. فَتَعَلَّمِي وَاعْمَلِي وَأَبْشِرِي، قَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 97].
حَيَّاكُمُ اللهُ أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ. كَمَا نَحْذَرُ دَائِمًا مِنَ التَّعَبُّدِ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِالِانْقِطَاعِ الْكُلِّيِّ عَنِ الدُّنْيَا، نَحْذَرُ كَذَلِكَ مِنَ التَّعَبُّدِ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِالْبِدَعِ. الْبِدْعَةُ أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ يُزَيِّنُهَا الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ، وَيَظُنُّ الْإِنْسَانُ أَنَّهُ كُلَّمَا اجْتَهَدَ فِي تِلْكَ الْبِدَعِ كُلَّمَا قَرَّبَتْهُ تِلْكَ الْبِدْعَةُ إِلَى اللهِ، وَالْأَمْرُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ. كُلَّمَا اجْتَهَدْتَ فِي الْبِدْعَةِ كُلَّمَا ابْتَعَدْتَ عَنِ اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، كُلَّمَا أَبْغَضَكَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى؛ لِأَنَّ هَذَا الْإِنْسَانَ الَّذِي يَأْتِي بِهَذِهِ الْبِدَعِ هُوَ يَزْعُمُ أَنَّهُ شَرِيكٌ لِلَّهِ فِي التَّشْرِيعِ، وَالتَّشْرِيعُ مِنْ خَصَائِصِ اللهِ. كَيْفَ يُحِبُّكَ اللهُ وَأَنْتَ تَزْعُمُ أَنَّكَ نِدٌّ لِلَّهِ؟ كَيْفَ يُحِبُّكَ اللهُ وَأَنْتَ تَقَعُ فِي الشِّرْكِ بِاللهِ؟ كَيْفَ يُحِبُّكَ اللهُ وَأَنْتَ تُشَرِّعُ لِلنَّاسِ مَا لَمْ يُشَرِّعْهُ اللهُ؟ يَغْضَبُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْكَ. فَلْنَحْذَرْ أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ فِي اللهِ وَنَحْنُ فِي طَرِيقِ التَّعَبُّدِ لِلَّهِ مِنْ أَنْ نَتَعَبَّدَ إِلَيْهِ بِالْبِدْعَةِ.
كُلُّ أَمْرٍ نُرِيدُ أَنْ نَتَعَبَّدَ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِهِ يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَبْحَثَ لَهُ عَنْ دَلِيلٍ؛ هَلْ وَرَدَ الْأَمْرُ بِهِ؟ هَلْ وَرَدَ الْحَثُّ عَلَى فِعْلِهِ؟ هَلْ وَرَدَ مَدْحُ فَاعِلِهِ؟ إِذَا كَانَ كَذَلِكَ نَتَعَبَّدُ إِلَّا بِهِمْ. مَا لَمْ يَرِدْ فِي الشَّرْعِ الْأَمْرُ بِهِ أَوِ الْحَثُّ عَلَى فِعْلِهِ أَو مَدْحُ فَاعِلِهِ، لَا نَأْتِي فَنَتَعَبَّدَ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِهِمْ. لَكِنْ هُنَاكَ الْأُمُورُ الْعَادِيَّةُ، الْأُمُورُ الْعَادِيَّةُ مِنَ اللِّبَاسِ وَالنَّظَافَةِ، هَذِهِ الْأُمُورُ الَّتِي هِيَ مِنَ الْمُبَاحَاتِ، هَذِهِ الْأُمُورُ إِذَا الْإِنْسَانُ نَوَى بِهَا وَجْهَ اللهِ حَوَّلَهَا إِلَى عِبَادَاتٍ. هَذَا مِمَّا شَرَعَهُ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَنَا، مِمَّا شَرَعَهُ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَنَا النِّيَّةُ الطَّيِّبَةُ، أَنْ يَنْوِيَ الْإِنْسَانُ بِالْأُمُورِ الْمُبَاحَةِ وَالْأُمُورِ الْعَادِيَّةِ وَجْهَ اللهِ التَّقَوِّيَ بِهَا عَلَى طَاعَةِ اللهِ. تَحْوِيلُ تِلْكَ الْأُمُورِ مِنْ عَادِيَاتٍ وَمُبَاحَاتٍ إِلَى عِبَادَاتٍ، هَذَا مَوْضُوعٌ آخَرُ وَهَذَا جَائِزٌ.
