تسجيل الدخول

المحاضرة 17 - حقيقة (لا إله إلا الله)

أبو زيد مكي القبيد. أبو زيد مكي القبي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم إنا نسألك علماً نافعاً وعملاً صالحاً وقلباً خاشعاً ولساناً ذاكراً. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا واجعله حجة لنا ولا تجعله حجة علينا يا رب العالمين.

أيها الأحبة في الله، اليوم سنتحدث عن موضوع الشفاعة وموضوع التوسل بمشيئة الله. بالنسبة لموضوع الشفاعة؛ الشفاعة معناها في اللغة مصدر من الشفع، وهو ضد الوتر، فيكون الشخص بمفرده واحداً ثم يأتي معه ثانٍ فيشفع. هذا هو معنى الشفع في اللغة، ومن المرادفات للفظ الشفاعة: الوسيلة والطلب. ومعناها في الاصطلاح هي التوسط للغير؛ الغير يكون بمفرده ويأتي هذا الشخص فيتوسط له فيصبح شفيعاً له، فهي التوسط للغير من أجل جلب منفعة أو دفع مضرة.

نريد الشفاعة المتعلقة بالله؛ الشفاعة التي تستخدم في أن تكون مع الله سبحانه وتعالى. نأخذ بعض النصوص ثم من خلال هذه النصوص نتعرف على أنواع الشفاعة المتعلقة بالله. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوا إِلَىٰ رَبِّهِمْ ۙ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: 51]. يتقون عذاب الله وهم يعلمون أنهم سيحشرون إلى ربهم وسيقفون بين يدي الله، فهؤلاء أنذرهم بهذا القرآن فإنهم يوم القيامة ليس لهم شفيع عند الله. هذه الآية فيها نفي الشفاعة، أي أن الشفاعة منتفية لا شفاعة عند الله عز وجل يوم القيامة، نأخذ منها نفي الشفاعة.

نأخذ آية أخرى قال الله سبحانه وتعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ ۚ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ * قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا ۖ لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزمر: 43-44]. هنا في هذه الآية أن الشفاعة ملك لله وحده، ولا يوجد أحد يملك الشفاعة عند الله سبحانه وتعالى؛ أم اتخذوا من دون الله شفعاء وهؤلاء لا يملكون شيئاً ولا يعقلون، ومن هذه الأشياء التي لا يملكونها الشفاعة. فالشفاعة هي ملك لله؛ ﴿قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾، لأن الله سبحانه وتعالى له ملك السماوات والأرض، لا يحتاج الله سبحانه وتعالى أن يكون لديه شفعاء، فهو مطلع على كل ما في خلقه جل جلاله، وهو مالك كل ما في خلقه، وهو مدبر لكل ما في خلقه، ليس له أعوان وليس له وزراء، لا يوجد أحد يملك مع الله عز وجل شيئاً. هذه الآية فيها إثبات أن الشفاعة ملكها ومالكها هو الله وحده.

آية ثالثة قال الله عز وجل: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: 255]. هنا أثبت أن هناك شفاعة لكن تكون هذه الشفاعة بإذن الله، أي أن هناك من يشفع لكن هذا الشافع لا يشفع إلا إذا أذن الله له أن يشفع. إذاً الآية الأولى لا يوجد شفاعة، الآية الثانية الشفاعة ملك لله، الآية الثالثة أن هناك من البشر من يأذن الله لهم بالشفاعة.

الرابعة قال الله عز وجل: ﴿وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَىٰ﴾ [النجم: 26]. هنا تتحدث عن المشفوع له، يجب أن يؤذن للشفاعة فيه لكن بشرطين: أن يأذن الله عز وجل للشافع أن يشفع، وأن يرضى الله عز وجل عن المشفوع له. فلا يشفع عند الله إلا لمن رضي الله عز وجل أن يشفع فيه. أما الذي لا يرضى الله عز وجل عنه فإنه لا يأذن أن يشفع فيه؛ الذي لا يرضى الله عز وجل عنه لا يأذن الله عز وجل لأحد من الملائكة أو من الرسل أو من الصالحين بالشفاعة لأنه لم يرضَ عنه. إذاً الله عز وجل يأذن للشافع أن يشفع، والله عز وجل يكون قد رضي عن المشفوع له أن يشفع فيه.

