تسجيل الدخول

المحاضرة 16 - الشفاعة وشروطها

أبو زيد مكي القبيد. أبو زيد مكي القبي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

يا راغبا في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم بتقنياته ومجالاته، ومعه نطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي. أكاديمية زاد: هذه عقيدتنا الصحيحة فطرة تنفي الشكوك بواضح البرهان. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم إنا نسألك علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكراً. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا واجعله حجة لنا ولا تجعله حجة علينا يا رب العالمين.

أيها الأحبة في الله، نواصل الحديث عن الغلو في الصالحين. ويقول قائل: ما هي المصادر التي جعلت الغلاة يقعون فيما وقعوا فيه من الغلو في الصالحين بتعظيم قبورهم؟ ومن صور الغلو في الصالحين اتخاذ القبور مساجد، ثم بعد ذلك توجهوا بالدعاء والذبح والنذر لأولئك. ما هي مصادرهم في هذه الأمور؟

مصادر الغالين في قبور الصالحين إما منامات؛ رأى في المنام أن ذلك الولي الصالح ظهر في البقعة الفلانية، وقال: طالما أنه ظهر لي في البقعة الفلانية إذاً تلك بقعة مباركة، إذاً هو يأمرني أن أبني في ذلك المكان مسجداً لأنه ظهر لي مرة أو أكثر من مرة في تلك البقعة. ثم يضع مثل القبر ويقول لكل الناس إن هذا قبر فلان، وهو يعلم أنه قبر في مكان آخر، لكن يقول: طالما أنه ظهر لي هنا فهذه بقعة مباركة؛ فهي أشبه بالمنامات. مصادرهم ما مصدرك؟ قال: رأيت في المنام.

أو الذي دفعهم لذلك الغلو حكايات مزعومة؛ يحكى أنه كان كذا وكذا، أو تكون حكايات صحيحة لكنها من الشيطان، مثل أن يظهر له في بقعة ما ذلك الولي ويقضي له حاجته، أو يراه يطير في الهواء أو كذا، وهو في الحقيقة إنما رأى شيطاناً تمثل له في صورة ذلك الرجل الصالح وأنه يطير في الهواء، أو أنه يسير على الماء، أو أنه يقدم له حاجة، فيفتن بذلك فيتوجه لذلك الولي الصالح بالدعاء والذبح والنذر.

وهكذا أو أحاديث مكذوبة عن النبي صلى الله عليه وسلم، مثل حديث: «إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور». هذه أحاديث مكذوبة، هذه مصادرهم. ليس مصدرهم كتاب الله أو سنة نبيه صلى الله عليه وسلم أو الإجماع، ليس هذا من المصادر البتة، إنما هي منامات أو أحاديث مكذوبة أو حكاية مزعومة أو حكاية صحيحة لكنها من عمل الشيطان. هذه مصادر القبورية.

نريد أن ننبه يا إخوان إلى الطريقة المثلى في الحوار مع هؤلاء. سنذكر الطريقة الوقائية؛ كيف يحصن الإنسان نفسه من شبهات الغلاة في القبور؟ الغلاة في الصالحين، وأن هؤلاء الصالحين يقضون الأمور وينفعون ويضرون، وأن الإنسان إذا توجه إليهم بالدعاء والذبح والنذر قضيت حاجاته؛ ماذا يصنع حتى يقي نفسه من شبهاتهم؟

إذا طرحت عليه هذه الشبهات، هذه الأمور المتشابهة؛ لأنه أحياناً الكلام مخلوط حق بباطل فيشتبه عليك، والنص قد يفهم منه أنه يتحدث عن الدنيا وهو أصلاً يتحدث عن الآخرة، لكنه يحتمل الأمرين؛ يحتمل أن يكون عن دنيا ويحتمل أن يكون عن الآخرة، يحتمل أن يكون في حياته ويحتمل أن يكون بعد مماته. هذه النصوص المتشابهة، هذه القواعد التي يقولها أو الكلام الذي يقوله وهو متشابه فيه حق وفيه باطل، ما هي الطريقة المثلى حتى يحصن الإنسان نفسه من شبهات القبوريين؟

الطريقة المثلى أن ما اشتبه عليك رده إلى المحكم البين من كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم. وهذه قاعدة قرآنية: رد المتشابه إلى المحكم؛ هذا سبيل أهل الإيمان وأهل التوحيد الخالص. ورد المحكم إلى المتشابه وجعل المتشابه هو الأصل ويفسر المحكم في ضوء المتشابه، هذه طريقة الذين في قلوبهم زيغ. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: 7].

