يا راغباً في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم بتقنياته ومجالاته، ومعه نطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي. أكاديمية زاد.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم إنا نسألك علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكراً. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، واجعله حجة لنا ولا تجعله حجة علينا يا رب العالمين.
حيّاكم الله طلاب العلم في المحاضرة الرابعة عشرة من محاضرات مادة العقيدة في المستوى الرابع. هذه المحاضرة تتعلق بمسألة التحذير من الغلو في الأولياء والصالحين. أولاً، ما المراد بالغلو في الأولياء والصالحين؟ المراد بالغلو في الأولياء والصالحين الزيادة في مدحهم حتى يصفهم الإنسان بالعصمة، أنهم معصومون في أفعالهم وأقوالهم من الخطأ. هذه الزيادة في المدح سواء شعراً أو نثراً هذا غلو، حتى يصفهم الإنسان بما هو خارج عن صفات البشر. يفرط أو يزيد في مدحهم أو يفرط في تعظيمهم بالقول أو الفعل أو الاعتقاد.
فمثلاً بالقول، يفرط في تعظيمهم حتى يزعم أنهم يعلمون الغيب. أو الفعل، يتمسح بهم، يتبرك بهم، يصرف لهم بعض الأشياء التي لا تصرف إلا لله سبحانه وتعالى؛ هذا إفراط. أو في الاعتقاد، يعتقد أنه ممكن أن الله سبحانه وتعالى أعطاهم شيئاً من تدبير أمر هذا الكون؛ وهكذا هذا إفراط في التعظيم. أو يرفعهم عن منزلتهم التي أنزلهم الله عز وجل إياها. ما هم بشر، لكن من البشر من اصطفاه الله سبحانه وتعالى بالنبوة والرسالة، ومن اصطفاه الله سبحانه وتعالى بالولاية. هؤلاء لهم هذه المنزلة، منزلة النبوة والرسالة والعلم والعبادة، لكن لا ترفعهم عن هذه المنزلة البشرية إلى منزلة الخالق جل جلاله. هذا يسمى غلواً في الصالحين.
الناس انقسموا في معاملتهم للصالحين إلى ثلاثة أقسام: قسم يسمون أهل الجفاء، هؤلاء لا يعتبرون العلماء شيئاً، يحتقرون العلماء، يحتقرون العباد، يحتقرون الدعاة إلى الله سبحانه وتعالى بأبشع الصفات، يتعاملون معهم بأسوأ التعامل. هذا أمر غريب؛ لو كان من كافر ليس بغريب، لكن أن يكون من أهل الإسلام، ممن يزعم أنه مسلم وأنه يحب الله ويحب رسوله صلى الله عليه وسلم، ويعظم القرآن ومعظم للسنة، ثم يتعامل مع أولياء الله من العلماء والعباد بهذا التعامل السيئ، هذا في الحقيقة جاء من أهل الجفاء، وعنده إشكالات في محبة ما يحبه الله وبغض ما يبغضه الله. هؤلاء أهل الجفاء في تعاملهم مع الصالحين جفوة، ولا يحفظون لهم أقدارهم ولا علمهم ولا مكانتهم عند الله، وليس لهم أي تقدير.
صنف آخر غلوا فيهم، فتعاملوا معهم تعاملاً حسناً لكنهم غلوا حتى خرج تعاملهم من الحسن إلى رفعوهم فوق منزلتهم التي أنزلهم الله عز وجل، يا أهل الغلو.
أما أهل الحق في تعاملهم مع الصالحين؛ يحبونهم، يحبون العلماء، يحبون طلاب العلم، يحبون الدعاة إلى الله، يحبون العباد في المساجد على الصلوات، يحبون أهل الصيام، يحبون أهل الجهاد في سبيل الله، يحبون أهل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يحبون الذين يقاومون أعداء الله بالقلم وبالفكر. فهم يحبونهم، يوالونهم، يقومون بحقوقهم الحقيقية التي طلبها الله سبحانه وتعالى من الاحترام والتقدير. لكنهم في الوقت ذاته يبرؤون من الغلو فيهم، لا يرفعونهم فوق منزلتهم، لا يدعون لهم العصمة، أن ممكن يخطئ هذا العالم في فتواه، ممكن يخطئ هذا المجاهد، ممكن يخطئ هذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. لا ندعي فيهم العصمة، لكننا وإن أخطأوا نحفظ أقدارهم نحفظ مكانتهم؛ وهكذا هذه الطريقة طريقة أهل الحق في معاملة الصالحين.