إذاً نقول يا إخوان، الشفاعة تفهم من النواحي التالية: أن الشفاعة ملك لله سبحانه وتعالى، لا يملك الشفاعة لا الملائكة ولا الأنبياء ولا الرسل ولا الصالحون. وهناك شفاعة مثبتة وهناك شفاعة منفية. الشفاعة المثبتة لها شروط: الشرط الأول أن يأذن الله للشافع أن يشفع، وأن يرضى الله عز وجل عن الشافع، وأن يرضى الله عز وجل عن المشفوع له. فهي ثلاثة شروط: إذن الله للشافع ورضا عز وجل عن المشفوع فيهم.

وأقسام هذه الشفاعة المثبتة تنقسم إلى قسمين: شفاعة خاصة بنبينا صلى الله عليه وسلم، وشفاعة عامة لجميع من يرضى الله تعالى لهم الشفاعة. جميع من يرضى الله عز وجل له أو يأذن الله له أن يشفع هذه شفاعة عامة. الشفاعة الخاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم أولها الشفاعة العظمى التي تكون لفصل القضاء، وهذه الشفاعة هي المقام المحمود الذي يقفه نبينا صلى الله عليه وسلم يوم القيامة.

حياكم الله أيها الأحبة، قلنا إن الشفاعة ملك لله سبحانه وتعالى والشفاعة تنقسم إلى قسمين: شفاعة مثبتة وشفاعة منفية. أما الشفاعة المثبتة هي التي تكون بشروط أهم هذه الشروط شرطان: الشرط الأول أن يأذن الله للشافع أن يشفع ويرضى له بالشفاعة، والشرط الثاني أن يرضى الله عز وجل عن المشفوع لهم. وهي تنقسم إلى قسمين: شفاعة خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم، وشفاعة عامة لجميع من يرضى الله تعالى له بالشفاعة.

الشفاعة الخاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة أقسام: القسم الأول الشفاعة العظمى التي تكون لفصل القضاء بين الخلائق في أرض المحشر، هذه مشهورة ومعروفة. الشفاعة في استفتاح باب الجنة لأهلها، فنبينا صلى الله عليه وسلم هو أول من يصل إلى باب الجنة، وتأتي الملائكة وتسأل من؟ فيجيب: محمد، فيقولون له: بك أمرنا لا نفتح لغيرك، فيشفع النبي صلى الله عليه وسلم بفتح باب الجنة لأهل الجنة، فيدخلها النبي صلى الله عليه وسلم ويدخلها بعده أهل الجنة. وشفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم في تخفيف العذاب عن عمه أبي طالب، فيشفع النبي صلى الله عليه وسلم أن يخفف عنه العذاب، هذه الشفاعة الخاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم.

أما الشفاعة العامة فهي أقسام، منها الشفاعة لأقوام قد أمر بهم أن يدخلوا النار فيشفع فيهم الشفعاء فلا يدخلونها، استوجبوا دخول النار فيشفع فيهم قبل أن يدخلوا النار فيشفعهم الله سبحانه وتعالى فيهم فلا يدخلوها. قسم آخر الشفاعة في أهل الكبائر الذين دخلوا النار بسبب كبائرهم وبدأ العذاب ينزل عليهم في النار، فيأتي الشفعاء فيشفع لهم فيخرجون من النار بشفاعة الشافعين، ولذلك الكفار عندما يرون أن هؤلاء خرجوا بشفاعة الشافعين يقولون: ﴿فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ * وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء: 100-101]، لأن هؤلاء أصدقاءهم أنبياءهم شفعوا فيهم، أخرجوا من النار بعد أن دخلوها. وهناك الشفاعة لأهل الجنة الذين دخلوا الجنة، لكن يشفع فيهم في رفعة درجاتهم في الجنة، هذا نوع من أنواع الشفاعة العامة.

أما الشفاعة المنفية فهي الشفاعة التي فيها شرك، فإنها لا تقبل عند الله سبحانه وتعالى. الله عز وجل لا يقبل أي عمل فيه شرك، والشفاعة من ضمن ذلك؛ فلا يمكن أن يقبل الله سبحانه وتعالى الشفاعة عنده ويكون فيها شرك بالله سبحانه وتعالى، أو الشفاعة التي تكون لأهل الشرك، الله عز وجل بالنسبة للمشركين لا يرضى عنهم، فلو شفع فيهم لا يسمح بأن يشفع في هؤلاء أهل الشرك، أنهم من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار. فالشفاعة التي تكون لأهل الشرك شفاعة منفية، والشفاعة التي يكون فيها شرك شفاعة منفية، لأن الله سبحانه وتعالى لا يقبل أي عمل فيه شرك، وهناك الشفاعة التي تكون بغير إذن الله ولا رضا الله سبحانه وتعالى كشفاعة البشر بعضهم لبعض، هذه شفاعة منفية لا توجد عند الله سبحانه وتعالى.