نَحْذَرُ يَا إِخْوَانُ كُلَّ الْحَذَرِ مِنَ التَّلَقِّي، تَلَقِّي الدِّينِ مِنْ غَيْرِ الْوَحْيِ الْإِلَهِيِّ. وَأَنْتَ تَسِيرُ فِي الطَّرِيقِ إِلَى اللهِ، إِذَا جَاءَ شَخْصٌ وَهَتَفَ بِكَ، هَتَفَ بِكَ هَاتِفٌ وَهُوَ جِنٌّ، قَدْ يَكُونُ هَذَا الْهَاتِفُ جِنًّا أَوْ قَذَفَ فِي رَوْعِكَ، وَقَدْ يَكُونُ الَّذِي قَذَفَهُ فِي رَوْعِكَ الْجِنُّ، فَتَتَلَقَّى مِنْ ذَلِكَ أُمُورَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، هَذَا مِنَ الِانْحِرَافِ فِي طَرِيقِ التَّعَبُّدِ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. أُحِبُّ أَنْ أُنَبِّهَ أَنَّهُ مِنْ مَظَاهِرِ الزُّهْدِ الْبِدَعِيِّ: أَنْ يُظْهِرَ زُهْدَهُ فِي لِبَاسِهِ. لَيْسَ لِلزُّهْدِ الشَّرْعِيِّ لِبَاسٌ خَاصٌّ بِهِ، يَعْنِي لَيْسَ هُنَاكَ لِبَاسٌ مُعَيَّنٌ لَوْنُهُ أَخْضَرُ، لِبَاسٌ مُعَيَّنٌ فِي كَيْفِيَّةِ الْعِمَامَةِ، فِي كَيْفِيَّةِ لَبْسِ الثَّوْبِ، يَعْنِي هُنَاكَ لِبَاسٌ مُعَيَّنٌ يَنْبَغِي لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ وَلِيًّا مِنْ أَوْلِيَاءِ اللهِ، لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ عَابِدًا لِلَّهِ أَنْ يَلْبَسَ ذَلِكَ اللِّبَاسَ، هَذَا لَيْسَ مِنْ دِينِنَا. لَيْسَ هُنَاكَ أَشْيَاءُ خَاصَّةٌ فِي اللِّبَاسِ.
كَذَلِكَ يَا إِخْوَانُ مِنْ مَظَاهِرِ الزُّهْدِ الْبِدَعِيِّ: إِهْمَالُ الدُّعَاءِ وَإِهْمَالُ الْأَسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ. أَغْلَبُ الَّذِينَ يَقَعُونَ فِي الِانْحِرَافِ فِي التَّعَبُّدِ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَقَعُونَ فِي الْجَبْرِ. يَقَعُونَ فِي الْجَبْرِ وَيَفْهَمُونَ حَدِيثَ: «كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ» أَنَّهُ مَجْبُورٌ عَلَى أَفْعَالِهِ. لَا شَكَّ أَنَّ هَذَا الْمُسَدَّدَ يَصِلُ إِلَى مَرْحَلَةٍ مِنْ مَرَاحِلِ التَّسْدِيدِ أَنَّ اللهَ يُوَفِّقُهُ وَيَفْعَلُ الْخَيْرَ، يَسْتَمِعُ لِلْخَيْرِ، يَرَى الْخَيْرَ، يَمْشِي إِلَى الْخَيْرِ، تَمْتَدُّ يَدُهُ لِلْخَيْرِ، هَذَا شَيْءٌ. أَمَّا أَنَّهُ إِذَا وَقَعَ فِي الشَّرِّ يَقُولُ إِنَّهُ مَجْبُورٌ عَلَى ذَلِكَ، وَأَنَّ هَذَا الشَّرَّ يُصْبِحُ بِالنِّسْبَةِ لَهُ حَلَالًا وَطَيِّبًا لِأَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هُوَ الَّذِي فَعَلَ ذَلِكَ، هَذَا وَالْعِيَاذُ بِاللهِ مِنَ الِانْحِرَافِ.