إذاً أصحاب الذين في قلوبهم زيغ هم الذين يبحثون عن المتشابهات، ثم يجعل المتشابه أصلاً لأنه يوافق هواهم، يوافق معتقدهم، يوافق بدعتهم، فيجعلون هذا المتشابه أصلاً. ثم إذا جاءت الأمور المحكمة فسروها وأولوها في ضوء المتشابه. قال صلى الله عليه وسلم: «إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم».

الأصل أن تحذر هؤلاء الذين يطرحون هذه الشبهات، لكن إذا ابتليت بهم وطرحوا عليك هذه الشبهات، فجاوبهم الجواب المجمل؛ ما هو الجواب المجمل؟ تقول ما تقولونه إن كان آية أو هذا نص، إن كان آية تقول: هذا حق كلام الله، وإن كان حديثاً وأنت لا تعرف معناه وقد لا تعرف درجته، تقول: كلام الله وكلام رسوله حق، لكني أعلم علم اليقين أن كلام الله وكلام رسوله لا يتناقض ولا يضطرب وليس فيه اختلاف.

هذا المتشابه أنا أفهمه الذي يقول له أكثر من معنى وفي من تلك المعاني معاني باطلة، تقول له: هذا الكلام حق لكني أفسر المراد بهذا المتشابه أفسره في ضوء ما أحكم لي من شريعة الإسلام. الكلام الواضح البين أنا أفسر هذا المتشابه في ضوء هذا المحكم. فإذا فعلت ذلك فأنت انتهجت منهج الحق والمنهج الصواب، منهج الراسخين في العلم، منهج أهل السنة والجماعة، وهو تفسير المتشابه في ضوء المحكم.

أريد أن أفصل في هذه القاعدة قليلاً حتى نعرف ما معنى الإحكام وما معنى التشابه؛ هناك إحكام وتشابه عام، وهناك إحكام وتشابه خاص. نبدأ بالإحكام والتشابه العام؛ مثال قال الله سبحانه وتعالى: ﴿الر ۚ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: 1]. هذا إحكام عام وهذا وصف للقرآن بأن القرآن كله محكم، فمعنى الإحكام العام معناه الإتقان، فالقرآن كله محكم كله متقن.

إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون صاحبهما؛ فإن ذلك يحزنه، أدب يعلمنا إياه نبينا صلى الله عليه وسلم من خلال النهي عن التناجي، وهو أن يستأثر اثنان بالحديث سراً دون الثالث، أو ثلاثة دون الرابع، أو أربعة دون الخامس، وهكذا؛ فإن هذا لون من إلحاق الأذى بالمسلم؛ لأنه تورث عليه بالحزن والخوف، وربما ظن أن ذلك لاحتقاره والحط من كرامته، فيزيده ذلك غماً وحزناً.

لذا حرم الإسلام التناجي كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَىٰ مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المجادلة: 10]. ومن صور التناجي المحرم أن يتكلم اثنان بلغة مختلفة لا يفهمها الثالث، أو أن يكتب أحدهما للآخر في ورقة والثالث جالس ولا يمكنه الاطلاع على ما كتب. قال النووي رحمه الله: وفي معناه أي معنى التناجي ما إذا تحدث بلسان لا يفهمه، لأن العلة موجودة.

فإذا كان الحديث دائراً بين اثنين بداية ثم أتى ثالث وأراد أن يدخل بينهما فإن ذلك لا يجوز إلا بإذنهما؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا كان اثنان يتناجيان فلا تدخل بينهما». واعلم أنه إن دعت الضرورة إلى التناجي فإنه يكون مباحاً بشرطين: الأول أن تكون هناك مصلحة راجحة على مفسدة التناجي، الثاني أن يكون ذلك بإذن الشخص الثالث ورضاه، وإلا حرم.

