يا راغبا في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم بتقنياته ومجالاته، ومعه نطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي. أكاديمية زاد، الصحيحة فطرة تنفي الشكوك بواضح البرهان. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم إنا نسألك علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكراً. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، واجعله حجة لنا ولا تجعله حجة علينا يا رب العالمين.
حياكم الله طلاب العلم في المحاضرة الثالثة عشرة من محاضرات مادة العقيدة، المستوى الرابع. هذه المحاضرة تكملة لموضوع الأولياء وكراماتهم. في هذه المحاضرة نريد أن نصل إلى التفريق بين من هو من أولياء الله ومن هو من أولياء الشيطان؛ لأن هناك ممن هم من أولياء الشيطان من يتزيأ بزي الصالحين، ويظن الإنسان أن هذا إنسان صالح، وتقع على يده خوارق وتحصل له كرامات، فيلتبس على بعض الناس ولي الشيطان بولي الرحمن. نريد في هذه المحاضرة أن نبحث عن الفرق بين ولي الرحمن وبين ولي الشيطان، ونريد أيضاً أن نصل إلى الفرق بين الكرامة والحالة الشيطانية. هذان الموضوعان هما الموضوعان الرئيسيان، وقد نتحدث عن بعض التفصيلات الفرعية.
أذكر أيها الأحبة في الله بحديث الولاية الذي أخرجه الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه بسنده عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، وإن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته».
في هذا الحديث ذكرت فضائل هذه المنزلة، منزلة الولاية. من تلك الفضائل الواردة في هذا الحديث أن ولي الله منصور ينصره الله على أعدائه، وأن ولي الله محبوب يحبه الله، وأن ولي الله مسدد في سمعه وبصره ويده ورجله، وأن ولي الله مجاب الدعوة، وأن الله يعطيه حتى يرضيه. وأخذنا من قول الله سبحانه وتعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: 257] أن ولي الله مستنير، وأخذنا من قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَىٰ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۚ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [يونس: 62-64] أنهم سعداء في الدنيا والآخرة.
كيف نعرف ولي الله؟ كيف نعرف أن هذا الإنسان من أولياء الله؟ الله سبحانه وتعالى أخبرنا عن أبرز صفتين من صفات أولياء الله، فقال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: 63]. من كان مؤمناً بخبر الله، يؤمن بخبر الله بلا شك ولا تذبذب ولا إلحاد، يؤمن بما أخبرنا الله عز وجل به عن نفسه وعن ملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وقدره وخيره وشره، لا يلحد في ذلك، هذا من أولياء الله. الذين آمنوا وكانوا يتقون؛ الذي يمتثل لما طلبه الله عز وجل منه فعلاً أو تركاً بدون اعتراض ولا شرك ولا ابتداع، نقول هذا هو ولي الله. أبرز صفتين من صفة أولياء الله الإيمان والتقوى.
أيضاً من الصفات البارزة كذلك فيهم، وهي داخلة في موضوع التقوى، أنهم من أهل الفرائض المحافظين على الفرائض المستكثرين من النوافل بنص الحديث: «وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه»، فهو يأتي بالفرائض، «ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل». إذاً هم من أهل الفرائض والنوافل، لا من أهل سقوط التكاليف.
أيضاً قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ [المائدة: 54]. إذاً نقول إن هؤلاء يوافقون الله سبحانه وتعالى في محبوباته وفي مبغوضاته؛ فيحبون الذين يحبهم الله من الأنبياء والرسل والصالحين، ويبغضون من يبغضهم الله من الكفار والمشركين والمنافقين. هذه من أبرز صفاتهم؛ تجد عندهم تواضعاً لأهل الإيمان، وتجد عندهم عزة على أهل الكفر، تجد عندهم محبة لنشر الدين، وتجد عندهم بغضاً للكفر، ولا يخافون في فعل الطاعات وفي ترك المعاصي والمنكرات لومة لائم. يوافقون الله سبحانه وتعالى في محبوباته وفي مبغوضاته، هؤلاء هم أولياء الله.
