تسجيل الدخول

المحاضرة 15 - قواعد في المحكم والمتشابه

أبو زيد مكي القبيد. أبو زيد مكي القبي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

يا راغبا في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم بتقنياته ومجالاته، ومعه نطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي. أكاديمية زاد، هذه عقيدة صحيحة فطرة تنفي الشكوك بواضح البرهان. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم إنا نسألك علما نافعا، وعملا صالحا، وقلبا خاشعا، ولسانا ذاكرا. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، واجعله حجة لنا ولا تجعله حجة علينا يا رب العالمين.

حياكم الله طلاب العلم، المحاضرة الخامسة عشر من محاضرات مادة العقيدة المستوى الرابع في أكاديمية زاد. في هذه المحاضرة سنتحدث بمشيئة الله عن صورة من صور الغلو في الصالحين، وهي صورة اتخاذ قبور الصالحين مساجد. من صور الغلو في الصالحين أن تتخذ قبورهم مساجد؛ واتخاذها مساجد يكون بأمرين اثنين: إما بأن يُبنى عليها مسجد ويصبح هذا المسجد يصلى فيه، ويكون هذا القبر في هذا المسجد، أو من صور اتخاذ القبور مساجد أن تُتعاهد تلك المقبرة وذلك المكان الذي فيه القبر بالصلاة فيه، وإن لم يُبنَ عليه مسجد، لكن يصلي الإنسان دائما هناك؛ هذا من اتخاذ ذلك القبر مسجدا.

سنأخذ بعض النصوص التي تدل على تحريم اتخاذ قبور الصالحين مساجد؛ من ذلك ما ورد في الصحيح عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: إن أم سلمة رضي الله تعالى عنها ذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم كنيسة رأتها بأرض الحبشة عندما كانت أم سلمة مع المهاجرين الذين هاجروا في بداية الأمر إلى الحبشة، فذكرت أنها رأت كنيسة وما فيها من الصور، صور من؟ صور أولئك الصالحين في داخل تلك الكنيسة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أولئك كالنصارى إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجدا». أي هم يعظمون ذلك الرجل الصالح أو العبد الصالح ويغلون في تعظيمه، يحبونه لكن يغلون في ذلك الحب. ومن الغلو في ذلك الرجل الصالح أو العبد الصالح إذا مات بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور. «أولئك شرار الخلق عند الله، أولئك شرار الخلق عند الله».

لاحظوا يا إخوان، هم يظنون أنفسهم أنهم خير الخلق عند الله لأنهم يحبون أولياء الله ويحبون الصالحين ويحبون الأنبياء والرسل، والنبي صلى الله عليه وسلم يصفهم بأنهم شرار الخلق عند الله سبحانه وتعالى. شرار الخلق عند الله، ما السبب؟ السبب هو الغلو في الصالحين، غلوا فيهم حتى جعلوا قبورهم مسجدا، بنوا على قبره مسجدا وجمعوا فتنة أخرى جعلوا تمثالا له في داخل ذلك المسجد، فقال صلى الله عليه وسلم: «أولئك شرار الخلق عند الله». لا يوجد عاقل يسمع هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم وما زال يصر على أن يتخذ قبور الأولياء أماكن للصلاة أو يبني عليها المساجد. وكثير من البلدان الإسلامية للاسف الشديد يرون أن المسجد يزداد فيه الأجر، أجر الصلاة، أجر البناء إذا كان فيه مسجد، هذا شيء من العجائب، ويظنون بذلك أن هذا يقربهم عند الله، وأنهم بسبب هذا الفعل يصبحون خير الناس عند الله، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أولئك شرار الخلق عند الله». والله هذه اللفظة يا إخوان عندما يسمعها المؤمن بكلام الله وكلام رسوله، يسمع قول النبي صلى الله عليه وسلم إن أولئك الذين يتخذون قبور الصالحين مساجد شرار الخلق عند الله، والله شيء مرعب يا إخوان، شيء مرعب، يجعل الإنسان يخاف من مثل هذه الأفعال.