فالتناجي من تسويل الشيطان وتزيينه، فإذا أحسست بحزن من جراء تناجي بعض الناس أمامك فاستعذ بالله وتوكل عليه، فإنه سبحانه كافيك من كل سوء؛ قال تعالى: ﴿وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المجادلة: 10].

حياكم الله أيها الأحبة. قلنا قبل الفاصل إن القرآن قد وصف بأنه كله محكم، قال الله عز وجل: ﴿الر ۚ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾، يعني القرآن كله متقن. وهناك آية وصفت القرآن بأنه متشابه تشابه عام، إذاً هنا إحكام عام بمعنى الإتقان، ووصف القرآن بأنه متشابه تشابه عام كما قال الله عز وجل: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا﴾ [الزمر: 23].

القرآن كله متشابه، فما معنى التشابه هنا؟ معناه التماثل؛ يعني القرآن كله متماثل يصدق بعضه بعضاً، ويكون هنا معنى التشابه العام يعني أنه ليس فيه تناقض وليس فيه اضطراب. التشابه العام والإحكام العام معناهما واحد؛ تشابه العام القرآن محكم لا تناقض فيه، والإحكام العام القرآن متقن لا تناقض فيه. فمعنى التشابه العام ومعنى الإحكام أن القرآن متقن يصدق بعضه بعضاً، لا يناقض بعضه بعضاً، هذا معنى الإحكام والتشابه العام.

وهناك الإحكام والتشابه الخاص؛ إحكام خاص وهناك تشابه خاص. قال الله عز وجل: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾، وصف القرآن بأن بعضه محكم وبعضه متشابه.

الإحكام الخاص يعني أن هذا الكلام فصل بحيث لا يشتبه أحدهما بالآخر، الإحكام الخاص يعني الذي له معنى واحد والكلام فيه بين لا يحتمل إلا قولاً واحداً؛ مثل ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾، إذا كان في عدد، أو ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾، هذا إحكام خاص يعني لا يحتمل أكثر من قول. ووصف القرآن بأن بعضه متشابه تشابه خاص؛ يعني يشابه الشيء لغيره من وجه مع مخالفته له من وجه آخر، يشتبه على بعض الناس أنه هو أو هو مثله، فهذا يسمى التشابه الخاص، وهو الكلام المجمل الذي يحتمل أكثر من معنى.

طيب، عندنا إذاً كلام محكم بين لا يحتمل إلا قولاً واحداً، وعندنا كلام متشابه يحتمل أكثر من قول. الذين في قلوبهم زيغ يأتون إلى الكلام المجمل الذي يحتمل أكثر من قول، ويأتون إلى أقوال ليست هي المرادة إنما توافق الهوى، ويجعلون ذلك قولاً الذي يمكن أن يحتمله هذا الكلام وقد يكون احتمالاً بعيداً، لكن ضمن هذه يبحثون عن هذه ويأخذون بها.

طيب والكلام الحق الواضح الذي لا يحتمل إلا شيئاً واحداً يفسرونه بما يوافق ذلك الذي اختاروه من المتشابه؛ فيجعلون المتشابه محكماً، ويجعلون المحكم متشابهاً يفسرونه في ضوء المتشابه. أما أهل السنة والجماعة لا، طريقتهم لا؛ الكلام الواضح البين الذي لا يحتمل إلا قولاً واحداً هو المعتمد، والكلام الذي يحتمل أكثر من معنى، يعني ما هو المعنى الحق؟ المعنى الحق في هذا المجمل الذي يحتمل أكثر من معنى الحق هو الموافق لذلك المحكم، وهذه هي الطريقة الصحيحة.

عندنا محكمات في الدين، من هذه المحكمات التي في الدين قول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: 18]، هذا محكم، ولا ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون: 117].

﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ۚ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ﴾ [الزمر: 3]، هذا عندنا يسمى كلاماً محكماً. الكلام المحكم أن أي قول أو فعل ثبت في الكتاب والسنة أن الله أمر به أو حث على فعله أو مدح فاعله، أن هذا الأمر عبادة، والمحكم عندنا أن العبادة لا تصرف إلا لله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: 5]، هذا عندنا أمر محكم.