أولياء الله من ناحية الإيمان عندهم إيمان بالخبر، ومن ناحية التقوى التزام بالفرائض والنوافل وتواضع وعزة على الكفار وجهاد في سبيل الله، ومتابعة النبي صلى الله عليه وسلم، يقول الله: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: 31]. فهم من أهل الاتباع لا الابتداع، هؤلاء هم أولياء الله.
بالتالي كيف نعرف من هو ولي الشيطان؟ كيف نفرق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان؟ قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل: 98-99]. الشيطان ليس له سلطان على أولياء الله، إنما سلطانه على الذين يتولونه، أولياء الشيطان. ولي أمرهم الشيطان، وهذا معنى هنا؛ قلنا ولي أمرهم الرحمن جل جلاله فالله هو الذي يسدده ويوفقهم، وهؤلاء من الذي يسددهم ويوجههم؟ هو الشيطان والذين هم به مشركون. وقال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: 27]، وقال: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ [الأحزاب: 67]. هؤلاء أولياء الشيطان، ما هي أبرز صفات أولياء الشيطان حتى نفرق بينهم وبين أولياء الرحمن؟ أبرز صفة فيهم أن عندهم إخلالاً في الإيمان بالله، أو الإيمان بالملائكة، أو الكتب، أو الرسل، أو اليوم الآخر، تجد عندهم خللاً في هذا الأمر. نأخذ فاصل ثم نعود إليكم بمشيئة الله ونتحدث عن أبرز الصفات التي يفرق بها بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان.
أمانة يجب أداؤها وإتمامها، إنها الوظيفة. فمن صفات المؤمنين؛ فعلى الموظف إتقان عمله، قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه»، وليلتزم بمواعيد الدوام بدايةً ونهايةً ولا يتغيب عنه إلا لعذر قاهر، وليحافظ على أسرار الوظيفة وخصوصيات جهة العمل، وعلى الأجهزة والأدوات التي في محل عمله ولا يفسد شيئاً منها، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [البقرة: 205]. ولينفذ أوامر مديره فيما ليس بمعصية، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: 59]. وليراقب الله تعالى في وظيفته ولو كان مديره لا يراه، قال صلى الله عليه وسلم في تفسير الإحسان: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». وعليه احترام زملائه والتعاون معهم، وإفادة الموظفين الجدد بخبراته، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2]. وليكن بشوشاً ليناً رفيقا مع مراجعيه وليقضِ لهم حوائجهم، قال صلى الله عليه وسلم: «خير الناس أنفعهم للناس». وليحذر من الرشوة ولو سموها هدية أو إكرامية، قال صلى الله عليه وسلم: «لعنة الله على الراشي والمرتشي». وليعلم الموظف أنه مسؤول يوم القيامة عن عمله، قال تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: 92-93].
حياكم الله أيها الأحبة. وقفنا عند أبرز صفات أولياء الشيطان. كيف نعرف أن هذا الشخص من أولياء الشيطان أم لا؟ إذا وجدنا هذا الشخص عنده خلل في مسألة أركان الإيمان. مثل الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم، ما معنى الإيمان بنبينا صلى الله عليه وسلم؟ أن نعتقد أنه خاتم الرسل، وأن الوحي انقطع بموته صلى الله عليه وسلم. إذا وجدنا شخصاً يقول عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه وإن كان آخر الرسل لكن الوحي لم ينقطع بموته، فمن يزعم أنه يمكن أن يتلقى الوحي من الله بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم، أو يرى أن هناك أفضل من رسولنا صلى الله عليه وسلم فيقول مقام الولي أفضل من مقام النبي، الذي يعتقد أن لشخص يجوز له أن يخرج عن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، هذا نقول هذا من أولياء الشيطان. هذه من العلامات، لو وجدنا أن هناك خللاً في أركان الإيمان؛ يأتي الإيمان بالله وعنده خلل في الإيمان بتوحيد الله في الألوهية أو الربوبية أو الأسماء والصفات، عنده خلل في الإيمان بالملائكة، عنده خلل في الإيمان بالرسل، اعلم أن هذا الشخص من أولياء الشيطان، تجد ركناً عنده من أركان الإيمان ساقطاً والعياذ بالله.