مِنْ مَظَاهِرِ التَّعَبُّدِ الْبِدْعِيِّ: التَّعَبُّدُ لِلَّهِ فِي الْخَلَوَاتِ فِي أَمَاكِنَ خَاصَّةٍ غَيْرِ بُيُوتِ اللهِ. بِمَعْنَى لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا ذَهَبَ إِلَى الصَّحْرَاءِ وَكَانَ فِي نُزْهَةٍ فَصَلَّى لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هُنَاكَ لَا، هَذَا مُخْتَلِفٌ، لَكِنْ أَنْ يَتَّخِذَ الْإِنْسَانُ تِلْكَ مَسَاجِدَ لَهُ وَيَبْقَى هُنَاكَ فَيَنْعَزِلُ وَيَتْرُكُ الْجُمَعَ وَيَتْرُكُ الْجَمَاعَاتِ وَيَظُنُّ أَنَّ التَّعَبُّدَ لِلَّهِ فِي تِلْكَ الْخَلَوَاتِ وَبِمُفْرَدِهِ أَنَّ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى حُسْنِ صُنْعِهِ، هَذَا انْحِرَافٌ أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ. التَّعَبُّدُ بِعِبَادَاتٍ بِدْعِيَّةٍ، سَوَاءٌ بِدَعٌ إِضَافِيَّةٌ أَوْ بِدَعٌ حَقِيقِيَّةٌ، هَذَا مِنْ مَظَاهِرِ التَّعَبُّدِ الْبِدْعِيِّ. التَّعَبُّدُ لِنَيْلِ الْخَوَارِقِ وَالْكَرَامَاتِ، هَذَا هُوَ هَدَفُهُ، هَدَفُهُ فِي هَذَا التَّعَبُّدِ أَنْ تَظْهَرَ عَلَى يَدَيْهِ الْخَوَارِقُ وَالْكَرَامَاتُ، هَذَا أَيْضًا مَظْهَرٌ مِنَ التَّعَبُّدِ الْبِدْعِيِّ.
التَّعَبُّدُ بِتَعْظِيمِ الشُّيُوخِ، التَّعَبُّدُ بِتَعْظِيمِ الْقُبُورِ وَالْمَشَاهِدِ، هَذِهِ قَضِيَّةٌ خَطِيرَةٌ. يَظُنُّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللهِ حَتَّى يُعَظِّمَ الْمَقَامَ وَيَتَّجِهَ إِلَى الْقُبُورِ وَيَدْعُوَ أَصْحَابَهَا، يَذْبَحُ لِأَصْحَابِهَا وَيَنْذُرُ لِأَصْحَابِهَا، هَذِهِ مِنْ مَظَاهِرِ التَّعَبُّدِ الْبِدْعِيِّ، لَكِنَّهَا بِدَعٌ وَالْعِيَاذُ بِاللهِ تُخْرِجُ بِالْإِنْسَانِ عَنْ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ لِأَنَّهَا شِرْكٌ فِي الْأُلُوهِيَّةِ. تَذْبَحُ لِهَذَا، تَنْذُرُ لِهَذَا، تَسْتَعِيذُ بِهِ، تَسْتَغِيثُ بِهِ، هَذِهِ مُصِيبَةٌ. بَعْضُ النَّاسِ يَرَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الْوُقُوعِ فِي الشِّرْكِيَّاتِ تُنَاقِضُ تَوْحِيدَ الْأُلُوهِيَّةِ سَوَاءٌ تَنْقُضُهُ بِالْكُلِّيَّةِ أَوْ تَكُونُ سَبَبًا لِنَقْضِهِ، مِثْلُ التَّعَبُّدِ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عِنْدَ الْقُبُورِ، هَذِهِ مِنَ الْوَسَائِلِ الَّتِي تُوقِعُ فِي الشِّرْكِ الْأَكْبَرِ. قَدْ يَصِلُ بِالْإِنْسَانِ أَنَّهُ إِذَا تَعَبَّدَ عِنْدَ ذَلِكَ الْقَبْرِ فَاسْتُجِيبَ دُعَاؤُهُ ظَنَّ أَنَّ الَّذِي أَجَابَ دُعَاءَهُ هُوَ الْمَقْبُورُ، فَالْمَرَّةُ الْأُخْرَى يَأْتِي فَيَدْعُوهُ، يَذْبَحُ لَهُ، يَنْذُرُ لَهُ وَهَكَذَا.