ننتبه بالنسبة للغلو؛ الغلو أن تأتي لهؤلاء الأنبياء والرسل وهؤلاء الصالحين وهؤلاء العلماء، تأتي إلى حقوق الله سبحانه وتعالى الخاصة فتصرف شيئاً من هذه الحقوق الخاصة لهؤلاء. فمن حقوق الله الخاصة به جل جلاله الكمال المطلق؛ فإذا اعتقدت أن عالماً أو عابداً أو مجاهداً أو آمراً بالمعروف أو ناهياً عن المنكر أو مفكراً أو نحو ذلك، اعتقدت فيه الكمال المطلق، هذا غلو في هذا الشخص وصرف حق خاص بالله إلى هذا المخلوق. أو الغنى المطلق، أنه مستغن بذاته، ومن هو الغني غنى المطلق؟ الغني بذاته هو الله جل جلاله، أما نحن جميعاً فقراء إلى الله وإنما نحن غنانا بالله سبحانه وتعالى. فمن وصف مخلوقاً بأن له الغنى المطلق والعياذ بالله، هذا صرف لهذا الحق الخاص لله إلى هذا المخلوق وصار غلواً.
التصرف المطلق؛ من الذي له تصرف في هذا الكون تصرفه مطلقاً هو الله جل جلاله. فمن ادعى أن هذا الولي أو هذا له التصرف المطلق، ممكن يخلق، ممكن يرد الريح، ممكن يفعل شيئاً من هذه الأمور، هذا غلو في هذا الولي لأنك صرفت حقاً خاصاً لله إلى هذا الولي. كذلك استحقاق العبادة؛ هذا حق خاص لله سبحانه وتعالى، هو المستحق وحده للعبادة. فمن ادعى أن لولي أن يصرف له شيء من الدعاء، شيء من الاستغاثة، شيء من الذبح، شيء من النذر؛ هذا والعياذ بالله غلو. الغلو هو أن تصرف حقاً خاصاً لله سبحانه وتعالى إلى المخلوق، أن ترفع المخلوق إلى منزلة الخالق، هذا يسمى غلواً.
الحقوق أيها الأحبة ثلاثة: هناك حق خاص بالله لا يشاركه فيه مشارك، وهذا الذي ذكرناه. وهناك حق خاص بالرسل وهو توقيرهم، تبجيلهم، القيام بحقوقهم الخاصة. وهناك حق مشترك بين الله عز وجل وبين رسله وهو الإيمان بالله ورسله، طاعة الله، محبة الله ومحبة رسله، لكن الأصل هو محبة الله، ومحبة الرسل ومحبة الأولياء والصالحين تابعة لمحبة الله. هذا المشترك، وذاك حق خاص بالرسل توقيرهم وتبجيلهم والقيام بحقوقهم الخاصة، وهناك حق خاص بالله، هذا الحق الخاص بالله الذي ذكرناه هذا لا يجوز صرفه للمخلوق، ومن صرفه لمخلوق فقد غلا.
الغلو في الصالحين يا إخوان أمره خطير، يكفي أن الغلو في الصالحين هو أول سبب أوقع بني آدم في الكفر بالله وترك الدين. كان سبب كفر بني آدم في أول كفر وقع في البشرية وأول شرك في البشرية كان سببه الغلو في الصالحين. نأخذ فاصلاً ثم نعود إليكم ونكمل الموضوع بمشيئة الله.