نريد أن ننبه يا إخوان أن طلب الشفاعة من الأموات على أقسام. هناك طلب الشفاعة من الأموات بدعائهم والاستغاثة بهم والذبح لهم والنذر لهم دون أن يعتقد فيهم النفع والضر بذواتهم، لا يعتقد فيهم أنهم ينفعون أو يضرون أو يملكون أو يخلقون أو يرزقون، لكن يأتي إلى قبورهم ويدعوهم ويستغيث بهم ويذبح لهم من أجل أنه يظن أن هذا تشفع، وأن هذا نوع من أنواع الشفاعة، وأن هذا الفعل مع هؤلاء الأموات سيكون سبباً لتفريج كربه، ومن الذي يفرج كربه؟ هو الله. من الذي يقضي دينه؟ هو الله. من الذي يرزقه الولد؟ هو الله. لكن يظن أن بفعل هذا جاء فرداً عند هذا القبر ففعل هذه الأفعال فيظن أن هذه الأفعال سبب لأن تشفع له عند الله في أن يغفر الله ذنبه أو يفرج الله كربه. هذا الفعل هل هو من الشفاعة المنفية ولا الشفاعة المثبتة؟ هذه شفاعة شركية، والشفاعة التي فيها شرك غير مقبولة عند الله.

كيف تطلب من الله مغفرة الذنوب بفعل شرك يغضب الله سبحانه وتعالى؟ هذا من أعجب ما يمكن أن يتصوره إنسان. الله عز وجل يبغض الشرك، الله عز وجل لا يوجد ذنب أقبح عنده من الشرك به، والله عز وجل توعد المشركين وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: 48]. الله أخبر أن المشرك لا يغفر الله له شركه، ويأتي هذا الإنسان يريد من الله مغفرة الذنوب، يريد من الله تفريج الكروب، يريد من الله سبحانه وتعالى الولد، يريد من الله سبحانه وتعالى الخير، طيب ماذا يصنع؟ يطلب من الله ويريد أن يقدم بين يدي الله شيئاً يشفع له عند الله؛ ما هو هذا الشيء الذي يقدمه؟ تقدم الشرك بالله سبحانه وتعالى، وهذه مصيبة. إذا كان الله يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿وَلَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: 65]، وقال الله عز وجل لثمانية عشر نبياً بعد أن سردهم في آيات الأنعام قال: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: 88]. الشرك يغضب الله جل جلاله، وهذا الإنسان يريد من الله المغفرة فيأتي بشيء يغضب الله، يأتي بشيء لا يغفره الله، يأتي بشيء شركي، يصرف أنواعاً من أنواع العبادة لهؤلاء الأموات ويظن أن هذا الشرك سبب الشفاعة بين يدي الله عز وجل حتى يفرج الله كربه. هذا يا إخوان من أعجب الأمور، وينبغي أن يوضح هذا الأمر بصورة واضحة جلية للناس، أن ما تفعلونه عند القبور من الدعاء والاستغاثة والذبح والنذر أنكم تظنون أن هذا تشفع، وهذا يغضب الله عز وجل عليكم، هذا سبب لأن الله سبحانه وتعالى يعذبكم بالنار، هذا سبب لفقدان الأمن فقدان الاهتداء، هذا سبب للضلال في الدنيا وفي الآخرة.

بعض الناس يزيد على هذا ليس فقط يقع في الشرك في الألوهية، بل أيضاً يتجاوز هذا في شرك في الربوبية وتوحيد الربوبية أمر مقرر في الفطر، لكن هذا يصل به الحال أن يعتقد أن هؤلاء الأموات هم يملكون وهم يخلقون وهم يضرون وهم ينفعون، ويقول: الله عز وجل ملكهم ومكنهم من ذلك، فيدعوهم ويستغيث بهم ويذبح لهم وينذر لهم في اعتقاد أن الله مكنهم من النفع والضر، وهذا شرك أكبر. الفرق بين الأول والثاني أن الأول شرك أكبر لكنه في الألوهية دون الربوبية، والثاني شرك أكبر في الألوهية والربوبية.