أَخِيرًا أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ فِي هَذِهِ السِّلْسِلَةِ، أُرِيدُ أَنْ أُحَذِّرَ مِنْ أَمْرٍ يُسَمَّى الْعِلْمَ الصُّوفِيَّ، صُوفِيَّةَ عِلْمِ الْحِكْمَةِ الَّذِي يَصِلُ الْإِنْسَانُ إِلَيْهِ عَنْ طَرِيقِ أَوَّلِ شَيْءٍ رِيَاضَاتٍ بَدَنِيَّةٍ، فَيُفْنِي إِرَادَتَهُ فَيُصْبِحُ لَا يُرِيدُ إِلَّا مَا يُرِيدُهُ اللهُ. هَذَا الْفَنَاءُ، فَنَاءُ الْمُرَادِ، تُصْبِحُ أَنْتَ تُرِيدُ مَا يُرِيدُهُ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِسَبَبِ أَنَّكَ تَعْبُدُ اللهَ، مُلْتَزِمٌ بِالْفَرَائِضِ، وَتَسْتَكْثِرُ مِنَ النَّوَافِلِ، وَدُعَاؤُكَ هَذَا مَنْهَجٌ سَلَفِيٌّ، هَذَا مَنْهَجٌ صَحِيحٌ. لَكِنْ هُمْ لَا، يَعْنِي هُوَ مَقْصُودُهُمْ مِنْ هَذِهِ الرِّيَاضَاتِ إِفْنَاءُ إِرَادَتِهِ، فَيَصِلُ مَا عِنْدَهُ إِرَادَةٌ، إِفْنَاءُ الْإِرَادَةِ، ثُمَّ يَنْتَقِلُ إِلَى مَرْحَلَةٍ أُخْرَى فَيُفْنِي صِفَاتِهِ الْبَشَرِيَّةَ، يُصْبِحُ الْإِنْسَانُ مَا عِنْدَهُ مَثَلًا رَغْبَةٌ، يُفْنِي الرَّغَبَاتِ الَّتِي عِنْدَهُ فَيَصِلُ هَذِهِ مَرْحَلَةً ثَانِيَةً. وَيَزِيدُ طَبْعًا فِي إِفْنَاءِ الرَّغَبَاتِ هَذِهِ فِي الْأُولَى، الثَّانِي يَصِلُ إِلَى مَرْحَلَةِ إِفْنَاءِ الصِّفَاتِ، فَيُصْبِحُ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ يُشَاهِدُ، لَا يُشَاهِدُ نَفْسَهُ مَا يُشَاهِدُ إِلَّا اللهَ، تُسَمَّى وَحْدَةَ الشُّهُودِ.
ثُمَّ يَنْتَقِلُ إِلَى مَرْحَلَةٍ أَسْوَأَ وَهِيَ الْمَرْحَلَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّهُ لَا يَرَى فِي هَذَا الْكَوْنِ، يَرَى كُلَّ الْمَوْجُودَاتِ فِي اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. فِي هَذِهِ الْمَرْحَلَةِ وَالَّتِي قَبْلَهَا وَحْدَةَ الشُّهُودِ أَوْ وَحْدَةَ الْوُجُودِ، هُنَا يَبْدَأُ هَذَا الْإِنْسَانُ يَتْرُكُ الْعِلْمَ الشَّرْعِيَّ، الْمَرْحَلَةُ الْأُولَى مَا زَالَ يَلْتَزِمُ بِالْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ، الْمَرْحَلَةُ الثَّانِيَةُ، الْمَرْحَلَةُ الثَّالِثَةُ يَقُولُ: هُوَ يَتَلَقَّى مِنَ الْقَلْبِ عَنِ الرَّبِّ. هَذِهِ مَظَاهِرُ أَنَّ الْإِنْسَانَ وَقَعَ فِي وَحْدَةِ الْوُجُودِ. إِذَا كَانَ هَذَا الْإِنْسَانُ عِنْدَهُ شِرْكِيَّاتٌ تَتَعَلَّقُ بِالْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، عِلْمِ الْغَيْبِ، الْقُدْرَةِ، يَرَى أَنَّهُ شَرِيكٌ لِلَّهِ فِي الْقُدْرَةِ، أَنَّهُ شَرِيكٌ لِلَّهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ، أَنَّهُ شَرِيكٌ لِلَّهِ فِي السَّمْعِ، فِي الْبَصَرِ فِي الْأَشْيَاءِ، هَذَا الْإِنْسَانُ أَصْبَحَ عِنْدَهُ شِرْكِيَّاتٌ تَتَعَلَّقُ بِالْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، هَذَا مَظْهَرُ أَنَّ الْإِنْسَانَ وَصَلَ إِلَى مَسْأَلَةِ الْعِلْمِ الصُّوفِيِّ.