وظائف وأعمال، شاشات وألعاب، أشغال كثيرة مهمة وغير مهمة. فكيف نطلب العلم في زحمة الانشغالات؟ أما الأشغال الباطلة والمحرمة كالأفلام والمسلسلات فيجب الإقلاع عنها فوراً، وبذلك يتوفر وقت طويل لطلب العلم. والقناعة توفر الوقت المبذول في تحصيل النفقات الترفيهية، فيمكن إغلاق المحل يوماً في الأسبوع مثلاً وتخصيصه لطلب العلم. ويمكن التناوب مع زميل على طلب العلم، فيحضر أحدكما حين يغيب الآخر ثم تتبادلان المعلومات، كما كان يفعل عمر بن الخطاب وجاره الأنصاري. ويمكن استغلال وقت المواصلات ذهاباً وإياباً في القراءة والسماع، وكذلك وقت الفراغ أثناء العمل وأيام الإجازات.
واستفد بالتكنولوجيا الحديثة كالإنترنت والهواتف الذكية، والالتحاق بالتعليم المفتوح مثل منصة زادي. وعلى الأغنياء كفالة بعض النابهين وتفريغهم لطلب العلم، وفي الحديث: «من جهز غازياً في سبيل الله فقد غزا». فاعمل للآخرة يكفيك الله هم الدنيا. قال صلى الله عليه وسلم: «إن كانت الآخرة همَّه جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة».
حيّاكم الله أيها الأحبة، ما زلنا نتحدث عن الغلو في الصالحين، وقلنا إن الغلو في الصالحين مرض خطير، ويكفي في بيان خطورته -سنتحدث عن الأدلة على ذلك- أنه أول سبب أوقع بني آدم في الكفر بالله سبحانه وتعالى وترك الدين هو الغلو في الصالحين. من صور الغلو في الصالحين على وجه الإجمال، ولعلنا نفصل فيها بمشيئة الله، أن يقع الغلو في قبورهم. ومن صور الغلو في قبورهم أن يعكف الإنسان عند قبور الصالحين ويعبد الله سبحانه وتعالى عند قبور الصالحين، أو يبني المساجد على القبور، أو يتخذها عيداً ومزارات؛ هذا من الغلو في قبور الصالحين. ومن صور الغلو في الصالحين، الغلو في قبورهم بما ذكرنا، أو تعمل تماثيل مجسمة لهم وتوضع في مكان العبادة من أجل التنشيط على العبادة، أو يغلو الإنسان في مدحهم. هذه من صور الغلو في الصالحين.
والغلو في الصالحين ينقسم إلى قسمين: غلو يخرج من الملة، وغلو لا يخرج من الملة. أما الغلو في الصالحين المخرج من ملة الإسلام، أن تساوي غير الله، أن تساوي هذا الولي وهذا الصالح بالله فيما هو من خصائص الله: الكمال المطلق، الغنى المطلق، التصرف المطلق، صرف نوع من أنواع العبادة له، تسوية هذا الولي والصالح بالله فيما هو من خصائصه؛ هذا غلو مخرج من ملة الإسلام. أما إذا كان ذريعة للوقوع في هذا للوقوع في الشرك، لكنه ليس بشرك، ليس فيه تسوية غير الله بالله فيما هو من خصائصه، لكنه يوصل إلى ذلك، هذا يسمى غلواً لكنه غير مخرج من الملة.
نأخذ أمثلة للغلو المخرج من الملة الذي فيه تسوية الولي بالله فيما هو من خصائص الله. مثلاً من خصائص الله علم الغيب، فإذا نسب إلى هذا الولي أنه يعلم الغيب فهذا غلو مخرج من ملة الإسلام، هذا غلو لأن علم الغيب هذا من خصائص الله، فإذا صرفت علم الغيب إلى هذا المخلوق وأنه من علومه علم اللوح والقلم وأنه يعلم الغيب، وهكذا؛ هذا والعياذ بالله غلو مخرج من الملة.