كل ما ثبت في الكتاب والسنة أنه عبادة فصرفه لله هو التوحيد، وصرفه لغير الله هو الشرك والتنديد، هذا أمر محكم عندنا بين واضح. الدعاء، الذبح، النذر، الاستعاذة، الاستغاثة؛ عبادات يتقرب بها إلى الله جل جلاله، فمن توجه بالدعاء إلى الأموات، ومن توجه بالاستغفار وبعث إليهم، والذبح لهم، والنذر لهم؛ هذا صرف لهم أنواعاً من أنواع العبادة، فقد وقع في الشرك؛ هذه أعمال شركية، هذا أمر محكم.

فإذا جاءنا هذا الشخص بنصوص وقال: أنا فعلي هذا تشفع، أنا فعلي هذا توسل، قال صلى الله عليه وسلم: «إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور»، يأتينا إما بأحاديث موضوعة، يأتينا مثلاً بأمور متشابهة، يأتي مثلاً بشيء قد يحتمل أكثر من قول؛ قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: 64]، هذا يأتي ويقولها: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ﴾، أنا آتي قبر النبي صلى الله عليه وسلم وأطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يستغفر لي.

أنت قد يشتبه عليك هذا الكلام، ماذا تصنع؟ ترده إلى الحق، إلى المحكم؛ المحكم أن النبي صلى الله عليه وسلم ميت: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ [الزمر: 30]، وأن بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم لا يصلح التوجه إليه بالدعاء والذبح والنذر، هذا أمر محكم. وأفسر هذه الآية: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ﴾ أي في حياتك؛ خلاص هذا هو المحكم، أو يكون يوم القيامة بين يدي الله سبحانه وتعالى يذهب الناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليشفع لهم.

هذا يكون في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ويكون في يوم القيامة، انتهى. فتفسر هذه الآية: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ﴾ أي في حياتك، وتفسر هذه الآية في ضوء المحكم. المحكم هو أن النبي صلى الله عليه وسلم في أمور الكرب، أمور الذنوب؛ إنما يكون هذا في حياته يطلب من النبي صلى الله عليه وسلم الاستغفار، أو يطلب منه النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة الشفاعة، هذا في حياة النبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا أو هناك في الآخرة.

أما يأتي إنسان فيأتينا بهذا النص الذي قد يحتمله أنه يقصد به بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم، وعندنا محكم أن التوجه إلى الأموات بالدعاء والاستعاذة والاستغفار أن هذا ممنوع، وهذا محكم.

فيجب أن نفسر هذا المتشابه في ضوء هذا المحكم؛ هكذا بهذه الطريقة يرتاح الإنسان، ويكون عند الإنسان حصانة من أهل البدع. إذا قال: "تشفع"، يعني تتوجه إليهم بالدعاء، نقول: "الله سبحانه وتعالى وهذا عندنا محكم، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ﴾ [الزمر: 3]". إنهم كانوا يعتقدون أن الله هو المنفرد بالخلق والملك، وأن هؤلاء شفعاء ويتوجهون إليهم بالدعاء، فسمى الله عز وجل هذا التوجه إليهم بالدعاء والاستعاذة والاستغفار عبادة، هذا أمر محكم.

فكيف تأتي أنت فتصرف هذا الذبح، وهذا النذر، وهذه الاستعاذة إلى هؤلاء الأموات؟ أنت تقع في صرف العبادات لهؤلاء الأموات، فلا ينفعك تسمية ذلك توسلاً أو تشفعاً؛ هذه صرف ونوع من أنواع العبادة لغير الله. هذا يسمى جواباً مجملاً أن ترد المتشابه إلى المحكم من الدين؛ أما المفصل فقد يطرح عليك بعض الشبهات، وهذه الشبهة التي يطرحها يمكن أن تجيب على كل شبهة بمفردها. من أكبر الشبهات هؤلاء القبوريون يقولون: إن مشركي العرب لم يكونوا يعترفون بالربوبية، أما نحن نعترف بأن الله هو الرب المدبر الخالق، فنحن عندما نتوجه إليهم بالدعاء والذبح والنذر والاستعاذة والاستغاثة، لا نعتقد أنهم يخلقون أو يملكون أو يرزقون، إنما نعتقد أنهم شفعاء، فكيف تساووننا بمشركي العرب؟ ونحن نقر بالربوبية ومشركو العرب لا يقرون بالربوبية.