وفي البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله تعالى عنها أيضا قالت: لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم -أي الموت- يطرح خميصة له على وجهه، إذا اغتم بها صلى الله عليه وسلم كشفها، يعني يغطي بها وجهه، فإذا بدأ يضيق النفس عليه كشفها، فقال وهو كذلك -في سياق الموت-: «لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا أنبيائهم مساجد»، يحذر ما صنعوا، يعني هؤلاء اليهود والنصارى الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يقول لعنة الله عليهم؛ ومن أجل ماذا؟ النبي صلى الله عليه وسلم يقول هذا الحديث وهو في سكرات الموت، يحذر هذه الأمة أن تصنع كما صنعت اليهود والنصارى فتتخذ قبور أنبيائهم مساجد. تقول عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره، كان قبره خارج البيت غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا. أيها الأحبة في الله، هؤلاء الذين يبنون على القبور مساجد ملعونون، ملعونون على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم. ما الفائدة؟ تأتي إلى قبر ثم تبني عليه مسجدا وتستحق بذلك الدعاء عليك من رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يطردك الله ويبعدك عن رحمته؟ ما الفائدة من ذلك؟ أنت تريد القربى من الله ولا تريد البعد عن الله؟ تريد أن تنال رحمة الله ولا تريد أن تطرد عن رحمة الله بهذا الفعل بالغلو في الصالحين، ومن الغلو فيهم أن تتخذ قبورهم مساجد، هذا الأمر سيكون سببا لأن تطرد وتبعد عن رحمة الله سبحانه وتعالى.

ولمسلم عن جندب بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس وهو يقول: «إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا»، رسولنا صلى الله عليه وسلم خليل الرحمن أيضا، كما أن إبراهيم عليه السلام خليل الرحمن، رسولنا صلى الله عليه وسلم خليل الرحمن. ويقول: «ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا»، وهذا يبين منزلة أبي بكر رضي الله عنه عند رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم يقول هنا موضع الشاهد: «ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن هذا»، رسولنا صلى الله عليه وسلم نهى عن اتخاذ القبور مساجد في آخر حياته، قبل أن يموت بخمسة أيام. هذا وهو في سياق الموت يلعن من فعل ذلك، والصلاة أيها الأحبة عند القبور من ذلك، وإن لم يُبنَ مسجد، وهو معنى قوله خشي أن يتخذ مسجدا، فإن الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجدا، كل موضع قصدت الصلاة فيه فقد اتخذ مسجدا، بل كل موضع يصلى فيه يسمى مسجدا، كما قال صلى الله عليه وسلم: «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا». إذا أيها الأحبة في الله، هذه النصوص وغيرها كثير، أحذر من الغلو في الصالحين، ومن صور الغلو في الصالحين الذي حذرت منه النصوص أن تتخذ قبورهم مساجد.

للإيمان أركان لا يتم إلا بها، فإذا سقط منها ركن لم يكن الإنسان مؤمنا، وهي ستة: الإيمان بالله، ويشمل الإيمان بربوبيته أي بأنه الخالق المالك المدبر، وبالوهيته فلا معبود بحق إلا الله وكل معبود سواه باطل، وبأسمائه وصفاته فله الأسماء الحسنى والصفات العليا. ونؤمن بالملائكة وأنهم مخلوقون من النور، وأنهم عابدون لله مطيعون يسبحون الليل والنهار لا يفترون، ولهم أعمال كلفوا بها؛ فجبريل موكل بالوحي، وميكائيل بالمطر والنبات، وإسرافيل بالنفخ في الصور. ونؤمن بالكتب أنزلها الله على رسله حجة على العالمين، قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: 25]، ومنها التوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وموسى، وأعظمها وخاتمها القرآن العظيم، المهيمن عليها. ونؤمن باليوم الآخر وهو يوم القيامة، ونؤمن بما فيه من البعث والحشر وصحائف الأعمال والميزان والحساب والصراط والحوض والشفاعة والجنة والنار. ونؤمن بالقدر خيره وشره، وهو تقدير الله تعالى للكائنات حسب ما سبق به علمه واقتضت حكمته، وله أربع مراتب: العلم والكتابة والمشيئة والخلق، فثبت إيمانك بالعلم والعمل واحذر من شبهات المشككين.