من الغلو المخرج من الملة أن تعتقد أن هذا الولي على كل شيء قدير، من الذي هو على كل شيء قدير؟ والله سبحانه وتعالى. فإذا اعتقدته في هذا الصالح عالماً عابداً، اعتقدت أنه على كل شيء قدير، فهذا غلو؛ فإذا وصفته بهذه الصفة أنه مقتدر وأنه له القدرة التامة والتصرف التام، هذا والعياذ بالله غلو مخرج من ملة الإسلام. إذا تعتقد أنه يتصرف في الكون بحياة أو موت أو نفع أو ضر بقدرته هو ومشيئته هو، فهذا غلو في هؤلاء الأولياء والصالحين غلو مخرج من ملة الإسلام. إذا تعتقد أن للولي قدرة وتصرفاً بأنه يحيي النطفة في بطن الأم، وأنه يستطيع أن يخلق النطفة بشراً في بطن أمه، أو أنه ينفع أو أنه يضر بمشيئته دون مشيئة الله، بقدرته دون قدرة الله سبحانه وتعالى، يتصرف في الكون بحياة أو موت، بنفع أو ضر، هذا والعياذ بالله غلو في الأولياء والصالحين غلو مخرج من ملة الإسلام.
إذا تعتقد أنه يجوز صرف بعض أنواع العبادة لهؤلاء الأولياء والصالحين لأنه يرى أن لهم مكانة عند الله فدعاهم واستغاث بهم نذر لهم؛ يعني دعاهم وهم أموات، دعاهم في أمور لا يقدر عليها إلا الله، استغاث بهم في أمور لا يقدر عليها إلا الله من تفريج كرب وإدخال الجنة والنجاة من النار ونحو ذلك، استغاث بهم، دعاهم، ذبح لهم، طبعاً هم موتى فيذبح لهم هذا تقرباً بالدم، ينذر لهم إن قضيت حاجاته أنه يفعل لهم كذا وكذا من الذبائح من الشمع يوقد الشموع من أشياء يفعلها عند قبورهم، هذا كله غلو مخرج من ملة الإسلام.
وهناك غلو في الصالحين لكنه لا يخرج من ملة الإسلام لكنه ذريعة إلى الوقوع في الشرك. مثل رفع قبور الأولياء، يعني تبرز تظهر ويبنى عليها القباب والمساجد وهكذا، تصبح أضرحة، هذا غلو لكنه غير مخرج من ملة الإسلام. دفن الأولياء في المساجد، غلو من أجل ماذا؟ يقول أنا أضع هذا القبر حتى نتذكر هذا الولي وهذا الصالح ننشط على العبادة، دفن الأولياء في المساجد غلو غير مخرج من ملة الإسلام. شد الرحال إلى قبور هؤلاء الأولياء والصالحين فيسافر إليهم الإنسان إلى مسافات بعيدة ويذهب من أجل أن يتسبب في كشف كربه ودفع الضر عنه ونحو ذلك، هذا والعياذ بالله من الغلو لكنه غير مخرج عن ملة الإسلام.
يتوسل إلى الله بجاههم فيقول: اللهم إني أتوسل إليك بجاه فلان بحق فلان، وهكذا، هذا من البدع والغلو الذي لا يخرج عن ملة الإسلام. أو يحلف بهم، يعني يقول: وسيدي فلان، وحياة سيدي فلان، وهكذا، ويعتقد أن الحلف بهم دون الحلف بالله لكنه يحلف تعظيماً لهم، هذا غلو لكنه غير مخرج من ملة الإسلام.
أيها الأحبة في الله، هذا الغلو له مفاسد، مفاسد عظيمة. أول مفسدة من مفاسد الغلو في الصالحين أنه تنزيل للصالح فوق منزلته التي أنزله الله عز وجل إياها، فتخرج به من حدود البشرية إلى حدود الله سبحانه وتعالى. أيضاً هذا الغلو من مفاسده أنه قد يؤدي إلى عبادة هذا الولي وهذا الصالح، يؤدي إلى عبادته، وقد وقع هذا في الإسلامية من القديم، أول شرك وقع وتوجه الناس إلى عبادة الصالحين بسبب هذا الغلو. أيضاً هذا يصد عن تعظيم الله سبحانه وتعالى، هذا الغلو في الصالحين يجعل الإنسان يضعف عنده تعظيم الله سبحانه وتعالى، يضعف بقلبه. أيضاً لو كان هذا الولي وهذا الصالح حياً وحدث هذا الغلو فيه، هذا فيه فساد له، يفسد هذا الشخص.