الجواب تقول: من قال لك إن مشركي العرب لم يكونوا يعترفون بالربوبية؟ قال الله عز وجل لمشركي العرب: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ۚ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ ۚ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [يونس: 31]. ففي الجملة كانوا يقرون بأن الله هو المنفرد بالخلق والملك والرزق والتدبير.

خلق الله الإنسان مدنياً بطبعه، يألف ويُؤلف، وتكون العلاقات بين الناس يترتب عليها تأثير بعضهم ببعض، لذا قالوا: الصاحب ساحب، ومن جالس جانس وصار من جنس صاحبه. وقديماً قال الشاعر: عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ... فكل قرين بالمقارن يقتدي وكثيراً ما يدور في أذهان المربين المخلصين مجموعة من الأسئلة المتعلقة بأصدقاء الولد: مع من يمشي يا ترى؟ ومن هو صاحبه؟ ومن هو جليسه؟ وماذا يفعلون الآن؟ وفي أي شيء يشتركون؟ فقد ينشأ الولد باراً طائعاً حسن الخلق، فينقلب على أثر الصحبة والعلاقات عاقاً عاصياً، سيئ الطبع، فاحش اللسان.

لذا كان لزاماً على المربي أن يتفحص علاقات أبنائه وبناته، وألا يغفل عنها بحال، وأن يؤسس في نفوس أولاده معنى العلاقة؛ وعلى أي أساس تقوم؟ وكيف يختارون أصدقاءهم؟ فليست القضية مجرد ألفة وصحبة، وإنما قضية دين وإيمان عليها تنعقد المصائر يوم القيامة. فكل العلاقات والصداقات والزمالات الناشئة في الدنيا ستنقلب عداوة في الآخرة إلا ما كان منها مبنياً على تقوى من الله ورضوان، قال تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: 67].

فإذا رأى المربي صحبته خير دل عليها وشجعها ورعاها ودفعها إلى الطاعة، وإذا رأى صحبة شر حذر منها، وبين لأولاده سوء عواقبها وقبح نتائجها، وذلك كله من طرف خفي بأن لا يشعر الولد أنه مساق لا رأي له ولا اختيار. فإذا لاحظ المربي اتجاه الأبناء والبنات نحو تكوين صداقات عبر وسائل التواصل الحديثة، من الحسن توجيه هذه العلاقات للدعوة إلى الله، والتواصي بالحق والصبر، والتزود من المعرفة، واكتساب المهارات الجميلة، ونشر العلم النافع، كرفع مقال جميل وتشجيع كاتب متميز وغير ذلك؛ فإن من دل على خير فله مثل أجر فاعله.

حياكم الله أيها الأحبة. انتهينا من الشبهة الأولى، أنهم يقولون بأنهم لا يعتقدون في هؤلاء الأموات الخلق والملك والرزق والتدبير، وأن مشركي العرب كانوا يعتقدون فيهم الخلق والملك والرزق والتدبير، ونقول هذا كلام خاطئ، بل كان العرب يعتقدون أن الله هو المنفرد بالخلق والملك والرزق والتدبير، وإنما كانوا يدعون أولئك ليشفعوا لهم عند الله سبحانه وتعالى.

ثم يقولون شبهة أخرى: الآيات القرآنية نزلت فيمن يعبد الأصنام والأحجار، وهم يقولون: لا نعبد الأصنام والأحجار، نحن ندعو ونذبح وننذر لأولياء وصالحين وأنبياء ورسل، كيف تساوون الأنبياء والرسل والصالحين بالأشجار والأحجار؟ أولئك سماهم الله مشركين لأنهم يتوجهون بالدعاء والذبح والنذر لهذه الأحجار وهذه الأصنام وهذه الأشجار، أما نحن فنقول: نحن نتوجه للأولياء والأنبياء والصالحين.