حياكم الله أيها الأحبة، ذكرنا ثلاثة نصوص تحذر من اتخاذ القبور مساجد، أيضا لدينا نص رابع في هذا الدرس أخرجه الإمام أحمد بسنده عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد». يصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم شرار الناس. هناك في الحديث الأول وصفهم بأنهم شرار الخلق عند الله، وهنا يصفهم بأنهم شرار الناس. أيها الأحبة في الله، من هذه النصوص يتبين لنا أن الشرع يغلظ على من اتخذ القبور مساجد، يحرم ذلك تحريما مغلظا، فيصف الفاعلين بأنهم شرار الخلق عند الله، وهؤلاء الذين يبنون على القبور مساجد ملعونون على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم من شرار الناس، والنبي صلى الله عليه وسلم قد نهى عن اتخاذ القبور مساجد في آخر حياته، فهذا أمر محرم وتحريمه تحريما مغلظا.

هذه الصورة من صور الغلو في الصالحين بأن تتخذ قبورهم مساجد جاء الشرع بتحريم ذلك تحريما مغلظا. ما السبب يا إخوان؟ السبب أن اتخاذ القبور مساجد سيعود بهؤلاء المتخذين القبور مساجد إلى الوثنية، سيتحول ذلك القبر إلى وثن يعبد من دون الله سبحانه وتعالى. روى الإمام مالك في موطئه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، حديث واضح. اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، ثم حذر فقال: «اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». ما السبب؟ أن اتخاذ قبور الأنبياء مساجد سيجعل قبورهم أوثانا تعبد من دون الله، فدل ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول لا تجعل يا الله قبري وثنا يعبد، وذلك بأن يتخذ مسجدا، فإن قوما اتخذوا قبور أنبياء مساجد فتحولت أوثانا تعبد. الغلو في قبور الصالحين باتخاذها مساجد يصيرها أوثانا تعبد من دون الله.

ولابن جرير بسنده عن سفيان عن منصور عن مجاهد في قوله تعالى ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ [النجم: 19]، قال: كان يلت لهم السويق فمات، فعكفوا على قبره. فعكفوا على قبره ماذا يعني؟ اعتكفوا هناك على القبر يدعون الله ويصلون لله، وكان أصلا هو يلت لهم السويق، رجل صالح يلت للحجاج، فعكفوا على قبره، هذا العكوف على قبر ذلك الذي كان يلت السويق أدى إلى أن يكون ذلك القبر وثنا يعبد، لماذا؟ لأنهم أدوا ذلك إلى عبادته وصار اللات المعروف. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج». المتخذين على القبور مساجد ملعونون بما يفضي ذلك إلى الوثنية والعياذ بالله.

لاحظوا يا إخوان، وهناك من درس هذا الأمر وزار تلك القباب وتلك الأضرحة، رأى فيها من الأشياء العجيبة؛ من تلك الأشياء التي ترى عادة في الأضرحة وفي تلك القبور التي وضع عليها قباب أنهم يدخلون إليها، ويظهرون في الدخول التعظيم والاحترام وإظهار غاية الأدب وغاية الخشوع، ويخلع الإنسان نعليه من مسافة بعيدة ثم يدخل خاشعا محترما مقدسا ذلك المكان، ثم يبدأ يمارس في البداية نوعا من التبرك، ويتبرك بالضريح يتبرك بالقبة، فيأخذ من ترابها، يضع يديه على السياج المعدني الذي حول القبر، يتمسح بذلك السياج، يمسح على جسده وملابسه، فيكون هناك التبرك واضح، تعظيم واحترام وتبرك. ثم عادة القبر في ذلك الضريح أو القبة يكون في الوسط، فماذا يصنع؟ بعضهم يأتي ببخور وبعضهم كذا، ثم يدورون حول ذلك الضريح فيطوفون حول ذلك القبر. ثم يستمر الأمر حتى يتوجهون إلى ذلك المقبور بالدعاء والاستعانة به والإلحاح عليه في أن يجيب دعاءهم، ومنهم من يلتزم القبر -يعني كما يلتزم الإنسان عند باب الملتزم- ويعتكف، هذا يلتزم ويصيح عنده ويجأر إليه حتى يفرج عنه كربهم، ومنهم من يصل به الأمر أن يتوجه إلى ذلك القبر بالسجود ويقدم عندها النذور، وبعضهم يبقى بالشهر فيعتكف عند ذلك الضريح حتى يشفى من مرضه أو حتى يذهب منه الضيق.