هُنَاكَ شِرْكِيَّاتٌ إِذَا بَدَأَ يَتَحَدَّثُ عَنْهَا تَتَعَلَّقُ بِتَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ، أَنَّهُ يَخْلُقُ، أَنَّهُ يَرْزُقُ، أَنَّهُ يَمْلِكُ، أَنَّهُ يُدَبِّرُ، هَذَا الْإِنْسَانُ مِنْ مَظَاهِرِ الْعِلْمِ الصُّوفِيِّ. إِذَا أَصْبَحَ عِنْدَهُمْ مَصَادِرُ يَتَلَقَّى مِنْهَا الدِّينَ غَيْرَ الْوَحْيِ الْإِلَهِيِّ، اعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْإِنْسَانَ وَصَلَ إِلَى مَرْحَلَةِ هَذَا الِانْحِرَافِ. إِذَا أَصْبَحَ يَقُولُ بِالْفَنَاءِ وَأَنَّهُ فَنَاءٌ، يَفْنَى عَنْ ذَاتِهِ ثُمَّ أَصْبَحَ يَرَى اللهَ ثُمَّ يَعُودُ مَرَّةً أُخْرَى إِلَى رُشْدِهِ وَيَقُولُ: لَا، أَنَا نُفَرِّقُ الْآنَ بَيْنَ الذَّاتِ وَبَيْنَ الرَّبِّ، فَيُسَمَّى هَذَا فَنَاءً يَعْقُبُهُ بَقَاءٌ. إِذَا أَصْبَحَ يَتَحَدَّثُ عَنْ هَذَا الْفَنَاءِ بِهَذَا الشَّكْلِ، أَوْ فَنَاءً لَا يَعْقُبُهُ بَقَاءٌ يَعْنِي فَنَاءً كُلِّيًّا فَيَقُولُ بِوَحْدَةِ الْوُجُودِ، اعْرِفْ أَنَّ هَذَا الْإِنْسَانَ دَخَلَ فِي مَسَائِلِ الْعِلْمِ الصُّوفِيِّ الصُّوفِيَّةِ الَّتِي هِيَ بِمَعْنَى وَحْدَةِ الْوُجُودِ، وَأَنَّ هَذَا الْإِنْسَانَ قَدْ خَرَجَ عَنْ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ.
أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ فِي اللهِ، أَكُونُ أَطَلْنَا فِي مَسْأَلَةِ الْكَلَامِ عَنِ التَّعَبُّدِ لِلَّهِ وَطَلَبِ الْوِلَايَةِ، لَكِنْ لِكَوْنِ هُنَاكَ حَرَكَةً جَدِيدَةً الْآنَ تَتَحَدَّثُ أَنَّ هَذَا وَأَنَّ هَذَا هُوَ مَنْهَجُ الْإِسْلَامِ، وَأَنَّ هَذَا هُوَ الْمَنْهَجُ الصَّحِيحُ. هَذَا الْأَمْرُ عِنْدَنَا يُصْبِحُ وَاضِحًا: التَّعَبُّدُ لِلَّهِ يَكُونُ وَفْقَ شَرْعِ اللهِ لَا بِالْبِدَعِ، وَأَنَّ الطَّرِيقَ إِلَى وِلَايَةِ اللهِ يَكُونُ بِالْإِيمَانِ وَبِالتَّقْوَى. أَسْأَلُ اللهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى وَصِفَاتِهِ الْعُلَى أَنْ يَجْعَلَنَا جَمِيعًا مِنْ أَوْلِيَائِهِ، وَأَنْ يَجْعَلَنَا مِنْ أَتْبَاعِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَنَكْتَفِي بِهَذِهِ الْمُحَاضَرَاتِ فِي هَذَا الْمَوْضُوعِ. وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ، وَجَزَاكُمُ اللهُ خَيْرًا.
د. أبو زيد مكي القبي