نقول: إذاً أنتم لا تعرفون الشرك؛ الشرك بالله أن يجعل لله نداً يصرف إلى هذا الند الذبح، النذر، شيئاً من العبادة، فمن صرف له شيء من العبادة، سواء كان صنماً أو حجراً أو كان بشراً أو نبياً أو ولياً، فقد اتخذه نداً لله. فكيف يقول عاقل إن التوجه إلى الأصنام والأشجار بالعبادة شرك، والتوجه بالعبادة للبشر للأنبياء والرسل ليس بشرك؟ هذا كلام عجيب، ما يقوله إنسان يعقل أو يفهم دين الله.

ثم يقولون: إن مشركي العرب كانوا عندما يتوجهون لأولئك الموتى يطلبون منهم النفع والضر والرزق، أما نحن فنقول: إنما ندعوهم ليدعوا الله لنا، عندما نقول: "يا سيدي فلان اغفر ذنبي"، يقصدون أن هذا الدعاء مجازي، يعني: يا سيدي فلان ادع الله أن يغفر الله ذنبي، أو "يا سيدي فلان اكشف كربي"، يقصد أن تدعو الله أن يكشف كربي، ويقولون هذا تشفع مجازي، وأننا عندما نفعل ذلك إنما نقصد شفاعتهم عند الله ولا نقصد أنهم يعطون النفع والرزق.

نقول: هذه الدعوة هي دعوة المشركين تماماً؛ قال الله عز وجل: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَٰؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ﴾ [يونس: 18]. يعتقدون أن هؤلاء لا يضرون ولا ينفعون، لكن يعتقدون أنهم شفعاء عند الله، ما تقولونه أنتم؛ قال الله: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: 18]. فسمى الله عز وجل هذا الفعل شركاً، التوجه إلى الأموات، التوجه إلى الأشجار، التوجه إلى الأحجار، التوجه إلى الأنبياء والرسل؛ وإن لم يعتقد الإنسان فيهم أنهم ينفعون ويضرون بذواتهم، إنما هم شفعاء عند الله، فهذا الفعل سماه الله شركاً، وهذا يكون جواباً مفصلاً.

دائماً يكثرون من مثل هذه الشبهات، فانتبه للجواب المجمل وانتبه لهذه الشبه وترد عليها برد مفصل. يقولون: الكفار يريدون ممن يدعونهم المنفعة ودفع المضرة، ونحن لا نريد إلا الشفاعة؛ فنقول: إذاً تعلموا الشرك واقرؤوا تلك الآية التي ذكرناها قبل قليل، وأن الكفار لا يعتقدون في هؤلاء الأموات النفع والضر، وإنما يعتقدون أنهم شفعاء، وعد الله عز وجل ذلك شركاً.

قالوا مثلاً: النبي صلى الله عليه وسلم أُعطي الشفاعة، ونحن نطلب من النبي صلى الله عليه وسلم الشفاعة لأن الله أعطاه إياها، فنحن نطلب شيئاً مما هو في ملكه، مما قد أعطاه الله. تقول: نعم، لكن الله عز وجل قال: ﴿قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: 44]. فالشفاعة ملك لله، والنبي صلى الله عليه وسلم سيأذن الله عز وجل له أن يشفع يوم القيامة، سواء الشفاعة العظمى أو الشفاعة المشتركة؛ لكن انتبه، هذا الذي أذن للنبي صلى الله عليه وسلم أن يشفع، نهاك أن تطلبها من النبي صلى الله عليه وسلم وهو ميت؛ الآن تأتي تطلب من النبي صلى الله عليه وسلم الشفاعة! هذا الأمر منهي عنه؛ الذي أعطى النبي صلى الله عليه وسلم الشفاعة طلب منك أن تطلب شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم من الله، أو تأتي بالأسباب التي تنال بها شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، فتقول: "اللهم شفع في نبيك"، فتدعو الله عز وجل أن يشفع فيك نبيه صلى الله عليه وسلم، فتطلب من الله سبحانه وتعالى شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم، ولا تطلب من النبي صلى الله عليه وسلم وهو ميت.