وهكذا أيها الأحبة في الله، لا شك أن شرعنا علمنا احترام المسلم حيا وميتا، وأن الميت وأن القبور تحترم، علمنا الشرع هذه الكيفية كيف تحترم هذه القبور. أخرج الإمام مسلم بسنده عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر». علمنا الشرع احترام القبور، وكيف نحترمه؟ ألا نجلس عليها، ألا نمشي على القبور، هذا من احترامهم. ومن احترامهم أن يوضع شاخص علامة عند رأس القبر، أن يرفع القبر قدر شبر ليعلم أنه قبر، المقبرة نفسها تحاط بسور لحفظها وتمييزها عما حولها؛ هذا كله من التعظيم والاحترام للقبور بالأشياء الشرعية. أما الوسائل المحرمة أن يرفع القبر عن الأرض أكثر من شبر، يرفع ويكون كالضريح، هذا أمر محرم. قال صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب: «لا تدع تمثالا إلا طمسته، ولا قبرا مشرفا إلا سويته»، إنما يرفع مقدار شبر حتى يعلم أنه قبر فلا يوطأ، وتوضع علامة على رأس القبر حتى يعرف أنه فلان الفلاني وهكذا. أيضا من الوسائل المحرمة البناء على القبور لحديث جابر: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجصص القبر وأن يبنى عليه.

أيضاً طلاء القبر بالدهان أو الجص أو غير ذلك من أنواع الزينة، هذا أيضاً ورد في الشرع النهي عنه. الكتابة على القبور، المدح والثناء والشعر أو نحو ذلك مما يدخل في النياحة على الميت أو يفتح باب التعظيم والغلو فيه، هذا أيضاً ممنوع. غرس الأشجار على القبور وزراعة النبات الأخضر عليها؛ فهذا أيضاً ليس من الوسائل المشروعة، بل وسيلة محرمة وهو من عادات غير المسلمين، من عادات النصارى مع قبورهم. هذه مسائل محرمة. روى الإمام مسلم رحمه الله بسنده عن جابر رضي الله عنه قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه»، وخرجه الترمذي وغيره بإسناد صحيح وزاد: «وأن يكتب عليه». هذه كلها وسائل محرمة في احترام القبور وتعظيمها.

هل كرم المرأة أحد مثلما كرمها الإسلام؟ فالنساء شقائق الرجال، وإنما خصت المرأة ببعض الأحكام كإعفائها من الجمع والجماعات مراعاة لأنوثتها، لا تحقيراً لها. فللمرأة حقها في التعليم، وقد خصص النبي صلى الله عليه وسلم درساً لتعليم النساء، ولا يمنعها الحياء من طلب العلم. قالت عائشة رضي الله عنها: نعم النساء نساء الأنصار؛ لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين. والتعليم حق للمرأة على أبيها وزوجها، عن علي بن أبي طالب في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: 6] قال: علموهم وأدبوهم. وتتعلم المرأة زوجها إن كانت أعلم منه؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي رافع حين علمته زوجته بعض الأحكام: «يا أبا رافع، إنها لم تأمرك إلا بخير».

والتاريخ الإسلامي زاخر بالنساء العالمات المعلمات؛ كعائشة أم المؤمنين، قال عطاء بن أبي رباح: كانت عائشة أفقه الناس وأعلم الناس وأحسن الناس رأياً في العامة. ومنهن عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية، وحفصة بنت سيرين البصرية، وفاطمة بنت عباس البغدادية. فتعلمي واعملي وأبشري؛ قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 97].

حياكم الله أيها الأحبة. أيضاً من صور الغلو في قبور الصالحين أن تشد لها الرحال؛ أن يسافر الإنسان إلى ذلك القبر في ذلك البلد من أجل أن يزور ذلك القبر، هذا من الغلو وهذا نهى عنه الشرع. ففي البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، والمسجد الأقصى». لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد. هنا "لا" في "لا تشد الرحال"، هل هي لا الناهية أم هي لا النافية؟ هي إما أن تكون لا ناهية أو تكون لا نافية.