إذا وجدت أنه في مسألة التقوى لا تقوى عنده لله، بل الذي عنده فجور وفسوق، مظهره مظهر أهل الخير والزهد وأهل الإسلام المتقين لله جل جلاله، ثم إذا وجدت عنده الفجور والعياذ بالله؛ عنده زنا، عنده شذوذ، عنده والعياذ بالله أكل الحرام، عنده ترك للطاعات؛ ما يصلي، لا يقرأ القرآن، إذا وجدت عنده الفجور والفسوق وإن أظهر لك شيئاً من الكرامات، وإن أظهر لك هذا الزهد وهذه التقوى، اعلم أن هذا الإنسان من أولياء الشيطان. الذين آمنوا وكانوا يتقون، أولياء الشيطان لا إيمان ولا تقوى.
ثم لاحظ إن وجدت أنه يقول إن لديه طريقة، وهذه الطريقة ليست موجودة في الكتاب والسنة، ويقول هذه الطريقة هي أقرب طريقة توصل إلى الله، هذه الطريقة توصلك إلى رضوان الله، هذه الطريقة توصلك إلى جنة الله، إذا رأيت شخصاً يبتدع في الدين طريقة من الأذكار أو العبادات غير طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاعلم أن هذا من أولياء الشيطان. إذا وجدت هذا الإنسان -وهذه علامة أيضاً مهمة- إذا وجدت هذا الإنسان يعادي أولياء الله، يعادي العلماء بالكتاب والسنة، وجدت أن هذا الإنسان يعادي الذين يدعون إلى التمسك بالكتاب والسنة، الذين يدعون إلى المنهج الذي أتى به النبي صلى الله عليه وسلم، التمسك بالكتاب والسنة ويفهم الكتاب والسنة في ضوء ما فهمه سلفنا الصالح ونسير على ما سار عليه النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام، تجده يعادي هؤلاء الدعاة ويعادي أولياء الله، وتجده حبه وقلبه وروحه مع الكفار مع المشركين، تجده يعظم الكفار، تجده يعظم أهل الشرك، وتجده أولياء الله يتنقصهم، تجده يسبهم، تجده يسخر بهم، تجده يستهزئ بهم، تجده لا يحترمهم، إذا كان يعادي الله وهو يزعم أنه من أولياء الله، فاعلم أن هذا من أولياء الشيطان.
إذاً هي أربع علامات كبرى: إخلال في أركان الإيمان، لا تقوى بالفجور والفسوق، ابتداع في الدين، معاداة لأولياء الله؛ اعلم أن هذا الإنسان من أولياء الشيطان لا من أولياء الرحمن.
ننتقل لمسألة الفرق بين الكرامة وبين المعجزة. أولاً الكرامة هي أمر خارق للعادة، يعني عادة ما يقوم به الناس من الأمور، هذا يأتي خارجاً عما ألفه الناس من الأمور، فيأتي هذا الشيء يكون معجزاً بالنسبة لهم، يعني صعباً بالنسبة لهم أن يقوموا به. فأي أمر خارق للعادة مخالف للمألوف يجريها الله سبحانه وتعالى على يد ولي تأييداً له أو إعانة أو تثبيتاً أو نصراً للدين، فهذا يسمى كرامة. يكرم الله عز وجل بهذا الخارق هذا الولي من أجل تأييده وأنه يسير على الكتاب والسنة، وأن هذا الدين حق، وأن العمل هذا الذي يقوم به هؤلاء أهل الجهاد أو أهل الدعوة وأهل العلم عملهم صواب، فتجري على أيديهم بعض الكرامات تثبيتاً لهم ونصرة للدين وهكذا تسمى كرامة.