لكن تأتي بالأسباب، تكثر من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، فكثرة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم سبب للشفاعة، هكذا؛ أما تتوجه بالدعاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وتقول: "أنا أطلب منه الشفاعة"، فهذا أمر منهي عنه، وهذا أمر شركي؛ دعاء الأموات، دعاء النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته، وطلب الشفاعة منه صلى الله عليه وسلم بعد موته، الذبح له، النذر له، الاستعاذة به، الاستغاثة به، هذا صرف عبادات للنبي صلى الله عليه وسلم لا تجوز، هذا شرك.

سيقولون: الاستشفاء بالأنبياء يجوز، لأنكم تقولون إن الاستشفاء بالحي جائز، فأنت عندما تأتي للنبي صلى الله عليه وسلم وهو حي وتطلب منه الشفاعة في حياته جائزة، ويوم القيامة عندما يُطلب من النبي صلى الله عليه وسلم الشفاعة جائز، فالشفاعة من الحي جائزة. فقالوا: إذاً والأنبياء لكونهم أحياء في قبورهم فهم يسمعون، فنحن نطلب منهم الشفاعة.

يقال لهم: هذه شبهة عجيبة، هؤلاء الأنبياء في قبورهم الله عز وجل وصفهم بأنهم أموات، وقال عن النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ [الزمر: 30]. فالنبي صلى الله عليه وسلم قد مات، ومن مات فقد انقطع عمله إلا من ثلاث، فالنبي صلى الله عليه وسلم وإن كان يسمع السلام وثبت ذلك، لكن أن النبي صلى الله عليه وسلم يُلجأ إليه الآن في قبره، يطلب منه النصر على الأعداء، يطلب منه أعمالاً كان يقوم بها في الدنيا وهو حي، يطلب منه الاستغفار، يطلب منه تفريج الكرب، قضاء الدين، هذا الكلام ما يقوله عاقل.

لا يقاس الحي، سواء في الدنيا أو في الآخرة، لا يقاس عليه الميت؛ فهؤلاء الأنبياء ماتوا وإنما حياتهم حياة برزخية، وهذه الحياة البرزخية من جنس حياة الآخرة وليست من جنس الدنيا، فلا يُطلب منهم ما كان يُطلب منهم في الدنيا. ولذلك الصحابة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم لما أرادوا الاستسقاء ما جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: "اشفع لنا عند الله"، أتوا قالوا: «كنا نستشفع بنبيك محمد صلى الله عليه وسلم ولا نستشفع بعمه»؛ فطلبوا الشفاعة من حي، فوجدوا هذا أقرب الناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم وطلبوا منه الدعاء. هذا الاستشفاء بالأموات لا يستشفع بهم كما كان يستشفع بهم وهم أحياء.

أيضاً قالوا: عندما نحن نأتي بشفعاء بيننا وبين الله، نحن نعظم الله سبحانه وتعالى. يقال لهم: أنتم تصفون الله سبحانه وتعالى بصفات ملوك الدنيا، تمثلون الله بملوك الدنيا؛ وملوك الدنيا يغيب عنهم أشياء، ويحتاجون إلى من يشفع عندهم للناس، وهم أيضاً لا يردون من شفع عندهم لأنهم يحتاجونه، تشبهون الله سبحانه وتعالى بملوك الدنيا وترون أن فعلكم تعظيم لله كما يعظم الناس ملوك الدنيا. يقال لهم: هذا كلامكم كلام خاطئ، لأن الله سبحانه وتعالى هو أعلم بخلقه جل جلاله، وهو لا يحتاج إلى شفاعة هؤلاء الشفعاء؛ إنما الله عز وجل يظهر مكانتهم يوم القيامة فيعطيهم هذا الفضل في الشفاعة، فيأذن لهم في الشفاعة لمن رضي الله عز وجل عنه وأذن بالشفاعة فيه. نكتفي في هذه الحلقة بهذا القدر، وإن شاء الله في الحلقة القادمة نفصل في موضوع الشفاعة. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وجزاكم الله خيراً.