فإن كانت لا الناهية فهذا للتحريم "لا تشد الرحال"؛ فمن شد الرحال لغير تلك المساجد الثلاثة من أجل التعبد لله، فشد الرحال من أجل أن يزور ذلك القبر تعبداً لله وهنا قال "لا تشد"، فتكون "لا" بمعنى النهي، فيكون شد الرحل من أجل زيارة القبور محرماً، ويكون هذا التحريم شاملاً لقبر الأولياء والصالحين والأقارب وقبر النبي صلى الله عليه وسلم. فلا تشد الرحال في زيارة القبور، سواء في ذلك قبر النبي صلى الله عليه وسلم أو قبر غيره. فتكون هنا لا الناهية ويكون هذا النهي يدل على التحريم.

وإذا كانت نافية "لا تشد الرحال" بمعنى نفي أن الإنسان يشد الرحال لغير تلك المساجد، فيكون هذا النفي نفياً للاستحباب، فلا توجد أي فضيلة في شد الرحل من أجل زيارة القبور، ليس فيه أي فضيلة سواء ناهية أو نافية. فصار هناك إجماع من أهل العلم على عدم استحباب شد الرحل من أجل زيارة القبور؛ إذا كانت نافية فلا فضيلة، وإذا كانت ناهية فهي محرمة. فالأمر يدور بين أمرين: شد الرحل لزيارة القبور عموماً وقبر النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً من تلك القبور، شد الرحل من أجل تلك الزيارة للقبور لا فضيلة فيه، وإذا قلنا لا ناهية فيكون هذا الأمر محرماً. فمن اعتقد أن السفر لزيارة القبور قربة وعبادة وطاعة فقد خالف الإجماع، لأن الإجماع أنه ما فيها فضيلة، وإذا سافر لاعتقاده أن ذلك طاعة كان ذلك محرماً بالإجماع.

يا إخوان، ننتبه إلى بعض المغالطات التي تحدث في مثل هذا الموضوع؛ من تلك المغالطات أنه يخلط بين النهي عن شد الرحل من أجل زيارة القبر وعن النهي عن زيارة القبر. هل بينهما فرق؟ الذي يقول: لا تزوروا القبور، هذا الذي ينهى عن زيارة القبر، هذا يخالف حديث النبي صلى الله عليه وسلم ويخالف ما هو معلوم من الدين بالضرورة؛ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إني كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها؛ فإنها تذكركم الآخرة». فيأتي شخص عندما يسمع شخصاً ينهى عن شد الرحل لزيارة القبر يقول: انظروا، فلان يحرم زيارة القبور! يخلط على الناس ويلبس عليهم؛ ذاك ينهى عن السفر من أجل زيارة القبور، وهذا يقول: انظروا ينهى عن زيارة القبور، وهو لم ينه عن ذلك. هل زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم محرمة؟ أحد ينهى عن ذلك؟ ما أحد ينهى عن ذلك، إنما النهي عن شد الرحل. فلو شد الرحل من أجل أن يصلي في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وزار قبر النبي صلى الله عليه وسلم هذا خير.

وهناك من يلبس عندما ينهى عن الزيارة البدعية للقبور، ينهى عن الزيارة التي يكون فيها البدع للقبور، فيقول: انظروا ينهى عن زيارة القبور! فيخلط بين النهي عن الزيارة البدعية والزيارة الشرعية، ويخلط بين النهي عن شد الرحل لزيارة القبور وزيارة القبور. ثم يبني على ذلك استنتاجاً بأن هؤلاء الذين ينهون عن شد الرحل لزيارة القبور والذين ينهون عما يفعل عند القبور من الأمور المحرمة والبدعية، يستنتجون من ذلك أن هؤلاء لا يحبون رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يحبون الأولياء ولا يحبون الصالحين، وهذا كله من التلبيس على الناس. شخص ينهى عما نهى عنه رسول الله: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد»، وشخص ينهى عن أن يقام في تلك الزيارة للقبر الأمور المحرمة والبدعية، ثم يقولون هذا لا يعظم الأولياء، لا يعظم رسول الله صلى الله عليه وسلم!