من شروط الكرامة حتى تسمى كرامة: أن يكون هذا الفعل أو هذا القول أو هذا الشيء خارقاً للعادة، الأمر الثاني أن يكون ظهوره على يد مؤمن متقٍ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾، متبع للكتاب والسنة، أما إذا كان فاسقاً ليس عنده إيمان لا، هذا يسمى حالاً شيطانياً وسيأتي الكلام عنهم، وكون هذا الخارق غير مشتمل على معصية أو باطل، ما نريد خارقاً لكن فيه سحر، خارقاً مثلاً وفيه أمر محرم، يعني فيه فواحش، فيه سرقة، لا، هذا لا يسمى كرامة، لابد أن تكون هذه الكرامة من المعاصي ومن الأمور الباطلة، هذه تسمى كرامة.
ما الفرق بين الكرامة والمعجزة؟ الكرامة والمعجزة كلاهما خارق للعادة، لكن الفرق بينهما أن الآية -المعجزة- تظهر على يد نبي تأييداً له على صدق قوله أنه نبي الله حقاً، فيجري الله سبحانه وتعالى على يديه بعض الآيات والعلامات الدالة على صدقهم، فالمعجزة أو الآية هذه تظهر على يد النبي، أما الكرامة لا تظهر على من يدعي النبوة، بل إنما حصلت له بسبب اتباعه للنبي صلى الله عليه وسلم واستقامته على شرع الله، هل تسمى كرامة؟ الكرامة تظهر على يد ولي بسبب اتباعه للنبي صلى الله عليه وسلم، فتكون أيضاً هي من الآيات الدالة على صدق النبي صلى الله عليه وسلم ما يجريها الله على يد أتباعه، فهي لا تظهر على مدعٍ للنبوة، وإنما المعجزة هي التي تظهر على من قال بأنه نبي الله.
نأتي إلى مسألة الفرق بين الكرامة وبين الحال الشيطاني، وهذا موضوع مهم، كيف نفرق بين الكرامة وبين الحال الشيطاني؟
الكرامة ما سببها؟ سببها الولاية الحقة لله سبحانه وتعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: 62-63]. فبسبب الإيمان وبسبب التقوى تظهر مثل هذه الكرامات، وتكثر في آخر الزمان بسبب ضعف إيمان الناس؛ فيظهر الله سبحانه وتعالى مثل هذه الآيات والكرامات من أجل أن يثبت الناس على الدين ويقوى إيمانهم، وهكذا الكرامة سببها الإيمان والتقوى.
أما الحال الشيطاني فهي تظهر لكن على يد من ليس بمؤمن ولا متقي، فهي خوارق لكن بدون إيمان وتقوى لصاحبها. تجد هذا الصاحب تاركاً للصلوات، وتجد عنده إشكالية في أركان الإيمان، وهكذا تجد في الكرامة أنها قائمة على صدق صاحبها، صاحبها صادق؛ والحال الشيطاني صاحبها كاذب، مشهور بالكذب، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [الشعراء: 221-222].
الكرامة تجدها هبة من الله، ليست بطلب من صاحبها، إنما أمر يهبه الله سبحانه وتعالى لهذا الشخص؛ يسمع ما لا يسمع غيره، يبصر ما لا يبصره غيره، يفعل بعض الأشياء لا يستطيعها غيره، لكنها تكون هبة من الله. أما الحال الشيطاني فهي قائمة على رياضات بدنية واستدعاء للجن، وهي تحصل بالتعلم والتقرب إلى الشياطين، فتحدث مثل هذه الأحوال الشيطانية. تجد الكرامة أن صاحبها يخفي ما وهبه الله عز وجل من الكرامات، ويخشى من أن يكون هذا استدراجاً، وتجده يخفي ذلك؛ أما صاحب الحال الشيطاني فتجده يظهر ذلك ويتفاخر به، ولا يظهر إلا في حال اجتماع الناس حتى يبين أن لديه من هذه الكرامات.