وبعض الناس يريد من الله المغفرة، ويريد من الله سبحانه وتعالى الرحمة، ويريد من الله الرزق، فماذا يصنع؟ يجعل شفيعاً له عند الله سبحانه وتعالى حتى يرزقه، ويتوسل إلى الله في أثناء دعائه بجاه الصالحين وبحقهم عند الله. فيقول: اللهم إني أسألك بجاه نبيك، اللهم إني أسألك بحق نبيك، اللهم إني أسألك بجاه الأولياء، بحق العباد، بحق الصالحين، فيتوسل إلى الله بهذا. وهذا نوع من التوسل بما لا علاقة للإنسان فيه، ومثال ولله عز وجل المثل الأعلى أن يأتي الإنسان إلى مدير مدرسة ويقول: أنا أريد أن أنجح في هذا العمل. قال له: ماذا قدمت؟ هل اختبرت؟ قال: لا، أخي اختبر، فأنا أسألك باختبار أخي في هذا ونجاحه أن تنجحني أيضاً. هذا ما له علاقة، أن تطلب من الله سبحانه وتعالى المغفرة بجاه الآخرين وبحقوق الآخرين، هذا جاههم هذا ملكهم هم، هذا حقهم هم، إنما تسأل الله عز وجل بعمل قد قدمته أنت.

من أعظم الأخطار التي تهدد المجتمع وتجعل بناءه هشاً ضعيفاً جهل المرأة بما تحتاج إليه من أمور دينها ودنياها وشؤون حياتها، فهي الساعد الآخر لبناء المجتمع، فالمرأة الجاهلة لا يمكنها القيام بتربية صحيحة أو إعانة أبنائها على التعلم والرقي، بل ربما أنشأتهم على أفكار خاطئة أو معتقدات فاسدة. فبالجهل تتبرج المرأة فتفتن نفسها وغيرها، وبالجهل تضيع المرأة حق زوجها وتنفره من البيت فيتفرق شمل الأسرة، وبالجهل وقعت كثير من النساء في الخرافات والسحر والشعوذة. فالواجب على المرأة أن تحرص على طلب العلم، وألا يمنعها الحياء من ذلك، فإنه لا حياء في طلب العلم، كما قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: نعم النساء نساء الأنصار، لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين.

حياكم الله أيها الأحبة. قلنا إن التوسل إلى الله بجاه الصالحين وبحق الصالحين هو طلب الشفاعة عند الله بأمر لا يملكه الإنسان ولا علاقة له فيه البتة، وأن هذا من التوسل البدعي، توسل بدعي، لا نقول إن هذا الأمر شرك أكبر، لكن هذا الأمر توسل بدعي، وهو توسل إلى الله بما لم يثبت الله، بسبب غير شرعي، فهذا يسمى توسلاً بدعياً، لكنه ينزل في قدره وفي مكانته، لا يساوى بينه وبين من يذبح لغير الله ويدعو غير الله ويستغيث بغير الله، ذاك شرك أكبر. أما هذا فهو محرم، هذه بدعة، هذا شرك أصغر لأنه قد يفضي إلى التوسل بدعائهم، يعني أن يدعو بجاههم، يتوجه إليهم هم بالدعاء، فممكن يسمى أيضاً شركاً أصغر، وهكذا.

وهناك شيء نريد أن ننبه إليه، وهو أن بعض الناس يحتال حيلاً ويقول: من قال لكم إننا عندما نتوجه إلى هؤلاء الأموات بالدعاء فندعوهم؟ من قال نحن ندعوهم مباشرة؟ من قال نحن نقول: يا سيدي فلان اغفر لي؟ لا، لا نقول هذا، نحن لا نقول مثل أولئك المشركين الذين هم صرحاء ويقولون: يا سيدي فلان اغفر ذنبي، فرج كربي، اشف مريضي، رد غائبي. أولئك صرحاء، قلنا لك هؤلاء مشركون، هذا فعلهم شرك، كيف يدعون غير الله في أمور لا يقدر عليها إلا الله؟ قلنا هذا شرك، لكن يقولون: أما نحن لا نقول مثلهم، نحن نأتي إلى الميت ونقول له: ادع الله لي بالمغفرة، أنت عندما تأتي إلى إنسان حي الوالد أو الوالدة وتقول له: ادع الله لي، هذا فيه شيء؟ عندما تأتي إلى حي وتطلب منه الدعاء فيه شيء؟ فيقولون: نحن نعتقد أن الأموات يسمعون، عندما نحن نسلم عليهم هم يسمعون هذا السلام ويسمعون كلامنا، فنحن نقول لهم: ادعوا الله لنا، أنتم صالحون، أنتم كذا، ادعوا الله لنا.