أيها الأحبة في الله، زيارة القبور على قسمين: إما زيارة بشد رحل أو زيارة بدون شد رحل. إذا كانت الزيارة للقبر بشد رحل فهذه الزيارة ممنوعة، انتهينا من هذا. وإذا كانت بدون شد رحل فهي تنقسم إلى قسمين: زيارة مشروعة وزيارة ممنوعة. إذا كانت هذه الزيارة بدون شد رحل وكانت وفق ما شرعه الرسول صلى الله عليه وسلم من الاتعاظ بأحوال الموتى، وكانت من أجل السلام على الموتى ومن أجل الدعاء لهم، ففعل ما شرع لنا أن نفعله عند القبور، فهذه تسمى زيارة مشروعة.

أما الزيارة الممنوعة فهي ما كان فيها مخالفة لهدي الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو ما يكون القصد فيها الانتفاع من الموتى، لا نفع الموتى إنما الانتفاع من الموتى؛ هذه الزيارة الممنوعة منها ما هو شرك أكبر ومنها ما هو شرك أصغر. إذا كان هذا الإنسان يأتي إلى قبور الصالحين ويزورها من أجل أن ينتفع بها، فيتوجه لهؤلاء المقبورين، يتوجه إليهم بالدعاء والاستغاثة والتضرع والذبح والنذر وإن لم يعتقد فيهم أنهم يخلقون، أنهم يملكون، أنهم يرزقون، أنهم يدبرون، لكن صرف لهم أنواعاً من أنواع العبادة من الدعاء والاستغاثة وطلب الاستعاذة والالتجاء والتحرز بهم، ويذبح لهم، ينذر لهم؛ هذا شرك أكبر؛ لأنه حول ذلك القبر إلى وثن يعبد من دون الله.

أما إذا كان الطلب من الله وهو قصد تلك البقعة؛ قد أوقع الشيطان في نفسه هنا -لا يوجد نص- أوقع الشيطان في نفسه أن الدعاء عند ذلك القبر والصلاة لله عند ذلك القبر، فيدعو الله مخلصاً ويطلب من الله -لا يطلب من الميت- ويصلي لله مخلصاً لله سبحانه وتعالى، لكنه يعتقد أن ذلك المكان مكان مبارك وسبب لإجابة الدعاء وسبب لقبول الصلاة وسبب لقبول الاستغفار ونحو ذلك؛ هذا وقع في أمر محرم، وقع في شرك أصغر؛ لأنه قد تُجاب دعوته فماذا يصنع؟ يظن أن ذلك الولي قد كان له دور في قبول الدعوة، فيتوجه المرة الثانية يتوجه بالدعاء إليه فيقع في الوثنية ويقع في الشرك عياذاً بالله.

فهذه أنواع زيارة القبور؛ بشد رحل هذا محرم، بدون شد رحل تنقسم إلى زيارة مشروعة إذا أتى فيها بالمشروع، وزيارة ممنوعة إذا كان هدفها الانتفاع بالموتى. وإذا كان هدفهم الانتفاع بالموتى بدعائهم والاستغاثة بهم هذا شرك أكبر، وإذا كان فقط يعتقد أن تلك البقعة بقعة مباركة فهذا يعتبر شركاً أصغر.

نلخص ونقول: ما يفعل عند القبور أمران اثنان: إما مشروع، وهو ما شرعه الشارع من زيارة القبور على الوجه الشرعي من غير شد رحل، هذا أمر مشروع. أو ممنوع منها وهو محرم: التمسح بتلك المقابر، التوسل إلى الله بأهلها، الصلاة عندها، والبناء عليها، الغلو فيها وفي أهلها؛ وهذا بشرط أنه لم يبلغ رتبة العبادة، هذا فعل محرم وشرك أصغر. أو ممنوع وهو نوع من الشرك الأكبر: دعاء أهل القبور والاستغاثة بهم وطلب الحوائج الدنيوية والأخروية منهم. أسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعلنا جميعاً من أهل التوحيد الخالص، وأن يرد جميع المسلمين إلى الله رداً جميلاً، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وجزاكم الله خيراً.