أيها الأحبة في الله، هناك نصوص كثيرة وردت في التحذير من الغلو في الأولياء والصالحين، يكفينا هذا النص نتأمل فيه، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ﴾ [النساء: 171].
﴿انْتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ ۚ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ ۘ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء: 171].
يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾. لا تجعلوا عبادتكم غلوا في المخلوقين وغيرهم. فهم غلوا في تعبدهم لله سبحانه وتعالى، وفي تمسكهم بالدين وبرسولهم عيسى عليه السلام، غلوا تعبدوا بمحبة عيسى عليه السلام حتى رفعوه فوق منزلته التي أنزله الله عز وجل عليها. فكان هذا سببًا في كفر النصارى وفي تركهم لدينهم؛ أنهم غلوا في عيسى عليه السلام.
لا شك أن عيسى عليه السلام نحن نعتقد فيه أنه عبد الله ورسوله، وأن الله سبحانه وتعالى ميزه على غيره من الأنبياء والرسل بأنه خلقه بـ«كن» بلا أب بروح شريفة، قال له كن فكان في بطن أمه، ولذلك نسب الله سبحانه وتعالى روح عيسى عليه السلام إليه: ﴿رُوحٌ مِّنْهُ﴾ [النساء: 171] بسبب أنه مخلوق بكلمة كن. ولا كل الأرواح من عند الله، وأرواح عيسى مثل بقية الأرواح إلا أن الله شرفها وكرمها فأضافها إلى نفسه تشريفًا وتكريمًا.
جعل الله عز وجل خلقه وموته كلاهما آية؛ فجعل الله خلقه آية حيث خلقه بلا أب وتكلم في المهد، ثم هو رفع وسيعود في آخر الزمان ويموت كما يموت بقية البشر، فهو لم يمت إلى الآن بل رفع إلى السماء. أيضًا شرفه الله سبحانه وتعالى بالرسالة وأيده بالآيات الباهرات. هذا عيسى عليه السلام غلا فيه النصارى، وسنتحدث عن بعض جوانب الغلو عندهم بعد هذا الفاصل بمشيئة الله.
أنيق المنظر، طيب المخبر، مجالسته أنفع مجالسة، ومؤانسته أمتع مؤانسة؛ إنه الكتاب، من خلاله نجالس العلماء والصالحين. قيل لابن المبارك: ألا تجلس معنا؟ قال: ما أجلس إلا مع الصحابة والتابعين، يعني قراءة سيرهم. وقد كان العلماء شغوفين بالكتب شراءً وقراءةً، قال ابن الجوزي: ما أشبع من مطالعة الكتب، وإذا رأيت كتابًا لم أره فكأني وقعت على كنز، ولو قلت إني طالعت ستين ألف مجلد كان أكثر.
وطالب العلم لا تخلو مكتبته من الكتب الأساسية في شتى العلوم، ففي التفسير مثلًا: تفسير السعدي وتفسير ابن كثير، وفي العقيدة: كتاب التوحيد والطحاوية والواسطية مع بعض الشروح، وفي الحديث: الكتب الستة مع أهم شروحها، وهكذا بقية العلوم. وقبل الشراء استشر أهل الخبرة ليدلوك على أهم الكتب وأفضل الطبعات، لا سيما ما حققه العلماء الثقات كالألباني وبكر أبو زيد. احرص على التنويع في شراء الكتب ولا تقتصر على فن واحد أو فنين، واعتن بكتب النوازل الفقهية والعقدية، ولا تبخل بإعارة الكتاب وحافظ عليه إن استعرته، ولا تستكثر ما تنفقه في شراء الكتب، وصدق من قال: تلك النفائس لو تباع بوزنها ذهبًا لكان البائع المغبونا.