نقول: هذا وقع في شبهة، وهذه الشبهة أنه سوى هذا الميت في قبره بهذا الحي، الحي هو الذي يدعو الله لك، أما الميت فقد انقطع عمله، ليس لديه أعمال الآن، هو محتاج الدعاء منك، لكن هل هو يقوم بعمل آخر مع الله؟ هل هو يدعو الله؟ هل يصلي لله؟ هل هو يفعل هذه الأشياء؟ هو خلاص انقطع عمله، انتهى عمله إلا من ثلاث ثابتة في الأحاديث، لكن هو في قبره هل لديه أعمال الآن يقوم بها؟ الآن الدعاء يعني مناجاة الله، لا يوجد له هذه الأعمال التي يقوم بها، فهذا اشتبه عليه هذا الأمر، فإذا كان هذا فعله حقيقة وهذه الصورة خيالية، لكن لو ثبت وجود مثل هذه الصورة، فهذا يقال إنه من شرك الأسباب، وهذا يسمى شركاً أصغر.

لكن لو ثبت أنه في حدود هذه الصورة وهذا غير صحيح؛ لأنهم عندما يأتون لهؤلاء هم يموهون ويلبسون أثناء المناظرات، لكن هل هذه الصورة توجد؟ هذا الذي يأتي إلى هذا الميت يقول له: ادع الله لي؟ لا، هو يأتيه من مسافات بعيدة، وقد يمشي حافياً إليه، ويظهر رغبته ويظهر رهبته، ويظهر الخضوع والذلة بين يديه، هذه كلها عبادات، هذه كلها عبادات يقوم بها لهؤلاء الأموات، ثم يقول: أنا إنما أطلب منهم الدعاء كما أطلب من الحي الدعاء، يقال له: هذه الصورة إن حدثت وهي صورة خيالية ممكن تكون شركاً أصغر، أما الواقع فإن هذه الصورة لا تعرف إلا قليلاً، وإنما الصورة أنه يأتي ويصرف لهؤلاء الأموات هذا الذبح، وهذا النذر، وهذه الاستعاذة، وهذه الاستغاثة.

هناك شيء أيضاً نريد أن نبينه في هذه الحلقة، هناك غير كلمة تشفع يقولون: توسل، هذا الذي نقوم به توسل، ما المقصود بالتوسل؟ أن يقولون: نتوصل إلى الله سبحانه وتعالى، نتوصل إلى مرضاة الله، ويسمون فعلهم توسلاً، والتوسل كلمة مجملة يا إخوان، كلمة التوسل مجملة تحتمل معاني عديدة. من هذه المعاني أن يتوسل إلى الله بما شرعه، يتوسل إلى الله سبحانه وتعالى في مغفرة الذنب، في إجابة الدعاء بما شرعه الله عز وجل من العبادات، فيأتي بعبادات يتوسل بها إلى الله سبحانه وتعالى، أن يتوصلوا إلى الله، إلى مغفرة الله وإلى رضوان الله وإلى ثواب الله، هذا التوسل هو ثابت وهو معروف، ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ [الإسراء: 57]، هذا التوسل بالفعل المشروع، هذه هي العبادة.

وهناك توسل إلى الله بالذات والجاه، ويتوسل إلى الله بفلان، بحق فلان، بجاه فلان، بذات فلان، هذا توسل بدعي، هذا نوع ثانٍ. وهناك توسل إلى الله بفعل شركي، التوسل إلى الله بالاستغاثة بغير الله ودعاء غير الله رغباً ورهباً، الذبح والنذر والتعظيم بما لم يشرعه الله في حق مخلوق، فيأتي فيتوسل إلى مغفرة الله بالوقوع في الشرك بالله، ويخلطون بين هذا التوسل الذي فيه استغاثة بغير الله الذي هو شرك أكبر، بالتوسل البدعي الذي هو التوسل إلى الله بجاه وحق الصالحين، ويقول: نحن هذا وهذا شيء واحد، لا، بينهما فرق، هذا شرك أكبر وهذا بدعة، وذاك توسل مشروع. ينبغي لنا أن نفرق في كلمة التوسل بهذه المعاني الثلاثة.