الكرامة كلما أكثرت من ذكر الله وقرأت القرآن كلما ظهرت وبرزت أكثر؛ وأما الأحوال الشيطانية فإذا قرأت القرآن، وقرأت آية الكرسي، وقرأت المعوذات فإنها تبطل وتضعف. فالحال الشيطاني كيف تعرف أنه حال شيطاني؟ إذا قرأت القرآن وذكرت الله فبطلت وضعفت، فاعلم أن هذا حال شيطاني، هذه مقارنة بين الكرامة والحال الشيطاني.
خلق الله الإنسان مدنياً بطبعه، يألف ويؤلف، وتكون العلاقات بين الناس يترتب عليها تأثير بعضهم ببعض، لذا قالوا: الصاحب ساحب، ومن جالس جالس، وصار من جنس صاحبه، وقديماً قال الشاعر: لا تسأل وسل عن قرينه ... فكل قرين بالمقارن يقتدي
وكثيراً ما يدور في أذهان المربين المخلصين مجموعة من الأسئلة المتعلقة بأصدقاء الولد: مع من يمشي يا ترى؟ من هو صاحبه؟ من هو جليسه؟ ماذا يفعلون الآن؟ في أي شيء يشتركون؟ فقد ينشأ الولد باراً طائعاً حسن الخلق، فينقلب على أثر الصحبة والعلاقات عاقاً عاصياً، سيئ الطبع، فاحش اللسان. لذا كان لزاماً على المربي أن يتفحص علاقات أبنائه وبناته، وألا يغفل عنها بحال، وأن يؤسس في نفوس أولاده معنى العلاقة وعلى أي أساس تقوم، وكيف يختارون أصدقاءهم.
فليست القضية مجرد أُلف وصحبة، وإنما قضية دين وإيمان، عليها تنعقد المصائر يوم القيامة، فكل العلاقات والصداقات والزمالات الناشئة في الدنيا ستنقلب عداوة في الآخرة إلا ما كان منها مبنياً على تقوى من الله ورضوان، قال تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: 67]. فإذا رأى المربي صحبته خير دل عليها وشجعها ورعاها ودفعها إلى الطاعة، وإذا رأى صحبة شر حذر منها وبين لأولاده سوى عواقبها وقبح نتائجها، وذلك كله من طرف خفي لئلا يشعر الولد أنه مساق لا رأي له ولا اختيار.
فإذا لاحظ المربي اتجاه الأبناء والبنات نحو تكوين صداقات عبر وسائل التواصل الحديثة، فمن الحسن توجيه هذه العلاقات للدعوة إلى الله، والتواصي بالحق والصبر، والتزود من المعرفة، واكتساب المهارات الجميلة، ونشر العلم النافع كرفع مقال جميل وتشجيع كاتب مميز وغير ذلك، فإن من دل على خير فله مثل أجر فاعله.
حياكم الله أيها الأحبة، نريد أن ننبه أن أعظم كرامة يكرم الله عز وجل بها العبد -وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يكرمني وإياكم بها- أن يلزم الإنسان الاستقامة، الكرامة الحق التي يكرم الله عز وجل بها عباده أن يثبتوا على هذا الدين حتى يلقوا الله سبحانه وتعالى، هذه أعظم كرامة.
أريد أيها الأحبة أن أستطرد في موضوع مهم، تقريباً الموضوع انتهى فيما يتعلق بالكرامات، لكن أريد أن ننبه أن هناك أناساً يطلبون الكرامات ولديهم طريق ومنهج يسمونه بالزهد، وهي في الحقيقة رياضات قائمة على الجوع والسهر والفقر، يعملون هذه الرياضة حتى يحصلوا على الكرامات، ويسمون فعلهم زهداً، نريد أن ننبه على الزهد الشرعي ثم نتحدث عن الزهد الذي هم يمارسونه حتى يتحصلوا على هذه الكرامات.