حياكم الله أيها الأحبة. قلنا عيسى عليه السلام عبد الله ورسوله، مخلوق بـ«كن» بلا أب بروح شريفة، جعله الله آية حيث خلقه بلا أب وتكلم في المهد، شرفه الله بالرسالة وأيده بالآيات الباهرات. منها أنه يأتي إلى القبضة من الطين يصنعها هكذا وإذا بهذه القبضة من الطين يصنعها كهيئة الطير؛ صنع عجيب متقن، الذي يراه يقول هذا الطير طير حقيقي. هذه آية، ولا ليس هذا يكفي فقط، لكنه عندما يصنعه كهيئة الطير يقول لهم: تؤمنون أني رسول الله؟ فأعطاهم هذه الآية. قال: أعطيكم آية أخرى، تؤمنون أني رسول الله؟ فيقول لهذا الطير: إن كنت يا الله رسولك حقًا وصدقًا فاجعل هذا الطير يطير، فيطير الطير الذي هو صنعه بنفسه، وهم يعلمون أن هذا الأمر ليس بسحر من عند الله.
يأتي لإنسان أكمه، والأكمه هو الذي ولد أعمى، وهم مشهورون بالطب ويعالجون وهكذا، يئس وقال هذا لا يمكن أن يبصر لأنه ولد أكمى، فيأتي يأخذ القبضة من الطين ويدعوهم إلى التوحيد، يطلبون منه آية فيقول لهذا الإنسان: هل يمكن أن يبصر؟ قال: لا، لا يمكن أن يبصر. فيأتي بهذه القبضة من الطين فيضعها على عينه ثم يدعو الله سبحانه وتعالى ويقول لهم: إن كنت رسول الله حقًا سيبصر. ويزيل هذه القبضة ويذهب بهذا الرجل يبصر. يأتي للأبرص قد عجز الطب عن علاجه فيمسح عليه ويدعو الله سبحانه وتعالى ويجعل شفاءه آية على أنه رسول الله فيبرئ الأبرص.
يأتي إلى ميت، خلاص الأطباء قالوا هذا مات، بل أحيانًا يكون ميتًا عليه ثلاثة أيام وهو ميت، فيأتي ويقول: أتشهدون أني رسول الله؟ قالوا: ما آيتك؟ فيقول له: قم حيًا بإذن الله، فيقوم حيًا. وكان يخبر بالغيب النسبي، وهكذا هذا عيسى عليه السلام. هؤلاء تمسكوا بدينهم فآمنوا بالله وآمنوا برسول الله، رسول الله عيسى، لكنهم غلوا، غلوا في عيسى عليه السلام فأخرجوه من حدود البشرية وهو عبد الله ورسوله، غلا فيه النصارى حتى جعلوه هو الله. وكل ما يصرف لله سبحانه وتعالى من الصفات ومن العبادات صرفوه لعيسى عليه السلام تمامًا، فجعلوا عيسى هو الذي يفرج كربهم، وهو الذي يرزقهم، وهو الذي يشفيهم من المرض.
عيسى عليه السلام الآن انتهى دوره، هو مرفوع في السماء ليس له عمل يقوم به إلا في آخر الزمان ينزل، أما عيسى عليه السلام انتهى دوره، لكن مع هذا كله هم الآن توجههم واعتقادهم من الذي يدبر أمر هذا الكون؟ من الذي له التصرف المطلق في الكون؟ هو عيسى عليه السلام. يعتقدون أن هناك الآب وهناك الله، نعم يعتقدون بذلك، لكنهم جعلوا من هو الإله هو الابن هذا عيسى عليه السلام، جعلوا جميع أمور الربوبية في يد عيسى عليه السلام، وجميع ما يتوجهون به من العبادات يتوجهون به إلى عيسى، دعاؤهم إلى من؟ إلى عيسى، صلاتهم إلى من؟ إلى عيسى، صومهم إلى من؟ إلى عيسى، فصرفوا جميع العبادات إلى عيسى.