فنقول: التوسل ينقسم إلى قسمين: توسل مشروع، وتوسل ممنوع. التوسل المشروع هو التوصل إلى المقصود في الدعاء، ماذا تدعو الله سبحانه وتعالى بالمغفرة؟ فتتوسل إلى المقصود في الدعاء المغفرة والرحمة وتفريج الكرب بوسيلة جاءت بها الشريعة، أن تتوسل إلى الله في أثناء الدعاء بوسيلة جاءت بها الشريعة، هذا توسل مشروع. فتتوسل إلى الله بأسمائه وصفاته، اللهم إني أسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى أن تغفر ذنبي، هذا توسل مشروع. يتوسل إلى الله بعمل قام به، بالإيمان وبالطاعة، اللهم بإيماني برسولك، اللهم بصلاتي، اللهم ببر الوالدين، أسألك أن تغفر ذنبي، هذا توسل مشروع. أو التوسل إلى الله بذكر حاله من شدة الحاجة، اللهم ربي إني لما أنزلت إلي من خير فقير، فتذكر حالتك، تذكر حاجتك وما أصابك من ضر وبأساء، فتريد بهذا الشرح لحالتك أن تتوسل بها إلى أن يفرج الله سبحانه وتعالى الكرب، أو تتوسل إلى الله بدعاء الصالحين الأحياء كالوالدين وغيرهما، هذا توسل مشروع.

أما التوسل الممنوع هو التوسل إلى المقصود في الدعاء بوسيلة لم تأت بها الشريعة، مثل التوسل بجاه المخلوقين، التوسل بذواتهم، سواء في ذلك النبي صلى الله عليه وسلم أو آل بيته أو غيرهم، ومن ذلك أيضاً أن أقسم على الله بالمخلوقين، فهذا من التوسل المبتدع، وهذا توسل لا يجوز، هذا توسل لا يجوز. هناك يا إخوان توسل بالإيمان بالرسل، والتوسل بالإيمان بالرسل هذا توسل جائز، توسل مشروع، أن تتوسل إلى الله بالإيمان برسله، فتتوسل إلى الله بذلك بأنك قد آمنت برسوله في إجابة الدعاء وإعطاء السؤال مشروع، أو تتوسل بذلك إلى حوز ثواب الله وجنته ورضوانه، فهذا أيضاً توسل مشروع.

وهناك توسل بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم وشفاعته، التوسل بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم وشفاعته هذا يكون بالنسبة في الحياة للصحابة، فيطلبون من النبي صلى الله عليه وسلم الدعاء والشفاعة فيدعو ويشفع لهم، هذا في حياته، أو يوم القيامة يطلب الناس من النبي صلى الله عليه وسلم أن يشفع لهم في يوم الحشر، هذا توسل بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم وشفاعته وهو حي أو يوم القيامة. وهناك نوع من التوسل في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، أن يتوسل بأن يسأل الله سبحانه وتعالى بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم ودعائه، فالنبي صلى الله عليه وسلم يدعو الله له ويشفع فيه، فيقوم هذا الرجل ويدعو الله، ويطلب من الله بدعاء بأن النبي صلى الله عليه وسلم دعا له، ويطلب من الله أن يقبل شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم فيه ودعاء النبي صلى الله عليه وسلم فيه، هذا مثل حديث الأعمى، النبي صلى الله عليه وسلم دعا له وشفع فيه، وطلب من الأعمى أن يصلي ويسأل الله سبحانه وتعالى بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم وبشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم. أما من يتوسل بدعاء الرسول صلى الله عليه وسلم وشفاعة الرسول والرسول لم يدعُ له ولم يشفع فيه، فهذا توسل بما لم يوجد، يعني تقول: اللهم إني أسألك بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يشفع فيك، ولم يدعُ لك، فهذا من التوسل الذي لم يوجد.

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، وستكون حلقتنا القادمة هي آخر حلقة في مسألة الغلو في الأولياء والصالحين ونحو ذلك، هذا وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وجزاكم الله خيراً.