بالنسبة للزهد الشرعي، الزهد في ديننا يا إخوان قائم على الاعتقاد بأن هذه الدنيا سريعة الانقضاء والزوال، وأن عمر الإنسان قصير وسريع الزوال، وأن النعم التي تكون في الدنيا مهما امتلكت من نعم الدنيا هي بالنسبة لنعم الآخرة لا شيء تماماً، وأن الواجب علينا في هذه الفترة -طالما الدنيا قصيرة والعمر قصير- أن نقضي هذا العمر في طاعة الله. والزهد أن تبتعد عن كل ما من شأنه أن يحول بينك وبين الوصول إلى النعيم الأخروي، كل ما من شأنه أن يصرفك عن طاعة الله، أو يؤخرك، أو يلهيك عن طاعة الله؛ الزهد الشرعي هو أن تتخلص من هذه الأمور، وأن تغتنم حياتك وفترة شبابك وفترة فراغك ومرحلة الغنى في طاعة الله سبحانه وتعالى.
الزهد الشرعي عندنا قائم على الاعتدال في العبادة والتزام السنة، وهو قائم على تحقيق أعمال القلوب كما جاءت في الوحي: الحب، الخوف، الرجاء؛ وقائم على الالتزام بالأخلاق الحسنة من الكرم، والعدل، والاحترام، والصدق، والموالاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ وقائم على الاهتمام بالبدن من ناحية نظافته وأكله وشربه ولباسه، وإبعاد هذا البدن عن كل ما يضره من المأكولات الخبيثة، فالزهد الشرعي عندنا يقوي البدن ولا يضعفه.
أيضاً الزهد الشرعي عندنا قائم على اكتساب المال لكن من الحلال، هذا هو الزهد الشرعي؛ تكتسب المال، لا تترك المال، تكتسب المال لكن من الحلال وتنفقه في وجوه الحلال. الزهد الشرعي عندنا في ديننا قائم على إعطاء كل ذي حق حقه، قائم على أداء حق الله، على بر الوالدين، صلة الأرحام، والإحسان للزوجة، تربية الأبناء، وهو مأجور في ذلك كله. الزهد الشرعي عندنا قائم على القيام بإصلاح المجتمع والأمة الإسلامية، فهو مما ينفع في الآخرة ومما يتعبد به الإنسان إلى الله، هذا هو الزهد في ديننا الإسلامي.
هناك زهد يا إخوان يقوم به البعض طلباً لحصول الكرامات، هذا الزهد قائم على الغلو ومجاوزة الحد في العبادة، ففيه تعذيب للبدن، وهو قائم على الانحراف في أعمال القلوب؛ يعني بالنسبة للخوف والرجاء والتوكل هذه الأمور عندهم انحراف فيها؛ يقولون نحن نعبد الله حباً فيه بدون خوف ولا رجاء، والتوكل عندهم ترك الأسباب. فقائم هذا الزهد عندهم الذي يسمونه زهداً -وهو في الحقيقة رياضة بدنية ليست هو الزهد الشرعي- على الانحراف في مفهوم الأخلاق الحسنة، فهو غير ملتزم بهدي النبي صلى الله عليه وسلم في الجملة.
فلذلك التواضع عندهم ليس التواضع الشرعي، إنما هو الذلة والمهانة للنفس، وهو قائم على تعذيب البدن بالجوع والسهر، قائم على ترك اكتساب المال، قائم على إهمال الزوجة والأولاد والآباء، وقطع الأقارب والأرحام، قائم على إهمال المجتمع والأمة الإسلامية؛ هذا هو الزهد الذي يسمى الزهد الصوفي، يسمى الزهد البدعي، يسمى رهبانية، ما شئت، الزهد الشرعي هو التمسك بالدين الإسلامي الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم في جميع مناحي الحياة وترك ما لا ينفع في ذلك.