ما السبب يا إخوان؟ السبب هذا هو الغلو في عيسى عليه السلام، حتى جعلوا أمور الربوبية والأسماء والصفات التي هي لله جعلوها لعيسى عليه السلام، وجعلوا أمور التأله وتوجهوا بالتأله والتعبد إلى عيسى عليه السلام. ما السبب في ذلك؟ السبب هو الغلو. وهناك أناس يا إخوان يفعلون مع رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم ما يفعله النصارى حذو القذة بالقذة مع عيسى عليه السلام، يصنعون مع رسولنا صلى الله عليه وسلم ويزعمون أنهم يحبون رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكنهم غلوا في ذلك. غلوا في محبتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم حتى خرجوا بالرسول صلى الله عليه وسلم من حدود البشرية إلى حدود الخالق، فجعلوا أمور الربوبية وأمور الأسماء والصفات وصفوا بها محمدًا صلى الله عليه وسلم، وجعلوا أمور التأله يتوجهون بها إلى رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم مثلهم مثل النصارى تمامًا.
هذه الفئة عندما تنظر إليهم وتنظر إلى حال النصارى مع عيسى عليه السلام قد لا تجد فرقًا، إلا أن هؤلاء لا يسمون محمدًا صلى الله عليه وسلم إلهًا وهؤلاء يسمون عيسى إلهًا، هذا هو الفرق، أما أمور المعتقد وأمور الأفعال فتجدها واحدة تمامًا. للأسف أن هناك من يخرج الناس من دين الإسلام في قضية الغلو في محمد صلى الله عليه وسلم، كما أن هناك الرافضة يخرجون الناس من باب الغلو في علي رضي الله تعالى عنه، غلوا في علي بن أبي طالب رضي الله عنه وفي الأئمة الذين يعتقدون أنهم أئمة بعده، غلوا فيهم حتى جعلوا لهم أشياء لا تليق إلا بالله من الأسماء والصفات وأفعال الربوبية، وصرفوا إليهم هذا التأله الذي لا يصرف إلا لله صرفوه لهؤلاء. ما سببه؟ سبب هذا كله هو الغلو في الصالحين.
الغلو في الصالحين هو أول وأعظم سبب أوقع بني آدم في الشرك الأكبر. في الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما في قول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: 23]. قال ابن عباس: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابًا وسموها بأسمائهم ففعلوا ولم تُعبد، حتى إذا هلك أولئك ونُسي العلم عُبدت.
قال ابن القيم رحمه الله: قال غير واحد من السلف: لما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم. فأول شرك وكفر وقع في بني آدم سببه الغلو في الصالحين. الشيطان يا إخوان يتدرج بهؤلاء الناس في باب الغلو في الصالحين من أمور يسيرة حتى يوقعهم في الشرك الأكبر والعياذ بالله. أولًا يقول له: أبرزوا قبورهم، ابنوا عليها أضرحة، زينوها، زخرفوها، ثم يلقي في قلوب أصحاب الغلو أن العكوف على تلك القبور وشد الرحال إليها من محبة أهلها، وأن الدعاء هناك مستجاب، ثم يزين لهم الأمر وينقلهم إلى الدعاء بها، يعني ندعو الله، نقسم على الله بأصحابها، نتوسل إلى الله بجاههم، تقرر عندهم ذلك، نقلهم إلى دعاء أصحاب القبور والاستشفاع بهم والاستغاثة بهم، فيتخذون القبور بعد ذلك أوثانًا يطاف بها وتستلم وتقبل ويذبح عندها وتقام عندها وحولها الاحتفالات والموالد والأعياد السنوية، فينتهي بهم الأمر إلى وثنية بغيضة والعياذ بالله، وهذا كله بسبب الغلو في الصالحين.
لقد جاء في الشرع التحذير من الغلو في الصالحين على وجه العموم، ومن أمثلة ذلك ما ورد في الصحيحين عن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله». الغلو في مدح عيسى عليه السلام كان سببًا في كفر النصارى، فينهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوقوع في مثل ما وقعوا فيه، لا تزيدوا في المدح فتقعوا في الكفر كما وقعت النصارى.
قال ابن عباس رضي الله عنهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو»، فالغلو سبب لهلاك الأمم. وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «هلك المتنطعون»، قالها ثلاثًا. فالتنطع والتعمق والغلو سبب للهلاك. أسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يجعلني وإياكم من أهل الاعتدال والاستقامة، وأن يبعد عنا الغلو والجفاء، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وجزاكم الله خيرًا.
د. أبو زيد مكي القبي