أما الزهد الصوفي فهو رياضة نفسية بهدف إفناء الإرادة البشرية، يصبح الإنسان لا إرادة له في حلال أو في حرام، لا إرادة له في زوجة، لا إرادة له في أبناء، لا إرادة له في آباء، لا إرادة له في منصب أو جاه أو مال، يفني الإرادة البشرية، فهو رياضة نفسية وبدعة وسلبية وفردية وانعزالية، لا إقامة فيه لدين الله، ولا عمارة فيه للأرض، ولا دفاع عن دين ولا عرض ولا أرض، هو صورة مشوهة للدين الإسلامي وأهله، والله المستعان.
هذه الرياضات التي يمارسونها القائمة على السهر والجوع يريدون أن يصلوا إلى مرحلة الكرامة، هذه المرحلة يسمونها مرحلة الكشف، وهم يزعمون في هذه المرحلة التي تلي المرحلة العملية تأتيهم مرحلة علمية، يزعمون في هذه المرحلة العلمية أن المغيبات تنكشف لهم؛ انكشاف المغيبات، فيرى ما لا يراه غيره، يسمع ما لا يسمعه غيره، يعلم ما لا يعلمه غيره، هذه تسمى الدرجة العلمية عندهم.
فإذا كانت تتعلق بالرؤية سموها مشاهدات، وإذا تعلقت بالسمع يسمونها مخاطبات، وإذا تعلقت بالعلم سموها مكاشفات، هذه الدرجة عندهم من الكرامات التي يسعون إليها عن طريق الترقي بالرياضات الروحية للوصول إلى هذه المرحلة، مرحلة الكشف.
أنواع الكشف عندهم إما أن ينكشف فيرى الله -عز وجل عن ذلك علوماً كثيرة- فيزعم أنه جلس مع الله، وأن الله كلمه، وأن الله أخبره؛ فيزعم في هذه المرحلة رؤية الله، أو رؤية الأنبياء والأولياء، وأن النبي صافحه وكلمه مباشرة، أو أن الولي الذي قد مات جاء وحضر إليه، وهكذا، أو رؤى منامية يقول: رأيت في المنام كذا، ويعمل بهذه الرؤى المنامية كأنها قال الله قال رسوله.
أو يزعم أنه قابل الخضر ورأى الخضر والخضر علمه، أو يزعم أن هذا إلهام وخواطر، لكنها إلهام وخواطر عنده هذه من الكرامات أكرمه الله بها فهي حق، أو فراسة، يعني يعمل بهذه الفراسة، الفراسة فيها جانب حق لكن هم الفراسة بمعنى الشيء الذي يقع في نفسه أن هذا الشخص كاذب أو أن هذا الشخص صادق، يعمل بهذه الفراسة كأنها قال الله قال رسوله، أو هواتف يقول: هتف بي كذا؛ فهذه من أنواع الكشف عندهم، تفصيلها قد يحتاج إلى مكان آخر، لكن هم بعد هذه الرياضات النفسية الروحية التي قاموا بها يريدون أن ينتقلوا إلى المرحلة العلمية وهي مرحلة الكشف عندهم.
هذا الكشف لا يدخله شك ولا خطأ، وكل ما يأتي بهذا الكشف حق، وأن كشف الأولياء محفوظ من الشياطين، وأنه تجب طاعة الكشف كما تجب طاعة الوحي، وأن الذي يخالف الكشف يعاقب من الله، ثم المصيبة الكبرى أنهم يفضلون هذه العلوم التي جاءت عن طريق الكشف على العلوم الشرعية التي جاءت في الكتاب والسنة. بهذا القدر ننتهي من الكلام عن الأولياء وكراماتهم، وننتقل بمشيئة الله عن مسائل تتعلق بغلو الصالحين، أسأل الله سبحانه وتعالى لي ولكم الإخلاص والتوفيق، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وجزاكم الله خيراً.
د. أبو زيد مكي القبي